‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات العلماء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات العلماء. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 24 مارس 2011

هواتف إسلامية: رجولة المسلم .. والحرّية. الدكتور/ إبراهيم أبو الخشب




مصدرها: مجلة الأزهر: شوال 1399هـ، سبتمبر 1979م

كلمة رجل من الكلمات الضخمة التي يكون لها طنينها ورنينها حينما تجري على الألسنة أو تدور عليها رحى الحديث، إلا أن اختلاف وجهة النظر تجعلها أشبه بما يطلق عليه عند علماء المنطق من مقولة التشكيك؛ لأنها تختلف باختلاف الأوساط والبيئات، فهي عند اللصوص وقطاع الطريق بمعنى غير هذا المعنى الذي يقصد إليه سواهم من الناس، وإن كانت اللغة لا تعني به إلا أنه مقابل المرأة، وربما جعلت الذي يقطع المسافة في الطريق ماشيًا على قدميه راجلا. وفي القرآن الكريم {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]، وقد رأينا الأسلوب الذي جرى عليه كتاب الله -سبحانه وتعالى- إذا أراد أن يخلع على الذكر من بني آدم لباسًا من الضخامة والفخامة، والتقدير والاحترام، والمهابة والإجلال، إذ يكون الحديث عنه أو الخطاب له مقترنًا بكلمة رجل، يجيء بها محوطة بهالة من أوصاف الكمال الإنساني الذي يتناسب مع ما تنشده الأوساط المهذبة المؤدبة والجماعات التي نضج فيها الوعي الحضاري، ونما فيها الذوق العام، وتقدمت لديها الإدراكات والأحاسيس، والشعور والوجدان، وأصبحت تنكر ما هو خارج عن ذلك كله من سمات الانحدار وخِلال الإسفاف، وأوصاف التهافت والنزول إلى مستوى السوقة من الناس، فهو يقول مثلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، ويعطي بهذا النص للرجل وسامًا من الكبرياء والعظمة والاعتزاز والفخر، والارتفاع به إلى مستوى من التعالي والخيلاء يجعله في مكانة من الفضل، إذا نظرت إليها المرأة ازداد إعجابها به وحبها له، واطمئنانها إلى أنها قد ظفرت بإنسان تطول هامتها حين تتحدث زميلاتها عن أزواجهن؛ لأن الله سبحانه وتعالى الذي جمله بالعقل، وكمله بالرأي، وخصه بجعل الزمام في يده، أسعفه بالمال الذي يلبيه عند الحاجة، والثروة التي ينفق منها عند الطلب، فلا ينالها امتهان ولا يطاردها فقر، ولا يرغم أنفها خصاصة، والرجل هو هذا الذي يكد ويجد، ويعمل ويسعى، ويتحمل المتاعب ويلاقي الهوان؛ ليوفر لامرأته السعادة كلها، ولا يستحق شيئًا من هذا العنوان إذا قصر في وظيفته، أو تخلى عن واجبه، وهكذا كان قوله جل وعلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، ويقول في موضع آخر: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، فيحيط هذه الرجولة بوصفين من أجلِّ ما تكون الأوصاف، وأحسن ما تكون النعوت، وأنبل ما تكون الخِلال أو الخصال: الإيمان وصدق العهد، وهل يملأ إنسان ثيابه اعتزازًا بإنسانيته، وفخرًا بآدميته، وتعاليًا بنفسه، وثقة بمكانه الذي يتحيزه في البيئة التي يعيش فيها أكثر من كونه مؤمنًا صادق العهد، وهما المعنيان اللذان يجعلانه واقفًا على أرض صلبة لا تهتز تحت قدميه ولا تدور به، ولا تشيع في قلبه الشك في جدارته بالحياة، واستحقاقه للعيش، وكفايته للآدمية الكريمة .. وفي نصاب الشهادة يجعل الدين الحنيف الواحد من الذكور عدل امرأتين اثنتين، فيقول: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، وهو تقدير له واعتراف بأن خصائصه ومزاياه تسلط عليه الأضواء، وتبرز به في ميدان الاعتبار والاحترام، ولا يدور بخلد أحد أن الرجولة هي الرجولة في الدين وفي غيره؛ لأن اللغة لا تفرق بين الذكر من بني آدم في حالاته المتنوعة أو أوقاته المتباينة، وإنما هو رجل في قواميسها ومعاجمها سواء اشرأبت إليه الأعناق وأكبرته النفوس ولهجت بذكره الألسنة، أم كان من هؤلاء الذين تختنق بهم الأجواء، وتلفظهم الأمكنة، وتتبرأ منهم الإنسانية، ولا تطمئن بهم الأرض .. وربما كان هذا صادقًا إلى حد ما لو أننا كنا نبحث الكلمة أو ندور معها عند اللغويين، أَمَا وهي "رجولة المسلم" فإن لها اعتبارًا آخر من غير شك؛ لأن الإسلام هذب الألفاظ، وخصص المعاني، وجاء للناس بمفاهيم جديدة أضافها إلى الحقائق وأدخلها على الأشياء، وحينما كانت الجاهلية ترى الرجولة في العضلات المفتولة والسواعد القوية، واقتحام الغارات والانتصار في الحروب، والفتك كل الفتك بالأعداء، كان لها عذرها في ذلك، وكان إحاطتها للرجولة بتلك المواصفات مقبولًا على العين والرأس؛ لأنهم كانوا يباهون بالشجاعة والإقدام، وسفك الدماء وإزهاق الأرواح، ومناعة الكلأ وحماية الوحوش، فإذا استرعى في أرضهم دخيل، أو اصطاد من صحرائهم غريب، عَدُّوا ذلك كله تطاولا عليهم، واستباحة لذمارهم، والويل كل الويل لمن تحدثه نفسه بذلك، فلما جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- بدينه الذي جاء به، وكتابه الذي جعله في (يمنه)، كانت الرجولة عنده طرازًا آخر يتنافى مع حياة الأدغال والوحوش، والعدوان الظالم، والاغتصاب القبيح، والفتك المرذول، وتجاوز الحدود تجاوزًا يخرج بصاحبه عن حدود اللياقة والذوق، ولهذا كان (في) استقبالهم له مشوبًا بالاحترام والإجلال، ولم يشكُّوا بعضًا من الشك في أنه مصلح اجتماعي من نسق لم يَدُر إلا في خيال الشعراء وأوهام الفلاسفة، ومن ذا الذي ينكر عليه تلك الوقفة النبيلة والصيحة الكريمة والدعوة المثلى، وهنا ينادي هذه الأمة ذلك النداء العظيم الذي يضعها في قمة الإنسانية من الصواب والحق، والإنصاف والعدل، والاعتدال في الرأي، والتزام الجادة الصحيحة في المعاملة: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، والرجولة تعتمد على الحق وتقوى في أجواء العدالة وبيئات الإنصاف، والله جل جلاله خلق السماوات والأرض بالحق، وجعل عمارة الدنيا بالحق، وسمى نفسه الحق، وليس هنالك مكرمة من المكارم للرجولة إليها انتساب إلا وأنت واجد الحق عمادها الذي تعتمد عليه .. وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو أبرز مثل للرجولة في الإسلام لم يكن في سلوكه إسفاف، ولا في تصرفه هوى، ولا في خلقه ضعف، ولا في حكومته جنف، ولا في سياسته التواء، ولا في معاملته ما ينفر الناس منه .. وربما كانت اللغة تطلق كلمة الفسولة على ما يقابل الرجولة؛ لأنها تجمع في ثناياها اللؤم والخسة وخصال الشر كله، فعادم الشرف، وفاقد المروءة، وناقص الذوق، وبليد الحس، وخائن العهد، وملوث العرض لا يمكن أن يكون رجلا إلا إذا تبدلت الأوضاع وانتكست المعايير وفسد المنطق وخربت الذمم، وأصبح الناس يخافون سلطان الباطل.
وكلمة إنسان تقوم مقام كلمة رجل في بعض الأوقات إلا أن الفرق بينهما دقيق؛ لأن الإنسانية رقيقة على طول الخط لا تسلك سبيل الجفوة، ولا تنحو منحى الشدة، ولا تستعين بسوط الجلاد أبدًا، وإنما هي رحمة كلها حتى مع الخصوم الذين يحاربون دعوتها، أو ينقمون عليها، وليست كذلك الرجولة التي قد تأخذ بالشدة وتلتجئ إلى العنف، وتجعل في إحدى يديها العصا؛ لأنها قد تقف موقف المؤدب أو المربي، وعلى كل حال لم تكن الرجولة في وقت من الأوقات ناعمة نعومة الحرير وأصحابها قد يحملون أنفسهم على المكروه، ويأخذون طباعهم بالعنف، ويلزمون جوارحهم بالشدة، ويتحملون في سبيل مبادئهم الأذى وهي معاناة وجهاد على طول الخط، ونسبها بعد هذا وهذا يلتقي مع الإنسانية ويمتزج بها امتزاج الدم بهيكل الإنسان، والرجل الحق أو الرجل كل الرجل هو هذا الذي يضيف إلى رجولته إنسانية حلوة يحتل بها نفوس الأخيار الذين تفيض ألسنتهم بالدعاء له والثناء عليه؛ لأن الرجولة أقصى ما تناله من المعاصرين إعجاب وتقدير، وإجلال واحترام، لكن الإنسانية معنى آخر يشبه المعاني الملائكية التي تطغى فيها الروح على العقل، ويسيطر فيها الوجدان على الفكر، وقد يعجب الإنسان إعجاب إكبار وتقدير لشيء يبغضه أو يكرهه، ولكنه لا يدعو أو يتمنى التمنيات الطيبة إلا للشيء الذي يطغى فيه الجانب الإنساني على ما عداه وهذا هو فرق ما بين الرجولة والإنسانية.

الحرية:
الحر: هو الذي لا يكون مملوكًا لأحد، ويقابله العبد وهو الذي يكون مملوكًا لسيد يتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة والوصية والرهن، وما شاكل ذلك من أنواع المعاملات التي يملكها صاحب السلعة المنقولة أو غير المنقولة.
ومن معاني الحر -كذلك- الخالص الذي لم يدخل في حقيقة تكوينه أو عناصر تركيبه عنصر أجنبي غير عنصره الأصلي، ولعل كلمة حر في الإنسان -في بادئ الأمر- كانت تعني ما في داخله من الطاقة الحرارية التي تحمله على أن يثور على الأوضاع الباطلة والأمور الشاذة، وكل ما يتنافى مع ما تتطلبه الآدمية من الكرامة والعزة والإباء والشمم، وعدم الاستجابة إلى ما من شأنه أن ينزل به عن المستوى اللائق بالإنسان الذي يتطلع إلى أن يأخذ مكانه في الوجود على قدم المساواة مع غيره من أبناء آدم وبنات حواء دونما شيء من العنف أو الشدة، وعلى هذا يظهر جليًّا معنى الكلمة، وتتضح قيمتها في موازين الألفاظ ذات الاعتبار والتقدير، وصراع البشرية في كثير من الأزمنة والأمكنة قد يكون السبب الباعث عليه أو المحرك له هو طلب الحرية للذين يفقدونها، أو الدفاع عنها والقتال دونها عند من يجدونها، أو الذين حصلوا عليها وذاقوا حلاوتها، وربما رأينا ذلك المعنى نفسه -معنى الطلب أو الدفاع- في الحيوانات الأخرى التي تقاوم الضغط، وتثور لتحديد الإقامة، وتصرخ إذا أعوزتها الحيلة في فك قيودها وتحطيم أغلالها، وتهيئة الجو الطليق الذي تنشده، والإنسان الأول الذي كان يعيش في الأدغال والأحراش مع الحيوانات لم تكن تقيده قيود في حله وترحاله، أو صحوه ونومه، فلما تطور به العيش، وتقدمت به الحياة، وطغى سُعار الأنانية كان لا بد من تهذيب هذا الانطلاق الأهوج والتحلل الطائش، وهنالك وقفت في وجهه القوانين، وَحَدَّت من نزواته الدساتير، وهذبت طموحه الشرائع، وقومت عوجه النُّظُم إلا أنها -مع هذا كله- لم تبلغ درجة تسلب فيها اختياره وتقضي على إرادته، وتجعله سلعة في رأس مال أجنبي، أو نفوذ طارئ، أو سلطان مفروض، أو قدرة تسيطر على قدرته وتهدر حقوق آدميته .. وأنت ترى إذا نظرت إلى هذا النزوع في الحيوان أو الإنسان أن هذا المعنى فطري -لا محالة- يميل إليه الطبع، ويهفو إليه دائمًا أبدًا الاستعداد؛ ولهذا فإن مهمة الشرائع أو القوانين بالنسبة إليه لم تكن أكثر من التهذيب أو التوجيه حتى لا تكون هذه الحرية مغتصبة من الغير، أو طغيانًا على حقوق الآخرين، ولا بد أن يعلم من ينشدون الحرية ويقطعون من أجلها المسيرة الطويلة، أو يتحملون الجهد الشاق أنها تشبه السيف في يد الجندي في الميدان الذي لا يحمله اعتباطًا، وإنما يكون ذلك بعد أن يتعلم كيف يستطيع أن ينال به مقاتل عدوه، ويذود عن حياض أوطانه، ويكسب به لنفسه ثم لأمته شرف الجندية الكريمة التي تجعله لبنة طيبة في بناء مجد شامخ لهذا الشعب العظيم الذي ينتسب إليه، وتعلم الأمة أبناءها مختلف أنواع العلوم الصناعية والزراعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ لتكون تلك الحرية في أيديهم سلاحًا يذودون به شرور الغاصب ومطامع المستعمر وكيد الأجنبي.
ونرى الآباء لا يمنحون هذا الحق لأبنائهم وهم في سن الطفولة وغرارة الصبا، وطيش المراهقة، فإذا ما شبوا عن الطوق، واطمأنوا إلى رشدهم وَأَنِسُوا إلى تمام وعيهم وإدراكهم، وحسن تصرفهم منحوهم إياها في ثقة وأمل، وارتياح ورغبة، طامعين في أن يكون لهم من نضوج العقل، واكتمال السن، وكثرة التجارب شفيع إلى هذا الصنيع معهم، أو باعث على المنهج السليم والقصد الصحيح، ولقد عرف العربي دون غيره من شعوب العالم بتطلعه للحرية وطلبه لها ورغبته فيها، وجهاده من أجلها، وإراقته الدماء في سبيل الوصول إليها.. والرق الذي جاء الإسلام فوجده هنالك كان طارئًا من البلاد المجاورة لهم الداخلة في نفوذ الفرس أو الرومان، ولهذا لم يلبث أن قضى عليه، وقاومه بالأساليب المختلفة، ولعل في كلمة عمر بن الخطاب -المشهورة-: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" ما يؤيد ذلك.
وإذا كان النحل ضروريًّا للعسل يحرسه من العدوان ويذود عنه الشر، ويدفع الواغل ويرد المغير، فإن الحرية تحتاج إلى من يحرسها من قوى الشر وعصابة السوء؛ لأنها لا تعطى عفوًا أو تمنح اعتباطًا أو تبذل بذلا رخيصًا، وإنما هي للمكافحين المجاهدين الذين يضعون أرواحهم على أيديهم، ولذا فقد اشتهر على الألسنة قولهم "الحرية الحمراء" كناية عن كونها لا تتحقق إلا للذين جاهدوا لها وكافحوا من أجلها، وكأن ذلك للدم الذي أريق في سبيلها، وسفك للحصول عليها، وأية أمة من الأمم لا تزعم لنفسها ولا للناس أنها وقد حصلت عليها أو تفيأت ظلالها، كانت نسبتها المئوية منها مائة في المائة، وإنما هي إلى جانب ما تنعم به منها تعاني -كذلك- كبتًا وضغطًا وتحديدًا للحركة والسكون أو القول والفعل، ومن المسلم به أن الإسلام الذي رفع لواءها وأعلى منارتها وغالى بقيمتها قد ضيق نطاقها في بعض الأحوال، وجعل الأفراد مقيدين بما ألزمهم به من التكاليف، وربطهم به من الأوامر والنواهي.
والرجل لا يسرف في ماله ولا يبذره، ولا يوصي منه بما يزيد على الثلث، ثم هو ينحى عن التصرف فيه إن كان غير رشيد، بل إن الأكثر من ذلك كله أن رجال القانون يقولون: "إن الملكية وظيفة لا حق" ويرتبون على ذلك أن صاحب المال إذا لم يحركه على وجه يفيد المجتمع، ويعود عليه بالمغانم يعزل عنه، ومثل ذلك الأرض الزراعية إذا تعطلت عن الاستغلال ووقفت عن العطاء، وليس بحد هذا القول موضع لشك في أننا -كما يقول علماء العقيدة- مجبورون باطنًا وإن كنا مختارين ظاهرًا، وعلى ذلك فنحن ننتهي من هذا الحديث الذي قدمناه إلى الاعتراف بأن الإنسان حرٌّ من عبوديته للناس، وربما كان غير حرٍّ لأنه يرسف في قيود وأغلال تحد من تصرفه وسلوكه، وقوله وفعله، وما ينال الفرد أو الجماعة من الضرر والأذى الناجمين عنه أو الحاصلين منه.
ومن هنا كان لا بد من أن نقول: إن الحرية تحتاج من الذين يتطلعون إليها ويحاولون الحصول عليها إلى تربية خاصة تقوم على ثقافة وعلم، ورأي وفكر، وأدب وذوق، وإدراك ووعي يجعلهم أهلا لها، وهي كالسيف الذي لا يكفي له أن يكون ماضيًا صقيلا ما لم تكن اليد التي تقبض عليه قوية، والعين التي ترسله ذات بصر حصيف يصرفه في مقاتل العدو وإلا فهو قطعة من الحديد يعلوها الصدأ، وتقتحمه الأعين، وتدوسه الأقدام.
والطفل الذي يربيه والده، أو يرعاه أستاذه، لا يمكن أن تبذل له الحرية جزافًا، أو تمنح له عن سخاء وأريحية دون أن يسبق ذلك ضغط وقسر، وحرمان ومنع، حتى إذا ما اطمأن أهله أنه شبَّ عن الطوق، وآنسوا منه الرشد، وتجاوز سن الرعاية والحيطة أجازوا له أن يتصرف وآذنوا له في الانطلاق من القيود والأغلال، وجعلوه في عداد الرجال الذين ارتفعت عنهم الوصاية.
والثورات التي تقوم على ظلم وطغيان، واستعمار واستغلال، وما يشبه ذلك من العبودية والعسف والقهر والسيطرة، لا تمكن للحرية كل التمكن إلا بعد أن تجتاز مرحلة من الحكم الاستبدادي تخضع به الفوضى وتكبح به جماح الطيش، وتساعدها على أن تقلم أظافر العدو، وحينئذٍ تبني الجيش وتصحح الأوضاع، وتقف على الأرض الصلبة التي لا تميد بها، أو تتزلزل من تحت أقدامها، ثم ترخي بعد ذلك كله في العنان بقدر ما، من غير أن يكون في ذلك ضرر ولا ضرار، وربما أُعْطِيَ إنسان نصيبه منها وَحُرِمَ آخر اقتضت المصلحة العامة حرمانه.
وكثيرًا ما أشفق العقلاء والفلاسفة على هؤلاء الذين ينادون بالحرية، أو يتحدثون عنها أن ينسيهم بريق الكلمة ما وراء ذلك من خطر سوء الاستعمال، أو إعطائها لغير أهلها، فإن الخير لا يكون خيرًا إلا إذا أعطي للذي يستحقه ويحسن التصرف فيه والانتفاع به

Read more ...

نبي الإسلام في مرآة الفكر الروسي. تولستوي يتحدث عن نبي الإسلام




مصدرها: مجلة الأزهر: ربيع الأول 1399هـ، فبراير 1979م.

هو الكونت ليون تولستوي ابن الجنرال تولستوي وحفيد الكونت تولستوي السياسي الروسي المتوفى سنة 1927م.
نشأ جنديا ثم اشتغل بإصلاح الهيئة الاجتماعية فأخذ يكتب القصص يودعها مذهبه حتى ذاع صيته وطبق آفاق العالم..
وتصدى لقادة الأديان وصاح بهم صيحات انتقاد وسخرية حتى اضطروا إلى الحكم بإلحاده.
لقد كان هذا الفيلسوف الروسي كاتبا منصفا، فعندما رأى تحامل أهل الأديان الأخرى على الدين الإسلام، هزته الغيرة على الحق إلى وضع رسالة عن نبي الإسلام وبعض تاريخ حياته فقال فيها:


"ولد نبي الإسلام في بلاد العرب من أبوين فقيرين وكان في حداثة سنه راعيا، يميل إلى العزلة والانفراد في البراري والصحاري، متأملا في الله خالق الكون..
لقد عبد العرب المعاصرون له أربابا كثيرة وبالغوا في التقرب إليها واسترضائها، وأقاموا لها العبادات وقدموا لها الضحايا المختلفة.
وكان كلما تقدم به العمر ازداد اعتقادا بفساد تلك الأرباب، وأن هناك إلها واحدا حقيقيا لجميع الناس والشعوب.
وقد ازداد إيمان محمد بهذه الفكرة فقام يدعو أمته وأهله إلى فكرته، معلنا أن الله اصطفاه لهدايتهم وعهد إليه إنارة بصائرهم وهدم دياناتهم وعباداتهم الباطلة.. وراح يعلن عن عقيدته وديانته.
وخلاصة هذه الديانة التي نادى بها هذا الرسول هو أن الله واحد –لا إله إلا هو- ولذلك لا يجوز عبادة غيره.. وبأن الله عادل ورحيم بعباده, وأن مصير الإنسان النهائي متوقف عليه وحده، فإن الله يؤجره في الحياة الآخرة أجرًا حسنا.. وإذا خالف شريعة الله وسار على هواه فإنه يعاقب في الآخرة عقابًا أليمًا.. وأن الله تعالى يأمر الناس بمحبته ومحبة بعضهم بعضا، ومحبة الله تكون بالصلاة، ومحبة الناس تكون بمشاركتهم في السراء والضراء... وأن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر يقتضى عليهم أن يبذلوا وسعهم في البعد عن كل ما من شأنه إثارة الشهوات النفسية والابتعاد عن الملذات الدنيوية.. وإنه يحتم عليهم ألا يخدموا الجسد ولا يعبدوه، بل عليهم أن يخدموا الروح ويهذبوها..
ومحمد لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد بل اعتقد أيضًا بنبوة موسى وعيسى، وقال إن اليهود والنصارى لا يُكرَهون على ترك دينهم.
وفي سني دعوته الأولى احتمل كثيرًا من اضطهادات أصحاب الديانة القديمة شأن كل نبي قبله نادى أمته إلى الحق ولكن هذه الاضطهادات لم تثن من عزمه بل ثابر على دعوة أمته..
وقد امتاز المؤمنون كثيرًا عن العرب بتواضعهم وزهدهم في الدنيا وحب العمل والقناعة وبذلوا جهدهم في مساعدة إخوانهم في الدين عند حلول المصائب بهم.
ولم يمض على جماعة المؤمنين زمن طويل حتى أصبح الناس المحيطون بهم يحترمونهم احتراما ويعظمون قدرهم.
وراح عدد المؤمنين يتزايد يوما بعد يوم.
ومن فضائل الدين الإسلامي أنه أوصى خيرًا بالمسيحيين واليهود ورجال دينهم، فقد أمر بحسن معاملتهم.
وقد بلغ من حسن معاملته لهم أنه سمح لأتباعه بالتزوج من أهل الديانات الأخرى.. ولا يخفى على أصحاب البصائر العالية ما في هذا التسامح العظيم..
ثم ختم كلمته قائلا:
لا ريب أن هذا النبي من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمته برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسلام وتكف عن سفك الدماء وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرا أنه فتح لها طريق الرقي والتقدم وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أوتي قوة وحكمة وعلما..
ورجل مثله جدير بالإجلال والاحترام.


ولقد كانت آراء هذا الفيلسوف الروسي موضع تقدير الأستاذ الشيخ محمد عبده فكتب لهذا الفيلسوف يقول:


أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي:
لم نحظ بمعرفة شخصك ولكنا لم نحرم التعارف مع روحك سطع علينا نور من أفكارك وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها وإلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء هذا الوجود لينبت بالعلم، ولأن تكون ثمرته تعبا ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويربي جنسه، وشعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، ولَمَّا استعملوا قواهم التي لم يمنحوها إلا ليسعدوا بها، فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم.
ونظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد، ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه، فكما كنت بقولك هاديا للعقول كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم، وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي بها الضالون كان مثلك في العمل إماما يقتدي به المسترشدون، وكما كان وجودك توبيخا من الله للأغنياء كان مددا من عنايته للضعفاء الفقراء، وإن أرفع مجد بلغته، وأكبر جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سماه الغافلون بالحرمان والإبعاد فليس ما حصل لك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس أنك لست من القوم الضالين فاحمد الله على أن فارقوك في أقوالهم كما كنت فارقتهم في عقائدهم.
هذا وإن نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك.
وإنا نسأل الله أن يمد في حياتك ويحفظ عليك قواك ويفتح أبواب القلوب لفهم قولك، ويسوق النفوس إلى التأسي بك في عملك والسلام

Read more ...

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

هجرة القلوب. للشيخ محمد صابر البرديسي

عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). رواه البخاري ومسلم.
في مطلع كل عام قمري يحتفل المسلمون بهجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، وحق للمسلمين أن يحتفلوا بها، فقد كانت حدثا عظيما في الإسلام، وموطنًا لكثير من العبر والذكريات التي ينبغي أن يحرص المسلمون عليها.
لقد حولت هذه الهجرة حال المسلمين، فبعد أن كان المسلمون في قلة وضعف، وكانت قريش تضيّق عليهم، وتقعد لهم كل مرصد، وَتَضِيقُ بهم ذرعا، ولا تطيق عليهم صبرا، أصبحوا في قوة ومنعة، وعزة وطمأنينة، وصارت لهم دولة، ائتمرت قريش بالدعوة، وأرادت أن تتخلص منها في شخص صاحبها "محمد" -صلى الله عليه وسلم- فأطلعه الله على ما ائتمرت به، وأوحى إليه بالهجرة، فخرج مع صاحبه أبي بكر بلا جيش ولا عدة، والأعداء من كل جانب يتربصون به ويترقبونه.
كانت القوة المادية والطغيان الغاشم في جانب، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعه الحق في جانب، فآزره الله وأعزه ونَصَرَه، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا.
والعبرة في هذه الهجرة أن المسلم متى آمن بالحق عن يقين واقتناع، وثبت على المبدأ، وضحى في سبيله بالمال والأهل وما ملكته يداه كان النصر حليفه، وفاز بسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. [سورة الروم: 47].
والإسلام دين القلوب والنوايا الصادقة المخلصة، لا دين المظاهر الكاذبة، والعناوين الخادعة، والأقوال البراقة.
وإذا كانت هجرة بعض الناس لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، ليس فيها اتجاه إلى الله، ولا نية ابتغاء وجهه فهجرته إلى ما هاجر إليه.
أما المؤمن الصادق فهجرته تكون خالصة لله وحده يبتغي بها مرضاة الله ورسوله، صفت بها نفسه، واطمأن لها قلبه، وتمحضت هجرته لوجه الله الكريم،
ومن كان كذلك فهجرته إلى الله ورسوله، يتولاه الله برعايته، ويمده بإحسانه وتوفيقه، وتتنزل عليه السكينة، ويؤيده الله بجنود لا تُرى، ويعيش سعيدا موفقا للخيرات معانا عليها.
قال ابن عباس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة فأمره الله بالهجرة وأنزل عليه {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا}. [سورة الإسراء: 80].
قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق.
ويقول أنس: "شهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا".
وكانت نتيجة الهجرة إعزازا لدين الله ونصرا لرسوله، ودخول الناس في دين الله أفواجا.
وقد حدثنا الرواة عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها "أم قيس" فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه "مهاجر أم قيس".
ومن الناس من يؤدون العبادة تظاهرا، ويفعلون ما يفعلون؛ ليظهروا أمام الناس بمظهر المؤمنين العاملين، ولهذا يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمال بالنيات))، فمن كان الله قصده فله ما قصد، ومن كان الناس قصده فله ما قصد، ومن كانت الدنيا قصده فله ما قصد.
والمؤمن يعيش حياته في هجرة إلى الله ورسوله، يهاجر إلى الله بعلمه، ويهاجر إلى الله بعمله في كل وجه من وجوه الخير، بل إن عبادته كلها على اختلاف أنواعها هي أعمال تتسم بالهجرة إلى الله، والإنابة إليه، والاتّصال به، فهو مهاجر إلى الله في كل ميادين الحياة.
والجهاد في ميادين الحياة، والنية الخالصة لوجه الله يسدّان مكان الهجرة في الأجر، والهجرة من بلد الشرك إلى بلد الطاعة، والهجرة لصالح الإسلام والمسلمين، والهجرة لملاقاة العدو هجرة لا تنقطع، ولا ينقطع أجرها، وستبقى إلى قيام الساعة.
يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الهجرة لا تنقطع ما دام الجهاد)). رواه أحمد.
وعن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت، طبع على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل)).
قال صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)) رواه أحمد والنسائي.
لا هجرة بين مكة والمدينة بعد الفتح، لكن جهاد ونية يسدان مكان الهجرة في الأجر.
لقد ارتبطت الهجرة بالجهاد ارتباطا وثيقا فالذين هاجروا من مكة إلى المدينة، تركوا ديارهم وأموالهم، وبقيت ديارهم بمكة خالية تضربها الرياح ثم جاهدوا مع رسول الله وعرضوا أنفسهم للهلاك، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من كان ينتظر.
ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يهاجر هربا ولا ضعفا، وإنما هو أمر الله الذي قضى أن تكون الهجرة بداية مرحلة جهاد ومواجهة، وإن كان الإيذاء سببا من أسبابها قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ}. [ سورة البقرة: 218].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. [سورة الأنفال: 74].
وإنما وصل المهاجرون إلى هذه المنزلة؛ لأنهم هاجروا وجاهدوا، كما أن الأنصار بلغوا منزلة عظيمة؛ لأنهم آووا ونصروا.
ولئن كانت الهجرة قد فاز بها الأولون، ولم يعد بعد الفتح هجرة، فإن المسلم مأمور بالهجرة الروحية، والاتصال بالله في كل أحواله والفرار إليه في كل زمان ومكان، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}. [سورة الذاريات: 50].
والفرار إلى الله انتصار حتى ولو انتهى بالموت أو القتل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. [سورة الحج: 58].
والمبادئ مهما كانت كريمة فهي لا تنتصر وحدها، بل لا بد لها لكي تنتصر من جهاد مرير، وكفاح شاق، وعمل منظم، وتدبير محكم.
والمسلمون اليوم في حاجة إلى هجرة القلوب، والعمل الجاد، والتضحية في سبيل الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. [سورة العنكبوت: 69].

والله الموفق.
Read more ...

ذكرى الهجرة النبوية

للأستاذ/ محمد فريد وجدي. إعداد وتقديم/ عبد الفتاح حسين الزيات

إنه ليومٌ مبارك الطلعة ميمون العودة، ثَرٌّ بالجهاد، عامر بمكارم الأخلاق، زاخر بالبطولات، يُذَكِّر المسلمين بنصر عقيدتهم وإشعاعها في كل مكان، فكانوا بحقٍّ خيرَ أمة أُخرجت للناس، وإنهم لكذلك ما مارسوا أوامر دينهم وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.

قال الكاتب رحمه الله:

إن فاتحة كل عام من أعوام السنة القمرية تثير في نفوسنا ذكرى الهجرة المحمدية من مكة إلى المدينة المنورة، وتثير معها ذكريات أخرى لآيات وعبر تزداد على مرِّ الأحقاب عظمة، وتكسب على نسبة تقدم العلوم وتتابع الحوادث جلالا وروعة.
لما شَرَّف الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- برسالته إلى الناس كافة، أخذ يدعو إلى الإسلام سرًّا، فاتخذ دار الأرقم بن أبي الأرقم للاجتماع فيها بمن يؤمن به، فكان يوافيه السابقون إلى قبول دعوته، فيبلغهم ما ينزله الله عليه من الوحي.
لبث على تلك الحال مدة، ثم أمره الله أن يدعو إلى دينه عشيرته الأقربين، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس، فدعاهم إليه وبشرهم وأنذرهم، فرد عليه جمهورهم بكلام لين إلا عمه أبا لهب، فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن يجتمع عليه العرب، فإن أسلمتموه ذللتم، وإن منعتموه قتلتم، فقال عمه أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا، وانصرف الجمع.
ثم أمر الله رسوله بأن يدعو الناس كافة واعدًا إياه بأن يحفظه من كيد الكائدين، فأنزل عليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، وقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ* الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 94، 95، 96].
فاضطلع -صلى الله عليه وسلم- بما حَمَّله ربه من أعباء الرسالة أحسن اضطلاع، فلم يَدَعْ وسيلة إلا قام بها، فأغضب ذلك قريشًا وهي قبيلته التي يعتزي إليها، فشرعت في صدِّه عما هو فيه من طريق المحاسنة أولا، ثم بالإغراء بالمال والجاه ثانيًا، فلما لم يرفع بمسوّلاتها رأسًا، ولم يُقم لها وزنًا، عمدت إلى الاستهزاء به والتشنيع عليه، ثم إلى اضطهاده واضطهاد الذين اتبعوه، واستهترت في ذلك بما أملته عليه جاهليتها.
فلما اشتد على المسلمين الأمر، وضاق عليهم الخناق، أذن الله لهم في التفرُّق في الأرض هربًا بدينهم، وأشار عليهم النبي-صلى الله عليه وسلم- بالهجرة إلى الحبشة، فخرجوا ولم يبقَ مع رسول الله إلا القليل.
في هذه الأثناء أسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلا شديدًا مهيبًا، فكسب المسلمون بإسلامه قوة.
فخاف المشركون أن يفلت الأمر من أيديهم، فأجمعوا أمرهم على أن يعتمدوا على أقسى الوسائل في قمع حركتهم، فرأوا أن يطلبوا إلى عشيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم من ذكرنا آنفًا، أن يسلموه لهم، فلما أبوا عليهم ذلك قرروا مقاطعتهم، واجتمع قادتهم وكتبوا عهدًا بذلك ووضعوه في جوف الكعبة، فرأى عشيرته أن ينتقلوا إلى شِعْب أبي طالب، فدخلوه جميعًا، وبقوا فيه ثلاث سنين حتى نفدت أقواتهم وأكلوا ورق الشجر، فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما حلَّ بأصحابه وعشيرته أمرهم بأن يهاجروا إلى الحبشة ثانية، فهاجر منهم إليها ثلاثة وثمانون رجلا وثماني عشرة امرأة، فأرسلت قريش وراءهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ليكيدوا لهم كيدًا عند النجاشي، فلم يرفع بسعايتهم رأسًا.
ولما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالشِّعب مع عشيرته، وصل إلى مكة وفدٌ من نصارى نجران باليمن، فلما رأوا أمارات النبوة عليه وما يتحمله من الشدة في سبيل الدعوة إلى دينه، أدركوا أنه رسول الله حقًّا فآمنوا به، وكان عددهم عشرين رجلا، ورجعوا إلى قومهم.
فلما نما إلى قريش أن رجالا من أهل المدينة اتصلوا سرًّا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وآمنوا على يده وأخذوا يدعون قومهم للإيمان به، وأن المسلمين شرعوا يهاجرون إليهم زرافات ووحدانا، سرًّا وعلانية، أدرك القرشيون أن الساعة قد أزفت لتنفيذ ما أضمروه من قتل رسول الله وتفريق دمه في قبائلهم، فأوحى الله إليه بما بيَّتوه له من الشر، وأمره أن يهاجر إلى المدينة، فصدع النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمر ربه، وخرج إليها هو وأبو بكر ليلا، فلما أدركهما الصبح اختفيا بغار موحش في الطريق، موقنين أن المشركين سيتعقبونهما، ولما أمنا الطلب خرجا منه وتابعا طريقهما حتى وصلا إلى المدينة، فاستقبلهما أهلها باحتفاء عظيم، وكان الإسلام قد استبحر فيها، فاتخذها -صلى الله عليه وسلم- مقرًّا لدعوته، وجعل أهلها أنصارًا له، وقبلوا هم أن يدافعوا عنه بأموالهم وأرواحهم مَن يقصده بسوء ولو تألب عليه العالم كله.
هذه حوادث فذَّة في تاريخ الإنسانية، لا يجوز إغفال النظر فيها، وبخاصة تحت ضوء العلوم الاجتماعية، فقد أبانت نواحي إذا جُلِّيَت تَجَلَّت منها آيات بينات تستصغر بجانبها أكبر حوادث التاريخ، وتصبح من أقوى الأدلة على صحة الرسالة المحمدية، ونحن نبينها في ثلاثة فصول:
أولها: ظهور دعوة عامة للأمم كافة من بيئة لم تنضج بعد حتى لدعوة خاصة.
ثانيها: تطوع طائفة لا يزيد عددها على بضعة ألوف للدفاع عنها حيال العالم كله ونجاحها في ذلك.
ثالثها: تحقق ما وعد به الكتاب الكريم هذه الطائفة من النصر ومن تبوؤ خلافة الله في الأرض.
فيحسن بنا أن نتولى النظر في هذه الآيات الثلاث، فنقول:

نجاح دعوة عامة في بيئة لم تنضج لدعوة خاصة:
قرر العلم الاجتماعي أن المجتمعات أول ما تنشأ تكون على حالة قبائل متعددة متباينة في الأخلاق والعادات، فتبقى على ما هي عليه قرونًا حتى يحدث لها بفعل عوامل التطور ما يدفعها إلى التوحد، فتنشأ منها أمة ساذجة، فلا تزال تعركها الحوادث، وتقوِّم من أودها، وتقوي من روابطها قرونًا أخرى حتى تصير أمة مستحصدة العرى، قوية البنية، تصلح للكفاح والغلب، وعلى هذا الترتيب التدريجي تظهر فيها المبادئ والأصول الأدبية، فلم يشاهد قط أمة تتكون تكونًا فجائيًّا على أكمل ما تكون قوة وصلابة، ولا أمة كانت مجردة من المبادئ والأصول، تنهض بغتة لتملي على العالم أرفع الأصول وأكمل المبادئ، وتنجح في ذلك نجاحًا لا مرمى بعده في سنين معدودة.
العالم كله يعلم أن العرب كانوا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- على مثل ما كانوا عليه منذ أجيال كثيرة: قبائل متفرقة، وأوزاعًا متنافرة، لا يوحد كلمتَهم دينٌ، ولا تضم نشرهم جامعة، وكانت بينهم حروب متوارثة، وإحن وثارات قائمة على اعتبارات جاهلية موبقة، عاشوا كل تلك الأجيال على هذه الحال معتبرين ما كانوا فيه من مفاخرهم، لم يقم فيهم من يدعوهم لتوحيد كلمتهم، ولا لتحديد وجهتهم وتعيين غايتهم، ولم يكن في طبيعة بلادهم وقحولة بيئتهم ما يضطرهم إلى حياة مشتركة تعم جنسهم كله، لم يكونوا -وهم في أمية مطبقة- ليتأثروا بحاجات عقلية تدعوهم للنظر، وتجبرهم على التفكير، ثم تحفزهم إلى تغيير ما هم فيه من الجمود على عقائد باطلة، وتقاليد ضارة.
فلما أُرسل إليهم محمد -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق، أنكروه ولكن أي إنكار، وثاروا عليه ولكن أية ثورة، فرموا رسول الله بالافتراء والاختلاق، وبالسحر وقول الشعر، بل بالجنون.
وقد حكى الله بعض ما واجهوا به الدعوة الإسلامية، فقال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص: 4، 5، 6، 7]، وقال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ* وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} [سبأ: 43، 44]، وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ* أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [سبأ: 7، 8]، وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 41، 42]، وقال تعالى: { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان: 7، 8].
فكان الحق جل وعلا وهم في موقفهم هذا يداول لهم بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، ويضرب لهم الأمثال، ويدعوهم للنظر والاعتبار، فلم يزدادوا إلا عتوًّا واستكبارًا، ونفورًا من الحق وإنكارًا، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- تكاد تذهب نفسه حسرات عليهم، فيمده الله بالآيات تهدئة لقلبه وتأسية له بالرسل من قبله، من مثل قوله تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: 43]، وقوله تعالى: { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 34، 35].
هذه كانت حال البيئة التي أُرسل فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- من الاستعصاء عن قبول دعوته، والتمادي في مناوأته، حتى قررت قتله والتخلص منه، فأطلعه الله على ما بيَّتوه له من الشر، وأمره بالهجرة إلى المدينة بعد أن لبث فيهم ثلاث عشرة سنة لا يألوهم نصحًا، وليس بعد هذا دليل على أن تلك البيئة لم تكن مستعدة لإحداث أي انقلاب في حالتها الاجتماعية والأدبية، وفي هذا الاستعصاء أكبرُ ردٍّ على الذين يقولون إن العرب كانوا على وشك تغيير ما هم عليه من الحالة النفسية، فلما قام محمد -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة فيهم اتبعوه وأيدوه.

تطوع طائفة للدفاع عن الدعوة الإسلامية:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عمد -بعد أن يئس من قومه- أن يعرض نفسه على القبائل التي كانت تأتي إلى مكة للحج أيام الموسم، فكانوا لا يأبهون لدعوته، فاتفق أن قابل فيمن قابلهم رجالا من الأوس والخزرج سكان المدينة، فاستحسنوا دعوته ووعدوه بعرض أمره على قومهم، فحضر خصيصًا لهذه الدعوة في العالم التالي نحو سبعين رجلا منهم، فاجتمعوا في جنح الظلام في شِعب من شعاب مكة، وقبلوا أن يدخلوا في الإسلام وأن يدافعوا عنه ولو أداهم ذلك إلى مكافحة العالم أجمع وجر ذلك إلى فنائهم جميعًا، ثم قالوا: وما لنا على هذا كله؟ فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: لكم الجنة، قالوا رضينا. وانصرفوا على أن يهاجر إليهم هو ومن بقي بمكة معه من أصحابه، وأن يستدعي من ذهب إلى الحبشة منهم ليوافوا إخوانهم بالمدينة، ثم انفضوا عن ذلك.
هنا أربع آيات من أكبر ما استجلاه للناس من آيات الله في خلقه:
أولها: قبول قبيلتين من قبائل العرب اليمانية دعوة يقوم بها رجل من قبيلة عدنانية، على ما كان بين هاتين الفئتين من التنافس والتنافر في تاريخهما كله، ومعنى قبولهما دعوتَه خضوعُهما لسلطانه، وهذا ما كان ليحدث بين قبيلتين تَمُتّ إحداهما للأخرى بصلة القرابة، فكيف به بين فريقين متنافسين؟!
ثانيها: اضطلاع طائفة من الناس لا يزيد عدد آحادها على بضعة آلاف بعبء خطير يعرِّضها لمعاداة جميع قبائل العرب، بل شعوب الأرض كافة.
ثالثها: اطمئنان هذه الطائفة إلى الإسلام إلى حدِّ معاداة العالم كله في سبيله، ولم تمضِ عليهم فيه حقبةٌ من الدهر تكفي لأن تطبع نفسياتهم بطابعه وتحبب إليهم بذل أرواحهم في نصرته، هذه طفرة لم يُشاهَد لها مثيل في تاريخ النفسية الإنسانية.
رابعها: رضاء هذه الطائفة بالجنة جزاءً على هذه التضحية، فلا الملك ولا سلطانه ولا الدنيا ولا ملذاتها كانت لديهم شيئًا يمكن أن يعوقهم من إجابتهم دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
لا مشاحة في أن هذه آياتٌ يجب أن يراها الناس ويتأملوا فيها، فإنها من أدل الدلائل على التأييد الإلهي لرسوله، ومن أقوى الشواهد على أن النبوة أمرٌ تخرق له سنن الكون، وتخضع له قواه ونواميسه.

تحقق ما وعد الله به رسوله من النصر:
إن شئت أن تشهد آية هي أكبر وأجل آيات الله في عباده، فاشهد أن قام رجل في جماعة أُمِّيَّة، في أحطِّ دركات الجاهلية، يدعوها لأن تجتمع على دين لا عهد لها بمثله، يخلعها عن أكثر عاداتها، ويمتلخها عن أثبت موروثاتها، ويقيمها على نهج جديد لم تعهده في جميع أدوار تاريخها، فينجح في ذلك نجاحًا لم يقدر مثله لمصلح كان قبله أو جاء بعده.
تقول دائرة معارف لاروس في عرض كلامها عن الإصلاحات الاجتماعية: "إن المبادئ الجديدة والأصول الطريفة لا يمكن أن تسري في نفسية أمة من الأمم بمجرد بثها فيها، ولكن لا بدَّ من مرور أجيال متعاقبة عليها قبل أن ترسخ في نفسيتها وتصبح حالا لها، وتصدر أعمالها عنها".
نقول: هذا ما قرره العلم، ودلَّت عليه التجارب الإصلاحية في الأمم، ولكن الدعوة الإسلامية -على سمو أصولها عن كل الأصول المعروفة إلى اليوم- قد قبلتها الطائفة التي انتدبت لحمايتها، وقامت على سنتها طفرة، فتأدت بها إلى السيادة على الأرض، وهذا وحده من أكبر المعجزات في نظر العلم الاجتماعي؛ لأنه ينقض أكبرَ ناموس فيه وهو ناموس التطورات التدريجية.
وقد أشار الكتاب نفسه إلى جلالة هذا الأمر، فأضافه إلى محض قدرة العزيز العليم إكبارًا لشأنه، وإعظامًا لخطره، فقال تعالى: { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 64].
إننا نذكر كل هذه الحوادث الكِبَار كلما عنت فرصة لذكرها؛ لأن الأمر أكبرُ من أن تكفي فيه البحوث المستفيضة والتحليلات الدقيقة، فغرابته وإعجازه يتجددان بزيادة مادة العلم وتوالي العبر العالية.

وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين
Read more ...

في الهجرة فقه وقيم ومثل. لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر

لم تكن هجرة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة حدثًا من الأحداث العابرة التي تطوى في سطور الصحف، أو تطمر في غمار الأحداث، ولكنها أكبر وأجل وأعظم من كل حادثة أو حدث؛ لأنها تمثل تحولًا بالدعوة وتوسعًا في مجالاتها، ودعمًا لمقوماتها، وحركة وفكرًا وحياة، انبعثت تُذْكِي الروح المعنوية لجماهير المسلمين المقيمين في المدينة، والذين كانوا يترقبون بزوغ نور الإسلام على يثرب بقدوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليها واتخاذها مقرًّا للدعوة الإسلامية.
كانت الهجرة بداية انطلاق إلى آفاق تتسع فيها الدعوة وتسعى وتنتشر، وتعم الجزيرة العربية وما حولها، ولتصبح المدينة قاعدة الدولة والدعوة.
في الهجرة برزت أخلاق ومبادئ، كما كان فيها أمور خارقة لما اعتاده الناس، فقد أيَّد اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- في هجرته بجنود لم يبصرهم الناس كما قال في كتابه في سورة التوبة: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا}. [التوبة: 40].

قيم برزت بالهجرة:

وكان في الهجرة تلك الصداقة الصادقة التي تخلت عن المال والأهل والولد في سبيل الصحبة، تلك هي صداقة وصحبة أبي بكر -رضي الله عنه- وفداؤه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وترتيب وتدبير أمر الرحلة المباركة وعمالها من أولاد أبي بكر وعماله.
كانت كل تحركات أبي بكر حال رحلة الهجرة تشير إلى حرصه على سلامة صاحبه وبلوغه مقصده، فهو يرتاد الطريق ويمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، ومن ثَم فقد برزت في الهجرة قيم الإيمان العميق بمبادئ الحق والعدل والخير والوفاء النادر.
وذلك كله سمو في الخُلُق الإنساني وبعثٌ للثقة في قدرة الإنسان -متى استقام على طريق الله- على النهوض بالأعباء التي أناطها الله به حين استخلف في الأرض، وهي إقامة الدين الحق الذي يصون الأمن ويُشيع الإخاء والمودة.
فِقهُ التجربة برز ظاهرًا واضحًا في تحديد المهام لكل المعاونين في نجاح الهجرة:
ومن فقه الهجرة جواز الاستعانة بغير المسلم فيما يحسنه مما يلزم المسلمين؛ فقد اختير دليل الرحلة خبيرًا يعرف دروب الصحراء، وكان غير مسلم.
بهذه الهجرة نشأت الدولة بعد أن أقيم المسجد وعقدت المعاهدات وتوالت التشريعات وتوالى النصر والانتصارات حتى دخلت الجزيرة كلها في دين الله.
كان الإسلام دعوة ودولة ولَحِقَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- برحاب الله راضيًا مرضيًّا.

التأريخ للدولة:
وكان لا بد لهذه الدولة من سمة وتاريخ، ولم يكن للمسلمين ثمة قرار باتخاذ حدث معين يعتبر تأريخًا للدولة.
فقد نقَلَت كتب التاريخ أن التأريخ جرى على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببدء بعثته بهذا الدين، حتى كانت إمارة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد كتب أبو موسى الأشعري إليه أنه "يأتينا من قِبَل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ فلا ندري على أيها نعمل".
وروى ميمون بن مهران قال: "رُفِع إلى أمير المؤمنين عمر صَكٌّ محله شعبان فقال: أي الشعابين هو؟ الذي مضى أو الذي نحن فيه أم الآتي؟"
وقال قرة بن خالد: "كان عند عمر عامل جاء من اليمن فقال لعمر: أَمَا تؤرخون؟ إني رأيت باليمن شيئًا يسمونه التاريخ، يكتبون من عام كذا وشهر كذا.
فقال عمر: إن هذا لحسن فأرِّخوا".
وفي رواية أخرى أنه جمع وجوه الصحابة فقال: "إن الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير موقت -أي مؤرخ- فكيف التوصل إلى ما يضبط به ذلك؟ فقال قائل: اكتبوا على تاريخ الروم. فقيل: إنه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين. فأراد عمر والناس أن يكتبوا من مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ثم قالوا: من عند وفاته. ثم قالوا: من مولده. وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: منذ خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يعني يوم هاجر. فاتفقوا على أن يكون المبدأ من سنة الهجرة.
وقد كانت هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة في ربيع الأول.
فقال: بأي شهر نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقالوا: رجب فإن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه.
وقال آخرون: شهر رمضان. وآخرون قالوا: شهر ذي الحجة؛ لأن فيه الحج. وآخرون قالوا: الشهر الذي خرج فيه مهاجرًا. وآخرون قالوا: من الشهر الذي قدم فيه المدينة، وقد كانت الهجرة في شهر ربيع الأول. فقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أرخوا من المحرم أول السنة وهو شهر حرام وأول الشهور في العدة وهو منصرف الناس من الحج. فلما عزموا على تأسيس التاريخ الهجري حسبما اقترح عثمان رجعوا ثمانية وستين يومًا، وجعلوا التاريخ من أول محرم هذه السنة، ثم أحْصَوا من أول يوم في المحرم إلى آخر عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان عشر سنين وشهرين، وأما إذا حسب عمره من شهر الهجرة الحقيقية -ربيع الأول- فيكون قد عاش في المدينة تسع سنين وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا".
وعمر -رضي الله عنه- بهذا هو واضع التاريخ الهجري ومؤصله، ولم يكن هذا التاريخ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا يدلنا على أن أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قدروا أثر الهجرة وما تلاها من نصر للإسلام، وانتشاره، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فكانت بحق دنيا وحياة ودولة، ولم تكن حدثًا من الأحداث وإنما كانت نصرًا من الله: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. [التوبة: 40].

وبعد:

أليست الهجرة حَرِيَّةً بأن تكون ظاهرة بارزة، وتكون تأريخًا للمسلمين يُتوِّجون بها أيامهم وتاريخهم؟
- بلى.
ثم أليس في هذا التاريخ حجة على أولئك الذين يَصِمُون كل أمر لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه بدعة؟
ثم أليس عمر هو الذي جمع الناس على صلاة التراويح عشرين ركعة حين رأى إقبال الناس على صلاتها جماعة؟ قال: "نِعْمَتْ البدعة".
ثم أليس عمر هو الذي فرض الخراج على أرض العراق وغيرها مما فتح عنوة، وهو الذي دوَّن الدواوين؟

فخذوا أيها المسلمون من الهجرة والتأريخ بها فقها وقيمًا ومثلًا عُليا في فضل الصحبة والإخاء والفداء من الصغار والكبار، خذوا منها فكر الإسلام وثقافته، ولا تعدلوا عنه فتضلوا وتهلكوا، واتخذوا القرآن إمامًا، والسنة شرعة ومنهاجًا، فهما الطريق المستقيم
Read more ...

ذكرى الهجرة النبوية. بقلم الشيخ/ محمد زاهد الكوثري

روى الحاكم في "الإكليل" بطريق ابن جريج عن أبي سلمة عن ابن شهاب الزهري ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمر بالتأريخ فكتب في ربيع الأول)). لكن هذا الخبر معضل سقط من سنده اثنان أو أكثر، ومرسلات الزهري شبه الريح عند كثير من أهل النقد مثل يحيى بن سعيد القطان والإمام الشافعي -رضي الله عنهما- فضلا عن معضلاته.
والذي صح عند الجمهور أنه كان في خلافة عمر –رضي الله عنه-، وقد روى الحاكم عن سعيد بن المسيب أنه قال: "جمع عمر الناس -يعني المهاجرين وغيرهم- فسألهم عن أول يوم يكتب التاريخ، فقال علي -كرم الله وجهه-: من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني إلى المدينة- وترك أرض الشرك، ففعله عمر".
وابن المسيب أعلم التابعين بقضايا عمر حتى إن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يسأله عن قضايا أبيه.
وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق محمد بن سيرين قال: قدم رجل من اليمن، فقال: رأيت باليمن شيئا يسمونه التأريخ يكتبونه عام كذا وبشهر كذا، فقال عمر: هذا حسن فأرخوا، فلما أجمعوا على ذلك، قال قوم: أرخوا للمولد، وقال قائل: للمبعث، وقال قائل: من حين خرج مهاجرًا، وقال قائل: من حين توفي، فقال عمر: أرخوا من خروجه من مكة إلى المدينة، وفي لفظ الحاكم أن عمر قال: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها.
ثم قال: بأي شهر نبدأ؟ فقال قوم: برجب، وقال قائل: برمضان، فقال عثمان -رضي الله عنه-: أرخوا من المحرم، فإنه شهر حرام وهو أول السنة ومنصرف الناس من الحج، قال: وكان ذلك سنة سبع عشرة في ربيع الأول.
فعُلم من هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وفي رواية عند أحمد أن أول من أرخ يعلى بن أمية فيما كتبه إلى عمر من اليمن فاستحسنه عمر فشرع في التاريخ، لكنْ في سنده انقطاع، ولا مانع من أن يكون ذلك من جملة البواعث على الشورى في التاريخ، كما أن ما كتبه أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- إلى عمر من البصرة من أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ -كما ذكره الحاكم- من جملتها، فعلم أن ذلك لم يقع من عمر كيفما اتفق بل بعد المشاورة مع الصحابة في أمره.
وقد استوفى الحافظ السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التوريخ" ذكر الآثار الواردة في ذلك، ومن جملة ما قال فيه السخاوي: "وقد كانت القضايا التي يمكن أن يؤرخ بها أربع: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم؛ إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأه". هذا ما يقوله الحافظ السخاوي -رحمه الله- في تأريخ الهجرة.
والواقع أن يوم الهجرة هو اليوم الفاصل بين الحق والباطل، وقد صبر المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه- نحو ثلاث عشرة سنة، يَلقَى من قومه كل أذى وعنت وهو يعاملهم بكل لطف وبكل حكمة؛ لينتشلهم من الجاهلية الجهلاء إلى التوحيد، وليرفعهم من الوثنية إلى مستوى السعداء في النشأتين، وهم لا يزدادون إلا عتوًّا وإيذاء على أمل أن يصرفوه عن الدعوة إلى الإسلام.
وبعد أن دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى التوحيد ونبذ الشرك طول هذه المدة وأبان الحجة وقطع كل عذر بدون أن يزدادوا إلا طغيانا وكفرًا أذن الله سبحانه له في الهجرة وإعداد العدة للدفاع عن الحق بالقوة، فهاجر إلى المدينة ومعه الصديق الأكبر -رضي الله عنه- ولم يجد الخوفُ سبيلا إلى قلبه الكريم في وقت من الأوقات وهو الذي يقول لصاحبه في الغار: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] وهو الذي كان أبطالُ الصحابة -رضي الله عنهم- يحتمون بحماه حينما حمي الوطيس في بدر وغيره، فكيف يخاف مثله على نفسه وقد قال الله سبحانه له: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]؟ أم كيف يخاف على القرآن الكريم وقد طمأنه الله عليه حيث قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]؟
وفي هجرته -عليه السلام- ومثابرة الصحابة -رضي الله عنهم- لملاحقته ومناصرته بكل ما لهم من حَوْلٍ وطَوْلٍ إلى أن شادوا صرح هذا الدين ورفعوا أعلامه في جميع البقاع والأصقاع أكبر عظة نتعظ بها، وأعظم عبرة نعتبر بها، وبها يعلم كيف يكون النهوض بالحق وكيف يكون الصلاح والإصلاح.
والهجرة النبوية تجمع جميع معاني التضحية في سبيل الحق فذكراها تنمي في النفوس الشعور الحي الحافز لها إلى استسهال القيام بصنوف التضحية في سبيل الإسلام والاستمساك بتعاليم الإسلام والاعتزاز بعز الإسلام، وتذكي نار الحماس في الصدور ضد كل من يحاول التلاعب بتعاليم الإسلام وتقاليد الإسلام، وتغرس في القلوب الإباء والشمم وعلو الهمم والترفع عن الخنوع لسماسرة المروق ودعاة الفسوق وأعوان الشيطان وكل منافق عليم اللسان {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30].
ولذلك ترى المسلمين يهتمون بذكرى الهجرة النبوية حكومةً وشعبًا، يزدادون اهتماما بها على مر السنين، وما ذلك كله إلا لأجل استنهاض الهمم وتذكير الأمة بواجبهم نحو أنفسهم ونحو بيوتهم ونحو إخوانهم؛ لينهضوا جميعا لتقويم الأود، وإصلاح الفساد ورأب الصدع بما يرضي الله ورسوله وجماعة المسلمين. وفي ذلك استعادة مجد الإسلام والمسلمين، وقمع عبدة الطواغيت من المنافقين، وصون الإسلام من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ...
فندعو الله سبحانه أن يجعل هذا العام الجديد عام خير للإسلام، وعام تعزيز لتعاليم الإسلام، وعام هناءة وسعادة لجميع المسلمين. اللهم غبطا لا هبطا
Read more ...

صور مشرقة للمهاجرين الأولين. للأستاذ عبد الحفيظ فرغلي القرني

لا بد لنا مع مطلع كل عام هجري جديد من وقفة تأمل مع واقعنا الذي يموج بالفتن والاضطرابات، ونقارن بينه وبين ماضينا المستقر الذي استمد استقراره وأمنه من روح الإسلام وهديه وقيمه.
ولعلنا بمراجعة موضوعية لحالنا المؤسف نعود إلى صفائنا الروحي واستقرارنا النفسي وهدوئنا العقلي.
لا بد لنا من استرجاع ذكرياتنا القديمة لا لنعيش على هامشها بل لنستلهم منها العبرة، ونأخذ منها الفكرة، ونصوغ لأنفسنا من ضوئها حياة أفضل، ونستمد من صفاتها زادا يعيننا على مسيرة الأيام، وينقذنا من أوجاع الحياة.
نحن نحتفل بعيد الهجرة كل عام، ولكن هذا الاحتفال لم يجدد لنا حياتنا كما نريد، وقصائد الشعر وخطاب المحافل لم تفتح لنا الآفاق التي نريد ولم تقدم لنا الجديد.
ذلك أن احتفالنا هو من واقع التقليد لا غير، وليس من واقع الإيمان بالمثل التي يقدمها هذا الحدث الرائع الذي غير مجرى التاريخ، والذي نقل المسلمين قديما من حال إلى حال، والذي أضاف إلى تراث الإنسانية الكثير الطيب.
ولقد آن للمسلمين في حالتهم الراهنة التي أصبحوا فيها كثرة كغثاء السيل، آن لهم أن يفكروا في حالهم مليا، وأن يتفقدوا ما ضاع منهم حتى أصبحوا خواء لا قيمة له، وهملا لا أثر له، يقتتلون فيما بينهم، ويتطاحنون فيما لا طائل تحته، ويتنازعون حول تيارات وأفكار حذر الدين منها، وقد تفرقوا شيعا وأحزابا.

من دروس الهجرة:

ولعل أول ما يطالعنا من دروس الهجرة هو ذلك الإصرار على المبدأ والإيمان العميق الذي يهون في سبيله الاستشهاد والتضحية.
لقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وحيدا لا معين له إلا الله، والتفت حوله حفنة من أصحابه الأطهار الذين آمنوا به وصدقوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وجاهدوا في الله حق جهاده، تحدوا الصعاب، واقتحموا العقبات، وتعرضوا لأعتى ضروب الامتحان والتعذيب، لم تهن لهم عزيمة ولم تلن لهم قناة، والتاريخ يحدثنا عن ذلك كثيرا، وكيف [كان] موقف المشركين من المسلمين، وكيف حاول أولئك أن يفتنوا هؤلاء عن دينهم، فلم يجد هؤلاء [بدا] من الفرار بدينهم خوفا من الفتنة، فهاجروا إلى الحبشة مرتين وهناك وجدوا الأمن والأمان، ولكن الذين بقوا بمكة ظلوا متعرضين لوحشية التعذيب الذي كان من حلقاته ذلك الحصار الرهيب في شعب بني هاشم لمدة ثلاث سنوات طوال، قاسى المسلمون الصامدون خلالها الجوع والهلاك.
ومع ذلك أصر المسلمون على موقفهم حتى فتح الله لهم أفقا جديدا وأملا جديدا بإسلام من أسلم من الأنصار الذين فتحوا قلوبهم ومدينتهم للمسلمين.

صورة مشرقة في هجرة أم سلمة:

وغنيت الهجرة بكثير من صور البطولة التي دلت على فدائية واستبسال، سواء في ذلك النساء والرجال، وحسبنا في ذلك ما يقصه علينا ابن هشام في هجرة أبي سلمة وأسرته رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أريت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.
وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده.
وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.
قالت: ففرق الله بيني وبين زوجي وبين ابني. فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مر بي رجل من بني عمر أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني.
قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله. فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبي أمية؟
فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله إلا الله وبني هذا.
قال: والله ما لك من مترك.
فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي. فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه. كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي.
فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلا بها فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
قال ابن إسحاق. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط أكرم من عثمان بن طلحة.
هذا ولم يكن عثمان بن طلحة في ذلك الوقت قد أسلم، ولكن الله سخره ليصحب هذه المسلمة البارة المهاجرة وحدها في رحلتها المخوفة تلك.
لقد أيد الله أهل دينه برجل لم يكن قد دان بعد بهذا الدين، وفي ذلك يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) رواه عمرو بن النعمان ورجاله ثقات –من كتاب الجامع الأزهر في حديث النبي الأنور للحافظ المناوي- الجزء الأول.
وقد أسلم عثمان بن طلحة في هدنة الحديبية ومعه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص الذي التقى معهما عند عودته من الحبشة، فاصطحبوا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم: ((ألقت إليكم مكة أفلاذ أكبادها)).
ثم أقام عثمان بالمدينة وعاد مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح ودفع إليه مفتاح الكعبة وهو يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. [النساء: 58].
فانظر إلى ذلك الإيمان العميق والإصرار العجيب الذي أصرت عليه أم سلمة، فلم يستطع الأهل على الرغم من جبروتهم وقسوتهم وحيلولتهم بينها وبين زوجها أن يصدوها عن دينها وعن التطلع إلى الهجرة التي أصبحت هدف كل مسلم وأمل كل مؤمن. فقد أصبحت مكة ليست بدار مقام للمسلمين بعد أن أذن الله لهم في الهجرة، وبعد أن فرغت من المسلمين ولم يبق منهم فيها إلا المستضعفون أو المغموزون في دينهم والذين أصبحوا أهلا لأن يحق فيهم قوله تعالى في سورة النساء: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].
لقد كان إيمان أم سلمة مثلا يقتدى به ويستوجب على كل من يحمل شرف الانتماء إلى هذا الدين ويحمل اسمه أن يأخذ منه زادا يتعلم منه كيف الجهاد والصبر والتضحية والفداء.
وعبرة أخرى نخرج بها من هجرة أم سلمة رضي الله عنها، هي أن المهاجرين كانوا يخرجون خفية خشية أن يحال بينهم وبين الهجرة، فقد كان المشركون يترصدون الطريق عليهم حتى لا ينطلقوا إلى جوار آمن يلتقطون فيه أنفاسهم ثم يعودون إليهم أقوياء محاربين، ولكن أم سلمة جاهرت بهجرتها وخرجت على أسماع قومها وأبصارهم، فقد كان لإصرارها العظيم على موقفها أثر كبير في أن ترقق حولها قلوب بعض أهلها فسمحوا لها بالهجرة.

هجرة عمر:

ولم يجهر أحد بهجرته من رجال المسلمين –فيما يحدث الرواة- خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء في أسد الغابة عن علي بن أبي طالب: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته -العَنَزَة نوع من السلاح، واختصرها أمسكها بيده- ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا متمكنا، ثم أتى المقام فصلى متمكنا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه.
هذه صورة تدلنا على الشجاعة والإقدام وهو جدير بتلقيب النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، لقد أبت عليه غيرته على دينه وكرامة دينه عليه أن يمضي خفية كما مضى غيره، ولكنه أراد أن يلقن قريشا درسا بأن الهجرة لم تكن بسبب الجبن أو الخوف، ولكنها مرحلة من مراحل الإسلام وخطوة كبرى نحو المستقبل المشرق لهذا الدين الجديد.
إننا نستطيع أن نأخذ من هذه الصورة لأنفسنا اليوم –لو أردنا وصح لنا العزم- كيف تكون الثقة بالله والتسلح باليقين وأن الله ناصر وليه وخاذل عدوه، فإن قريشا على عنجهيتها وبأسها وجبروتها لم تستطع أن تقف في وجه هذا الشجاع الواثق بربه المتسلح بإيمانه المصر على موقفه.

هجرة علي:

وهناك صورة مثلى في الهجرة نلمسها أيضا في الفدائي العظيم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة هجرته وهو يعلم أن العدو محدق بالدار يتحين الفرصة لاقتحامها.
لقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام في فراشه ويتسجى ببرده الأخضر وأن يتأخر بعده ثلاثا حتى يؤدي الأمانات إلى أهلها.
وكان المشركون ينظرون من خصاص الباب فيرون عليا نائما ويظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي كان قد خرج من جهة أخرى وهو يتلو قوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}. [يس: 9].
وحين أصبح المشركون رأوا عليا في الدار فقالوا: لو خرج محمد لخرج بعلي معه، فحبسهم الله بذلك عن طلب النبي حين رأوا عليا.
وكان هذا تدبيرا حكيما نتعلم منه حسن التخطيط والتدبير وبعد النظر وإعداد العدة للأمور قبل تنفيذها.
وتهيأ علي للهجرة بعد أن أدى الأمانات التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابها، وصحبه في هجرته أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي بالليل ويكمن بالنهار وهو راجل على قدميه حتى قدم المدينة.
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدومه قال: ادعوا لي عليا. قيل يا رسول الله لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه اعتنقه وبكى رحمة لما بقدميه من الورم وكانتا تقطران دما. فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في يديه ومسح بهما رجليه ودعا له بالعافية فلم يشتكهما حتى استشهد رضي الله عنه. حدَّث بذلك ابن الأثير في كتابه القيم أُسْدُ الغابة.
لله ما أروع هؤلاء الأبطال الذين قدموا لنا هذا الدين سائغا رائعا جادوا في تقديمه لنا بأرواحهم وأنفسهم وأموالهم. وتلقيناه نحن منهم بدون تعب منا ومع ذلك فرطنا فيه وضيعناه.
لا يستطيع الواحد منا أن يقوم بأدنى ما كانت تقوم به واحدة من المسلمات الأوليات المستبسلات فضلا عن الرجال. ومع ذلك فإن الغرور يأخذ منا كل مأخذ، ويتشدق المتشدقون منا بأننا مثل من تقدموا أو بإمكاننا أن نكون مثلهم.
كلا لسنا مثلهم فإننا لا نملك أسلحة الجهاد التي جاهد بها هؤلاء الأبطال وفي مقدمتها العزم الأكيد واليقين الصادق والإيمان العميق والأفق الواسع والمحبة العميقة للمسلمين والأخوة الرحبة التي وسعتهم جميعا لا فرق بين أبيض وأسود وعربي وعجمي، والروح الفدائية والتضحية بالمال والنفيس وبذل النفس رخيصة في ذات الله والحب الخالص لوجه الله والتغاضي عن الهفوات والتعاون في سبيل الله.
أقولها صادقًا .. يوم نملك هذا السلاح نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق هؤلاء وسوف نمضي قدما إلى الأمام ليصبح المسلمون كثرة قوية لا كثرة مغلوبة مخذولة يقتل بعضها بعضا ويخذل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .. ومع ذلك لن نفقد الأمل فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
Read more ...

الأحد، 5 ديسمبر 2010

الأمن في القرآن للأستاذ أحمد الشرباصي



جاءت مادة "الأمن" في القرآن الكريم مرات كثيرة، وتستعمل أحيانا بمعنى الأمن الذي هو ضد الخوف، وأحيانا تأتي من المادة مشتقات تدل على الأمانة، وأحيانا تأتي منها مشتقات تدل على الإيمان، وقد تحدثنا عن "الأمن" من قبل، ونواصل الحديث عن الأمانة والإيمان.
وردت لفظة الأمانة في طائفة من الآيات، كقوله تعالى: "فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ " وقوله: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" وقوله: "لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ " وقوله: "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ".
والأمانة -كما تقول المعجمات- ضد الخيانة، "والخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه"(1). ورجل أُمَنه -بضم ففتح- أي الذي يأمنه كل أحد في كل شيء(2). وقد وردت كلمة "الأمانة" في آية كريمة فشغلت المفسرين أكثر من مثلها في آيات أخرى، وهذه الآية هي قول الله تعالى في سورة الأحزاب: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".
تعددت الأقوال في بيان المراد من "الأمانة" هنا فقال الراغب الأصفهاني: "قيل هي كلمة التوحيد، وقيل العدالة، وقيل حروف التهجي، وقيل العقل، وهو صحيح، فإن العقل هو الذي لحصوله تتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة، وتعلم حروف التهجي بل لحصوله تعلم كل ما في طوق البشر تعلمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضل (الإنسان) على كثير ممن خلقه"(3).
فالراغب بعد أن يورد أقوالا في معنى الأمانة، يختار معنى العقل، ويحاول أن يرجع إليه بقية المعاني ببيان كونها داخلة فيه أو راجعة إليه.
وقد روي -كما في اللسان- عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا: الأمانة ها هنا الفرائض التي افترضها الله على عباده، وقال ابن عمر: عرضت على آدم الطاعة والمعصية، وعُرِّف ثواب الطاعة وعقاب المعصية. ثم جاء في اللسان: "والذي عندي فيه أن الأمانة هنا النية التي يعتقدها الإنسان فيما يظهره باللسان من الإيمان، ويؤديه من جميع الفرائض في الظاهر، لأن الله عز وجل ائتمنه عليها، ولم يظهر عليها أحدا من خلقه، فمن أضمر من التوحيد والتصديق مثل ما أظهر فقد أدى الأمانة، ومن أضمر التكذيب وهو مصدق باللسان في الظاهر فقد حمل الأمانة ولم يؤدها، وكل من خان فيما اؤتمن عليه فهو حامل، والإنسان في قوله: "وحملها الإنسان" هو الكافر الشاك الذي لا يصدق، وهو الظلوم الجهول، يدلك على ذلك قوله: "لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا"(4).
وكأن المراد هنا أن يجعل الأمانة هي مطابقة الاعتقاد الداخلي للعمل الظاهري والنطق اللساني، وكأنه يجعل الأمانة ضدا للنفاق، وإذا كان الفيروزابادي يذكر في القاموس أن المراد بالأمانة في الآية "الفرائض المفروضة" فإنه ينتقل بعد ذلك إلى ذكر ما يؤيد صاحب اللسان، فيقول: "أو النية التي يعتقدها فيما يظهره باللسان من الإيمان ويؤديه من جميع الفرائض في الظاهر؛ لأن الله تعالى ائتمنه عليها، ولم يظهرها لأحد من خلقه، فمن أضمر من التوحيد مثل ما أظهر فقد أدى الأمانة"(5).
وقد نستطيع أن نلحظ الارتباط بين معنى "الأمن" ومعنى "الأمانة"، لأن الأمانة توجِد أمنا عند صاحبها، لأنه يستقر بأمانته ومطابقة باطنه لظاهره، وموافقة اعتقاده لعمله وقوله، فلا يكون منافقا قلقا مذبذبا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فيتحقق له الأمن والاطمئنان، ويزول عنه الخوف الناشئ من القلق والنفاق والتلون؛ وكذلك يأمن الناس الذي تحلى بالأمانة وحفظ الأمانات، لأن الأمانة صفة تظهر آثارها في حفظ الأمانات، وهي الأشياء الذي يؤتمن عليها: مادية كانت أو معنوية،(6) وفي الحديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له".
ومن مادة "الأمانة" جاءت كلمة "الأمين" في طائفة من الآيات. كقوله تعالى: "أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ" وقوله: "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" وقوله: "إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ" وقوله أكثر من مرة في سورة الشعراء: "إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ".
والأمين هنا الذي لا يخون ولا يخدع ومعنى: "وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ" : أي عُرِفْت فيما بينكم بالنصح والأمانة، فما حقي أن تتهموني، أو أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه(7).
وقد وصف جبريل بوصف الأمين، يقول القرآن: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ" ويقول: "مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ" وجبريل هو أمين الله على وحيه، وسفيره إلى أنبيائه ورسله. وقد وصف مكان المتقين بالأمين في قوله: "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ" أي أمنوا فيه من السوء والتعب والألم، كما وصفت مكة بالبلد الأمين في قوله: "وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ" أي الآمن.
وقد يجوز وصف الله سبحانه بوصف "الأمين": روى الأزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة في قوله تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ" قال: غشي على عبد الرحمن بن عوف غشية ظنوا أن نفسه خرجت فيها، فخرجت امرأته أم كلثوم إلى المسجد تستعين بما أمرت أن تستعين به من الصبر والصلاة، فلما أفاق قال: أغشي علي؟ قالوا: نعم، قال: صدقتم، إنه أتاني ملكان في غشيتي، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين. فانطلقا بي فلقيهما ملك آخر فقال: وأين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين. قال: فأرجعاه، فإن هذا ممن كتب الله لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم، وسيمتع الله به نبيه ما شاء الله!. فعاش شهرا ثم مات!(8).
ويكون معنى الأمين هنا هو القوي، إذ من معاني الأمين في كتب اللغة القوي(9) وقد يقوي هذا ورود كلمة "الأمين" مع كلمة "العزيز" في القصة السابقة.
ومن أصل مادة "الأمن" جاءت كلمة "الإيمان" التي وردت في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: "وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ"، وقوله تعالى: "وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا"، وقوله تعالى: "إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ". وقوله: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ". وورد قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" عشرات المرات في القرآن المجيد .. إلخ.
وفي القاموس أن الإيمان هو الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة(10): وحدد الزجاج الإيمان بقوله: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة، ولما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقاده وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب(11).
وقال الأزهري: اتفق العلماء على أن الإيمان هو التصديق، قال تعالى: "وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا"، أي ما أنت بمصدق لنا، وتقول العرب: (ما أمنت أن أجد صحابة) أي ما وثقت، فالإيمان هو الثقة والتصديق، وقال الله تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا" أي صدقوا بها ووثقوا فيها(12). ومن الواضح أن التصديق اطمئنان واستقرار، وأن الثقة اطمئنان واستقرار، فارتباط الإيمان بالأمن واضح ظاهر.
ويقول الطبرسي عن الإيمان(13): "أما في الشريعة فالإيمان هو التصديق بكل ما يلزم التصديق به من الله تعالى وأنبيائه وملائكته وكتبه والبعث والنشور والجنة والنار".
ويعبر ابن قتيبة عن إيمان العبد بالله بأنه تصديقه قولا وعملا وعقدا، فالعبد مؤمن أي مصدق، والله سبحانه وتعالى مؤمن أي مصدق ما وعده، أي محققه، أو هو قابل لإيمانه(14).
وقد ذكر بعض الأئمة أن الإيمان أنواع فمن الإيمان تصديق باللسان دون القلب، كإيمان المنافقين، يقول الله تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" أي آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، كما كان من الإسلام انقياد باللسان دون القلب، ومن الإيمان تصديق باللسان والقلب، يقول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ" كما كان من الإسلام انقياد باللسان والقلب.
ومن الإيمان تصديق ببعض وتكذيب ببعض، قال الله تعالى: "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ" يعني مشركي العرب، إن سألتهم من خلقهم قالوا: الله. وهم مع ذلك يجعلون له شركاء، وأهل الكتاب يؤمنون ببعض الرسل والكتب ويكفرون ببعض.
قال الله تعالى: "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا" يعني إيمانهم ببعض الرسل والكتب، إذ لم يؤمنوا بهم كلهم(15).
وللإيمان استعمالات يشير إليها الراغب، فيُستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، ويوصف به كل من دخل في شريعته مقرا بالله وبنبوة محمد وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب وإقرار باللسان، وعلم بحسب ذلك بالجوارح، ويقال لكل من الاعتقاد والقول: الصدق، والعمل الصالح إيمان، ويزداد اهتمامنا هنا بقول الراغب في حديثه عن الإيمان: "إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن(16) لأن هذا يؤكد ارتباط معنى الإيمان بمعنى الأمن. كما أن الإيمان يرتبط بالأمانة، لأن الأمل في الإيمان كما يقول ابن منظور في اللسان: الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها فإذا اعتقد التصديق بقلبه كما صدق بلسانه، فقد أدى الأمانة، وهو مؤمن، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤد للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافق، ومن زعم أن الإيمان هو إظهار القول دون التصديق بالقلب، فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما أن يكون منافقا ينضح عن المنافقين تأييدا لهم أو يكون جاهلا لا يعلم ما يقال له، أخرجه الجهل واللجاج إلى عناد الحق، وترك قبول الصواب، أعاذنا الله من هذه الصفة، وجعلنا ممن عَلِم فاستعمل ما عَلِم، أو جَهِل فتعلم ممن عَلِم، وسلَّمَنا من آفات أهل الزيغ والبدع، بمنه وكرمه"(17).
وقد تحدث العلماء كثيرا عن شمول الإيمان للعمل، وقال الطبرسي: قد روى الخاص والعام عن علي بن موسى الرضى عليه السلام أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وقد روي ذلك على لفظ آخر عنه أيضا: الإيمان قول مقول وعمل معمول، وعرفان بالعقول واتباع للرسول(18).
وفي أسماء الله تعالى: "المؤمن" كما جاء في القرآن وهو الذي يصدق عباده وعده، فهو من الإيمان بمعنى التصديق، أو هو الذي يؤمنهم في القيامة من عذابه، فيكون من الأمان والأمن.(19) وقال بعض أهل العلم: إن المؤمن في صفات الله تعالى هو أن يصدق ما وعد عبده من الثواب، وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم(20)، وقال ابن قتيبة فيما يتعلق بوصف العبد بصفة المؤمن: "وقد يكون المؤمن من الأمان، أي لا يأمن إلا من أمنه الله"(21). فالعبد يصدق ربه فيأمن بتصديقه، والله يصدق عبده في هذا الإيمان فيمن عليه بالأمان.
وقد يراد المؤمن الشخص الأمين الذي يأتمنه الناس، ففي الحديث عن ابن عمر قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من المهاجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من هجر السيئات". قال: فمن المؤمن؟ قال: "من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم". قال: فمن المسلم؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". قال: فمن المجاهد؟ قال: "من جاهد نفسه"(22).
ومن هذه النصوص والشواهد المتواكبة المتعاقبة نشهد ترابط الفروع الثلاثة لمادة الألف والميم والنون، وهذه هي الأمن ضد الخوف، والأمانة ضد الخيانة، والإيمان ضد التكذيب.
أما بعد فقد قال ابن عباس: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى "آمين" فقال: "افعل"(23)، وهذا كما يقول ابن فارس: يعود إلى معنى مادة "أمن" الثاني وهو التصديق، لأنه متى استجاب الله للدعاء وحققه فقد صدقه فهناك تصديق للدعاء بالتحقيق له من الله سبحانه، ولذلك قال الترمذي: إن معنى آمين: لا تخيب رجاءنا، وقال جعفر الصادق في تأويل آمين: قاصدين نحوك، وأنت أكرم من أن تخيب قاصدا، وقال أبو إسحاق: معناها: اللهم استجب!
ونعود فنردد بالدعاء قائلين: اللهم لا تخيب رجاءنا، اللهم آمين!.




------------------------------------
1 - كتاب تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ص365.
2- القاموس المحيط، ج4 ص1978.
3- مفردات القرآن، للراغب ص25.
4- لسان العرب، ج13 ص24 طبعة بيروت.
5- القاموس، ج4 ص197.
6- من أنواع الأمانة أمانة المجالس ففي الحديث: "المجالس بالأمانة" وهذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكأن هذا أمانة عند من سمعه أو رآه. انظر النهاية لابن الأثير ج1 ص45 واللسان ج13 ص22 طبعة بيروت.
7- الكشاف للزمخشري، ج2 ص69.
8- لسان العرب، ج13 ص27.
9- القاموس، ج4 ص197.
10- المرجع السابق.
11- لسان العرب، ج13 ص23.
12- تفسير الطبرسي، ج1 ص37.
13- المرجع السابق.
14- تفسير غريب القرآن، ص10.
15- تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة ص367.
16- مفردات القرآن، ص35.
17- لسان العرب، ج13 ص23.
18- تفسير الطبرسي، ج1 ص38.
19- النهاية لابن الأثير، ج1 ص43.
20- معجم مقاييس اللغة، ج1 ص135.
21- تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة، ص10.
22- لسان العرب، ج13 ص24.
23- تهذيب الأسماء، للنووي ج1 ص12 ونحن نتعرض لكلمة آمين لأنها في الظاهر من مادة الأمن
Read more ...

الاثنين، 4 أكتوبر 2010

حقوق الإنسان في السنة والقرآن


حقوق الإنسان في السنة والقرآن
للدكتور/ توفيق محمد شاهين

الإنسان خليفة الله في الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30) وذلك ليحقق العدل والأمن والرفاهية؛ ولذا كرمه وأنزله منزلة سامية، وفضله الله تعالى على كثير من خلقه، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70).
وأرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، لهداية الخلق إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وكان خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله؛ لأن الإنسانية شبت عن الطوق، وهيمنت رسالة الإسلام على ما قبلها، واستقرت في كتاب خالد.
وهدفت شريعة الإسلام إلى تحقيق مصالح الناس، والعدل بينهم، والرحمة بهم، والرقي والكمال والجمال، فكفل الإسلام للإنسان الحاجات الضرورية والكمالية: كالدين، والعقل، والعرض، والمال، والمحافظة على النفس... إلخ. وتكفلت الشريعة الإسلامية بما يحقق ذلك ويوجده، وبما يصونه ويحفظه في نفس الوقت، أي أنها راعت الجانب الإيجابي والجانب السلبي لخيره أبدًا، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} (النحل: 90).
ويقول سبحانه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))[ رواه ابن ماجه في سننه باب الأحكام، ورواه الإمام أحمد بسنده 5/327 وبروايته.. ولا إضرار 1/313].
وقرر الإمام الشاطبي في (الموافقات): أن كل حكم شرعي فيه حق لله تعالى من جهة وجوب العمل به، وفيه حق للعبد من جهة أنه ما شرع إلا لمصلحة.
وفي الإسلام: الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الإنسان البراءة، وما يثبت باليقين لا يزول بالشك... إلخ من المبادئ التشريعية التي تكفل مصالح الناس.
ومفهوم الأمة والدولة في الإسلام يقوم على أساس عقيدي فكري (أيديولوجي)، ولا يقوم على أساس عرقي، ولا على أساس جغرافي أو تاريخي.
أي أن الأمة والدولة في الإسلام تقوم على أساس إنساني عالمي، لا على عصبية ولا عرقية.
يقول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).
وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107).
والناس -كل الناس- أمام القانون -شرع الله- سواء، والمسؤولية فردية، قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الإسراء: 15).
ويعتمد الإسلام أساسًا في تربية أتباعه على التربية الأخلاقية؛ ليكون الدافع والحافز والباعث وكذلك المانع أخلاقيًّا ذاتيًّا نابعًا من القلب والضمير والوجدان قبل الخوف من القانون وخشيته.
وتقوم دولة الإسلام على تحقيق العدالة بأوسع معانيها، وفي كل مجالاتها: اجتماعيًّا، وسياسيًّا، وقضائيًّا، وإداريًّا، ودوليًّا، صيانةً وحمايةً للحقوق والحريات في صورها المتعددة، للمسلم وغيره على السواء..
ولتحقيق هذه العدالة والمحافظة عليها بالتالي، كان الحكم في الإسلام على أساس الشورى، بمعانيها السياسية والفقهية الشاملة، حتى يتحقق معناها الكامل ومبناها القائم على الاحترام، فلا ظلم، ولا استبداد، ولا ديكتاتورية في الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل: 90)، وقال سبحانه: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38).
ولتحقيق تكافؤ الفرص والعدالة في المال والاقتصاد، يقول سبحانه عن المال: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر: 7).
وتكون العدالة بين المسلم وغيره، لقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).
وقد نزل الوحي بعشر آيات من القرآن الكريم، لتبرئة يهودي اتهمه مسلم بغير حق يقول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}... إلى قوله تعالى: {أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 105- 114).
فغير المسلمين حقوقهم مصونة في دولة الإسلام، ومَنْ ظلمهم أو اعتدى عليهم، أو أذاهم، أو نال منهم بغير حق: فقد برئت منه ذمة الله ورسوله؛ لأن لهم في دار إقامتهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. وأمنهم وأمانهم واجب على المسلمين، والوفاء بعهودهم وعقودهم أمر مفروض، لا توهنه عاطفة أو نزوة أو حيدة.
والأمة في الإسلام خيِّرةٌ، تتعاون على كل ما من شأنه نفعها وخيرها وسعادتها ورفاهيتها، وبالتالي متكاتفة لإخماد الفساد، ومنع الظلم والإثم، يقول سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2).
ويقول تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).
وسلوك الأمة داخليا وخارجيا -دوليًّا- يقوم على الأمن والعدل والعزة، وحسن المعاملة، وحفظ الحقوق، يقول سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. (الأنفال: 60، 61).
وهذه الأمة -على هذا الهدي- لها الهداية والسيادة والعزة والتمكين، قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83)، وقال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} (الحج: 41).
فالمجتمع الإسلامي رباني بالإيمان، مطيع لله، متعاون متآزر، حامل للمسؤولية، ودافعه ذاتي إيماني؛ لإقامة الحق والعدل والسلام والخير والجمال.

الإسلام أول من قرر حقوق الإنسان:
والحق يقال، والواقع يشهد، والتاريخ يسجل: أن الإسلام أول من قرر حقوق الإنسان -بل والحيوان- في شمولية ووضوح وفعالية وتطبيق لهذه الحقوق في جميع المجالات التي يحياها الإنسان، والتي تكفل له كرامته وإنسانيته وأمنه واعتباره وتكريمه.
قضى بها الخلاق العليم الذي يعلم من خلق، فشَرَعَ له ما فيه الخير، ورضي بها أتباع الإسلام فنفذوها راضين عن طواعية واختيار.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب: 36).
فمنذ أكثر من ألف وأربعمائة عام قرر الإسلام حقوق الإنسان، وأطاع المسلمون، فأصبح القرار نافذ المفعول، وجَنَت البشرية ثمرات التطبيق، فسعدت وأسعدت أحيانا من الزمن.
ونحن نعلم أن البشرية تطلعت من قديم إلى ما يكفل حقوقها، ويصون كرامتها من عبث العابثين وطغيانهم، وتطلعت إلى تقرير ما يكفل لها الحق والعدالة في ظل قوانين ثابتة... فعرفت عن اليونان والرومان وغيرهم ما يسمى "بالقانون الطبيعي"، ونظرية "العقد الاجتماعي" و"قانون الشعوب" الروماني... فكانت قوانين فيها صلاح، ولكنها انتقدت وعطلت ونفذت جزئيا أو جانبيًّا، وكان انتقادها من مفكرين دَعَوا إلى مساندتها بوجوب مراعاة وتطبيق مبادئ ثابتة للعدالة حتى أعلنت حديثًا "حقوق الإنسان" في وثائق دستورية وأعراف دولية تنادت باحترامها، كما في ثورة أمريكا على بريطانيا سنة 1776م، وفي الثورة الفرنسية سنة 1789م، وبعد الحرب العالمية الثانية سنة 1944م.
وصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر سنة 1948م، وكان هذا الإعلان تطورا بارزا في الإعلان عن حقوق الإنسان، وألحقت به ملاحق تستدرك ما فات، أو توضح مبهما، أو تخصص عموما... ويمكن إجمال هذه الحقوق والحريات الأساسية للإنسان فيما يلي:
  1. أن للفرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه، فلا رِقَّ ولا تعذيب من ثمَّ.
  2. صيانة حياة الفرد الخاصة وأسرته ومسكنه ودخائل شؤونه الخاصة وشرفه وسمعته حق مصون.
  3. للشخص أن ينتسب إلى جنسية أخرى.
  4. له حرية التنقل والإقامة والهجرة والالتجاء.
  5. الإنسان حر في تفكيره ودينه وممارسة شعائر دينه والتعرف عليه ودراسته.
  6. للشخص حرية الرأي والتعبير.
  7. جميع الأفراد متساوون أمام القانون.
  8. للفرد الحق في إدارة شؤون بلاده بنفسه أو بانتخاب غيره، والشعب هو مصدر السلطات ممثلا في أفراده.
  9. للفرد الحق في إقامة أسرة، وتُعِينه الدولة إذا احتاج.
  10. للشخص حق التملك والعمل والتعليم.
  11. للشخص الحق في الضمان الاجتماعي والتربوي ومستوى لائق في المعيشة والصحة والرفاهية.
وأشار الإعلان إلى ما يجب على الشخص نحو وطنه مجملا، كما أنه حذر من التحايل على نصوص الإعلان أو تعطيلها، لكنه لم يحدد جزاء لمن ينتهك هذه الحقوق أو يعطل تنفيذها، بينما كان الإسلام حريصا على سدِّ هذه الثغرة، يقول سبحانه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33).
ويحدثنا الأستاذ الدكتور محمد البهي -رحمه الله- في كتابه: "الإسلام في حياة المسلم" ناقدا ما صدر من إعلان عن حقوق الإنسان في القرن العشرين بخاصة، يقول ما موجزه:
"حقوق الإنسان التي تعلنها المؤسسات الدولية الحديثة في قرننا العشرين، هي تنازل من قوي لضعيف، تنازل من مستعمِر بقوة السلاح لمستعمَر بسبب الجهل والفقر والمرض، وهي تنازل عن بعض امتيازات أوجدها لنفسه القوي بحكم قوته إلى ضعيف ظل فترة طويلة موضع استغلاله واستذلاله".
كما يرى أن هذه الإعلانات: تدوين نظري لا تتخطى إلى التطبيق العملي في علاقة الطرفين: القوي والضعيف، وتغطية للصورة الرهيبة للاستعمار حتى تنخدع الشعوب الضعيفة فترة أخرى؛ فتُلقِي إليه بالزمام في شبه أمان واطمئنان.
ويقول: "إن إعلان عدم التفرقة في التعليم بين لون ولون من البشر، وعدم التفرقة في الحقوق السياسية على أساس الجنس أو الرأي، وعدم التفرقة بين سكان الوطن الواحد في الحقوق المدنية -هو في واقع الأمر تجربة لعلاج بعض المشاكل الاجتماعية التي أوجدها الجشع والغرور بالقوة المادية، والتقدم في الحضارة الصناعية عند فريق من الشعوب التي تهزأ بالقيم الروحية الإنسانية.
أما الإسلام فلا يواجه في نظامه هذه الأزمات بين القوي والضعيف، ولا يواجه حلَّ المشاكل الاجتماعية التي يسببها الجشع والغرور بالقوة المادية؛ ولذا أليست تعاليمه الخاصة بالإنسان إعلانا بحقوق الإنسان على نحو إعلان تلك المؤسسات الدولية الحديثة".
ويقول المؤلف في موضع آخر:
"احتفال الأمم المتحدة بذكرى حقوق الإنسان -حين تحتفل به- يدل على أن المدنية الإنسانية الحديثة لم تنجح من قبل -حتى وقت قيام هذه الهيئة الدولية- في رد اعتداء الإنسان على الإنسان، وفي دفع استغلال الإنسان للإنسان، وربما يدل ذلك على أن "حقوق الإنسان" مشكلة أوجدتها هذه المدنية نفسها بسبب تفوق بعض الشعوب على بعض، لا في خصائص الإنسان، ولكن في تطور الصناعة واستغلال الخامات، والإعداد للقوة المادية.
ويرجى لهيئة الأمم المتحدة أن تترسم خطى الإسلام في تصفية رواسب الماضي البغيض يوم جاء. وتعمل جادة على تخليص الشعوب الضعيفة من استذلال بقايا المستعمرين، كما عمل الإسلام من قبل على تحرير الرقيق وتخليصه من استغلال المالكين له". اهـ.
فالمعنى: أن إعلان حقوق الإنسان حديثًا لم يكن نتيجة نزعة إنسانية، وإنما كان تنفيسا عن كبت، وإعلانًا عن إفلاس في سياسة استعمارية، وعلاجًا لوضع معوج طال أمَدُهُ وانتشر ظلامُهُ وظُلْمُهُ، واستيقاظا لضمير طال سُبَاته وغفوته، غير أنه -حتى حين استيقظ- جنح إلى ما يهواه وما فيه مصلحته.
ولكن الإسلام دين الإنسانية، هو الذي قدر كرامة الإنسان، وصانها بتعاليمه من الإذلال والمهانة. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} (الحجرات: 11).

تكافؤ إنساني وكفالة حقوق في الإسلام:
وينظر الإسلام إلى الناس جميعا نظرة واحدة؛ لأن طبيعتهم الإنسانية واحدة، لا تفاضل بينهم؛ لأنهم خلقوا من طبيعة واحدة، ومهما تفرقوا إلى شعوب وقبائل، لكنهم سيتعارفون ويتوادون من جديد كأمم وجماعات؛ لأن مآل أمرهم إلى أصل نشأتهم.
يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} أول سورة النساء.
ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).
فالآية تشير إلى أن الناس متساوون بفطرتهم ومتماثلون بطبيعتهم: في نشأتهم الأولى، وفي دخولهم إلى الحياة الاجتماعية، وإلى أن تسامى بعضهم في الإنسانية والفضل هو الذي يفاضل بينهم، أو يرفع عنهم لباس التساوي والتماثل.
هذه الأطوار الثلاثة أشارت إليها الآية الكريمة.
ويزيد الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر تأكيدًا وتفصيلًا، في تساوي الناس في الاعتبار البشري والقيمة الإنسانية، وأن التفاضل إنما هو بصالح العمل ونفع الإنسانية حين يقول: ((أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس لعربي فضل على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب))[ من خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع].
الناس متساوون في الاعتبار البشري أمام الإسلام، وقد أتاح لهم فرصا متساوية في العمل والمعرفة والعلم، وتملُّك المال واستثماره، وقيادة المجتمع، وفرصة العدل في القول والحكم وحرية المعتقد... وفي هذا كفالة الإسلام لحقوق الإنسان في خطوط عريضة.
وأنكر الإسلام إفساد المجتمع، والإخلال بأمنه واستقراره، ولم يرض بأن يمارس الإنسان حرياته فيما يضره أو يضر المجتمع معه، كما عاب الاعتقاد الرديء والعمل السيئ، وحرم الإسلام الظلم والاستبداد والاستعباد ومقارفة الخطيئة والإثم وامتهان كرامة الإنسان. ولم يرض عن الإكراه والقهر، والاستئثار والأثرة والأنانية، نرى ذلك في ضوء هذه النصوص:
يقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} (فصلت: 46).
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256).
{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43).
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170).
{وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} الشعراء: 182، 183).
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: 152).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته))[ متفق عليه]. ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام))[ من خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع].

حقوق الإنسان هبة من الله وليست من إنسان:
الله هو الحق، وهو مصدر حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام، ولأن الله هو العدل الحكم كان تشريعه هو الحق والعدل، فهو العليم بشؤون خلقه، فلا محاباة ولا تحامل.
يقول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد: 25).
ففي الآية إشارة واضحة إلى إقامة العدل، وعمارة الحياة الدنيا.
"فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه".
"فالحقوق هبة الله، وليست منحة إنسان، وفي مقابلها واجبات في الإسلام، والواجب أن تؤدى الواجبات قبل طلب الحقوق، والإشارة إلى الكتاب والميزان واضحة في وجوب ضمان العدل بين الناس، وحفظ الحقوق وصيانتها؛ احترامًا للإنسان والإنسانية.
وكون الحق والواجب من الله، يجعل الأمر عقائديًّا وإيمانيًّا، يجب على المسلم ألا يفرط فيه ولا يتهاون، وإلا كان ظالما لنفسه وملوما على نحو ما تحكيه الآيات الكريمة:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء: 97- 99).
ويقول سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} (النساء: 75).
فصيانة الحقوق واجب الإنسان، والخنوع والخضوع لغير الله ليس من الإيمان في شيء؛ لأن عزة المؤمن من عزة الله.
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 8).
فعقيدة الإسلام تحقق للإنسان حقوقه وعزته وكرامته؛ لأنه مع بني جنسه أمام الله سواء، فلا يؤله إنسانًا أو شيئًا غير الله... وعليه أن يحافظ على حرياته وكرامته، وأن يقاتل دونها إذا تَحَتَّفَتْهَا الْحُتُوفُ السود، أو اعتدى عليها معتد.
قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} (الحج: 39 - 40).

عموم المساواة للأفراد في الإسلام:
قلنا: إن الإسلام سوى في الاعتبار البشري والقيمة الإنسانية لجميع الناس، وتفاضلُهم إنما هو في التقوى ونفع الإنسانية، بغض النظر عن الجنس واللون وما شاكل ذلك.
فالناس متساوون أمام شريعة الله. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء: 135).
قال أبو بكر -رضي الله عنه- في أول خلافته: "ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق منه، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق له".
والناس أمام القضاء سواء في كل شيء: في الولاية، وإقامة الدعوى، وأصول المرافعة، وتطبيق النصوص، وتنفيذ الأحكام، وتحري العدالة التامة بين الخصوم، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء: 85).
وقد وقف بعض الصحابة موقف الند مع خصومهم أمام قاضي المسلمين وسرهم ذلك، إذ استبشروا بأن للعدالة حماية في رعاية القضاء، وأن القاضي يسوي بين القادة والرعية في كل شيء.

حماية الإنسان في الإسلام:
الحياة الإنسانية غالية؛ لأنها هبة الله وبنيان الرب، وقد شدد القرآن في وجوب حماية النفس الإنسانية وصيانتها وتقديرها واحترامها.. وجعل قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعًا، يقول سبحانه: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32).
وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الأنعام: 151)؛ لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة الأساسية.
وشرع القصاص عقوبة رادعة للمعتدي، وتقديرًا للحياة، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 179).
وحتى القتل الخطأ، جعل الإسلام فيه دية لأهل القتيل "لا تَقِلُّ الآن في تقديرها لما كان في الماضي عن مائة ألف دولار"، وعليه أيضًا كفارة، وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء: 92، 93).
وقبل قرون عديدة حفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الحقوق والحرمات، وحرم أي اعتداء عليها، حين قال: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)).
ومن قاتل دفاعا عنها وقتل فهو شهيد

مجلة الأزهر - ربيع الثاني 1407هـ ، ديسمبر 1986
Read more ...

الجمعة، 1 أكتوبر 2010

القرآن صالح لكل زمان ومكان

القرآن صالح لكل زمان ومكان

للأستاذ الدكتور/ محمد رجب البيومي






نشرت جريدة العروبة الصادرة بتاريخ 19 من ذي القعدة سنة 1413 الموافق 11 من مايو سنة 1993 في أعلى الصفحة الأولى -وبخط عريض سميك امتداد الصفحة عرضًا- هذه العبارة المثيرة:
"جمال بدوي: القرآن ليس صالحًا في كل زمان ومكان" هذا في الصفحة الأولى، أما بداخل الجريدة فقد لخصت المحررة التي تسمى "ندى محمد" ما اعتبرته مُوجزًا لما قاله الأستاذ جمال بدوي رئيس تحرير جريدة الوفد في إحدى الندوات، وهو يوجز فيما يلي:
  1. إن مقولة أنَّ القرآن صالح لكل زمان ومكان لم تعد صالحة الآن.
  2. لا بد أن نعتمد على العقل والاجتهاد؛ لأن القرآن لا يشتمل إلا على مائتي آية تحتوي على الشرائع والأحكام، وهي غير كافية لهذا العصر واحتياجاته.
  3. ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال لا تعد كلها وحيًا.
  4. لا نتمسح في الأسلاف فنعتبر كل ما جاء عنهم مقدسًا؛ لأن الإسلام يرفض من الإنسان أن يضع عقله أسيرًا لسلطة حاكم مستبد.
  5. المسلمون الأوائل لم يجدوا حرجًا ولا إثمًا في الاعتماد على العقل، وأن عبارة "لا اجتهاد مع النص" عبارة فضفاضة وتحتاج إلى إعادة نظر.
  6. الصراع بين المعتزلة وحماة الدين حول الأحاديث والأحكام.

وقد اهتم الكثير بما نُقل عن الأستاذ جمال بدوي، وورد إلى المسؤولين في الأزهر ما يدل على هذا الاهتمام من قراء كثيرين أزعجتهم هذه الأقوال، وطلبوا الرد عليها، فأحيلت إليّ جريدة العروبة لأناقش ما جاء بها، ولن أتأخر.
وقبل كل شيء، أعلن أني أشكّ شكًّا قامت لديّ أدلته في أن الأستاذ جمال بدوي قد أدلى بهذه الآراء؛ لأني أتابع ما يكتب في جريدة الوفد، وأقرأ أكثر ما يُصْدِر من كتب تاريخية وثقافية، فلم ألْحَظْ عليه تهجمًا في رأي، أو شذوذًا في اتجاه، فهو الكاتب المؤمن الغيور على كتاب الله وسنة رسوله وشريعة الإسلام، ومِثْلُهُ لا يتورط في ترداد أغاليط سافرة ينكرها أهل العلم، ولا يعرفون لها مذيعًا غير من جهلوا حقيقة الإسلام، وَسَرَّهُم أن يقولوا عنه غير ما جاء به؛ لحاجة في نفوسهم، وإذنْ فالرّدُ في رأيي لاَ يُوجّهُ إلى الأستاذ جمال بدوي، ولكن إلى مَنْ حرّفَ القول عن عمد، وما أخال الأستاذ الكبير إلا مستنكِرًا ما نُسب إليه إذا أُتيح له أن يطّلع عليه، ونأتي إلى ما نُريده من النقد الكاشف لهذه الادعاءات فنقول أولًا:

1- إن القول بأن القرآن ليس صالحًا لكل زمان ومكان، لم تصدر عن عالم قرأ القرآن ودرس السنة، وعرف طريقة الفقهاء في القياس المجتهد الذي تندرج به الجزئيات في كليات عامة أتى بها الذكر الحكيم، ووضحتها سنة الرسول تطبيقًا وتفسيرًا، إنما صدَرَ عمن لا يعرفون شيئًا عن أحكام الشريعة، ومِنْ أين استمدت أصولها التي قامت عليها واضحة جلية دون التباس، وقد كتب العلماء في دحض هذه الفِرْيَة، حتى أصبحت لغوًا تافهًا يُقابَل بالازدراء، وأعجب العجب في صنيع هؤلاء المرجفين، أنهم يعلمون أنَّ بمصر أكثر من عشرين كلية للشريعة الإسلامية وللحقوق بالجامعات المنتشرة في شتى عواصم الجمهورية، وكلها -شريعة وحقوقًا- تدرس الشريعة الإسلامية، وتُجمعُ إجماعًا لا شبهة فيه على صلاحيتها وخلودها الدائم حتى يقوم الناس لرب العالمين، أجل تدرس هذه الكلياتُ الشريعةَ الإسلاميةَ بالمنطق المؤيد بالنقل، المعتصم بالعقل، بحيث صارت الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية رغبة عامة لا يجرؤ حزب من الأحزاب على التنكر لها، وليس لها من معارض غير فلول الماركسيين الذين غرقت بهم السفينة، فهبوا يصارعون الموج في يأس قاتل، ومصيرهم محتوم؛ لأنه مصير الذيل بعد انقطاع الرأس.
أما جمهور الشعب المسلم، أما آلاف الآلاف ممن تخرجوا في هذه الكليات، ولا يخلو من أحدهم منزل فهم واثقون بصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ومعهم اعتقادهم الراسخ، وعلمهم المقرر المدروس، وإذا كان في العامة من يريد أن يطمئن قلبًا بخلود الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، فليستمع إلى نص العلامة ابن القيم -رحمه الله- حيث قال: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد، وفي المعاش والمعاد، وهي رحمة كلها وعدل كلها ومصالح كلها، وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن دخلَتْ بالتأويل".
ومعنى ذلك أن صلاح الشريعة للتنفيذ في كل عصر وموطن ينبع من قيامها على مصالح الناس بالعدل والقسطاس، ومراعاتها ما يترتب على اختلاف الظروف والبيئات من اعتبارات لها كلها الوزن عند المشرع، ولذلك كان الاجتهاد بابًا من الأبواب الدقيقة في علم الأصول، له شروطه وحدوده ورجاله الفاقهون أن يقيسوا المجهول على المعلوم، ويدرجون الجزئيات في كليات عامة؛ لأن الشريعة حين تركت كثيرًا من الفروع دون نص على أحكامها، فقد تركت لمن يملك القدرة على الاجتهاد أنْ يُدخل هذه الفروع في الكليات العامة التي جاء بها كتاب الله ووضحها نبيه الكريم.
وما قاله ابن القيم، وإن كان من البداءة للدارسين، نجده مشتهرًا بمضمونه لدى تلاميذ المدارس الثانوية! أقول في هذه المرة المدارس الثانوية، فأنزل عن مستوى طلاب الكليات قليلًا؛ ليعرف هؤلاء المتهجمون على الشريعة أنهم لا يعلمون ما يعرفه طالب السنة الثانية في المدرسة الثانوية؛ لأن كتاب (التربية الإسلامية للصف الثاني من المدارس الثانوية) قد جَلَا هذه النقطة خير جلاء حين قال مؤلفوهُ ص90:
"علمنا أن المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية هي القرآن الكريم في المقام الأول، تليه السنة المطهرة، ولكنَّ القرآن الكريم ثابت لا يقبل التعديل، ولا يخضع للتطوير، وكذلك السنة الصحيحة، على حين أنّ المجتمعات العالمية تتغير دائمًا، وتتطور أبدًا، وقد أصبح هذا التطور سريعًا متلاحقًا في عصرنا، ولا بد أن تكون الشريعة الخالدة قادرة على التعبير عن هذه المتغيرات وتوجيهها وتنظيمها وتقنينها، وهذا ما علمه وأدركه مُعلّم البشرية صلى الله عليه وسلم فنجده يوجه معاذًا إلى الاجتهاد برأيه في القضايا التي لا يجد حُكمها صراحة في كتاب الله وسنة رسوله.
والاجتهاد هو أن يبذل العالم أقصى طاقته، وجهده في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وقد اشترط العلماء في المجتهد شروطًا أهمها ما يلي:
أ- العلم بالقرآن الكريم، معانيه وأحكام وأسباب نزول الآيات.
ب- العلم بالسنة ومعانيها وأحكامها.
ج- التمكن من اللغة العربية، وطرق دلالتها على المعاني.
د- العلم بمقاصد الشريعة، وأحوال الناس وأعرافهم، وما يحقق مصالحهم الدنيوية والأخروية في زمانه وبيئته.
وقد مضى الفقهاء في طريق الاجتهاد فوسعت الشريعة الإسلامية قضايا الناس في أزْهر عصور الحضارة الإسلامية عباسية وأندلسية وفاطمية، ثم جاء من تَقَاعَس عن الاجتهاد في عصور الضعف والتخلف فخُيِّلَ لبعض الناس أن الشريعة قد وقفت ولم تَسِرْ، حتى ظهر في القرن الأخير مَنْ نفخ في الصُّور فاتصل الخلفُ بتراث السلف، وقام الاجتهاد في الفتوى والقضاء وسائر الأحكام على قدم وساق، وقُنِّنَتْ مواد الشريعة تقنينًا واضحًا تقف بها أمام أحدث القوانين لترتفع عليه، فكيف نقول بعد ذلك إنّ القرآن ليس صالحًا لكل زمان ومكان؟!

2- ثم تقول الجريدة: "لا بد من أن نعتمد على العقل والاجتهاد؛ لأنّ القرآن لا يشتمل إلا على مائتي آية تحتوي الشرائع والأحكام، وهي غير كافية لهذا العصر واحتياجاته".
أما أنْ نعتمد على العقل والاجتهاد في الأحكام فهذا ما لا ينكره أحد، بل هذا هو الواقع المُشاهَد في كل ما نقرأ من كتب الفقه المعاصر، وما صدرت الفتاوى الدينية المعاصرة إلا في ضوء الاجتهاد العاقل بشروطه المقررة، وإذنْ فالقول بذلك تحصيل حاصل، أما أنّ القرآن لا يشمل غير مائتي آية تحتوي الشرائع والأحكام وهي غير كافية لهذا العصر، فكلنا يعلم أن كتاب الله قد جاء بالكليات العامة لتندرج تحتها الجزئيات المتولدة، ولم تضقْ هذه الكليات بمعضلة معاصرة، بل كان لها حلها اليسير في ضوء ما يلي الكتاب من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الأئمة المجتهدين، والاجتهاد العصري في التطبيق والتحليل والتعليل.
وقولُ الجريدة: إنّ القرآن لا يشمل غير مائتي آية، يُغفل أن الآية الواحدة قد تتضمن أحكامًا كثيرة، فأحكام الميراث كلها قد جاءت في ثلاث آيات فحسب، وقد وَسعتها جميعها! فالعدد الرقمي لا معنى له في ظل اشتمال الآية الواحدة على أحكام عدة، كما لا معنى له حين نعلم أن القرآن مُفسَّر بالسنة وقد وضحته بمزيد من الأحكام المعتبرة، وجاء المجتهدون فأمدوا الشريعة بعطاء زاخر لا يكاد يحصر! فهل للنص على مقدار الآيات مكان ما في الاحتجاج بأن القرآن غير صالح لكل زمان ومكان؟!

3- وتقول الجريدة: "ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال لا تعد كلها وحيًا"!
وليس ما قالته الجريدة بجديد على القارئ، فهو من الأمور المُسلَّمة، وطالب الصف الثاني من المدرسة الثانوية يعرفه تمام المعرفة؛ لأنه يقرأ في الكتاب المدرسي ما ذكره مؤلفوه حين قالوا ص86 تحت عنوان (العمل بالسنة) وقد رجعوا في ذلك إلى كتاب (علم أصول الفقه) للمرحوم الأستاذ عبد الوهاب خلاف، حيث قال الأستاذ:
"وما دمنا مكلفين بالعمل بالسنة باعتبارها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، فلا بد أن نبين أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم له ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
ما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- بوصف أنه رسول ومقصود به التشريع العام والاقتداء مثل:
أ- تأكيد حكم جاء به القرآن الكريم: كالأمر بالصلاة وإيتاء الزكاة، والنهي عن الشرك وعقوق الوالدين.
ب- تفسير وتفصيل ما جاء في القرآن الكريم كتفصيل أحكام العبادات وأحكام البيع والشراء وغيرها، أو تخصيص ما جاء عامًّا في القرآن الكريم، مثل: تحريم الميتة والدم، فقد خصصت السنة: السمك والجراد والكبد والطحال بأنها حلال.
جـ- إثبات حكم سكت عنه القرآن الكريم مثل: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وهذه الأحكام ومثلها مستمدة من القرآن الكريم ومن مبادئه وهي مُلزِمة للمسلمين شرعًا.

الحالة الثانية:
ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما يصدر عن سائر الناس، كالأكل والشراب والمشي والقيام والقعود.
أو صدر عنه بمقتضى خبرته وتجاربه في الحياة، ومثل هذه الأمور إما مستحبة أو جائزة، إلا إذا ثبت أن شيئًا منها قصد به التشريع العام فتكون ملزمة شرعًا كالحالة الأولى.

الحالة الثالثة:
ما كان خاصًّا به -صلى الله عليه وسلم- وليس تشريعًا عامًّا؛ لاعتبارات خصه الله بها كوصله صوم يوم بآخر دون أن يفطر، ومثل هذه الأمور من خصوصياته ولا يشاركه فيها أحد.
وإذن فطالب المدرسة الثانوية يعلم أن من أعمال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لا يُعدُّ وحيًا، وكان على الكاتب أن يُفصِّل القول إذا أراد الحق لوجه الحق لا أن يترك القارئ السطحي في بلبلة واندهاش.

4- قال كاتب الجريدة: "لا نتمسح في الأسلاف لنعتبر كل ما جاء عنهم "مقدسًا"؛ لأن الإسلام يرفض للإنسان أن يضع عقله أسيرًا لحاكم مستبد".
ولا يوجد أحد من الفقهاء يعتبر ما قاله أئمة المذاهب قولًا مقدسًا، بل إن كل إمام منهم يرى أن قوله صواب يحتمل الخطأ، وقول مُخَالِفِه خطأ يحتمل الصواب، ولا يُلزِم أحدًا بتقليده، وقد قال مالك رضي الله عنه: "كل عالم يؤخذ من قوله ويُرد، غير صاحب هذه الحجرة، وأشار بيده إلى مقام رسول الله بالروضة"، وكُتب الموازنة بيْن الآراء الفقهية معروفة غير مجهولة ترجيحًا وتوهينًا، فكيف يُقال إننا نعتبر كلام الأسلاف من هؤلاء مقدسًا؟!
وقول الكاتب عقب ذلك إن الإسلام يرفض من الإنسان أن يجعل عقله أسيرًا لسلطة حاكم مستبد صحيحٌ في مضمونه، ولكن ما صلته بحكم يصدره فقيه مجتهد عن دليل اتضح لديه، أخْطَأَ أم أصاب؟! وهل هذا الفقيه إذا اجتهد وبذل غاية الجهد في القياس والتدليل يكون صاحب سلطة، أو أنه يعرض رأيه لزملائه ولهم حق المناقشة والتصويب؟!

5- ثم قال كاتب الجريدة: "المسلمون الأوائل لم يجدوا حرجًا ولا إثمًا في الاعتماد على العقل، وإن عبارة "لا اجتهاد مع النص" عبارة فضفاضة تحتاج إلى إعادة نظر".
وأنا أقول: إن المسلمين الأوائل قد نادوا بالاعتماد على العقل، وكان العقل دليلَهم في كل حكم فقهي اتجهوا إليه، فهم لم يجدوا حرجًا أو إثمًا فقط! بل هم دعاة التفكر والنظر؛ لأن كتاب الله يدعو إلى التفكير والتأمل والنظر في ملكوت السموات والأرض، وتلك قضية واضحة مُسَلَّمة فلا مجال لتردادها، أما القول بأن عبارة "لا اجتهاد مع النص" عبارة فضفاضة تحتاج إلى نظر، فيردها أن نسأل من هو المجتهد؟ أليس هو الفقيه الذي يعتمد أَوَّلَ ما يعتمد على النص في قول الله وسنة الرسول! وله أن يحكم على النص بالعموم أو الخصوص أو الإطلاق أو التقييد وفق ما تنطق به الأدلة؟ فالنص إذن هَادِيهِ ورائده، وهو منه بمكان المصباح المضيء لمن سار يتخبط في الظلام! فالاحتياج إلى إعادة النظر لا يكون من غير الفاقهين وهم يعرفون مكان النص، وليسوا بحاجة إلى الاستماع إلى مُنكريه!

6- أما حديث كاتب الجريدة عن الصراع بين المعتزلة وحماة الدين حول الأحاديث والأحكام فخارج عن كل ما نعنيه؛ لأن نقاش المعتزلة لم يتجه إلى المسائل الفقهية في الشريعة الإسلامية التي يدور حولها اللجاج! بل كان نقاشهم حول الأمور الاعتقادية المتعلقة بما يسمى (علم الكلام) فلماذا نَزُجُّ بهم في مجال ليسوا من أربابه؟ وليس كل معتزلي منكرًا للحديث في مضمار الاحتجاج، بل إن مَنْ حاول ذلك لا ينكر الحديث، بل ينكر نسبته لرسول الله! والمعتزلة أهل نظر وبحث، والإسلام يدعو إلى النظر والبحث، فَهُم ومخالفوهم يتبارون في مجال غير هذا المجال، فلماذا نتحدث عنهم في مجال صلاحية الشريعة للبقاء! وهل قال معتزلي واحد إنها ليست صالحة لكل زمان ومكان؟
لقد كان بوسعي أن أُفيض في ردّ هذه الشبهات بما يملأ كتابًا برأسه، ولكنّي أوجز القول في تركيز دقيق لأحصر مجال النقاش في حيز يسير، فَيُلِمُّ القارئُ بمضمونه دون إرهاق.
ونرجو ممن يهاجمون الشريعة بالباطل أن يعلموا أن الأراجيف لا تثبت للحقائق، وما هي إلا سراب يلمع ثم يختفي دون ارتواء.


Read more ...

ميديا مدونة الطريق الصح