لا بد لنا مع مطلع كل عام هجري جديد من وقفة تأمل مع واقعنا الذي يموج بالفتن والاضطرابات، ونقارن بينه وبين ماضينا المستقر الذي استمد استقراره وأمنه من روح الإسلام وهديه وقيمه.
ولعلنا بمراجعة موضوعية لحالنا المؤسف نعود إلى صفائنا الروحي واستقرارنا النفسي وهدوئنا العقلي.
لا بد لنا من استرجاع ذكرياتنا القديمة لا لنعيش على هامشها بل لنستلهم منها العبرة، ونأخذ منها الفكرة، ونصوغ لأنفسنا من ضوئها حياة أفضل، ونستمد من صفاتها زادا يعيننا على مسيرة الأيام، وينقذنا من أوجاع الحياة.
نحن نحتفل بعيد الهجرة كل عام، ولكن هذا الاحتفال لم يجدد لنا حياتنا كما نريد، وقصائد الشعر وخطاب المحافل لم تفتح لنا الآفاق التي نريد ولم تقدم لنا الجديد.
ذلك أن احتفالنا هو من واقع التقليد لا غير، وليس من واقع الإيمان بالمثل التي يقدمها هذا الحدث الرائع الذي غير مجرى التاريخ، والذي نقل المسلمين قديما من حال إلى حال، والذي أضاف إلى تراث الإنسانية الكثير الطيب.
ولقد آن للمسلمين في حالتهم الراهنة التي أصبحوا فيها كثرة كغثاء السيل، آن لهم أن يفكروا في حالهم مليا، وأن يتفقدوا ما ضاع منهم حتى أصبحوا خواء لا قيمة له، وهملا لا أثر له، يقتتلون فيما بينهم، ويتطاحنون فيما لا طائل تحته، ويتنازعون حول تيارات وأفكار حذر الدين منها، وقد تفرقوا شيعا وأحزابا.
من دروس الهجرة:
ولعل أول ما يطالعنا من دروس الهجرة هو ذلك الإصرار على المبدأ والإيمان العميق الذي يهون في سبيله الاستشهاد والتضحية.
لقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وحيدا لا معين له إلا الله، والتفت حوله حفنة من أصحابه الأطهار الذين آمنوا به وصدقوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وجاهدوا في الله حق جهاده، تحدوا الصعاب، واقتحموا العقبات، وتعرضوا لأعتى ضروب الامتحان والتعذيب، لم تهن لهم عزيمة ولم تلن لهم قناة، والتاريخ يحدثنا عن ذلك كثيرا، وكيف [كان] موقف المشركين من المسلمين، وكيف حاول أولئك أن يفتنوا هؤلاء عن دينهم، فلم يجد هؤلاء [بدا] من الفرار بدينهم خوفا من الفتنة، فهاجروا إلى الحبشة مرتين وهناك وجدوا الأمن والأمان، ولكن الذين بقوا بمكة ظلوا متعرضين لوحشية التعذيب الذي كان من حلقاته ذلك الحصار الرهيب في شعب بني هاشم لمدة ثلاث سنوات طوال، قاسى المسلمون الصامدون خلالها الجوع والهلاك.
ومع ذلك أصر المسلمون على موقفهم حتى فتح الله لهم أفقا جديدا وأملا جديدا بإسلام من أسلم من الأنصار الذين فتحوا قلوبهم ومدينتهم للمسلمين.
صورة مشرقة في هجرة أم سلمة:
وغنيت الهجرة بكثير من صور البطولة التي دلت على فدائية واستبسال، سواء في ذلك النساء والرجال، وحسبنا في ذلك ما يقصه علينا ابن هشام في هجرة أبي سلمة وأسرته رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أريت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.
وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده.
وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.
قالت: ففرق الله بيني وبين زوجي وبين ابني. فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مر بي رجل من بني عمر أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني.
قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله. فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبي أمية؟
فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله إلا الله وبني هذا.
قال: والله ما لك من مترك.
فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي. فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه. كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي.
فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلا بها فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
قال ابن إسحاق. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط أكرم من عثمان بن طلحة.
هذا ولم يكن عثمان بن طلحة في ذلك الوقت قد أسلم، ولكن الله سخره ليصحب هذه المسلمة البارة المهاجرة وحدها في رحلتها المخوفة تلك.
لقد أيد الله أهل دينه برجل لم يكن قد دان بعد بهذا الدين، وفي ذلك يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) رواه عمرو بن النعمان ورجاله ثقات –من كتاب الجامع الأزهر في حديث النبي الأنور للحافظ المناوي- الجزء الأول.
وقد أسلم عثمان بن طلحة في هدنة الحديبية ومعه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص الذي التقى معهما عند عودته من الحبشة، فاصطحبوا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم: ((ألقت إليكم مكة أفلاذ أكبادها)).
ثم أقام عثمان بالمدينة وعاد مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح ودفع إليه مفتاح الكعبة وهو يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. [النساء: 58].
فانظر إلى ذلك الإيمان العميق والإصرار العجيب الذي أصرت عليه أم سلمة، فلم يستطع الأهل على الرغم من جبروتهم وقسوتهم وحيلولتهم بينها وبين زوجها أن يصدوها عن دينها وعن التطلع إلى الهجرة التي أصبحت هدف كل مسلم وأمل كل مؤمن. فقد أصبحت مكة ليست بدار مقام للمسلمين بعد أن أذن الله لهم في الهجرة، وبعد أن فرغت من المسلمين ولم يبق منهم فيها إلا المستضعفون أو المغموزون في دينهم والذين أصبحوا أهلا لأن يحق فيهم قوله تعالى في سورة النساء: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].
لقد كان إيمان أم سلمة مثلا يقتدى به ويستوجب على كل من يحمل شرف الانتماء إلى هذا الدين ويحمل اسمه أن يأخذ منه زادا يتعلم منه كيف الجهاد والصبر والتضحية والفداء.
وعبرة أخرى نخرج بها من هجرة أم سلمة رضي الله عنها، هي أن المهاجرين كانوا يخرجون خفية خشية أن يحال بينهم وبين الهجرة، فقد كان المشركون يترصدون الطريق عليهم حتى لا ينطلقوا إلى جوار آمن يلتقطون فيه أنفاسهم ثم يعودون إليهم أقوياء محاربين، ولكن أم سلمة جاهرت بهجرتها وخرجت على أسماع قومها وأبصارهم، فقد كان لإصرارها العظيم على موقفها أثر كبير في أن ترقق حولها قلوب بعض أهلها فسمحوا لها بالهجرة.
هجرة عمر:
ولم يجهر أحد بهجرته من رجال المسلمين –فيما يحدث الرواة- خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء في أسد الغابة عن علي بن أبي طالب: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته -العَنَزَة نوع من السلاح، واختصرها أمسكها بيده- ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا متمكنا، ثم أتى المقام فصلى متمكنا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه.
هذه صورة تدلنا على الشجاعة والإقدام وهو جدير بتلقيب النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، لقد أبت عليه غيرته على دينه وكرامة دينه عليه أن يمضي خفية كما مضى غيره، ولكنه أراد أن يلقن قريشا درسا بأن الهجرة لم تكن بسبب الجبن أو الخوف، ولكنها مرحلة من مراحل الإسلام وخطوة كبرى نحو المستقبل المشرق لهذا الدين الجديد.
إننا نستطيع أن نأخذ من هذه الصورة لأنفسنا اليوم –لو أردنا وصح لنا العزم- كيف تكون الثقة بالله والتسلح باليقين وأن الله ناصر وليه وخاذل عدوه، فإن قريشا على عنجهيتها وبأسها وجبروتها لم تستطع أن تقف في وجه هذا الشجاع الواثق بربه المتسلح بإيمانه المصر على موقفه.
هجرة علي:
وهناك صورة مثلى في الهجرة نلمسها أيضا في الفدائي العظيم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة هجرته وهو يعلم أن العدو محدق بالدار يتحين الفرصة لاقتحامها.
لقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام في فراشه ويتسجى ببرده الأخضر وأن يتأخر بعده ثلاثا حتى يؤدي الأمانات إلى أهلها.
وكان المشركون ينظرون من خصاص الباب فيرون عليا نائما ويظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي كان قد خرج من جهة أخرى وهو يتلو قوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}. [يس: 9].
وحين أصبح المشركون رأوا عليا في الدار فقالوا: لو خرج محمد لخرج بعلي معه، فحبسهم الله بذلك عن طلب النبي حين رأوا عليا.
وكان هذا تدبيرا حكيما نتعلم منه حسن التخطيط والتدبير وبعد النظر وإعداد العدة للأمور قبل تنفيذها.
وتهيأ علي للهجرة بعد أن أدى الأمانات التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابها، وصحبه في هجرته أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي بالليل ويكمن بالنهار وهو راجل على قدميه حتى قدم المدينة.
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدومه قال: ادعوا لي عليا. قيل يا رسول الله لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه اعتنقه وبكى رحمة لما بقدميه من الورم وكانتا تقطران دما. فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في يديه ومسح بهما رجليه ودعا له بالعافية فلم يشتكهما حتى استشهد رضي الله عنه. حدَّث بذلك ابن الأثير في كتابه القيم أُسْدُ الغابة.
لله ما أروع هؤلاء الأبطال الذين قدموا لنا هذا الدين سائغا رائعا جادوا في تقديمه لنا بأرواحهم وأنفسهم وأموالهم. وتلقيناه نحن منهم بدون تعب منا ومع ذلك فرطنا فيه وضيعناه.
لا يستطيع الواحد منا أن يقوم بأدنى ما كانت تقوم به واحدة من المسلمات الأوليات المستبسلات فضلا عن الرجال. ومع ذلك فإن الغرور يأخذ منا كل مأخذ، ويتشدق المتشدقون منا بأننا مثل من تقدموا أو بإمكاننا أن نكون مثلهم.
كلا لسنا مثلهم فإننا لا نملك أسلحة الجهاد التي جاهد بها هؤلاء الأبطال وفي مقدمتها العزم الأكيد واليقين الصادق والإيمان العميق والأفق الواسع والمحبة العميقة للمسلمين والأخوة الرحبة التي وسعتهم جميعا لا فرق بين أبيض وأسود وعربي وعجمي، والروح الفدائية والتضحية بالمال والنفيس وبذل النفس رخيصة في ذات الله والحب الخالص لوجه الله والتغاضي عن الهفوات والتعاون في سبيل الله.
أقولها صادقًا .. يوم نملك هذا السلاح نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق هؤلاء وسوف نمضي قدما إلى الأمام ليصبح المسلمون كثرة قوية لا كثرة مغلوبة مخذولة يقتل بعضها بعضا ويخذل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .. ومع ذلك لن نفقد الأمل فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
ولعلنا بمراجعة موضوعية لحالنا المؤسف نعود إلى صفائنا الروحي واستقرارنا النفسي وهدوئنا العقلي.
لا بد لنا من استرجاع ذكرياتنا القديمة لا لنعيش على هامشها بل لنستلهم منها العبرة، ونأخذ منها الفكرة، ونصوغ لأنفسنا من ضوئها حياة أفضل، ونستمد من صفاتها زادا يعيننا على مسيرة الأيام، وينقذنا من أوجاع الحياة.
نحن نحتفل بعيد الهجرة كل عام، ولكن هذا الاحتفال لم يجدد لنا حياتنا كما نريد، وقصائد الشعر وخطاب المحافل لم تفتح لنا الآفاق التي نريد ولم تقدم لنا الجديد.
ذلك أن احتفالنا هو من واقع التقليد لا غير، وليس من واقع الإيمان بالمثل التي يقدمها هذا الحدث الرائع الذي غير مجرى التاريخ، والذي نقل المسلمين قديما من حال إلى حال، والذي أضاف إلى تراث الإنسانية الكثير الطيب.
ولقد آن للمسلمين في حالتهم الراهنة التي أصبحوا فيها كثرة كغثاء السيل، آن لهم أن يفكروا في حالهم مليا، وأن يتفقدوا ما ضاع منهم حتى أصبحوا خواء لا قيمة له، وهملا لا أثر له، يقتتلون فيما بينهم، ويتطاحنون فيما لا طائل تحته، ويتنازعون حول تيارات وأفكار حذر الدين منها، وقد تفرقوا شيعا وأحزابا.
من دروس الهجرة:
ولعل أول ما يطالعنا من دروس الهجرة هو ذلك الإصرار على المبدأ والإيمان العميق الذي يهون في سبيله الاستشهاد والتضحية.
لقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وحيدا لا معين له إلا الله، والتفت حوله حفنة من أصحابه الأطهار الذين آمنوا به وصدقوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وجاهدوا في الله حق جهاده، تحدوا الصعاب، واقتحموا العقبات، وتعرضوا لأعتى ضروب الامتحان والتعذيب، لم تهن لهم عزيمة ولم تلن لهم قناة، والتاريخ يحدثنا عن ذلك كثيرا، وكيف [كان] موقف المشركين من المسلمين، وكيف حاول أولئك أن يفتنوا هؤلاء عن دينهم، فلم يجد هؤلاء [بدا] من الفرار بدينهم خوفا من الفتنة، فهاجروا إلى الحبشة مرتين وهناك وجدوا الأمن والأمان، ولكن الذين بقوا بمكة ظلوا متعرضين لوحشية التعذيب الذي كان من حلقاته ذلك الحصار الرهيب في شعب بني هاشم لمدة ثلاث سنوات طوال، قاسى المسلمون الصامدون خلالها الجوع والهلاك.
ومع ذلك أصر المسلمون على موقفهم حتى فتح الله لهم أفقا جديدا وأملا جديدا بإسلام من أسلم من الأنصار الذين فتحوا قلوبهم ومدينتهم للمسلمين.
صورة مشرقة في هجرة أم سلمة:
وغنيت الهجرة بكثير من صور البطولة التي دلت على فدائية واستبسال، سواء في ذلك النساء والرجال، وحسبنا في ذلك ما يقصه علينا ابن هشام في هجرة أبي سلمة وأسرته رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أريت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.
وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده.
وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.
قالت: ففرق الله بيني وبين زوجي وبين ابني. فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مر بي رجل من بني عمر أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني.
قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله. فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبي أمية؟
فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله إلا الله وبني هذا.
قال: والله ما لك من مترك.
فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي. فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه. كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي.
فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلا بها فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
قال ابن إسحاق. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط أكرم من عثمان بن طلحة.
هذا ولم يكن عثمان بن طلحة في ذلك الوقت قد أسلم، ولكن الله سخره ليصحب هذه المسلمة البارة المهاجرة وحدها في رحلتها المخوفة تلك.
لقد أيد الله أهل دينه برجل لم يكن قد دان بعد بهذا الدين، وفي ذلك يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) رواه عمرو بن النعمان ورجاله ثقات –من كتاب الجامع الأزهر في حديث النبي الأنور للحافظ المناوي- الجزء الأول.
وقد أسلم عثمان بن طلحة في هدنة الحديبية ومعه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص الذي التقى معهما عند عودته من الحبشة، فاصطحبوا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم: ((ألقت إليكم مكة أفلاذ أكبادها)).
ثم أقام عثمان بالمدينة وعاد مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح ودفع إليه مفتاح الكعبة وهو يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. [النساء: 58].
فانظر إلى ذلك الإيمان العميق والإصرار العجيب الذي أصرت عليه أم سلمة، فلم يستطع الأهل على الرغم من جبروتهم وقسوتهم وحيلولتهم بينها وبين زوجها أن يصدوها عن دينها وعن التطلع إلى الهجرة التي أصبحت هدف كل مسلم وأمل كل مؤمن. فقد أصبحت مكة ليست بدار مقام للمسلمين بعد أن أذن الله لهم في الهجرة، وبعد أن فرغت من المسلمين ولم يبق منهم فيها إلا المستضعفون أو المغموزون في دينهم والذين أصبحوا أهلا لأن يحق فيهم قوله تعالى في سورة النساء: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].
لقد كان إيمان أم سلمة مثلا يقتدى به ويستوجب على كل من يحمل شرف الانتماء إلى هذا الدين ويحمل اسمه أن يأخذ منه زادا يتعلم منه كيف الجهاد والصبر والتضحية والفداء.
وعبرة أخرى نخرج بها من هجرة أم سلمة رضي الله عنها، هي أن المهاجرين كانوا يخرجون خفية خشية أن يحال بينهم وبين الهجرة، فقد كان المشركون يترصدون الطريق عليهم حتى لا ينطلقوا إلى جوار آمن يلتقطون فيه أنفاسهم ثم يعودون إليهم أقوياء محاربين، ولكن أم سلمة جاهرت بهجرتها وخرجت على أسماع قومها وأبصارهم، فقد كان لإصرارها العظيم على موقفها أثر كبير في أن ترقق حولها قلوب بعض أهلها فسمحوا لها بالهجرة.
هجرة عمر:
ولم يجهر أحد بهجرته من رجال المسلمين –فيما يحدث الرواة- خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء في أسد الغابة عن علي بن أبي طالب: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته -العَنَزَة نوع من السلاح، واختصرها أمسكها بيده- ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا متمكنا، ثم أتى المقام فصلى متمكنا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه.
هذه صورة تدلنا على الشجاعة والإقدام وهو جدير بتلقيب النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، لقد أبت عليه غيرته على دينه وكرامة دينه عليه أن يمضي خفية كما مضى غيره، ولكنه أراد أن يلقن قريشا درسا بأن الهجرة لم تكن بسبب الجبن أو الخوف، ولكنها مرحلة من مراحل الإسلام وخطوة كبرى نحو المستقبل المشرق لهذا الدين الجديد.
إننا نستطيع أن نأخذ من هذه الصورة لأنفسنا اليوم –لو أردنا وصح لنا العزم- كيف تكون الثقة بالله والتسلح باليقين وأن الله ناصر وليه وخاذل عدوه، فإن قريشا على عنجهيتها وبأسها وجبروتها لم تستطع أن تقف في وجه هذا الشجاع الواثق بربه المتسلح بإيمانه المصر على موقفه.
هجرة علي:
وهناك صورة مثلى في الهجرة نلمسها أيضا في الفدائي العظيم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة هجرته وهو يعلم أن العدو محدق بالدار يتحين الفرصة لاقتحامها.
لقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام في فراشه ويتسجى ببرده الأخضر وأن يتأخر بعده ثلاثا حتى يؤدي الأمانات إلى أهلها.
وكان المشركون ينظرون من خصاص الباب فيرون عليا نائما ويظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي كان قد خرج من جهة أخرى وهو يتلو قوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}. [يس: 9].
وحين أصبح المشركون رأوا عليا في الدار فقالوا: لو خرج محمد لخرج بعلي معه، فحبسهم الله بذلك عن طلب النبي حين رأوا عليا.
وكان هذا تدبيرا حكيما نتعلم منه حسن التخطيط والتدبير وبعد النظر وإعداد العدة للأمور قبل تنفيذها.
وتهيأ علي للهجرة بعد أن أدى الأمانات التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابها، وصحبه في هجرته أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي بالليل ويكمن بالنهار وهو راجل على قدميه حتى قدم المدينة.
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدومه قال: ادعوا لي عليا. قيل يا رسول الله لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه اعتنقه وبكى رحمة لما بقدميه من الورم وكانتا تقطران دما. فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في يديه ومسح بهما رجليه ودعا له بالعافية فلم يشتكهما حتى استشهد رضي الله عنه. حدَّث بذلك ابن الأثير في كتابه القيم أُسْدُ الغابة.
لله ما أروع هؤلاء الأبطال الذين قدموا لنا هذا الدين سائغا رائعا جادوا في تقديمه لنا بأرواحهم وأنفسهم وأموالهم. وتلقيناه نحن منهم بدون تعب منا ومع ذلك فرطنا فيه وضيعناه.
لا يستطيع الواحد منا أن يقوم بأدنى ما كانت تقوم به واحدة من المسلمات الأوليات المستبسلات فضلا عن الرجال. ومع ذلك فإن الغرور يأخذ منا كل مأخذ، ويتشدق المتشدقون منا بأننا مثل من تقدموا أو بإمكاننا أن نكون مثلهم.
كلا لسنا مثلهم فإننا لا نملك أسلحة الجهاد التي جاهد بها هؤلاء الأبطال وفي مقدمتها العزم الأكيد واليقين الصادق والإيمان العميق والأفق الواسع والمحبة العميقة للمسلمين والأخوة الرحبة التي وسعتهم جميعا لا فرق بين أبيض وأسود وعربي وعجمي، والروح الفدائية والتضحية بالمال والنفيس وبذل النفس رخيصة في ذات الله والحب الخالص لوجه الله والتغاضي عن الهفوات والتعاون في سبيل الله.
أقولها صادقًا .. يوم نملك هذا السلاح نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق هؤلاء وسوف نمضي قدما إلى الأمام ليصبح المسلمون كثرة قوية لا كثرة مغلوبة مخذولة يقتل بعضها بعضا ويخذل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .. ومع ذلك لن نفقد الأمل فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
التعليقات: 0
Post a Comment