كلمة رجل من الكلمات الضخمة التي يكون لها طنينها ورنينها حينما تجري على الألسنة أو تدور عليها رحى الحديث، إلا أن اختلاف وجهة النظر تجعلها أشبه بما يطلق عليه عند علماء المنطق من مقولة التشكيك؛ لأنها تختلف باختلاف الأوساط والبيئات، فهي عند اللصوص وقطاع الطريق بمعنى غير هذا المعنى الذي يقصد إليه سواهم من الناس، وإن كانت اللغة لا تعني به إلا أنه مقابل المرأة، وربما جعلت الذي يقطع المسافة في الطريق ماشيًا على قدميه راجلا. وفي القرآن الكريم {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]، وقد رأينا الأسلوب الذي جرى عليه كتاب الله -سبحانه وتعالى- إذا أراد أن يخلع على الذكر من بني آدم لباسًا من الضخامة والفخامة، والتقدير والاحترام، والمهابة والإجلال، إذ يكون الحديث عنه أو الخطاب له مقترنًا بكلمة رجل، يجيء بها محوطة بهالة من أوصاف الكمال الإنساني الذي يتناسب مع ما تنشده الأوساط المهذبة المؤدبة والجماعات التي نضج فيها الوعي الحضاري، ونما فيها الذوق العام، وتقدمت لديها الإدراكات والأحاسيس، والشعور والوجدان، وأصبحت تنكر ما هو خارج عن ذلك كله من سمات الانحدار وخِلال الإسفاف، وأوصاف التهافت والنزول إلى مستوى السوقة من الناس، فهو يقول مثلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، ويعطي بهذا النص للرجل وسامًا من الكبرياء والعظمة والاعتزاز والفخر، والارتفاع به إلى مستوى من التعالي والخيلاء يجعله في مكانة من الفضل، إذا نظرت إليها المرأة ازداد إعجابها به وحبها له، واطمئنانها إلى أنها قد ظفرت بإنسان تطول هامتها حين تتحدث زميلاتها عن أزواجهن؛ لأن الله سبحانه وتعالى الذي جمله بالعقل، وكمله بالرأي، وخصه بجعل الزمام في يده، أسعفه بالمال الذي يلبيه عند الحاجة، والثروة التي ينفق منها عند الطلب، فلا ينالها امتهان ولا يطاردها فقر، ولا يرغم أنفها خصاصة، والرجل هو هذا الذي يكد ويجد، ويعمل ويسعى، ويتحمل المتاعب ويلاقي الهوان؛ ليوفر لامرأته السعادة كلها، ولا يستحق شيئًا من هذا العنوان إذا قصر في وظيفته، أو تخلى عن واجبه، وهكذا كان قوله جل وعلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، ويقول في موضع آخر: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، فيحيط هذه الرجولة بوصفين من أجلِّ ما تكون الأوصاف، وأحسن ما تكون النعوت، وأنبل ما تكون الخِلال أو الخصال: الإيمان وصدق العهد، وهل يملأ إنسان ثيابه اعتزازًا بإنسانيته، وفخرًا بآدميته، وتعاليًا بنفسه، وثقة بمكانه الذي يتحيزه في البيئة التي يعيش فيها أكثر من كونه مؤمنًا صادق العهد، وهما المعنيان اللذان يجعلانه واقفًا على أرض صلبة لا تهتز تحت قدميه ولا تدور به، ولا تشيع في قلبه الشك في جدارته بالحياة، واستحقاقه للعيش، وكفايته للآدمية الكريمة .. وفي نصاب الشهادة يجعل الدين الحنيف الواحد من الذكور عدل امرأتين اثنتين، فيقول: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، وهو تقدير له واعتراف بأن خصائصه ومزاياه تسلط عليه الأضواء، وتبرز به في ميدان الاعتبار والاحترام، ولا يدور بخلد أحد أن الرجولة هي الرجولة في الدين وفي غيره؛ لأن اللغة لا تفرق بين الذكر من بني آدم في حالاته المتنوعة أو أوقاته المتباينة، وإنما هو رجل في قواميسها ومعاجمها سواء اشرأبت إليه الأعناق وأكبرته النفوس ولهجت بذكره الألسنة، أم كان من هؤلاء الذين تختنق بهم الأجواء، وتلفظهم الأمكنة، وتتبرأ منهم الإنسانية، ولا تطمئن بهم الأرض .. وربما كان هذا صادقًا إلى حد ما لو أننا كنا نبحث الكلمة أو ندور معها عند اللغويين، أَمَا وهي "رجولة المسلم" فإن لها اعتبارًا آخر من غير شك؛ لأن الإسلام هذب الألفاظ، وخصص المعاني، وجاء للناس بمفاهيم جديدة أضافها إلى الحقائق وأدخلها على الأشياء، وحينما كانت الجاهلية ترى الرجولة في العضلات المفتولة والسواعد القوية، واقتحام الغارات والانتصار في الحروب، والفتك كل الفتك بالأعداء، كان لها عذرها في ذلك، وكان إحاطتها للرجولة بتلك المواصفات مقبولًا على العين والرأس؛ لأنهم كانوا يباهون بالشجاعة والإقدام، وسفك الدماء وإزهاق الأرواح، ومناعة الكلأ وحماية الوحوش، فإذا استرعى في أرضهم دخيل، أو اصطاد من صحرائهم غريب، عَدُّوا ذلك كله تطاولا عليهم، واستباحة لذمارهم، والويل كل الويل لمن تحدثه نفسه بذلك، فلما جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- بدينه الذي جاء به، وكتابه الذي جعله في (يمنه)، كانت الرجولة عنده طرازًا آخر يتنافى مع حياة الأدغال والوحوش، والعدوان الظالم، والاغتصاب القبيح، والفتك المرذول، وتجاوز الحدود تجاوزًا يخرج بصاحبه عن حدود اللياقة والذوق، ولهذا كان (في) استقبالهم له مشوبًا بالاحترام والإجلال، ولم يشكُّوا بعضًا من الشك في أنه مصلح اجتماعي من نسق لم يَدُر إلا في خيال الشعراء وأوهام الفلاسفة، ومن ذا الذي ينكر عليه تلك الوقفة النبيلة والصيحة الكريمة والدعوة المثلى، وهنا ينادي هذه الأمة ذلك النداء العظيم الذي يضعها في قمة الإنسانية من الصواب والحق، والإنصاف والعدل، والاعتدال في الرأي، والتزام الجادة الصحيحة في المعاملة: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، والرجولة تعتمد على الحق وتقوى في أجواء العدالة وبيئات الإنصاف، والله جل جلاله خلق السماوات والأرض بالحق، وجعل عمارة الدنيا بالحق، وسمى نفسه الحق، وليس هنالك مكرمة من المكارم للرجولة إليها انتساب إلا وأنت واجد الحق عمادها الذي تعتمد عليه .. وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو أبرز مثل للرجولة في الإسلام لم يكن في سلوكه إسفاف، ولا في تصرفه هوى، ولا في خلقه ضعف، ولا في حكومته جنف، ولا في سياسته التواء، ولا في معاملته ما ينفر الناس منه .. وربما كانت اللغة تطلق كلمة الفسولة على ما يقابل الرجولة؛ لأنها تجمع في ثناياها اللؤم والخسة وخصال الشر كله، فعادم الشرف، وفاقد المروءة، وناقص الذوق، وبليد الحس، وخائن العهد، وملوث العرض لا يمكن أن يكون رجلا إلا إذا تبدلت الأوضاع وانتكست المعايير وفسد المنطق وخربت الذمم، وأصبح الناس يخافون سلطان الباطل. وكلمة إنسان تقوم مقام كلمة رجل في بعض الأوقات إلا أن الفرق بينهما دقيق؛ لأن الإنسانية رقيقة على طول الخط لا تسلك سبيل الجفوة، ولا تنحو منحى الشدة، ولا تستعين بسوط الجلاد أبدًا، وإنما هي رحمة كلها حتى مع الخصوم الذين يحاربون دعوتها، أو ينقمون عليها، وليست كذلك الرجولة التي قد تأخذ بالشدة وتلتجئ إلى العنف، وتجعل في إحدى يديها العصا؛ لأنها قد تقف موقف المؤدب أو المربي، وعلى كل حال لم تكن الرجولة في وقت من الأوقات ناعمة نعومة الحرير وأصحابها قد يحملون أنفسهم على المكروه، ويأخذون طباعهم بالعنف، ويلزمون جوارحهم بالشدة، ويتحملون في سبيل مبادئهم الأذى وهي معاناة وجهاد على طول الخط، ونسبها بعد هذا وهذا يلتقي مع الإنسانية ويمتزج بها امتزاج الدم بهيكل الإنسان، والرجل الحق أو الرجل كل الرجل هو هذا الذي يضيف إلى رجولته إنسانية حلوة يحتل بها نفوس الأخيار الذين تفيض ألسنتهم بالدعاء له والثناء عليه؛ لأن الرجولة أقصى ما تناله من المعاصرين إعجاب وتقدير، وإجلال واحترام، لكن الإنسانية معنى آخر يشبه المعاني الملائكية التي تطغى فيها الروح على العقل، ويسيطر فيها الوجدان على الفكر، وقد يعجب الإنسان إعجاب إكبار وتقدير لشيء يبغضه أو يكرهه، ولكنه لا يدعو أو يتمنى التمنيات الطيبة إلا للشيء الذي يطغى فيه الجانب الإنساني على ما عداه وهذا هو فرق ما بين الرجولة والإنسانية. الحرية: الحر: هو الذي لا يكون مملوكًا لأحد، ويقابله العبد وهو الذي يكون مملوكًا لسيد يتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة والوصية والرهن، وما شاكل ذلك من أنواع المعاملات التي يملكها صاحب السلعة المنقولة أو غير المنقولة. ومن معاني الحر -كذلك- الخالص الذي لم يدخل في حقيقة تكوينه أو عناصر تركيبه عنصر أجنبي غير عنصره الأصلي، ولعل كلمة حر في الإنسان -في بادئ الأمر- كانت تعني ما في داخله من الطاقة الحرارية التي تحمله على أن يثور على الأوضاع الباطلة والأمور الشاذة، وكل ما يتنافى مع ما تتطلبه الآدمية من الكرامة والعزة والإباء والشمم، وعدم الاستجابة إلى ما من شأنه أن ينزل به عن المستوى اللائق بالإنسان الذي يتطلع إلى أن يأخذ مكانه في الوجود على قدم المساواة مع غيره من أبناء آدم وبنات حواء دونما شيء من العنف أو الشدة، وعلى هذا يظهر جليًّا معنى الكلمة، وتتضح قيمتها في موازين الألفاظ ذات الاعتبار والتقدير، وصراع البشرية في كثير من الأزمنة والأمكنة قد يكون السبب الباعث عليه أو المحرك له هو طلب الحرية للذين يفقدونها، أو الدفاع عنها والقتال دونها عند من يجدونها، أو الذين حصلوا عليها وذاقوا حلاوتها، وربما رأينا ذلك المعنى نفسه -معنى الطلب أو الدفاع- في الحيوانات الأخرى التي تقاوم الضغط، وتثور لتحديد الإقامة، وتصرخ إذا أعوزتها الحيلة في فك قيودها وتحطيم أغلالها، وتهيئة الجو الطليق الذي تنشده، والإنسان الأول الذي كان يعيش في الأدغال والأحراش مع الحيوانات لم تكن تقيده قيود في حله وترحاله، أو صحوه ونومه، فلما تطور به العيش، وتقدمت به الحياة، وطغى سُعار الأنانية كان لا بد من تهذيب هذا الانطلاق الأهوج والتحلل الطائش، وهنالك وقفت في وجهه القوانين، وَحَدَّت من نزواته الدساتير، وهذبت طموحه الشرائع، وقومت عوجه النُّظُم إلا أنها -مع هذا كله- لم تبلغ درجة تسلب فيها اختياره وتقضي على إرادته، وتجعله سلعة في رأس مال أجنبي، أو نفوذ طارئ، أو سلطان مفروض، أو قدرة تسيطر على قدرته وتهدر حقوق آدميته .. وأنت ترى إذا نظرت إلى هذا النزوع في الحيوان أو الإنسان أن هذا المعنى فطري -لا محالة- يميل إليه الطبع، ويهفو إليه دائمًا أبدًا الاستعداد؛ ولهذا فإن مهمة الشرائع أو القوانين بالنسبة إليه لم تكن أكثر من التهذيب أو التوجيه حتى لا تكون هذه الحرية مغتصبة من الغير، أو طغيانًا على حقوق الآخرين، ولا بد أن يعلم من ينشدون الحرية ويقطعون من أجلها المسيرة الطويلة، أو يتحملون الجهد الشاق أنها تشبه السيف في يد الجندي في الميدان الذي لا يحمله اعتباطًا، وإنما يكون ذلك بعد أن يتعلم كيف يستطيع أن ينال به مقاتل عدوه، ويذود عن حياض أوطانه، ويكسب به لنفسه ثم لأمته شرف الجندية الكريمة التي تجعله لبنة طيبة في بناء مجد شامخ لهذا الشعب العظيم الذي ينتسب إليه، وتعلم الأمة أبناءها مختلف أنواع العلوم الصناعية والزراعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ لتكون تلك الحرية في أيديهم سلاحًا يذودون به شرور الغاصب ومطامع المستعمر وكيد الأجنبي. ونرى الآباء لا يمنحون هذا الحق لأبنائهم وهم في سن الطفولة وغرارة الصبا، وطيش المراهقة، فإذا ما شبوا عن الطوق، واطمأنوا إلى رشدهم وَأَنِسُوا إلى تمام وعيهم وإدراكهم، وحسن تصرفهم منحوهم إياها في ثقة وأمل، وارتياح ورغبة، طامعين في أن يكون لهم من نضوج العقل، واكتمال السن، وكثرة التجارب شفيع إلى هذا الصنيع معهم، أو باعث على المنهج السليم والقصد الصحيح، ولقد عرف العربي دون غيره من شعوب العالم بتطلعه للحرية وطلبه لها ورغبته فيها، وجهاده من أجلها، وإراقته الدماء في سبيل الوصول إليها.. والرق الذي جاء الإسلام فوجده هنالك كان طارئًا من البلاد المجاورة لهم الداخلة في نفوذ الفرس أو الرومان، ولهذا لم يلبث أن قضى عليه، وقاومه بالأساليب المختلفة، ولعل في كلمة عمر بن الخطاب -المشهورة-: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" ما يؤيد ذلك. وإذا كان النحل ضروريًّا للعسل يحرسه من العدوان ويذود عنه الشر، ويدفع الواغل ويرد المغير، فإن الحرية تحتاج إلى من يحرسها من قوى الشر وعصابة السوء؛ لأنها لا تعطى عفوًا أو تمنح اعتباطًا أو تبذل بذلا رخيصًا، وإنما هي للمكافحين المجاهدين الذين يضعون أرواحهم على أيديهم، ولذا فقد اشتهر على الألسنة قولهم "الحرية الحمراء" كناية عن كونها لا تتحقق إلا للذين جاهدوا لها وكافحوا من أجلها، وكأن ذلك للدم الذي أريق في سبيلها، وسفك للحصول عليها، وأية أمة من الأمم لا تزعم لنفسها ولا للناس أنها وقد حصلت عليها أو تفيأت ظلالها، كانت نسبتها المئوية منها مائة في المائة، وإنما هي إلى جانب ما تنعم به منها تعاني -كذلك- كبتًا وضغطًا وتحديدًا للحركة والسكون أو القول والفعل، ومن المسلم به أن الإسلام الذي رفع لواءها وأعلى منارتها وغالى بقيمتها قد ضيق نطاقها في بعض الأحوال، وجعل الأفراد مقيدين بما ألزمهم به من التكاليف، وربطهم به من الأوامر والنواهي. والرجل لا يسرف في ماله ولا يبذره، ولا يوصي منه بما يزيد على الثلث، ثم هو ينحى عن التصرف فيه إن كان غير رشيد، بل إن الأكثر من ذلك كله أن رجال القانون يقولون: "إن الملكية وظيفة لا حق" ويرتبون على ذلك أن صاحب المال إذا لم يحركه على وجه يفيد المجتمع، ويعود عليه بالمغانم يعزل عنه، ومثل ذلك الأرض الزراعية إذا تعطلت عن الاستغلال ووقفت عن العطاء، وليس بحد هذا القول موضع لشك في أننا -كما يقول علماء العقيدة- مجبورون باطنًا وإن كنا مختارين ظاهرًا، وعلى ذلك فنحن ننتهي من هذا الحديث الذي قدمناه إلى الاعتراف بأن الإنسان حرٌّ من عبوديته للناس، وربما كان غير حرٍّ لأنه يرسف في قيود وأغلال تحد من تصرفه وسلوكه، وقوله وفعله، وما ينال الفرد أو الجماعة من الضرر والأذى الناجمين عنه أو الحاصلين منه. ومن هنا كان لا بد من أن نقول: إن الحرية تحتاج من الذين يتطلعون إليها ويحاولون الحصول عليها إلى تربية خاصة تقوم على ثقافة وعلم، ورأي وفكر، وأدب وذوق، وإدراك ووعي يجعلهم أهلا لها، وهي كالسيف الذي لا يكفي له أن يكون ماضيًا صقيلا ما لم تكن اليد التي تقبض عليه قوية، والعين التي ترسله ذات بصر حصيف يصرفه في مقاتل العدو وإلا فهو قطعة من الحديد يعلوها الصدأ، وتقتحمه الأعين، وتدوسه الأقدام. والطفل الذي يربيه والده، أو يرعاه أستاذه، لا يمكن أن تبذل له الحرية جزافًا، أو تمنح له عن سخاء وأريحية دون أن يسبق ذلك ضغط وقسر، وحرمان ومنع، حتى إذا ما اطمأن أهله أنه شبَّ عن الطوق، وآنسوا منه الرشد، وتجاوز سن الرعاية والحيطة أجازوا له أن يتصرف وآذنوا له في الانطلاق من القيود والأغلال، وجعلوه في عداد الرجال الذين ارتفعت عنهم الوصاية. والثورات التي تقوم على ظلم وطغيان، واستعمار واستغلال، وما يشبه ذلك من العبودية والعسف والقهر والسيطرة، لا تمكن للحرية كل التمكن إلا بعد أن تجتاز مرحلة من الحكم الاستبدادي تخضع به الفوضى وتكبح به جماح الطيش، وتساعدها على أن تقلم أظافر العدو، وحينئذٍ تبني الجيش وتصحح الأوضاع، وتقف على الأرض الصلبة التي لا تميد بها، أو تتزلزل من تحت أقدامها، ثم ترخي بعد ذلك كله في العنان بقدر ما، من غير أن يكون في ذلك ضرر ولا ضرار، وربما أُعْطِيَ إنسان نصيبه منها وَحُرِمَ آخر اقتضت المصلحة العامة حرمانه. وكثيرًا ما أشفق العقلاء والفلاسفة على هؤلاء الذين ينادون بالحرية، أو يتحدثون عنها أن ينسيهم بريق الكلمة ما وراء ذلك من خطر سوء الاستعمال، أو إعطائها لغير أهلها، فإن الخير لا يكون خيرًا إلا إذا أعطي للذي يستحقه ويحسن التصرف فيه والانتفاع به |
التعليقات: 0
Post a Comment