‏إظهار الرسائل ذات التسميات رقائق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رقائق. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول

في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول

خرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل)) الكلام على هذا الحديث في فصلين:

1- في أفضل التطوع بالصيام.
2-
وأفضل التطوع بالقيام.

الفصل الأول: في فضل التطوع بالصيام

وهذا الحديث صريح في أن أفضل ما تُطُوِّع به من الصيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرم وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تُطُوِّع بصيامه كاملا بعد رمضان؛ فأما بعض التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام يوم عرفة أو عشر ذي الحجة أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك، ويشهد لهذا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث علي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني بشهر أصومه بعد شهر رمضان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب الله فيه على قوم، ويتوب على آخرين)) وفي إسناده مقال.
ولكن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شهر شعبان، ولم ينقل عنه أنه كان يصوم المحرم إنما كان يصوم عاشوراء وقوله في آخر سنة: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)) يدل على أنه كان لا يصوم التاسع قبل ذلك، وقد أجاب الناس عن هذا السؤال بأجوبة فيها ضعف، والذي ظهر لي والله أعلم أن التطوع بالصيام نوعان:
أحدهما: التطوع المطلق بالصوم، فهذا أفضله المحرم كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل.
والثاني: ما صيامه تبع لصيام رمضان قبله وبعده، فهذا ليس من التطوع المطلق بل صيامه تبع لصيام رمضان وهو ملتحق بصيام رمضان، ولهذا قيل: إن صيام ستة أيام من شهر شوال يلتحق بصيام رمضان، ويُكْتَب بذلك لمن صامها مع رمضان صيام الدهر فرضا وقد روي أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بصيام شوال فترك الأشهر الحرم وصام شوالا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
فهذا النوع من الصيام يلتحق برمضان، وصيامه أفضل التطوع مطلقا؛ فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يصوم الأشهر الحرم، وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى، وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم، ويشهد لهذا أنه صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: ((وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل)) ومراده بعد المكتوبة: ولواحقها من سننها الرواتب فإن الرواتب قبل الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء؛ لالتحاقها بالفرائض وإنما خالف في ذلك بعض الشافعية، فكذلك الصيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان، وصيامه أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع المطلق بالصيام صيام المحرم.
وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل، فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه، وقد روي عنه مرفوعا ومرسلا قال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو الهلال الراسي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة بعد المكتوبة في جوف الليل الأوسط، وأفضل الشهور بعد شهر رمضان المحرم، وهو شهر الله الأصم)).
وخرج النسائي من حديث أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير، وأي الأشهر أفضل؟ فقال: ((خير الليل جوفه، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم)) وإطلاقه في هذا الحديث: ((أفضل الأشهر)) محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة، وقال سعيد بن جبير وغيره: أفضل الأشهر الحرم ذو القعدة أو ذو الحجة، بل قد قيل: إنه أفضل الأشهر مطلقا، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وزعم بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب وهو قول مردود، وأفضل شهر الله المحرم عشره الأول، وقد زعم يمان بن رآب أنه العشر الذي أقسم الله به في كتابه، ولكن الصحيح أن العشر المقسَم به عشر ذي الحجة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عثمان النهدي: "كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العَشر الأخير، من رمضان، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، والعشر الأُوَل من محرم"، وقد وقع هذا في بعض نسخ كتاب فضائل العشر لابن أبي الدنيا عن أبي عثمان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعظم هذه العشرات الثلاث، وليس ذلك بمحفوظ، وقد قيل: إنه العشر الذي أتم الله به ميقات موسى عليه السلام أربعين ليلة، وإن التكلم وقع في عاشره.
وروي عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن مر قومك أن يتقربوا إلي في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم.
وعن قتادة أن الفجر الذي أقسم الله به في أول سورة الفجر هو فجر أول يوم من المحرم، تنفجر منه السنة، ولما كانت الأشهر الحرم أفضل الأشهر بعد رمضان أو مطلقا، وكان صيامها كلها مندوبًا إليه كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعضها ختام السنة الهلالية، وبعضها مفتاحا لها، فمن صام شهر ذي الحجة سوى الأيام المحرم صيامها منه، وصام المحرم فقد ختم السنة بالطاعة، وافتتحها بالطاعة، فيرجى أن تكتب له سنته كلها طاعةً، فإن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
وفي حديث مرفوع: ((ما من حافظين يرفعان إلى الله صحيفة فيرى في أولها وفي آخرها خيرا إلا قال الله لملائكته أشهدكم أني غفرت لعبدي ما بين طرفيها)) خرجه الطبراني وغيره، وهو موجود في بعض نسخ كتاب الترمذي، وفي حديث آخر مرفوع: ((ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة، ومن آخر النهار ساعة أغفر لك ما بين ذلك، إلا الكبائر أو تتوب منها)) وقال ابن المبارك: "من ختم نهاره بذكر الله كتب نهاره كله ذكرا" يشير إلى أن الأعمال بالخواتيم، فإذا كان البداءة والختام ذكرًا فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملا، للجميع ويتعين افتتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.

قطعت شهور العام لهوا وغفلةً ولم تحترم فيما أتيت المحرما
فلا رجبا وافيت فيه بحقه ولا صمت شهر الصوم صوما متمما
ولا في ليالي عشر ذي الحجة الذي مضى كنت قواما ولا كنت محرما
فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة وتبكي عليها حسرة وتندما
وتستقبل العام الجديد بتوبة لعلك أن تمحو بها ما تقدما

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله؛ فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته، ولما كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى الله تعالى وكان الصيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى فإنه له من بين الأعمال ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به، وهو الصيام وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله عز وجل: إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله، كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرا، فأشار إلى شهر الله الذي حرمه فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره:

شهر الحرام مبارك ميمون والصوم فيه مضاعف مسنون
وثواب صائمه لوجه إلهه في الخلد عند مليكه مخزون

الصيام سر بين العبد وبين ربه، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي" وفي الجنة باب يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه غيرهم، وهو جُنَّة للعبد من النار كجُنَّة أحدكم من القتال.
وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام يوما ابتغاء وجه الله تعالى بَعَّدَهُ الله من نار جهنم كبُعْدِ غراب طار وهو فرخ حتى مات هرمًا)) وفيه أن أبا أمامة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني؟ قال: ((عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له)) فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رؤي في بيتهم دخان بالنهار، علم أنه قد نزل بهم ضيف.
وممن سرد الصوم عمر وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة وخلق كثير من السلف، وممن صام الأشهر الحرم كلها ابن عمر والحسن البصري وغيرهما، قال بعضهم: "إنما هو غداء وعشاء فإن أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين".
"للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" إذا وجد ثواب صيامه مدخورا.
سمع بعضهم مناديا ينادي على السحور في رمضان يا ما خبأنا للصوَّام، فانتبه لذلك وسرد الصوم. وروي: أن الصائمين توضع لهم مائدة تحت العرش فيأكلون والناس في الحساب، فيقول الناس: ما بال هؤلاء يأكلون ونحن نحاسب؟ فيقال: كانوا يصومون وأنتم تفطرون. وروي أنهم يحكمون في ثمار الجنة والناس في الحساب. روى ذلك ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع.
قال الله تعالى: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]. وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوام. من ترك لله طعامه وشرابه وشهوته عوضه الله خيرا من ذلك طعاما وشرابا لا ينفد، وأزواجا لا تموت.
في التوراة: طوبى لمن جوَّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن ظمأ نفسه اليوم ليوم الري الأكبر، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، طوبى لمن ترك طعاما ينفد في دار تنفد لدار {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35].

من يرد ملك الجنان فليذر عنه التواني
وليقم في ظلمة الليـ ـل إلى نور القرآن
وليصل صوما بصوم إن هذا العيش فانِ
إنما العيش جوار الله في دار الأمان

كان بعض الصالحين يكثر الصوم، فرأى في منامه كأنه دخل الجنة فنودي من ورائه: يا فلان تذكر أنك صمت لله يوما قط؟ قال: إي والله يوم ويوم ويوم، فإذا صواني النثار قد أخذته يمنة ويسرة. كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات، فرؤي بعضُ أصحابه في المنام فسئل عن حاله فقال:

قد كسي حلة البهاء وطا فت بالأباريق حوله الخدام
ثم حلى وقيل يا قارِيَ ارقه فلعمري لقد براك الصيام

صام بعض التابعين حتى اسود من طول صيامه، وصام الأسود بن يزيد حتى اخضر جسمه واصفر، فكان إذا عوتب في رفقه بجسده يقول: كرامة هذا الجسد أريد.
وصام بعضهم حتى وجد طعم دماغه في حلقه. كان بعضهم يسرد الصوم فمرض وهو صائم فقالوا له: أفطر، فقال: ليس هذا وقت ترك. وقيل لآخر منهم وهو مريض: أفطر، فقال: كيف وأنا أسير لا أدري ما يفعل بي.
مات عامر بن عبد الله بن الزبير وهو صائم ما أفطر، ودخلوا على أبي بكر بن أبي مريم، وهو في النزع وهو صائم فعرضوا عليه ماءً ليفطر، فقال: أغربت الشمس؟ قالوا: لا، فأبى أن يفطر ثم أتوه بماء وقد اشتد نزعه فأومأ إليهم: أغربت الشمس؟ قالوا: نعم فقطَّروا في فيه قطرةً من ماء ثم مات، واحتضر إبراهيم بن هانئ صاحب الإمام أحمد وهو صائم، وطلب ماء، وسأل: أغربت الشمس؟ فقالوا: لا، وقالوا له: قد رُخِّص لك في الفرض، وأنت متطوع، قال: أجل أمهلوا، ثم قال: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] ثم خرجت نفسه وما أفطر.
الدنيا كلها شهر صيام المتقين، وعيد فطرهم يوم لقاء ربهم، ومعظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.
وقد صمت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
ولما كان الصيام سرا بين العبد وربه اجتهد المخلصون في إخفائه بكل طريق حتى لا يطلع عليه أحد، قال بعض الصالحين: بلغنا عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه من دهنه، حتى ينظر إليه الناظر فيظن أنه ليس بصائم". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا أصبح أحدكم صائما فليترجل -يعني يسرح شعره- ويدهنه، وإذا تصدق بصدقة عن يمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلى تطوعا فليصل داخل بيته". وقال أبو التياح: "أدركت أبي ومشيخة الحي إذا صام أحدهم ادَّهَن، ولبس صالح ثيابه.
صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان له دكان فكان كل يوم يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج إلى دكانه فيتصدق بهما في طريقه، فيظن أهله أنه يأكلهما في السوق، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته قبل أن يجيء.
اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصيام فكان يقوم يوم الجمعة في مسجد الجامع، فيأخذ إبريق الماء فيضع بلبلته في فيه ويمتصها، والناس ينظرون إليه ولا يدخل حلقه منه شيء؛ لينفي عن نفسه ما اشتهر به من الصوم. كم يستر الصادقون أحوالهم، وريح الصدق ينم عليهم، ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية.

كم اكتم حبكم عن الأغيار والدمع يذيع في الهوى أسراري
كم أستركم هتكتمو أستاري من يخفي في الهوى لهيب النار

ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فكلما اجتهد صاحبه على إخفائه فاح ريحه للقلوب، فتستنشقه الأرواح، وربما ظهر بعد الموت ويوم القيامة.
فكاتم الحب يوم البين مُنْهَتِكٌ وصاحب الوجد لا تخفى سرائره
ولما دفن عبد الله بن غالب كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرؤي في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. وجاء في حديث مرفوع: ((يخرج الصائمون من قبورهم يُعْرَفون بريح صيامهم، أفواههم أطيب من ريح المسك)).

وهبني كتمت السر أو قلت غيره أتخفى على أهل القلوب السرائر
أبى ذاك إن السر في الوجه ناطق وإن ضمير القلب في العين ظاهر

الفصل الثاني: في فضل قيام الليل

وقد دل حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا على أنه أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وهل هو أفضل من السنن الراتبة فيه خلاف سبق ذكره، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. وخرجه الطبراني عنه مرفوعا، والمحفوظ وقَفُه، وقال عمرو بن العاص: "ركعة بالليل خير من عشر بالنهار". خرجه ابن أبي الدنيا، وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار؛ لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص.
كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم، قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زواره، فيقوم من الليل يصلي، لا يعلم به زواره. وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت، وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليلته، وهي لا تشعر. وكان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله، ويأمر حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه، وكان بعضهم يقوم في وسط الليل ولا يُدْرَى به، فإذا كان وقت طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة.
ولأن صلاة الليل أشق على النفوس فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار، فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر، فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم، كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] ولهذا المعنى أُمِر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا، ولهذا كانت صلاة الليل منهاة عن الإثم كما يأتي في حديث خرجه الترمذي، وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق؟ فقال: ((سينهاه ما تقول))، ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين.
وقد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته فقال الله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17] وقال الله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] وقال الله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذريات: 17، 18] وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] وقال الله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] وقال تعالى: { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الاسراء: 79] وقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الانسان: 26] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 1، 4] قالت عائشة رضي الله عنها لرجل: "لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض -أو قالت: كسل- صلى قاعدا" وفي رواية أخرى عنها قالت: "بلغني عن قوم يقولون: إن أدينا الفرائض لم نبالِ أن لا نزداد، ولعمري لا يسألهم الله إلا عما افترض عليهم، ولكنهم قوم يخطئون بالليل والنهار، وما أنتم إلا من نبيكم وما نبيكم إلا منكم، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل"، ونزعت كل آية فيها قيام الليل، فأشارت عائشة رضي الله عنها إلى أن قيام الليل فيه فائدتان عظيمتان: الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي به، وقد قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وتكفير الذنوب والخطايا؛ فإن بني آدم يخطئون بالليل والنهار، فيحتاجون إلى الاستكثار من مكفرات الخطايا، وقيام الليل من أعظم المكفرات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: ((قيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة)) ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] الآية. خرجه الإمام أحمد وغيره.
وقد روي أن المتهجدين يدخلون الجنة بغير حساب، وروي عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق، سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الناس)) خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، ويروى عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله، ويروى نحوه أيضا من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن قبة بن عامر مرفوعا وموقوفا، ويروى نحوه أيضا عن عبادة بن الصامت وربيعة الجرشي والحسن وكعب من قولهم.
قال بعض السلف: قيام الليل يُهَوِّن طول القيام يوم القيامة، وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الموقف للحساب.
وفي حديث أبي أمامة وبلال المرفوع: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد)) خرجه الترمذي. ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد، ويطرد عنه الداء، وكذلك صيام النهار، ففي الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((صوموا تصحوا)) وكما أن قيام الليل يكفر السيئات، فهو يرفع الدرجات، وقد ذكرنا أن أهله من السابقين إلى الجنة بغير حساب.
وفي حديث المنام المشهور الذي خرجه الإمام أحمد والترمذي: ((إن الملأ الأعلى يختصمون في الدرجات والكفارات)) وفيه: ((أن الدرجات إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام)). وفي المسند والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه: ((إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وإنها لأهل هذه الخصال الثلاثة)) وفي حديث عبد الله بن سلام المشهور المخرج في السنن أنه أول ما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند قدومه المدينة: ((يا أيها الناس، اطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)).
ومن فضائل التهجد: أن الله تعالى يحب أهله، ويباهي بهم الملائكة، ويستجيب دعاءهم. روى الطبراني وغيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم، فذكر منهم الذي له امرأة حسناء، وفراش حسن، فيقوم من الليل فيقول الله تعالى: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في سراء وضراء)) وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة يحبهم الله فذكر منهم: وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني ويتلو آياتي)) وصححه الترمذي.
وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول ربنا تبارك وتعالى: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته، رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله عز وجل، وانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع فرجع حتى أُهْرِيق دمُه فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رجاء فيما عندي، وشفقةً مما عندي حتى أهريق دمه" رواه أحمد، وذكر بقية الحديث، وقوله: ((ثار)) فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم.
ويروى من حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور فصلى، ورجل نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمة فهو على فرس جواد، لو شاء أن يذهب لذهب". وخرجه ابن ماجه من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليضحك إلى ثلاثة: الصف في الصلاة، والرجل يصلي في جوف الليل، والرجل يقاتل -أراه قال- خلف الكتيبة)) ورُوِّينَا من حديث أبان عن أنس عن ربيعة بن وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث مواطن لا ترد فيها دعوة رجل يكون في برية حيث لا يراه أحد فيقوم فيصلي، فيقول الله لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربا يغفر الذنب، فانظروا ما يطلب؟ فتقول الملائكة: إي رب رضاك ومغفرتك، فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له ورضيت عنه، ورجل يقوم من الليل فيقول الله عز وجل: أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا، فقام عبدي هذا يصلي يعلم أن له ربا يغفر الذنوب، فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا؟ فتقول الملائكة: يا رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له)) وذكر الثالث: الذي يكون في فئة فيفر أصحابه ويثبت هو، وهو مذكور أيضا في كل الأحاديث المتقدمة.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطَّهُور وعليه عُقَد فيتوضأ، فإذا وَضَّأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب عز وجل للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي هذا فهو له)) وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نِعْم الرجل عبد الله -يعني ابن عمر- لو كان يصلي من الليل)) فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا.
كان أبو ذر رضي الله عنه يقول للناس: "أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويُبَلِّغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم، حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يوما شديدًا حره لحر يوم النشور، صلُّوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير". أين رجال الليل أين الحسن وسفيان وفضيل:

يا رجال الليل جدوا رب داع لا يرد
ما يقوم الليل إلا من له عزم وجد
ليس شيء كصلا ة الليل للقبر يعد

صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة، ومنهم من صلى كذلك أربعين سنة، قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة أخرى.
أفضل قيام الليل وسطه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه)) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصارخ يقوم للصلاة والصارخ: الديك وهو يصيح وسط الليل. وخرَّج النسائي عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير؟ قال: ((جوفه)) وخرَّج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي قيام الليل أفضل؟ قال: ((جوف الليل الغابر، أو نصف الليل وقليل فاعله)) وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الليل أفضل؟ قال: ((جوف الليل الأوسط)) قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: ((دبر المكتوبات)). وخرَّجه الترمذي والنسائي ولفظهما: أنه سأله: أيّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات)) وخرَّج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)).
ويروى أن داود عليه السلام قال: "يا رب أي وقت أقوم لك؟ قال: لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إلي حوائجك". وفي الأثر المشهور: "كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه، فها أنا ذا مطلع على أحبابي، إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على حضوري، غدا أقر أعين أحبابي في جناني".

الليل لي ولأحبابي أحادثهم قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا
لهم قلوب بأسراري بها ملئت على ودادي وإرشادي لهم طبعوا
سروا فما وهنوا عجزا ولا ضعفوا وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا

ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم، هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم.

كتمت اسم الحبيب من العباد ورددت الصبابة في فؤادي
فيا شوقا إلى بلد خليٍّ لعلي باسم من أهوى أنادي

كان داود الطائي يقول في الليل: همك عطَّل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات. وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب.

لو انك أبصرت أهل الهوى إذا غارت الأنجم الطلع
فهذا ينوح على ذنبه وهذا يصلي وذا يركع

من لم يشاركهم في هواهم وذوق حلاوة نجواهم لم يدر ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب.
من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد
كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسحر للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم؛ فوسط الليل خاص لخلوة الخواص، والسحر عام لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم.
صحائف التائبين خدودهم ومدادهم دموعهم، قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم. رسائل الأسحار تحمل، ولا يدري بها الفلك، وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملَك.

صحائفنا إشارتنا وأكثر رسلنا الحرق
لأن الكتب قد تقرأ بغير الدمع لا تثق

لا تزال القصص تستعرض، وتوقع بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر. فلذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله.

نحن الذين إذا أتانا سائل نوليه إحسانا وحسن تكرم
ونقول في الأسحار هل من تائب مستغفرٍ لينال خير المغنم

الغنيمة تقسم على كل من حضر الوقعة فيعطى منها الرجَّالة والأجراء، والغلمان مع الأمراء، والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة، وفازوا بالفخر وحمدوا عند الصباح السرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى.
كان بعض الصالحين يقوم الليل فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: يا أيها الركب المعرسون، أَكُلَّ هذا الليل ترقدون؟ ألا تقومون فترحلون؟ فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم، فيُسْمَع من هنا باكٍ، ومن هنا داعٍ، ومن هنا تالٍ، ومن هنا متوضئٍ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى.

يا نفس قومي فقد نام الورى إن تصنعي الخير فذو العرش يرى
وأنت يا عين دعي عنك الكرى عند الصباح يحمد القوم السرى

يا قوَّام الليل اشفعوا في النوَّام، يا أحياء القلوب ترحموا على الأموات.
قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. وقيل للحسن: قد أعجزنا قيام الليل؟ قال: قيدتكم خطاياكم. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك. قال الحسن: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
قال بعض السلف: أذنبتُ ذنبًا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر.
ما يؤهل الملوك للخلوة بهم إلا من أخلص في ودهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل المخالفة فلا يؤهلونه.
في بعض الآثار: إن جبريل عليه السلام ينادي كل ليلة أقم فلانا وأنم فلانا. قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب رثة، فضربه البرد فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي علينا.

يا حسنهم والليل قد جنهم ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم فعيشهم قد طاب في الترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت دموعهم كلؤلؤ منظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت وخلع الغفران خير القسم

الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]. فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلح في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ((لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل)).
مرضت رابعة مرة فصارت تصلي وردها بالنهار، فعوفيت وقد ألفت ذلك، وانقطع عنها قيام الليل، فرأت ذات ليلة في نومها كأنها أدخلت إلى روضة خضراء عظيمة، وفتح لها فيها باب دار فسطع منها نور حتى كاد يخطف بصرها، فخرج منها وُصَفَاء كأن وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم مجامر، فقالت لهم امرأة كانت مع رابعة: أين تريدون؟ قالوا: نريد فلانا قتل شهيدا في البحر فنجمره، فقالت لهم: أفلا تجمرون هذه المرأة -تعني رابعة- فنظروا إليها وقالوا: قد كان لها حظ في ذلك فتركته، فالتفتت تلك المرأة إلى رابعة وأنشدت:
صلاتك نور والعباد رقود ونومك ضد للصلاة عنيد
وكان بعض العلماء يقوم السحر، فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفا عليه، وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك.
يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسائل عنك، الوصال تعاتبك على الهجر.

تغيرتمو عنا بصحبة غيرنا وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا
وأقسمتمو أن لا تحولوا عن الهوى فحلتم عن العهد القديم وما حلنا
ليالي كنا نستقي من وصالكم وقلبي إلى تلك الليالي قد حنا

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانا نام حتى أصبح؟ فقال: ((بال الشيطان في أذنه)).
كان سري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل، ماذا فات من فاته خير الليل، لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل.
كان بعض السلف يقوم الليل، فنام ليلة فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قم فصل، ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل، هم خزانها، هم خزانها. وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آتٍ في منامه فقال: ما لك قصرت في الخطبة، أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته.
ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى ربي وأمهرني، قال: ما مهرك؟ قالت: طول التهجد.
نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء، وقالت: يا أبا سليمان، تنام وأنا أُرَبَّى لك في الخدور من خمسمائة عام؟
واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة، فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:

أتخطب مثلي وعني تنام ونوم المحبين عني حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة براه الصيام

كان النبي صلى الله عليه وسلم يطرق باب فاطمة وعلي ويقول: ((ألا تصليان)) وفي الحديث: ((إذا استيقظ الرجل وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)).
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.

يا راقد الليل كم ترقد قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته وردا إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لأولي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد.





--------------------------------
من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي
Read more ...

الخميس، 4 نوفمبر 2010

الحج والعمرة دعوة الله المتجددة للإنسانية

الحج أحد أركان الإسلام، وعمده ومبانيه، عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين فيه أنزل الله عز وجل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } سورة المائدة: الآية 3.
فَأَعْظِمْ بعبادة، بأدائها يتم الكمال، ويساوي تاركها –تهاونًا- أهل الغي والضلال لحديث عليٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا)). -رواه الترمذي- ولأن الله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} آل عمران: 97.

والحج لغة: القصد.
واصطلاحًا: قصد التوجه إلى بيت الله الحرام بالأعمال المشروعة فرضًا وسنة.
مكانته في القرآن والسنة: للحج مكانة عظيمة في القرآن الكريم، فقد ورد ذكره في أكثر من موضع منها: أمر الله لإبراهيم الخليل –عليه السلام-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الحج: 27 - 28.
أما السنة فقد عنيت بهذا الركن والحث على أدائه، روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا)) -متفق عليه-.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)) -متفق عليه-، والحج المبرور: الذي لا يخالطه إثم.
ونلاحظ أيضًا مكانة الحج وأهميته من قوله سبحانه: { وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ } سورة التوبة: الآية 3، وفي هذا اليوم قال ابن عمر رضي الله عنهما: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر)) -أخرجه أبو داود-، وَخَرَّجَ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".
إذن يوم الحج الأكبر: هو يوم النحر، قال ابن أبي أوفى: "يوم النحر يوم الحج الأكبر؛ يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، وتحل فيه الحرم"، وهذا مذهب الإمام مالك –رضي الله عنه-؛ لأن يوم النحر فيه الحج كله، لأن الوقوف إنما هو في ليلته، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته.
وقال ابن سيرين: "يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وحجت معه فيه الأمم" -راجع تفسير القرطبي عند شرحه لهذه الآية الكريمة الثالثة من سورة التوبة، وكذلك تفسير ابن كثير-.

فوائد الحج:
يعد الحج إحدى الوسائل التي تتحقق فيها الفوائد الروحية، والأدبية، والاجتماعية، والاقتصادية، نفهم هذا من قول الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 27 – 28.

الدين والدنيا يلتقيان في الحج:
تأمل قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...} دينية، ودنيوية معًا، فالدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد، فإن كان الدين يمد الروح بالإيمان الصحيح والآداب، فإن أمور الدنيا تمده بأسباب البقاء ودواعي الارتقاء، فلو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق بنا المجال. -عفيف طبارة: روح الدين الإسلامي، ص: 260-.
"وإذا كان الإسلام دينًا يدعو الناس كافة إلى عبادة رب العالمين، فالحج هو الفريضة التي تتمثل فيها هذه الأخوة الإنسانية على تباعد الديار، واختلاف الشعوب والأجناس وهو في اصطلاح العرف الشائع بين الناس بمثابة صلة الرحم، وتبادل الزيارة بين أبناء الأسرة الواحدة يجمعها الملتقى في المكان الذي صدرت منه الدعوة إليها، وهو أجدر مكان في بقاع الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء". -العقاد: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص: 112-.
وفي الكتاب العزيز قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} البقرة: 149 – 150.
ومن ثم فقد شاءت حكمة الله "أن يوجه الأمة جمعاء إلى قبلة واحدة ترتبط فيها مساجد القارات الخمس بأول مسجد ظهر على الأرض!! وترتبط فيها الأمة الإسلامية بأبيها الأول إبراهيم –عليه السلام- لتعلن أنها بهذا الارتباط لا تشذ عن قواعد النبوات القديمة، وإنما الذي شذ هو الذي أشرك، وأفسد من المغضوب عليهم والضالين". -محمد الغزالي: هذا ديننا، ص: 135-.
فمن أجل هذه "الصلات التاريخية والروحية أوجب الله على الأمة الإسلامية أن ينبعث منها كل مستطيع كي يزور المسجد الحرام مرة واحدة في عمره... وفي حجة الوداع كان الخطاب الإنساني الذي ألقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفود الكثيفة التي اجتمعت معه، وهو خطاب لم تَعِ مسامع الوجود أرقى من مبادئه، ولا أشرف من مقاصده.. وهو السجل الصادق لحقوق الإنسان وحريات الأمم.. وينبغي أن يبقى الحج ملتقى المسلمين الأكبر، ومثابتهم العظمى، وأن يبقى زمانه ومكانه الموعد المضروب لاجتماع الموحدين القادمين من المشارق والمغارب يذكرون الله، ويرجمون الشيطان". -هذا ديننا، ص: 137 – 138-.
ويظل الحج دعوة الله المتجددة لكل بني الإنسان.

من أسرار الحج:
من أهم أسرار الحج: الفهم أي فهم موقع الحج من الدين، ثم الشوق إليه، ثم العزم عليه، ثم قطع العلائق المانعة منه، ثم شراء ثوب الإحرام، ثم شراء الزاد، ثم اكتراء الراحلة، ثم الخروج، ثم المسير، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية، ثم دخول مكة، فإذا تمت هذه الأفعال على الوجه الشرعي انكشف لكل حاج من أسرار الحج ما يقتضيه صفاء قلبه، وطهارة باطنه، وغزارة فهمه، واستقامة جوارحه.
وجلاء هذه الأمور كلها كما قال الإمام الغزالي أن:
الفهم: لا يتأتى إلا بالتنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات فيها، ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق، وانحازوا إلى قُلَل الجبال ...، وألزموا أنفسهم بالمجاهدات الشاقة طمعًا في الآخرة فأثنى الله عليهم في قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} المائدة: 82، فلما اندرس هذا الصنف من الخلق أرسل الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين، فجعل الحق سبحانه الحج جهادًا ورهبانية لهم، فَشَرَّفَ البيت العتيق بإضافته إلى الله تعالى.. يقصده الزوار من كل فج عميق.. شعثًا غُبْرًا متواضعين لرب البيت... ولما كانت حكمة الله تقتضي ربط نجاة الخلق بجعل أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامهم بيد الشرع فتكون أعمالهم على سنن الانقياد.. فإن الله سخر ما في الكون للإنسان وجعل الله الإنسان لعبادته، ومن ثم أمره بمجموعة من العبادات تزكية لنفسه.
الشوق: يأتي بعد الفهم بأن البيت بيت الله عز وجل.. فقاصده قاصد الله عز وجل وزائر له، فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشَوِّقُه أسباب اللقاء لا محالة.
العزم: على أنه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهًا إلى زيارة بيت الله عز وجل.. فليصحح مع نفسه العزم.. والإخلاص.
قطع العلائق: أي رد المظالم إلى أصحابها، والتوبة النصوح، فكل مظلمة تتعلق بتلابيبه تناديه قائلة: إلى أين تتجه؟ أتقصد بيت ملك الملوك، وأنت مضيع أمره في منزلك هذا؟ إن قبول زيارتك مرتبط برد المظالم، والتوبة من جميع المعاصي.
الزاد: يجب أن يكون من حلال فلا يحرص على استكثاره ويظن أن طول السفر يؤدي إلى الإقلال منه، وعليه أن يتذكر زاده إلى الآخرة، وأن الذي يحرص عليه زاد التقوى لقوله سبحانه: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة: 197.
الراحلة: ينبغي أن تكون من حلال، فإذا استوى عليها وجب شكر الله.. حيث سخرها له لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة، وليتذكر المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة، وهو ركوب غير مشكوك فيه.
ثوبي الإحرام: وهما: الإزار والرداء، يفيدان معنى التجرد، وفيهما تذكر لما سَيُلَفُّ فيه بعد الموت، فنحن إذًا أمام هيئتين مختلفتين: هيئة الحاج بملابسه وهي مغايرة لملابس الحياة العادية، وهيئة الإنسان بعد مفارقة هذه الحياة بزيه المختلف كلية.
الخروج من البلد: هجرة الأهل والوطن ومفارقتهما أمر ثقيل على النفس، فإذا توجه إلى الله فليكن حاضر القلب؛ لأنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له.. فليكن راجيًا القبول والرضا منه لقوله سبحانه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} النساء: 100.
ميقات الإحرام والتلبية: فيهما تذكر بنداء الخلق بنفخ الصور وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه، ومنقسمين إلى: مقربين وممقوتين، مقبولين ومردودين، مترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا؟
دخول مكة: عندها يكون قد انتهى عند الحرم الآمن، فإذا وقع نظره على البيت استحضر عظمته في قلبه، راجيًا أن يرزقه الله النظر إلى وجهه الكريم كما رزقه النظر إلى بيته العظيم..
الطواف بالبيت صلاة؛ فيلزم استحضار القلب بالتعظيم، والخوف، والرجاء والمحبة.. وأشرف الطواف طواف القلب بحضرة الربوبية، وكما أن الملائكة يطوفون حول البيت المعمور في السماء كذلك الإنس يطوفون حول بيت الله في الأرض، إنها إشارة إلى طاعة مَنْ في السماوات وَمَنْ في الأرض لله الواحد القهار.
الاستلام: أي استلام الحجر الأسود، فإذا وصلت إليه فاعلم أنك ممن يجدد بيعته مع الله عز وجل على طاعته، فلتكن عزيمتك مصرة على الوفاء ببيعتك.
السعي بين الصفا والمروة: فيه إشارة لمن يتردد في دار الملك جائيًا وذاهبًا غاديًا ورائحًا مرة بعد أخرى.. وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة، وليمثل الصفا بكفة الميزان، والمروة بكفة السيئات، معلقًا الفؤاد بين العذاب والغفران.
الوقوف بعرفة: ركن الحج الأكبر، هنا يتم الحج، وعلى المسلم أن يتذكر في هذا الزحام، واختلاط الأصوات، واختلاط الأجناس واللغات، واتباع الفرق والأئمة بالوقفة العامة للبشرية في عرصات القيامة، واجتماع الأمم مع أنبيائهم، واقتفاء كل أمة نبيها.. فإذا تذكرت ذلك فَأَلْزِمْ قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل؛ فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين.. فمن أعظم الذنوب أن يحضر الإنسان عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له.
رمي الجمار: مظهر من مظاهر الانقياد والطاعة والعبودية لله رب العالمين، وتشبهًا بأبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، قد يخطر لك خاطر هو أن الشيطان عرض له، ولم يعرض لك، إذا أحسست بهذا الشعور فاعلم أنه الشيطان فهو يريد أن تفتر همتك بأن ما تقوم به لا فائدة فيه، فإذا أردت طرده فعليك بتنفيذ شعيرة الرمي. -راجع للإمام الغزالي: إحياء علوم الدين، جـ1 ص:491 بتصرف واختصار-.

وأما العمرة لغة: فهي الزيارة.
واصطلاحها: زيارة مخصوصة لأفعال مخصوصة.
مكانتها: تظهر مكانة العمرة وأهميتها في القرآن والسنة، أما القرآن فقوله سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} البقرة: 196.
أما في السنة فقوله صلى الله عليه وسلم للسيدة أم هانئ رضي الله عنها: ((عمرة في رمضان تعدل حجة معي)) -راجع تفسير ابن كثير، جـ1 ص: 385 ط الحلبي-.
ولقد اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عُمَرٍ: وهذه هي:
عمرة الحديبية وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة.
عمرة القضاء وكانت في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة.
عمرة الجعرانة وكانت في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة.
وعمرته –صلى الله عليه وسلم- مع حجته التي أحرم بهما في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة. -المصدر نفسه-.
زيارة المدينة: على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، والمقصود زيارته صلى الله عليه وسلم، فمن فاتته رؤيته في الدنيا، فلا يبخل أن يزوره في مقامه صلى الله عليه وسلم.
ومن أدب الزيارة: الخشوع، وعدم رفع الصوت في مسجده والسلام عليه، وليعلم أن الصلاة والتسليم يصلان إليه صلى الله عليه وسلم في أي مكان يقالان ويتلفظ بهما لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى وكل بقبره مَلَكًا يبلغه سلام من سلم عليه من أمته)) أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ: ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)). -راجع الإحياء جـ1 ص: 491 هامش 1.
وحديث: ((من صلى عَلَيَّ مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا)) -أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو-.

وبعد: فهذا الركن دعوة، وتربية عملية، فإن منهج الإسلام في التربية أنه لا يكتفي أن يقول للمسلم: كن صالحًا. بل يقول له هذا، ويضع له مناهج عملية يتدرب عليها ويسلكها فيكون صالحًا حقيقة لا ادعاءً.
والحج من هذه المناهج العملية؛ إذ فيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية، وبشكل معين واضح يجتث جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فإن في الإنسان نزوعًا إلى الطغيان. -راجع لعبد الكريم زيدان: أصول الدعوة ص: 41-.
قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} العلق: 6 – 7.
إن هذا الركن بالإضافة إلى أركان الإسلام الأخرى التي بينتها السنة الشريفة له تأثير واضح في إصلاح الفرد والمجتمع، فيظهر سلوك الفرد الذي زكى نفسه، وزادت مراقبته لله سبحانه، كما يظهر سلوك المجتمع بتقرب أفراده إلى الله، وتمسكهم برسوله صلى الله عليه وسلم، فيكثر الخير ويقل الشر، وعندما تتسع دائرة هذه العبادات فتنتقل من مجمتع إلى مجتمع حتى تشمل العالم كله، يبرز هدف دعوة الإسلام في عمومها الشامل، وشمولها العام.
ومن ثم يظل الحج والعمرة دعوة الله المتجددة إلى البشرية في شتى بقاع الأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها
Read more ...

فضل الحج المبرور

((عن عائشة: أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور)).
رواه البخاري 2/ 164، ورواه النسائي في الحج وكذا ابن ماجه).

راوي الحديث:
أم المؤمنين عائشة الصديقية، بنت أبي بكر الصديق، وزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان عمرها فيما يُرْوى ست سنين، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وكانت أحب نسائه إليه، ولم يتزوج بكرًا غيرها.
وأمها: أم رومان، واسمها زينب، أسلمت وبايعت وهاجرت، ولما دليت في قبرها قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان))، وكانت عائشة فقيهة جدًّا، وكانت عالمة بكل العلوم.
قال عطاء بن أبي رباح: "كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة".
وقال عروة: "ما رأيت أحدًا أعلم بالقرآن ولا بفريضة، ولا بحرام، ولا بحلال، ولا بفقه، ولا بشعر، ولا بطب، ولا بحديث العرب، ولا نسب من عائشة وكانت فصيحة".
قال معاوية: "والله ما رأيت خطيبًا قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة".
وَرُوِي لها ألفان ومائتا حديث وعشرة، اتفق الشيخان على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري: بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين.
وكانت عارفة بأيام العرب، وأشعارها، وكانت زاهدة، كثيرة الكرم والصدقة، وكان فقهاء الصحابة يرجعون إليها.
وحدَّث عنها كثير من الصحابة والتابعين وأكثر الناس رواية عنها أهل بيتها: عروة بن الزبير: ابن أختها، والقاسم بن محمد وهو ابن أخيها، توفيت سنة 57 من الهجرة ودفنت بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
-تاريخ التشريع للشيخ محمد الخضري: 141، المواهب اللدنية للزرقاني 3/ 229 – 236-.

سببه:
أن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت له –صلى الله عليه وسلم-: "نرى الجهاد أفضل العمل". أي: نعتقده كذلك، لما أتـى به الكتاب المبين من فضائله في غير ما آية، والسنة في غير ما حديث. أفلا نجاهد؟ فقال:...... الخبر.
-هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاري للأستاذ السيد عبد الرحيم عنبر2/ 138-.

المفردات:
"الجهاد": هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، والقتال للدفاع عن الأوطان والأهل والولد.
"لَكُنَّ": للأكثر -بضم الكاف- خطاب للنساء، وللحموي "لَكِنْ" حرف استدراك، قال ابن حجر: والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج، وعلى جواب سؤالها على الجهاد.
"المبرور": الذي لا يخالطه إثم، ولا رياء فيه.

الشرح:
الحج المبرور أفضل العمل في الإسلام، بعد الجهاد في سبيل الله؛ لأنه دعامة من دعائم الدين، وأحد الأركان الخمسة، التي لا يستقيم الإسلام إذا قصر المرء في واحد منها، وهو عبادة العمر، وفي هذه الفريضة أبلغ امتحان لصدق الإيمان، وقوة اليقين، وهو واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، حر، مستطيع، واجد للزاد والراحلة، وأن تكون المرأة برفقة محرم لها.
ومن عزم على أداء هذه الفريضة [عليه] أن يبادر بتوبة خالصة من جميع المعاصي والمكروهات، بأن يندم على ما فرط، ويقلع عن معاصيه، ويصمم على عدم العودة إليها مرة أخرى، ويسترشد بالحديث الشريف: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
-الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الزهد باب ذكر التوبة ج2 ص: 1420 رقم 4250 بلفظه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه، قال السندي: الحديث ذكره صاحب الزوائد في زوائده وقال: إسناده صحيح رجاله ثقات ... إلخ-
وأن يخلص حجه لله تبارك وتعالى والتقرب به إليه سبحانه، ثم يقضي ما عليه من دين حالٍّ، ويرد الودائع إلى أصحابها، ويتحلل كل من كان بينه وبينه معاملة في شيء، وأن يزيل الشحناء بينهما، ولا ينسى أن يكتب وصيته بحقوق المولى عز وجل، وحقوق الآدميين، والإشهاد عليها.
-حاشية ابن الهيثمي على مناسك النووي 22-.
وأن يجتهد في إرضاء أصوله، ومشايخه، وأرحامه، وأن يعد المؤونة الواجبة عليه لمن لهم النفقة حتى يعود، وفي الحديث الشريف: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول)).
-الحديث أخرجه في سننه في كتاب الزكاة باب في صلة الرحم ج2 ص: 321 رقم: 1692 بلفظه: غير أنه ذكر: "يقوت" بدل "يعول"، من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب فضل النفقة على العيال ... إلخ ج 2 ص: 692 رقم 40 بلفظ: ((كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)) عن عبد الله بن عمرو بن العاص-.
وأن تكون نفقة حجه، وجميع أمتعته من الحلال الخالص من أية شبهة، فعن عمر -رضي الله تعالى عنه- "من كرم المرء طيب زاده في سفره، وبذله لأصحابه"، وأن الطيب هو الجيد المستلذ طعمه، ولكن طيب النفس بما يخرجه، بأن يفرح بذلك، ليكون أقرب إلى القبول، مريدًا به وجه الله تعالى لا رياء ولا سمعة.
ويستحب له أن يترك المعاكسة، والمماحكة، والمشاحنة فيما يشتريه لأي سفر من أسفار الطاعات، وأن يودع أهله وجيرانه وقرابته ومعارفه ويصافحهم، ويتحلل منهم ويطيب قلوبهم، ويلتمس منهم الدعاء، وأن يتصدق عند خروجه حتى قال بعض العلماء: "ينبغي للمسافر أن يشتري سلامته من الله تعالى بما تيسر من الصدقة، يأخذها بيده".
ويقول: "اللهم إني اشتريت سلامتي وسلامة من معي، ويسميهم، وسلامة ما معى -ويعدده شيئًا فشيئًا- منك يا مولاي بهذه الصدقة، فبعنيه، وسلمني"، ثم يتصدق به على أول من يستقبله من الفقراء، ويقول: "خرجت بحول الله، وقوته، بغير حول مني ولا قوة. اللهم إني أسألك بركة يومي هذا وبره، وبركة أهله".
ثم يلتزم بالآداب الشرعية في حله وترحاله، حتى يكون حجه مبرورًا، وذنبه مغفورًا، وعوده حميدًا.
-الإحياء للغزالي 1/ 248. حاشية ابن حجر الهيتمي على مناسك النووي 45-.
لم شرع الحج؟ شرع الحج إلى بيت الله الحرام لحكم جليلة، ومعان نبيلة، يجل عنها الوصف، ومنها أنه إظهار العبودية لله تعالى بما يتخلل أعمال الحج من التذلل للمعبود، وإبداء مظاهر الشعث والتقشف، وترك أسباب التجمل ومن وقوف الحاج موقف المتضرع الحامد لمولاه، المثني عليه المستغفر له من الزلات، الملازم لأبواب رحمته وإحسانه، اللائذ بجنابه وحماه العائذ بعفوه وغفرانه.
-حاشية ابن حجر الهيتمي 414-.
كما أنه شرع إظهارًا لحق الشكر على أن المولى عز وجل قد أنعم عليه بنعمتي الصحة والمال اللتين هما الدعامتان اللتان ترتكز عليهما عبادة الحج.
وهكذا نرى أن الحج إنما هو حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود، ومشاهدة لذلك المشهد العلي الرحماني، وإلمام بمعهد العهد الرباني، وأن القصد منه التقرب إليه سبحانه، فإذا أخلص فيه وعمل بحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((اعبد الله كأنك تراه)) كان بمنزلة من حل في حضرته؛ لأنه حيث صور نفسه كالرائي له اتصف بتلك الصفة، وأن الوقوف بساحة كرمه يمكن شبهه بمال كثير بفضاء واسع، من دخله تمكن من أخذ ما شاء منه.
والقصد أن المخلص به -فكان حجه مبرورًا- يصل إلى مراده من شمول الرحمة العامة المقتضية لغفران ذنوبه فضلا منه سبحانه، ولا يخفى أن نفس الكون -الوجود والحلول بتلك الأماكن- شرف وعلو للحالِّ فيها، وأن التردد في تلك المواطن فخار وسمو وارتفاع، فإن المحال المحترمة لم تزل تفرغ وتصب على الحالِّ فيها أدلاء مملوءة وصفها بفيض غامر.
ولذا فإنه ينبغي للعبد أن يهتم بالحج، ويبادر إليه، ويحرك عزمه الفاتر إنهاضًا يحثه عليه بالاجتهاد في أسبابه، والسعي إليه، وإن بعدت المسافة، ونالته مشقة، ولا ينبغي له أن يتوانى أو يتكاسل في طرح سيئات العمر بطلب المغفرة، بالحج المبرور، الذي يغسلها، فيزيل أثرها، كما يزيل الصابون أثر الأوساخ الحسية، كما لا يحق له أن يتكاسل عن البدار فيعرضه للفوات بركوب عمياء المجازفة، بركوب المخاطرة التي هي كالناقة العمياء في أن من تلبس بها وقع في الهلاك، كما أن الراكب للناقة العمياء يقع بواسطة سيرها كيف اتفق في الطرق الصعبة المؤدية إلى هلاكه، رُوِيَ عن ابن عباس أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أراد الحج فليتعجل)).
-رواه أبو داود وأحمد والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح، وأبو صفوان مهران راويه عن ابن عباس لم يجرح، لكن قال ابن بطال: إنه مجهول، وتبعه الذهبي في المهذب والحافظ في التقريب. المواهب اللدنية 8/ 142-.

بم يكون الحج مبرورا؟
قال ابن خالويه: الحج المبرور: المقبول.
وقال غيره: هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقد رجحه النووي.
وقال القرطبي: "إن الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى" وحاصلها: أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعًا -لما طلب من المكلف- على الوجه الأكمل.
-شرح صحيح البخاري للشيخ زروق الفاسي 4/ 11 تحقيق الأستاذين: موسى محمد علي، والدكتور عزت علي عطية-.
وعلى أَيٍّ فإن مغفرة الذنوب بالحج وترتب الجزاء بالجنة عليه منوطان بكون الحج مبرورًا، وفي الوقت نفسه لا يكون الحج مبرورًا إلا إذا اجتمعت فيه من أعمال البر الكثيرة التي منها:
1- الإحسان في معاملة الناس سواء بالقول أم بالفعل، وأن يتلطف في مخالطتهم ومعاشرتهم، وأن يطعم الطعام، ويفشي السلام على من عرف ومن لم يعرف، وأن يطيب كلامه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك المسلم فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض)).
-الحديث أخرجه أحمد في مسنده ج3/ 83، ج5/ 63، 64، طبع المكتب الإسلامي بيروت-.
وقيل: "المروءة في السفر: بذل الزاد وقلة الخلاف بين الأصحاب، وكثرة المزاح، في غير مساخط الله، والمخالطة بالمعروف، والصبر على الأذى، فخير الناس أنفعهم للناس".
2- أن يفعل الطاعات كلها، وقد بَيَّنَ الله عز وجل البر في قوله تبارك وتعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} سورة البقرة الآية: 177، وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواع البر في الطاعات، فمن استكملها في حجه، فقد استكمل أنواع البر جميعًا.
3- ومن أعمال البر أن تكون نفقة الحج طيبة، وأن تكون من كسب حلال:
((إذا خرج الرجل حاجًّا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور)).
-الحديث أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب الحج باب الترغيب في النفقة في الحج ... إلخ ج2 ص: 180 رقم 7، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت. وعزاه للطبراني في الأوسط والأصبهاني من حديث أسلم مولى عمر بن الخطاب مرسلًا مختصرًا. والغرز: ركاب من جلد. أبو منذري-.
4- ومنها كثرة ذكر الله تبارك وتعالى في الحج؛ لأن الله قد أمر بكثرته في إقامة المناسك مرة بعد أخرى -وخصوصًا في أثناء الإحرام- ويكون بالتلبية والتكبير والتهليل وجاء في الحديث النبوي الشريف حينما سئل –صلى الله عليه وسلم-: ((أي الحاج أفضل؟ قال: أكثرهم لله ذكرا))، وقال عليه السلام: ((أفضل الحج: العج والثج)).
-أخرجه الترمذي في سننه في كتاب الحج باب ما جاء في فضل التلبية والنحر ج3 ص: 180 رقم: 827، طبع الحلبي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي-
والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: نحر البدن.
وأن الإنسان إذا ناداه إنسان جليل القدر أجابه بالتلبية وحسن الكلام، فكيف بمن ناداه مولاه الملك العلام ودعاه إلى جنابه ليكفر عنه الذنوب والآثام، وأن العبد إذا قال: لبيك، يقول الله تعالى: ها أنا دان إليك، ومتجل عليك، فسل ما تريد، فأنا أقرب إليك من حبل الوريد.
ضيفَ الرحمن: اجعل التقوى زادك، والآخرة مرادك، والزهد والورع مطيتك، والانقطاع إلى الله تعالى سجيتك، وارم هذه الدنيا من قلبك فهو سبب الرجوع إلى ربك، واسلك طريق المذنبين تكتب في ديوان الموحدين، وتلقى الله وليس بينك وبينه حجاب ولا يردك عنه بَوَّاب، يا ربِّ يا قابل التائبين تقبل توبتنا وَأَعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

علامات الحج المبرور:
- أن يرجع صاحبه زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وأن يترك سيئ ما كان عليه من العمل.
قيل للحسن: ما الحج المبرور؟ قال: "أن ترجع زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة"، وعن عائشة –رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال:
((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ فيقولون: يا ربنا يريدون العفو والمغفرة، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم، وعفوت عنهم)).
-الحديث في الترغيب والترهيب للمنذري ج2 ص: 204 رقم: 10 بلفظه عن عائشة، وعزاه المنذري لمسلم والنسائي وابن ماجه، وزاد رزين في جامعه فيه: (( .. اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم)).-
والحج المبرور: يغفر الذنوب صغائرها وكبائرها حتى التبعات على المعتمد إذا مات فيه أو بعده وقبل تمكنه من أدائها.
-بقية المسترشدين لباعلوي 114-.
ففي عرفات يهبط الله تعالى إلى سماء الدنيا ليباهي بالحجاج ملائكته فيقول: ((عبادي جاءوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا مغفورًا لكم)).
-الحديث أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب الحج باب بما جاء في فضل الحج ج2 ص: 170 رقم: 32، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت، وقال: رواه الطبراني في الكبير والبزار واللفظ له، وقال: وقد روي من وجوه، ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق، أبو منذري-.
وأن تكون حالة الحاج في طاعاته ومعاملاته ومخالطاته بعد حجه خيرًا منها قبل الحج، فإن من علامة قبول الطاعة أن توصل بعدها بالتوفيق والإحسان، ومن علامة ردها أن توصل بالمخالفة والعصيان.
ومن هنا رغبت السنة النبوية المطهرة في تلقي الحاج والسلام عليه ومصافحته وطلب الدعاء والاستغفار منه؛ لأن الحاج إذا كان حجه مبرورًا غفر له ولمن استغفر له واستجيب دعاؤه، ففي صحيح مسلم أنه –صلى الله عليه وسلم-: ((كان إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ من أهل المدنية)).
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- قال: "لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس"
-لم نعثر عليه بهذا اللفظ – الباجوري-.
إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوه استجاب لهم، وإن شَفَعُوا شُفِّعُوا، وإن الله تبارك وتعالى يختم على عمل الحاج بطابع من نور. فإياك يا أخي أن تفك ذلك الختم بمعصية الله عز وجل.
وفي الحديث: ((إذا مات المحرم فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيًا))
-حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((بينما رجل واقف مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرفة إذ وقع عن راحلته فأقصعته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اغسلوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) اهـ الترغيب والترهيب كتاب الحج ج... ص: 179 طبع دار إحياء التراث، بيروت – الباجوري-.
قال الخواص -رحمه الله تعالى-: "من علامات قبول حج العبد -وأنه خلع عليه خلعة الرضا عنه- أنه يرجع من الحج وهو متخلق بالأخلاق المحمدية، لا يكاد يقع في ذنب ولا يرى نفسه علا أحدًا من خلق الله، ولا يزاحم على شيء من أمور الدنيا حتى يموت، وعلامة عدم قبول حجه أن يرجع على ما كان عليه قبل الحج، كما أن من علامات مقته أن يرجع وهو يرى أن مثل حجه أولى بالقبول من حج غيره لما وقع فيه من الكمال في تأدية المناسك، وخروجه فيها من خلاف العلماء، لكن لا يدرك هذا المقت إلا أهل الكشف".
-بغية المسترشدين لباعلوي ص: 114، 115-.
وإن الحديث صريح في أن النساء لا يجب عليهن الجهاد مثل الرجال، أما إذا أردن إدراك فضيلة الجهاد فيقوم مقامه الحج المبرور.
ومحل ذلك: إذا لم تدع الحاجة إليهن، فإن دعت إليهن، بأن دخل الكفار المحاربون بلاد المسلمين فيكون واجبًا على كل مسلم ومسلمة قادر عليه، أما من لا يقوى على الجهاد لعذر شرعي فيحصل له بالحج ثواب المجاهدين إذا أخلص في عمله، فعن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((الحج جهاد كل ضعيف))
-رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه ورجاله ثقات-.

وبعد: فنسألك اللهم إيمانًا كاملًَا، ويقينًا صادقًا، ورزقًا واسعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وحلالًا طيبًا، وتوبة نصوحًا، وتوبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ومغفرة ورحمة بعد الموت، والعفو عند الحساب، والفوز بالجنة، والنجاة من النار برحمتك يا عزيز يا غفار واغفر لوالدينا ومشايخنا وكل من له حق علينا يا رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
Read more ...

ما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما.


ما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما.


من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي.


1- المال من الأسباب المعينة على الطاعة والعكس.

2- التسابق في فعل الخيرات.
3- ذكر الله من أفضل أنواع الصدقة.
4- الصدقة تكون بالمال وغيره.
5- من عجز عن عمل وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر.
6- فضل الله على المسلمين.
7- أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة.
8- ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها.
9- جهاد النفس هو الجهاد الأكبر.




يذكر بعد خروج الحاج في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم بما إن أخذتم به لحقتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين)).
وفي المسند وسنن النسائي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((قلنا يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يحجون ولا نحج ويجاهدون ولا نجاهد وبكذا وبكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على شيء إن أخذتم به جئتم من أفضل ما يجيء به أحد منهم: أن تكبروا الله أربعا وثلاثين وتسبحوه ثلاثا وثلاثين وتحمدوه ثلاثا وثلاثين في دبر كل صلاة)).

1- المال من الأسباب المعينة على الطاعة والعكس

المال لمن استعان به على طاعة الله وأنفقه في سبل الخيرات المقربة إلى الله -سبب موصل له إلى الله، وهو لمن أنفقه في معاصي الله واستعان به على نيل أغراضه المحرمة، أو اشتغل به عن طاعة الله سبب قاطع له عن الله كما قال أبو سليمان الداراني: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه ومطية موصلة إليه لأوليائه، فسبحان من جعل شيئا واحدا سببا للاتصال به والانقطاع عنه، وقد مدح الله في كتابه القسم الأول وذم القسم الثاني فقال في مدح الأولين: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة: 274 ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} فاطر: 29، 30. والآيات في المعنى كثيرة جدا، وقال في ذم الآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}المنافقون: 9، 10.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس أحد لا يؤتي زكاة ماله إلا سأل الرجعة عند الموت"، ثم تلا هذه الآية وأخبر عن أهل النار الذين يؤتى أحدهم كتابه بشماله أنه يقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} الحاقة: 28، 29. والأحاديث في مدح من أنفق ماله في سبيل الطاعات وفي ذم من لم يؤد حق الله منه كثيرة جدا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ))، وقال: ((الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلا مَنْ قَالَ بالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ))، وقال: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وإن أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ)). فالمؤمن الذي يأخذ المال من حقه ويضعه في حقه فله أجر ذلك كله، وكلما أنفق منه يبتغي به وجه الله فهو له صدقة يؤجر عليها حتى ما يطعم نفسه فهو له صدقة، وما يطعم ولده فهو له صدقة، وما يطعم أهله فهو له صدقة، وما يطعم خادمه فهو له صدقة، وكان عامة أهل الأموال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القسم قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله تعالى في أرضه ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما، ورأس المنفقين أموالهم في سبيل الله من هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفيه نزلت هذه الآية: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} الليل: 17-21.
وفي صحيح الحاكم عن ابن الزبير قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك. فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد. قال: وإنما أنزلت هذه الآيات فيه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الليل: 5، إلى آخر السورة.
وروي من وجه آخر عن ابن الزبير وخرجه الإسماعيلي ولفظه: "إن أبا بكر كان يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال له أبو قحافة: يا بني لو ابتعت من يمنع ظهرك فقال: يا أبت مَنْعَ ظهري أريد. ونزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} الليل: 17، إلى آخر السورة.
وخرج أبو داود والترمذي من حديث عمر قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وإن أبا بكر أتى بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقه إلى شيء أبدا)). وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر. فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله)). وخرجه الترمذي بدون هذه الزيادة في آخره.
وكان من المنفقين أموالهم في سبيل الله عثمان بن عفان، ففي الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: ((شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقام عثمان فقال: يا رسول الله عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما فعل بعد هذه، ما على عثمان ما فعل بعد هذه)).
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه ((أن عثمان جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم. مرتين)).
وكان منهم أيضا عبد الرحمن بن عوف. وفي مسند الإمام أحمد أنه قدم له عير إلى المدينة فارتجت لها المدينة فسألت عائشة عنها وحدثت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ عبد الرحمن فجعلها كلها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسها، وكانت سبعمائة راحلة. وخرجه ابن سعد من وجه آخر فيه انقطاع، وعنده أنها كانت خمسمائة راحلة. وخرج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة رضي الله عنها ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول -تعني لأزواجه-: إن أمركن لمما يهمني بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون. قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة وكان قد وصل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بحديقة بيعت بأربعين ألفا)). وقال: حسن غريب، وخرجه الحاكم وصححه. وخرج الإمام أحمد أوله. وخرج الإمام أحمد أيضا والحاكم من حديث أم بكر بنت المسور بن مخرمة ((أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين قال المسور: فأتيت عائشة رضي الله عنها بنصيبها من ذلك فقالت لنا: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون. سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة)). وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أم سلمة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه: إن الذي يحنو عليكن بعدي هو الصادق البار، اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة)). وخرجه ابن سعد وزاد: إن إبراهيم بن سعد قال: حدثني بعض أهلي من ولد عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف باع أمواله من كيدمة، وسهمه من بني النضير بأربعين ألف دينار فقسمها على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وخرج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه أن أباه عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف. وخرجه الحاكم ولفظه: "بيعت بأربعين ألف دينار". وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها جدا، وكان الفقراء من الصحابة كلما رأوا أصحاب الأموال منهم ينفقون أموالهم فيما يحبه الله من الحج والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصدقة والبر والصلة وغير ذلك من أنواع البر والطاعات والقربات حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في هذه الفضائل، وقد ذكرهم الله في كتابه بذلك فقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} التوبة: 91، 92 : نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى غزوة تبوك فطلبوا منه أن يحملهم فقال لهم: ((لا أجد ما أحملكم عليه)) فرجعوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها إلى الموت في مواطن تراق فيها الدماء في سبيل الله وتنزع فيها رؤوس الرجال عن كواهلها بالسيوف، فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذلك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة.
سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير فقدك ضائع

إنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدرجات العلى والنعيم المقيم. قال بعضهم: يرى رجل في الجنة يبكي فيسأل عن حاله فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله، ووددت أنه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلها في سبيله.
غزا قوم في سبيل الله فلما صافُّوا عدوهم واقتتلوا رأى كل واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السماء وهي تستدعي صاحبها إليها وتحثه على القتال فقتلوا كلهم إلا واحدا، وكان كلما قتل منهم واحد غلق باب وغابت منه المرأة، فأفلتَ آخرهم فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي وقالت: ما فاتك يا شقي؟ فكان يبكي على حاله إلى أن مات، ولكنه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاويا

2- التسابق في فعل الخيرات

لما سمع الصحابة رضي الله عنهم قول الله عز وجل: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة: 148.
{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الحديد: 21. فَهِمُوا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة، والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له؛ فيحزن لفوات سبقه فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها كما قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} المطففين: 26. ثم جاء من بعدهم فعكس الأمر فصار تنافسهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية قال الحسن: "إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة" وقال وهيب بن الورد: "إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل" وقال بعض السلف: "لو أن رجلا سمع بأحدٍ أطوعَ لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك". وقال غيره: "لو أن رجلا سمع برجل أطوع لله منه فانصدع قلبه فمات لم يكن ذلك بعجب". قال رجل لمالك بن دينار: رأيت في المنام مناديا ينادي أيها الناس الرحيل الرحيل فما رأيت أحدا يرتحل إلا محمد بن واسع" فصاح مالك وغشي عليه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الواقعة: 10-12.
قال عمر بن عبد العزيز في حجة حجها عند دفع الناس من عرفة: "ليس السابق اليوم من سبق به بعيره إنما السابق من غفر له، كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقنا أبو بكر وكان سباقا بالخيرات، ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر، وفي آخر حجة حجها عمر جاء رجل لا يعرف كانوا يرونه من الجن فرثاه بأبيات منها:
فمن يسعَ أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يُسْبَقُ

صاحب الهمة العالية والنفس الشريفة التواقة لا يرضى بالأشياء الدنية الفانية، وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزاكية التي لا تفنى، ولا يرجع عن مطلوبه ولو تَلَفَتْ نفسُه في طلبه ومن كان في الله تَلَفُه كان على الله خلفه.
قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد.
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
قال عمر بن عبد العزيز: إن لي نفسا تواقة ما نالت شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وإنها لما نالت هذه المنزلة يعني الخلافة وليس في الدنيا منزلة أعلى منها تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا يعني الآخرة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

قيمة كل إنسان ما يطلب، فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منه، فإن الدنيا دنية وأدنى منها من يطلبها، وهي خسيسة وأخس منها من يخطبها. قال بعضهم: "القلوب جوالة: فقلب يجول حول العرش، وقلب يجول حول الحش، الدنيا كلها حش وكل ما فيها من مطعم ومشرب يؤل إلى الحش وما فيها من أجسام ولباس يصير ترابا كما قيل:
وكل الذي فوق التراب تراب
وقال بعضهم في يوم عيد لإخوانه: هل تنظرون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا، وأما من كان يطلب الآخرة فقدره خطير لأن الآخرة خطيرة شريفة، ومن يطلبها أشرف منها كما قيل:

أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تدرك الأخرى فإن أنا بعتها بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

وأما من كان يطلب الله فهو أكبر الناس عنده، كما أن مطلوبه أكبر من كل شيء كما قيل:
له همم لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى أجل من الدهر
قال الشبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذروه الرياح، ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب ينتفع به، ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له.
العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبه، ويبذل وسعه في الوصول إلى رضا محبوبه، فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه، ويتكل على مجرد العفو فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين المقربين.
قال بعض السلف: هب أن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين.
فيا مذنبا يرجو من الله عفوه أترضى بسبق المتقين إلى الله

لما تنافس المتنافسون في نيل الدرجات غبط بعضهم بعضا بالأعمال الصالحات قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)) وفي رواية: ((لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقه يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل)). وهذا الحديث في الصحيحين.
وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما مثل هذه الأمة كأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الذي يعمل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهُمَا في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا فهو يقول: لو كان لي مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهما في الوزر سواء)).
وروى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال: "يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يا رب لم رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك؟ فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله، فيقول: يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع. فيقول: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه. ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض: يا رب لم رفعته علي؟ فيقول: بما كان يعمل في صحته. فيقول: يا رب لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل. فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه. ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك، ويؤتى بحسن الخلق وسيء الخلق فيقول: يا رب لم رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا؟ فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابا".
العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو الدرجات والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات. قال الله تعالى حاكيا عن قارون: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} القصص: 79، 80 إلى قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص: 83.

3- ذكر الله من أفضل أنواع الصدقة

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تأسف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقربا إليه وابتغاء لمرضاته طيَّب قلوبهم، ودلهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم، ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم: وهو الذِّكْر عقيب الصلوات المفروضات، وقد اختلفت الروايات في أنواعه وعدده، والأخذ بكل ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم، وفي حديث أبي هريرة هذا أنهم يسبحون ويحمدون ويكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وقد فسره أبو صالح راوية عنه بالجمع وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة فيكون جملة ذلك تسعا وتسعين.
وقد يستشكل على هذا حديث: ((أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: عما يعدل الجهاد؟ فقال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم ولا تفتر)) وهو حديث ثابت صحيح أيضا، فلم يجعل للجهاد عدلا سوى الصيام الدائم والقيام الدائم، وفي هذا الحديث قد جعل الذكر عقيب الصلوات عدلا له، والجمع بين ذلك كله: أن النبي لم يجعل للجهاد في زمانه عملا يعدله بحيث إذا انقضى الجهاد انقضى ذلك العمل واستوى العامل مع المجاهد في الأجر، وإنما جعل الذي يعدل الجهاد الذكر الكثير المستدام في بقية عمر المؤمن من غير قطع له حتى يأتي صاحبه أجله، فإذا استمر على هذا الذكر في أوقاته إلى أن مات عليه عدل ذكره هذا الجهاد، وقد دل على ذلك أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله عز وجل)) وخرجه مالك في الموطأ موقوفا. وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كَثِيرًا. قلت: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله عز وجل أفضل منه درجة)). وقد روي هذا المعنى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وطائفة من الصحابة موقوفا، وإن الذكر لله أفضل من الصدقة بعدته دراهم ودنانير، ومن النفقة في سبيل الله. وقيل لأبي الدرداء رضي الله عنه: رجل أعتق مائة نسمة؟ قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل. وعنه قال: لأن أقول: لا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار. ويروى مرفوعا وموقوفا من غير وجه ((من فاته الليل أن يكابده وبخل بماله أن ينفقه وجبن عن عدوه أن يقاتله فليكثر من سبحان الله وبحمده فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب أو فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل)).
وذكر الله من أفضل أنواع الصدقة. وخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: ((ما صدقة أفضل من ذكر الله عز وجل)). وقد قال طائفة من السلف في قول الله عز وجل: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الحديد: 18 : إن القرض الحسن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنفق عبد نفقة أفضل عند الله عز وجل من قول ليس من القرآن وهو من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)).
وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة قال: ((قال ناس من فقراء المؤمنين: يا رسول الله ذهب أصحاب الدثور بالأجور يتصدقون ولا نتصدق وينفقون ولا ننفق. فقال: أرأيتم لو أن مال الدنيا وضع بعضه على بعض أكان بالغا السماء؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: أفلا أخبركم بما أصله في الأرض وفرعه في السماء: أن تقولوا في دبر كل صلاة: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله عشر مرات، فإن أصلهن في الأرض وفرعهن في السماء)).

4- الصدقة تكون بالمال وغيره

وقد كان بعض الصحابة يظن أن لا صدقة إلا بالمال، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدقة لا تختص بالمال وأن الذكر وسائر أعمال المعروف صدقة. كما في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه: ((أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة)). وفي المسند عنه أنه قال: ((يا رسول الله الأغنياء يتصدقون ولا نتصدق. قال: وأنت فيك صدقة، رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأرتم صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة)). وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا يطول ذكرها.

5- من عجز عن عمل وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر

واعلم أن من عجز عن عمل خير وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر كما تقدم في الذي قال: "لو كان لي مال لعملت فيه ما عمل فلان..."، أنهما سواء في الأجر والوزر، وقد قيل: إنهما سواء في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإنها تختص بالعامل، فمن هنا كان أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرد هذه المشاركة، ويطلبون أن يعملوا أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها؛ ليفوزوا بثواب يقاوم ثواب تلك الأعمال ويضاعف لهم كما يضاعف لأولئك فيستووا هم وأولئك العمال في الأجر كله.
وقد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن عمل يعدل الجهاد.
وفات بعض النساء الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة قال: ((اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، أو حجة معي)) وقالت عائشة: ((يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: جهادكن الحج والعمرة))
وكان منهم من إذا تخلف عن الغزو واجتهد في مشاركة الغزاة في أجرهم، فإما أن يخرج مكانه رجلا بماله، وإما أن يعين غازيا، وإما أن يخلفه في أهله بخير. فإن من فعل هذا كله فقد غزا.
تصدق بعض الأغنياء بمال كثير فبلغ ذلك طائفة من الصالحين فاجتمعوا في مكان وحسبوا ما تصدق به من الدراهم وصلَّوا بدل كل درهم تصدق به لله ركعة.
هكذا يكون استباق الخيرات والتنافس في علو الدرجات.
كذاك الفخر يا همم الرجال تعالَي فانظري كيف التغالي

6- فضل الله على المسلمين

سبحان من فضل هذه الأمة وفتح لها على يدي نبيها -نبي الرحمة- أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملا يقاومه أو يفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه.
لما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه، وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.
لما كان الحج من أفضل الأعمال، والنفوس تتوق إليه لِمَا وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم، وكان كثير من الناس يعجز عنه ولا سيما كل عام شرع الله لعباده أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج، فيتعوض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج.
ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامة تامة تامة)).
شهود الجمعة يعدل حجة تطوع، قال سعيد بن المسيب: "هو أحب إلي من حجة نافلة، وقد جعل النبي المُبَكِّر إليها كالمُهْدِي هَدْيًا إلى بيت الله الحرام.
وفي حديث ضعيف: ((الجمعة حج المساكين)).
وفي تاريخ ابن عساكر: "عن الأوزاعي، قال: مر يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر "باب توما"، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، فرحمنا الله وإياكم، وغفر لنا ولكم، فكَأَنْ قد صرنا إلى ما صرتم إليه. فرد الله الروح إلى رجل منهم فأجابه فقال: طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرار. قال: وإلى أين يرحمك الله؟ قال: إلى الجمعة أما تعلمون أنها حجة مبرورة متقبلة. قال: ما خير ما قدمتم؟ قال: الاستغفار يا أهل الدنيا. قال: فما يمنعك أن ترد السلام. قال: يا أهل الدنيا السلام والحسنات قد رفعت عنا فلا في حسنة نزيد ولا في سيئة ننقص غُلِقَتْ رُهُونُنا يا أهل الدنيا.
في سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد لأداء صلاة مكتوبة فأجره مثل أجر الحاج المحرم، ومن خرج لصلاة الضحى كان له مثل أجر المعتمر)).
وفي حديث أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا ببر أمه وقال له: أنت حاج ومعتمر ومجاهد)) يعني إذا برها.
وقال بعض الصحابة: الخروج إلى العيد يوم الفطر يعدل عمرة ويوم الأضحى يعدل حجة.
قال الحسن: مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة.
وقال عقبة بن عبد الغافر: "صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة)). وقال أبو هريرة لرجل: بكورك إلى المسجد أحب إلي من غزوتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره الإمام أحمد.

7- أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة

أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة وغيرهما فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم، وكثير من الناس يهون عليه التنفل بالحج والصدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون ورد المظالم، وكذلك يثقل على كثير من النفوس التنزه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقة.
قال بعض السلف: "ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجة".
كف الجوارح عن المحرمات أفضل من التطوع بالحج وغيره وهو أشق على النفوس. قال الفضيل بن عياض: "ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان. ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد".

8- ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها

ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام.
سفر الدنيا يقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة يقطع بسير القلوب.
قال رجل لبعض العارفين: قد قطعت إليك مسافة. قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك.
سير القلوب أبلغ من سير الأبدان، كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت، وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متصل بالمحل الأعلى.
جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن
قال بعض العارفين: عجبا لمن يقطع المفاوز والقِفَار ليصل إلى البيت فيشاهد فيه آثار الأنبياء كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثر: ((ويسعني قلب عبدي المؤمن)).
أيها المؤمن: إن لله بين جنبيك بيتا لو طهرته لأشرق ذلك البيت بنور ربه وانشرح وانفسح.
أنشد الشبلي:

إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج
ومريضا أنت عائده قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حُجَّتنا يوم يأتي الناس بالحُجَج

تطهيره تفريغه من كل ما يكرهه الله تعالى من أصنام النفس والهوى، ومتى بقيت فيه من ذلك بقية فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة الأصنام.
قال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله.

أردناكم صِرْفًا فلما مُزِجتُمُ بعدتم بمقدار التفاتكمُ عنا
وقلنا لكم لا تُسكِنوا القلب غيرنا فأسكنتم الأغيار ما أنتمُ منا

9- جهاد النفس هو الجهاد الأكبر

إخواني إن حُبِستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس؛ فهو الجهاد الأكبر، أو أحصرتم عن أداء النسك فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر، فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رؤوس أديانكم بالذنوب فإن الذنوب حالقة الدين ليست حالقة الشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر، ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد.

إليك قصديَ ربَ البيت والحَجَر فأنت سؤليَ من حجي ومن عمري
وفيك سعيي وتطوافي ومزدلفي والهدي جسمي الذي يغني عن الجُزُر
ومسجد الخيف خوفي من تباعدكم ومشعري ومقامي دونكم خطري
زادي رجائي لكم والشوق راحلتي والماء من عبراتي والهوى سفري

Read more ...

الخميس، 9 سبتمبر 2010

بعد رمضان.. ماذا أنا فاعل؟ "

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعه، وبعد. فيؤذن شهر رمضان على الرحيل، ويخشى لامس نفحاته وكراماته أن تهبط بعده حالته الإيمانية، أو أن يفقد بعضا من مكتسباته الروحانية، ويثور التساؤل: بعد رمضان.. ماذا أنا فاعل؟
يجيب الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عن هذا السؤال بكلمات ضافية، فيقول في وظائف شهر شوال:
  • في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال
  • وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة
  • وجوب الشكر على رمضان ونعمه
  • كن ربانيا ولا تكن رمضانيا
  • يا شبان التوبة لا ترجعوا للوراء

في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال

خرج مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». وقد اختلف في هذا الحديث، ثم في العمل به، فمنهم من صححه ومنهم من قال: هو موقوف، قاله ابن عيينة وغيره، وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده.
وأما العمل به فاستحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء، روي ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وطاوس والشعبي وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأنكر ذلك آخرون.
روي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة قال: "لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها"، ولعله إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها، وأنه لا يكتفى بصيام رمضان عنها في الوجوب، وظاهر كلامه يدل على هذا، وكرهها الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف، وعلل أصحابهما ذلك بمشابهة أهل الكتاب، يعنون في الزيادة في صيامه المفروض عليهم ما ليس منه، وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا: لا بأس به، وعللوا بأن الفضل قد حصل بفطر يوم العيد، حكى ذلك صاحب الكافي منهم، وكان ابن مهدي يكرهها ولا ينهى عنها، وكرهها أيضا مالك، وذكر في الموطأ أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة لو رأوا أحدا من أهل العلم يفعل ذلك، وقد قيل: إنه كان يصومها في نفسه، وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها؛ لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه.
وأما الذين استحبوا صيامها فاختلفوا في صيامها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستحب صيامها من أول الشهر متتابعة، وهو قول الشافعي وابن المبارك، وقد روي في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: «من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة فكأنما صام السنة» خرجه الطبراني وغيره من طرق ضعيفة، وروي موقوفا، وروي عن ابن عباس من قوله بمعناه بإسناد ضعيف أيضا.
والثاني: أنه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله، وهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.
والثالث: أنه لا يصام عقيب يوم الفطر، فإنها أيام أكل وشرب، ولكن يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهذا قول معمر وعبد الرزاق، ويروى عن عطاء حتى روي عنه أنه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه، ثم يصله بصيام تطوع، وأمر بالفصل بينهما، وهو قول شاذ، وأكثر العلماء على أنه لا يكره صيام ثاني يوم الفطر، وقد دل عليه حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لرجل: «إذا أفطرت فصم»، وقد ذكرناه في صيام آخر شعبان، وقد سرد طائفة من الصحابة والتابعين الصوم إلا يوم الفطر والأضحى، وقد روي عن أم سلمة أنها كانت تقول لأهلها: "من كان عليه رمضان فليصمه الغد من يوم الفطر، فمن صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان"، وفي إسناده ضعف.
وعن الشعبي قال: "لأن أصوم يوما بعد رمضان أحب إلي من أن أصوم الدهر كله". ويروى بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا: «من صام بعد الفطر يوما فكأنما صام السنة»، وبإسناد ضعيف عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا: «الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفارّ».
وأما صيام شوال كله:
ففي حديث رجل من قريش سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من صام رمضان وشوالا والأربعاء والخميس دخل الجنة»، خرجه الإمام أحمد والنسائي، وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث مسلم القرشي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عن صيام الدهر؟ فقال: «إن لأهلك عليك حقا، فصم رمضان والذي يليه وكل أربعاء وخميس، فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت». وخرج ابن ماجه بإسناد منقطع «أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صم شوالا»، فترك الأشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوالا حتى مات. وخرجه أبو يعلى الموصلي بإسناد متصل عن أسامة قال: «كنت أصوم شهرا من السنة فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أين أنت من شوال؟»، فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائما من شوال حتى يأتي على آخره، وصيام شوال كصيام شعبان؛ لأن كلا الشهرين حريم لشهر رمضان وهما يليانه، وقد ذكرنا في فضل صيام شعبان أن الأظهر أن صيامهما أفضل من صيام الأشهر الحرم، ولا خلاف في ذلك.
وإنما كان صيام رمضان وإتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء ذلك مفسرا من حديث ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة» يعني رمضان وستة أيام بعده، خرجه الإمام أحمد والنسائي وهذا لفظه، وابن حبان في صحيحه وصححه أبو حاتم الرازي، وقال الإمام أحمد: ليس في أحاديث الباب أصح منه، وتوقف فيه في رواية أخرى، ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهر رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين، وعلى هذا حمل بعضهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة». وقال: المراد كمال آخره سواء كان ثلاثين أو تسعا وعشرين، وأنه إذا أتبع بستة أيام من شوال فإنه يعدل صيام الدهر على كل حال، وكره إسحاق بن راهويه أن يقال لشهر رمضان: إنه ناقص وإن كان تسعا وعشرين لهذا المعنى.
فإن قال قائل: فلو صام هذه الستة الأيام من غير شوال يحصل له هذا الفضل، فكيف خص صيامها من شوال؟ قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضا، ذكر ذلك ابن المبارك، وذكر أنه في بعض الحديث حكاه عنه الترمذي في جامعه، ولعله أشار إلى ما روي عن أم سلمة -رضي الله عنها-: «أن من صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان».

وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:
- منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله كما سبق.
- ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجوه متعددة.
وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن يقول الرجل صمت رمضان كله أو قمته كله» قال الصحابي: فلا أدري أكره التزكية أم لا بد من غفلة؟
وكان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم؛ يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر، فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات، كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات في مثل كفارة القتل والوطء في رمضان والظهار.
- ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

وجوب الشكر على رمضان ونعمه
- ومنها: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب كما سبق ذكره، وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز، فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا».
وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقيب ذلك. كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائما، ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام. وكان وهب بن الورد يُسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه.
إذا أنت لم تزدد على كل نعمة لموليكها شكرا فلست بشاكر
كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر.. وهكذا أبدا فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر كما قيل:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر

قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى -عليه السلام- يوم الطور: يا رب إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن بلغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى الآن شكرتني.
فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجهه مسدود. قال كعب: "من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر رمضان ألا يعصي الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر عصى ربه، فصيامه عليه مردود".

كن ربانيا ولا تكن رمضانيا

- ومنها: أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيا. وهذا معنى الحديث المتقدم: «أن الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار» يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه؛ وذلك لأن كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعا. فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر، يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به.
وفي حديث خرجه الترمذي مرفوعا: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل» وفسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل، والعائد إلى الصيام سريعا بعد فراغ صيامه شبيه بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته، ثم عاد إليه في المعنى والله أعلم.
قيل لبشر: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها. وسئل الشبلي: أيما أفضل: رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا، ثم أنشد:
إذا كنت في حرب الهوى متجردا فكل أرض ثغر لي وطرسوس
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عمله ديمـة
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عمله ديمة، وسئلت عائشة -رضي الله عنها-: «هل كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يخص يوما من الأيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة». وقالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة»، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ثم قضاه في شوال، فاعتكف العشر الأول منه.
وسأل رجلا: هل صام من سرر شعبان شيئا؟ فقال: لا، فأمره أن يصوم إذا أفطر، يعني: يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال. وقد تقدم عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر، فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان، فليبدأ بقضائه في شوال، فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أولى من التطوع بصيام ست من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض: هل يجوز أن يتطوع قبله أم لا؟ وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء، فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال، فمن كان عليه قضاء من رمضان، ثم بدأ بصيام ست من شوال تطوعا لم يحصل له ثواب من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة أيام من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال، ومن بدأ بالقضاء في شوال ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ست من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنا؛ لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان.
عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت، ثم قرأ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].

يا شبان التوبة لا ترجعوا للوراء

هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير للآجال ومواقيت للأعمال، ثم تنقضي سريعا وتمضي جميعا، والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد، فسبحان من قلب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم؛ ليسبغ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم، لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام وآخرها شهر الصيام، أقبلت الأشهر الثلاثة أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه، فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات، فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه، وهو راج خائف.
المحب لا يمل من التقرب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.
ما للمحب سوى إرادة حبه إن المحب بكل بر يضرع
كل وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره، وكل ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة، فواأسفاه على زمان ضاع في غير طاعته، وواحسرتاه على وقت فات في غير خدمته:

من فاته أن يراك يوما فكل أوقاته فوات
وحيثما كنت من بلاد فلي إلى وجهك التفات
إليكم هجرتي وقصدي وأنتم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي فآنسوا مقلتي ولات

من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية.
ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها.
ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها، النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت.
سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور، ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة، ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذل، وغني قوم بالذنوب افتقر.

ترى الحي الأولى بانوا على العهد كما كانوا
أم الدهر بهم خانوا ودهـر المرء خـوان
إذا عـز بغير الله يـو مًا معـشر هانوا

يا شبان التوبة لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام، فالرضاع إنما يصلح للأطفال لا للرجال، ولكن لا بد من الصبر على مرارة الفطام، فإن صبرتم تعوضتم عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب، من ترك لله شيئا لم يجد فقده عوضه الله خيرا منه: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70]. وفي الحديث: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه من خوف الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه» خرجه الإمام أحمد وهذا الخطاب للشباب.
فأما الشيخ إذا عاود المعاصي بعد انقضاء رمضان فهو أقبح وأقبح؛ لأن الشباب يؤمل معاودة التوبة في آخر عمره، وهو مخاطر، فإن الموت قد يعاجله، وقد يطرقه بغتة، وأما الشيخ فقد شارف مركبه ساحل بحر المنون فماذا يؤمل؟!

نعى لك ظل الشباب المشيب ونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدا لداعي الفناء فكل الذي هو آت قريب
ألسنا نرى شهوات النفو س تفنى وتبقى علينا الذنوب
يخاف على نفسه من يتوب فكيف يكون حال من لا يتوب"

ا.هـ




--------------------------------------
المصدر: كتاب "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف" للحافظ ابن رجب الحنبلي.

Read more ...

ميديا مدونة الطريق الصح