لم تكن هجرة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة حدثًا من الأحداث العابرة التي تطوى في سطور الصحف، أو تطمر في غمار الأحداث، ولكنها أكبر وأجل وأعظم من كل حادثة أو حدث؛ لأنها تمثل تحولًا بالدعوة وتوسعًا في مجالاتها، ودعمًا لمقوماتها، وحركة وفكرًا وحياة، انبعثت تُذْكِي الروح المعنوية لجماهير المسلمين المقيمين في المدينة، والذين كانوا يترقبون بزوغ نور الإسلام على يثرب بقدوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليها واتخاذها مقرًّا للدعوة الإسلامية.
كانت الهجرة بداية انطلاق إلى آفاق تتسع فيها الدعوة وتسعى وتنتشر، وتعم الجزيرة العربية وما حولها، ولتصبح المدينة قاعدة الدولة والدعوة.
في الهجرة برزت أخلاق ومبادئ، كما كان فيها أمور خارقة لما اعتاده الناس، فقد أيَّد اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- في هجرته بجنود لم يبصرهم الناس كما قال في كتابه في سورة التوبة: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا}. [التوبة: 40].
قيم برزت بالهجرة:
وكان في الهجرة تلك الصداقة الصادقة التي تخلت عن المال والأهل والولد في سبيل الصحبة، تلك هي صداقة وصحبة أبي بكر -رضي الله عنه- وفداؤه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وترتيب وتدبير أمر الرحلة المباركة وعمالها من أولاد أبي بكر وعماله.
كانت كل تحركات أبي بكر حال رحلة الهجرة تشير إلى حرصه على سلامة صاحبه وبلوغه مقصده، فهو يرتاد الطريق ويمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، ومن ثَم فقد برزت في الهجرة قيم الإيمان العميق بمبادئ الحق والعدل والخير والوفاء النادر.
وذلك كله سمو في الخُلُق الإنساني وبعثٌ للثقة في قدرة الإنسان -متى استقام على طريق الله- على النهوض بالأعباء التي أناطها الله به حين استخلف في الأرض، وهي إقامة الدين الحق الذي يصون الأمن ويُشيع الإخاء والمودة.
فِقهُ التجربة برز ظاهرًا واضحًا في تحديد المهام لكل المعاونين في نجاح الهجرة:
ومن فقه الهجرة جواز الاستعانة بغير المسلم فيما يحسنه مما يلزم المسلمين؛ فقد اختير دليل الرحلة خبيرًا يعرف دروب الصحراء، وكان غير مسلم.
بهذه الهجرة نشأت الدولة بعد أن أقيم المسجد وعقدت المعاهدات وتوالت التشريعات وتوالى النصر والانتصارات حتى دخلت الجزيرة كلها في دين الله.
كان الإسلام دعوة ودولة ولَحِقَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- برحاب الله راضيًا مرضيًّا.
التأريخ للدولة:
وكان لا بد لهذه الدولة من سمة وتاريخ، ولم يكن للمسلمين ثمة قرار باتخاذ حدث معين يعتبر تأريخًا للدولة.
فقد نقَلَت كتب التاريخ أن التأريخ جرى على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببدء بعثته بهذا الدين، حتى كانت إمارة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد كتب أبو موسى الأشعري إليه أنه "يأتينا من قِبَل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ فلا ندري على أيها نعمل".
وروى ميمون بن مهران قال: "رُفِع إلى أمير المؤمنين عمر صَكٌّ محله شعبان فقال: أي الشعابين هو؟ الذي مضى أو الذي نحن فيه أم الآتي؟"
وقال قرة بن خالد: "كان عند عمر عامل جاء من اليمن فقال لعمر: أَمَا تؤرخون؟ إني رأيت باليمن شيئًا يسمونه التاريخ، يكتبون من عام كذا وشهر كذا.
فقال عمر: إن هذا لحسن فأرِّخوا".
وفي رواية أخرى أنه جمع وجوه الصحابة فقال: "إن الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير موقت -أي مؤرخ- فكيف التوصل إلى ما يضبط به ذلك؟ فقال قائل: اكتبوا على تاريخ الروم. فقيل: إنه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين. فأراد عمر والناس أن يكتبوا من مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ثم قالوا: من عند وفاته. ثم قالوا: من مولده. وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: منذ خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يعني يوم هاجر. فاتفقوا على أن يكون المبدأ من سنة الهجرة.
وقد كانت هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة في ربيع الأول.
فقال: بأي شهر نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقالوا: رجب فإن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه.
وقال آخرون: شهر رمضان. وآخرون قالوا: شهر ذي الحجة؛ لأن فيه الحج. وآخرون قالوا: الشهر الذي خرج فيه مهاجرًا. وآخرون قالوا: من الشهر الذي قدم فيه المدينة، وقد كانت الهجرة في شهر ربيع الأول. فقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أرخوا من المحرم أول السنة وهو شهر حرام وأول الشهور في العدة وهو منصرف الناس من الحج. فلما عزموا على تأسيس التاريخ الهجري حسبما اقترح عثمان رجعوا ثمانية وستين يومًا، وجعلوا التاريخ من أول محرم هذه السنة، ثم أحْصَوا من أول يوم في المحرم إلى آخر عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان عشر سنين وشهرين، وأما إذا حسب عمره من شهر الهجرة الحقيقية -ربيع الأول- فيكون قد عاش في المدينة تسع سنين وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا".
وعمر -رضي الله عنه- بهذا هو واضع التاريخ الهجري ومؤصله، ولم يكن هذا التاريخ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا يدلنا على أن أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قدروا أثر الهجرة وما تلاها من نصر للإسلام، وانتشاره، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فكانت بحق دنيا وحياة ودولة، ولم تكن حدثًا من الأحداث وإنما كانت نصرًا من الله: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. [التوبة: 40].
وبعد:
أليست الهجرة حَرِيَّةً بأن تكون ظاهرة بارزة، وتكون تأريخًا للمسلمين يُتوِّجون بها أيامهم وتاريخهم؟
- بلى.
ثم أليس في هذا التاريخ حجة على أولئك الذين يَصِمُون كل أمر لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه بدعة؟
ثم أليس عمر هو الذي جمع الناس على صلاة التراويح عشرين ركعة حين رأى إقبال الناس على صلاتها جماعة؟ قال: "نِعْمَتْ البدعة".
ثم أليس عمر هو الذي فرض الخراج على أرض العراق وغيرها مما فتح عنوة، وهو الذي دوَّن الدواوين؟
فخذوا أيها المسلمون من الهجرة والتأريخ بها فقها وقيمًا ومثلًا عُليا في فضل الصحبة والإخاء والفداء من الصغار والكبار، خذوا منها فكر الإسلام وثقافته، ولا تعدلوا عنه فتضلوا وتهلكوا، واتخذوا القرآن إمامًا، والسنة شرعة ومنهاجًا، فهما الطريق المستقيم
كانت الهجرة بداية انطلاق إلى آفاق تتسع فيها الدعوة وتسعى وتنتشر، وتعم الجزيرة العربية وما حولها، ولتصبح المدينة قاعدة الدولة والدعوة.
في الهجرة برزت أخلاق ومبادئ، كما كان فيها أمور خارقة لما اعتاده الناس، فقد أيَّد اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- في هجرته بجنود لم يبصرهم الناس كما قال في كتابه في سورة التوبة: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا}. [التوبة: 40].
قيم برزت بالهجرة:
وكان في الهجرة تلك الصداقة الصادقة التي تخلت عن المال والأهل والولد في سبيل الصحبة، تلك هي صداقة وصحبة أبي بكر -رضي الله عنه- وفداؤه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وترتيب وتدبير أمر الرحلة المباركة وعمالها من أولاد أبي بكر وعماله.
كانت كل تحركات أبي بكر حال رحلة الهجرة تشير إلى حرصه على سلامة صاحبه وبلوغه مقصده، فهو يرتاد الطريق ويمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، ومن ثَم فقد برزت في الهجرة قيم الإيمان العميق بمبادئ الحق والعدل والخير والوفاء النادر.
وذلك كله سمو في الخُلُق الإنساني وبعثٌ للثقة في قدرة الإنسان -متى استقام على طريق الله- على النهوض بالأعباء التي أناطها الله به حين استخلف في الأرض، وهي إقامة الدين الحق الذي يصون الأمن ويُشيع الإخاء والمودة.
فِقهُ التجربة برز ظاهرًا واضحًا في تحديد المهام لكل المعاونين في نجاح الهجرة:
ومن فقه الهجرة جواز الاستعانة بغير المسلم فيما يحسنه مما يلزم المسلمين؛ فقد اختير دليل الرحلة خبيرًا يعرف دروب الصحراء، وكان غير مسلم.
بهذه الهجرة نشأت الدولة بعد أن أقيم المسجد وعقدت المعاهدات وتوالت التشريعات وتوالى النصر والانتصارات حتى دخلت الجزيرة كلها في دين الله.
كان الإسلام دعوة ودولة ولَحِقَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- برحاب الله راضيًا مرضيًّا.
التأريخ للدولة:
وكان لا بد لهذه الدولة من سمة وتاريخ، ولم يكن للمسلمين ثمة قرار باتخاذ حدث معين يعتبر تأريخًا للدولة.
فقد نقَلَت كتب التاريخ أن التأريخ جرى على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببدء بعثته بهذا الدين، حتى كانت إمارة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد كتب أبو موسى الأشعري إليه أنه "يأتينا من قِبَل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ فلا ندري على أيها نعمل".
وروى ميمون بن مهران قال: "رُفِع إلى أمير المؤمنين عمر صَكٌّ محله شعبان فقال: أي الشعابين هو؟ الذي مضى أو الذي نحن فيه أم الآتي؟"
وقال قرة بن خالد: "كان عند عمر عامل جاء من اليمن فقال لعمر: أَمَا تؤرخون؟ إني رأيت باليمن شيئًا يسمونه التاريخ، يكتبون من عام كذا وشهر كذا.
فقال عمر: إن هذا لحسن فأرِّخوا".
وفي رواية أخرى أنه جمع وجوه الصحابة فقال: "إن الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير موقت -أي مؤرخ- فكيف التوصل إلى ما يضبط به ذلك؟ فقال قائل: اكتبوا على تاريخ الروم. فقيل: إنه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين. فأراد عمر والناس أن يكتبوا من مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ثم قالوا: من عند وفاته. ثم قالوا: من مولده. وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: منذ خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يعني يوم هاجر. فاتفقوا على أن يكون المبدأ من سنة الهجرة.
وقد كانت هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة في ربيع الأول.
فقال: بأي شهر نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقالوا: رجب فإن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه.
وقال آخرون: شهر رمضان. وآخرون قالوا: شهر ذي الحجة؛ لأن فيه الحج. وآخرون قالوا: الشهر الذي خرج فيه مهاجرًا. وآخرون قالوا: من الشهر الذي قدم فيه المدينة، وقد كانت الهجرة في شهر ربيع الأول. فقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أرخوا من المحرم أول السنة وهو شهر حرام وأول الشهور في العدة وهو منصرف الناس من الحج. فلما عزموا على تأسيس التاريخ الهجري حسبما اقترح عثمان رجعوا ثمانية وستين يومًا، وجعلوا التاريخ من أول محرم هذه السنة، ثم أحْصَوا من أول يوم في المحرم إلى آخر عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان عشر سنين وشهرين، وأما إذا حسب عمره من شهر الهجرة الحقيقية -ربيع الأول- فيكون قد عاش في المدينة تسع سنين وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا".
وعمر -رضي الله عنه- بهذا هو واضع التاريخ الهجري ومؤصله، ولم يكن هذا التاريخ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا يدلنا على أن أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قدروا أثر الهجرة وما تلاها من نصر للإسلام، وانتشاره، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فكانت بحق دنيا وحياة ودولة، ولم تكن حدثًا من الأحداث وإنما كانت نصرًا من الله: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. [التوبة: 40].
وبعد:
أليست الهجرة حَرِيَّةً بأن تكون ظاهرة بارزة، وتكون تأريخًا للمسلمين يُتوِّجون بها أيامهم وتاريخهم؟
- بلى.
ثم أليس في هذا التاريخ حجة على أولئك الذين يَصِمُون كل أمر لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه بدعة؟
ثم أليس عمر هو الذي جمع الناس على صلاة التراويح عشرين ركعة حين رأى إقبال الناس على صلاتها جماعة؟ قال: "نِعْمَتْ البدعة".
ثم أليس عمر هو الذي فرض الخراج على أرض العراق وغيرها مما فتح عنوة، وهو الذي دوَّن الدواوين؟
فخذوا أيها المسلمون من الهجرة والتأريخ بها فقها وقيمًا ومثلًا عُليا في فضل الصحبة والإخاء والفداء من الصغار والكبار، خذوا منها فكر الإسلام وثقافته، ولا تعدلوا عنه فتضلوا وتهلكوا، واتخذوا القرآن إمامًا، والسنة شرعة ومنهاجًا، فهما الطريق المستقيم
التعليقات: 0
Post a Comment