‏إظهار الرسائل ذات التسميات فى الدعوة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فى الدعوة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 يوليو 2011

ما فضل قيام الليل في رمضان؟

سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيام رمضان ورغَّب فيه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) متفق عليه، وهذا القيام يتحقق بصلاة التراويح التي اختص بها شهر رمضان، ومعنى قيام رمضان إيمانًا: أي تصديقًا بما وعد اللَّهُ الصائم من الأجر، واحتسابًا: أي محتسبًا ومدخرًا أجره عند الله تعالى لا عند غيره، وذلك بإخلاص العمل لله.
وقد وردت روايات عديدة صحيحة تدلنا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاها ثماني ركعات، وصلاها عشرًا، واثنتي عشرة ركعة؛ بحسب الأحوال التي كان عليها، ويمكن القول إن أقل صلاة التراويح ثماني ركعات، وأكثرها لا حد له، وما عليه الفقهاء الأربعة هو أن تُصَلَّى عشرين ركعة.
ويُندب ختم القرآن كاملا في صلاة التراويح؛ يُوزَّعُ جزءٌ منه كلَّ ليلة، ويُطلَبُ من الإمام تخفيف الصلاة على المأمومين؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ)) متفق عليه، وليس معنى التخفيف ما يفعله بعض الأئمة من الإسراع في صلاة التراويح إلى الحد الذي لا يتمكن معه المأموم من إتمام الركوع والسجود والطمأنينة التي هي فرض تبطل الصلاة بدونه، بل التخفيف هو عدم التطويل مع إحكام القراءة وإتمام الأركان، والطمأنينة واحدة من هذه الأركان.
ومن الأفضل صلاتها في المسجد، وإن كان بعض المذاهب يرى أن صلاتها في البيت أفضل إلا لمن خاف الكسل عنها إذا صلاها في بيته، أو كان نزوله يساعد في إقامة هذه الشعيرة؛ كأن كان إمامًا للناس، أو حسن الصوت بالقراءة، أو ممن يُقتدى به.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

Read more ...

ما محذورات رمضان؟



يجب على الصائم أن لا يُعرض صيامه لما يفسده ويُضيع ثوابه؛ فيمسك أعضاءه وجوارحه عن كل ما يغضب الله تعالى ويضيع الصوم كالغيبة والنميمة، والقيل والقال، والنظر إلى ما حرمه الله تعالى، والخصام والشقاق، وقطع صلة الرحم، وغير ذلك من الأمور التي من شأنها ضياع ثواب الصوم؛ عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ)) أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
أو بعبارة أخرى أن يجتنب كل ما من شأنه أن يذهب التقوى أو يضعفها؛ لأن الصيام شُرع لتحصيلها، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183.

والله سبحانه وتعالى أعلم
Read more ...

الخميس، 24 مارس 2011

نبي الإسلام في مرآة الفكر الروسي. تولستوي يتحدث عن نبي الإسلام




مصدرها: مجلة الأزهر: ربيع الأول 1399هـ، فبراير 1979م.

هو الكونت ليون تولستوي ابن الجنرال تولستوي وحفيد الكونت تولستوي السياسي الروسي المتوفى سنة 1927م.
نشأ جنديا ثم اشتغل بإصلاح الهيئة الاجتماعية فأخذ يكتب القصص يودعها مذهبه حتى ذاع صيته وطبق آفاق العالم..
وتصدى لقادة الأديان وصاح بهم صيحات انتقاد وسخرية حتى اضطروا إلى الحكم بإلحاده.
لقد كان هذا الفيلسوف الروسي كاتبا منصفا، فعندما رأى تحامل أهل الأديان الأخرى على الدين الإسلام، هزته الغيرة على الحق إلى وضع رسالة عن نبي الإسلام وبعض تاريخ حياته فقال فيها:


"ولد نبي الإسلام في بلاد العرب من أبوين فقيرين وكان في حداثة سنه راعيا، يميل إلى العزلة والانفراد في البراري والصحاري، متأملا في الله خالق الكون..
لقد عبد العرب المعاصرون له أربابا كثيرة وبالغوا في التقرب إليها واسترضائها، وأقاموا لها العبادات وقدموا لها الضحايا المختلفة.
وكان كلما تقدم به العمر ازداد اعتقادا بفساد تلك الأرباب، وأن هناك إلها واحدا حقيقيا لجميع الناس والشعوب.
وقد ازداد إيمان محمد بهذه الفكرة فقام يدعو أمته وأهله إلى فكرته، معلنا أن الله اصطفاه لهدايتهم وعهد إليه إنارة بصائرهم وهدم دياناتهم وعباداتهم الباطلة.. وراح يعلن عن عقيدته وديانته.
وخلاصة هذه الديانة التي نادى بها هذا الرسول هو أن الله واحد –لا إله إلا هو- ولذلك لا يجوز عبادة غيره.. وبأن الله عادل ورحيم بعباده, وأن مصير الإنسان النهائي متوقف عليه وحده، فإن الله يؤجره في الحياة الآخرة أجرًا حسنا.. وإذا خالف شريعة الله وسار على هواه فإنه يعاقب في الآخرة عقابًا أليمًا.. وأن الله تعالى يأمر الناس بمحبته ومحبة بعضهم بعضا، ومحبة الله تكون بالصلاة، ومحبة الناس تكون بمشاركتهم في السراء والضراء... وأن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر يقتضى عليهم أن يبذلوا وسعهم في البعد عن كل ما من شأنه إثارة الشهوات النفسية والابتعاد عن الملذات الدنيوية.. وإنه يحتم عليهم ألا يخدموا الجسد ولا يعبدوه، بل عليهم أن يخدموا الروح ويهذبوها..
ومحمد لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد بل اعتقد أيضًا بنبوة موسى وعيسى، وقال إن اليهود والنصارى لا يُكرَهون على ترك دينهم.
وفي سني دعوته الأولى احتمل كثيرًا من اضطهادات أصحاب الديانة القديمة شأن كل نبي قبله نادى أمته إلى الحق ولكن هذه الاضطهادات لم تثن من عزمه بل ثابر على دعوة أمته..
وقد امتاز المؤمنون كثيرًا عن العرب بتواضعهم وزهدهم في الدنيا وحب العمل والقناعة وبذلوا جهدهم في مساعدة إخوانهم في الدين عند حلول المصائب بهم.
ولم يمض على جماعة المؤمنين زمن طويل حتى أصبح الناس المحيطون بهم يحترمونهم احتراما ويعظمون قدرهم.
وراح عدد المؤمنين يتزايد يوما بعد يوم.
ومن فضائل الدين الإسلامي أنه أوصى خيرًا بالمسيحيين واليهود ورجال دينهم، فقد أمر بحسن معاملتهم.
وقد بلغ من حسن معاملته لهم أنه سمح لأتباعه بالتزوج من أهل الديانات الأخرى.. ولا يخفى على أصحاب البصائر العالية ما في هذا التسامح العظيم..
ثم ختم كلمته قائلا:
لا ريب أن هذا النبي من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمته برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسلام وتكف عن سفك الدماء وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرا أنه فتح لها طريق الرقي والتقدم وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أوتي قوة وحكمة وعلما..
ورجل مثله جدير بالإجلال والاحترام.


ولقد كانت آراء هذا الفيلسوف الروسي موضع تقدير الأستاذ الشيخ محمد عبده فكتب لهذا الفيلسوف يقول:


أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي:
لم نحظ بمعرفة شخصك ولكنا لم نحرم التعارف مع روحك سطع علينا نور من أفكارك وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها وإلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء هذا الوجود لينبت بالعلم، ولأن تكون ثمرته تعبا ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويربي جنسه، وشعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، ولَمَّا استعملوا قواهم التي لم يمنحوها إلا ليسعدوا بها، فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم.
ونظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد، ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه، فكما كنت بقولك هاديا للعقول كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم، وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي بها الضالون كان مثلك في العمل إماما يقتدي به المسترشدون، وكما كان وجودك توبيخا من الله للأغنياء كان مددا من عنايته للضعفاء الفقراء، وإن أرفع مجد بلغته، وأكبر جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سماه الغافلون بالحرمان والإبعاد فليس ما حصل لك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس أنك لست من القوم الضالين فاحمد الله على أن فارقوك في أقوالهم كما كنت فارقتهم في عقائدهم.
هذا وإن نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك.
وإنا نسأل الله أن يمد في حياتك ويحفظ عليك قواك ويفتح أبواب القلوب لفهم قولك، ويسوق النفوس إلى التأسي بك في عملك والسلام

Read more ...

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

يوم عاشوراء

يوم عاشوراء

في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم -يعني يوم عاشوراء- وهذا الشهر يعني رمضان.

صوم يوم عاشوراء

يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم السلام وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وروى إبراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم)) خرَّجه بقي بن مخلد في مسنده، وقد كان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم، فسألوا: ما توبتهم؟ قيل: صوم عاشوراء يوم العاشر من المحرم.
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في صيامه أربع حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه، فترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره، وفي رواية للبخاري وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شاء فليصمه ومن شاء أفطر)).
الحالة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يُصَوِّمونه أطفالهم، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما هذا اليوم الذي تصومونه؟)) قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فنحن أحق وأولى بموسى منكم)) فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء فقال: ((ما هذا من الصوم؟)) قالوا: هذا اليوم الذي نَجّى الله عز وجل فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق وغَرَّق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم)) فأمر أصحابه بالصوم وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس: ((من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء)) وفيهما أيضا عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: ((من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه)) فكنا بعد ذلك نصومه ونُصَوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار. وفي رواية: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم. وفي الباب أحاديث كثيرة جدا.
وخرج الطبراني بإسناد فيه جهالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: ((لا ترضعوهم إلى الليل)) وكان ريقه صلى الله عليه وسلم يجزئهم.
وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم كان سنةً متأكَّدَة؟ على قولين مشهورين ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجبا حينئذ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وأبي بكر الأثرم، وقال الشافعي رحمه الله: بل كان متأكَّد الاستحباب فقط، وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
الحالة الثالثة: أنه لما فُرِضَ صيامُ شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بصيام عاشوراء، وتأكيده فيه وقد سبق حديث عائشة في ذلك وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فُرِضَ رمضان ترك ذلك.
وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه، وفي رواية لمسلم: إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفرَض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه، ومن شاء تركه)) وفي رواية له أيضا: ((فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه)).
وفي الصحيحين أيضا عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر)) وفي رواية لمسلم التصريح برفع آخره، وفي رواية للنسائي أن آخره مدرج من قول معاوية وليس بمرفوع.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك. وفي رواية أنه تركه، وفيه أيضا عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده. وخرَّج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث قيس بن سعد قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا. وفي رواية: ونحن نفعله.
فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه فإن كان أمره صلى الله عليه وسلم بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء -رضي الله عنهم- وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: إنه زال التأكيد، وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله.
وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ما يدل على أن أصل استحباب صيامه زال. وقال سعيد بن المسيب: "لم يصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء". وروي عنه عن سعد بن أبي وقاص، والمرسل أصح، قال الدارقطني: وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد، وممن روي عنه صيامه من الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد وابن عباس وغيرهم، ويدل على بقاء استحبابه قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوما يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء، وشهر رمضان. وابن عباس إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم بآخرة، وإنما عقل منه صلى الله عليه وسلم ما كان من آخر أمره.
وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء؟ فقال: ((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) وإنما سأله عن التطوع بصيامه، فإنه سأله أيضا عن صيام يوم عرفة، وصيام الدهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم وفطر يومين، فعُلِم أنه إنما سأله عن صيام التطوع.
وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر. وخرجه أبو داود إلا أن عنده عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم غير مسماة.
الحالة الرابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردًا، بل يضم إليه يومًا آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)). قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية له أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع)). يعني عاشوراء. وخرجه الطبراني ولفظه: ((إن عشت إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني عاشوراء)).
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يومًا وبعده يومًا)). وجاء في رواية: ((أو بعده)). فإما أن تكون "أو" للتخير أو يكون شكًّا من الراوي: هل قال قبله أو بعده، وروي هذا الحديث بلفظ آخر وهو: ((لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله ويوم بعده)). يعني عاشوراء، وفي رواية أخرى: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ولآمرن بصيام يوم قبله ويوم بعده)). يعني عاشوراء. أخرجهما الحافظ أبو موسى المديني.
وقد صح هذا عن ابن عباس من قوله من رواية ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: "خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر". قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه.
وروي عن ابن عباس أنه صام التاسع والعاشر، وعلل بخشية فوات عاشوراء، وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء في السفر، ويوالي بين اليومين خشية فواته، وكذلك روي عن أبي إسحاق أنه صام يوم عاشوراء ويومًا قبله ويومًا بعده، وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني، وروي عن ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطًا، وروي عن ابن عباس والضحاك أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم. قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليوم العاشر إلا ابن عباس فإنه قال: إنه التاسع. وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري هو التاسع أو العاشر، ولكن نصومهما، فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطًا، وابن سيرين يقول ذلك.
وممن رأى صيام التاسع والعاشر الشافعيُّ وأحمد وإسحاق، وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصوم.
وروى الطبراني من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس: إنما كان يومًا تستر فيه الكعبة، وتقلس فيه الحبشة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدور في السنة، فكان الناس يأتون فلانًا اليهودي يسألونه، فلما مات اليهودي أتوا زيد بن ثابت فسألوه، وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراء ليس هو في المحرم، بل يحسب بحساب السنة الشمسية كحساب أهل الكتاب، وهذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديمًا وحديثًا.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد من هلال المحرم، ثم يصبح يوم التاسع صائمًا، وابن أبي الزناد لا يعتمد على ما ينفرد به، وقد جعل الحديث كله عن زيد بن ثابت، وآخره لا يصلح أن يكون من قول زيد، فلعله مِن قول مَن دونه، والله أعلم.
وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر منهم ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي والزهري وقال: رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر، وروى عبد الرزاق في كتابه عن إسرائيل عن سماك بن حرب عن معبد القرشي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بقديد، فأتاه رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أطعمت اليوم شيئًا؟)). ليوم عاشوراء. قال لا، إلا أني شربت ماءً. قال: ((فلا تطعم شيئًا حتى تغرب الشمس، وأمرْ مَن وراءك أن يصوموا هذا اليوم)). ولعل المأمور كان من أهل قديد، وروى بإسناده عن طاووس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر ولا يصومه في السفر.
ومِن أعجب ما ورد في عاشوراء أنه كان يصومه الوحش والهوام، وقد روي مرفوعًا: ((أن الصرد أول طير صام عاشوراء)). خرجه الخطيب في تاريخه، وإسناده غريب، وقد روي ذلك عن أبي هريرة، وروي عن فتح بن شخرف قال: كنت أفت للنمل الخبز كل يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوه، وروي عن القادر بالله الخليفة العباسي أنه جرى له مثل ذلك، وأنه عجب منه، فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد، فذكر له أن يوم عاشوراء تصومه النمل، وروى أبو موسى المديني بإسناده عن قيس بن عباد قال: بلغني أن الوحش كانت تصوم عاشوراء، وبإسناد له عن رجل أتى البادية في يوم عاشوراء، فرأى قومًا يذبحون ذبائح، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أن الوحوش صائمة، وقالوا: اذهب بنا نُرِكَ، فذهبوا به إلى روضة، فأوقفوه، قال: فلما كان بعد العصر جاءت الوحوش من كل وجه، فأحاطت بالروضة رافعةً رؤوسها إلى السماء ليس شيء منها يأكل، حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعًا فأكلت.
وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: بين الهند والصين أرضٌ كان بها بطة من نحاس على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء مدَّت منقارها، فيفيض من منقارها ماء يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى العام المقبل، ورؤي بعض العلماء المتقدمين في المنام، فسئل عن حاله، فقال: غفر لي بصيام عاشوراء ستين سنة.
وفي رواية: ((ويوم قبله ويوم بعده)). وذكر عبد الوهاب الخفاف في كتاب الصيام: قال سعيد: قال قتادة: كان يقال: صوم عاشوراء كفارة لما ضيع الرجل من زكاة ماله، وقد روي أن يوم عاشوراء كان يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدًا لهم، ويروى أن موسى عليه السلام كان يلبس فيه الكتان ويكتحل فيه بالإثمد، وكانت اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذونه عيدًا، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك، وكانوا يسترون فيه الكعبة، ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك؛ ففي الصحيحين عن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء يومًا تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صوموه أنتم)). وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا ويُلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فصوموه أنتم)). وخرجه النسائي وابن حبان وعندهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خالفوهم فصوموه)). وهذا يدل على النهي
عن اتخاذه عيدًا وعلى استحباب صيام أعياد المشركين، فإن الصوم ينافي اتخاذه عيدًا، فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه كما تقدم، فإن في ذلك مخالفةً لهم في كيفية صيامه أيضًا، فلا يبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية، وعلى مثل هذا يحمل ما خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم)). فإنه إذا صام اليومين معًا خرج بذلك عن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم كل طائفة ليومها منفردًا، وصيامه فيه مخالفة لهم في اتخاذه عيدًا، ويجمع بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النهي عن صيام يوم السبت.
وكل ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح، وأما الصدقة فيه فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من صام عاشوراء فكأنما صام السنة، ومن تصدق فيه كان كصدقة السنة. أخرجه أبو موسى المديني.

التوسعة فيه على العيال في يوم عاشوراء

وأما التوسعة فيه على العيال، فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء: ((من وسع على أهله يوم عاشوراء)) فلم يره شيئًا، وقال ابن منصور: قلت لأحمد: هل سمعت في الحديث: ((من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة)). فقال: نعم رواه سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وكان من أفضل أهل زمانه أنه بلغه أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، فقال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرًا، وقول حرب إن أحمد لم يره شيئًا إنما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصح إسناده، وقد روي من وجوه متعددة لا يصح منها شيء، وممن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال العقيلي: هو غير محفوظ، وقد روي عن عمر من قوله، وفي إسناده مجهول لا يعرف.
وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنه فهو مِن عمل مَن ضلَّ سعيُه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسولُه باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا، فكيف بمن دونهم؟!

من فضائل يوم عاشوراء

ومن فضائل يوم عاشوراء: أنه يوم تاب الله فيه على قوم، وقد سبق حديث علي الذي خرجه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ((إن كنت صائمًا شهرًا بعد رمضان فصم المحرم، فإن فيه يومًا تاب الله فيه على قوم، ويتوب فيه على آخرين)).
وقد صح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء، فقال: المحرم شهر الله الأصم، فيه يوم تيب فيه على آدم، فإن استطعت ألا يمر بك إلا صمته فافعل، كذا روي عن شعبة عن أبي إسحاق، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق، ولفظه قال: ((إن قومًا أذنبوا فتابوا فيه، فتيب عليهم، فإن استطعت ألا يمر بك إلا وأنت صائم فافعل)). ورواه يونس عن أبي إسحاق، ولفظه قال: ((إن المحرم شهر الله، وهو رأس السنة، تكتب فيه الكتب، ويؤرخ فيه التاريخ، وفيه تضرب الوَرِق، وفيه يوم تاب فيه قومٌ فتاب الله عليهم، فلا يمر بك إلا صمته)). يعني يوم عاشوراء. وروى أبو موسى المديني من حديث أبي موسى مرفوعًا: ((هذا يوم تاب الله فيه على قوم، فاجعلوه صلاة وصومًا)). يعني يوم عاشوراء. وقال: حسن غريب، وليس كما قال وروى بإسناده عن علي قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي تيب فيه على قوم يونس.
وعن ابن عباس قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم، وعن وهب: إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أنْ مُرْ قومَك يتقربوا إليَّ في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إليَّ حتى أغفر لهم، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة قال: هو يوم تاب الله فيه على آدم يوم عاشوراء، وروى عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال: كنا نتحدث أن اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي: ((ويتوب فيه على آخرين)). حثٌّ للناس على تجديد التوبة النصوح في يوم عاشوراء، وترجية لقبول التوبة ممن تاب فيه إلى الله عز وجل من ذنوبه تاب الله عليه كما تاب فيه على من قبلهم.
وقد قال الله تعالى عن آدم: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]. وأخبر عنه وعن زوجه أنهما قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابًا قال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]. وقولوا كما قال نوح: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47]. وقولوا كما قال موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]. وقولوا كما قال ذو النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
واعتراف المذنب بذنبه مع الندم عليه توبةٌ مقبولةٌ، قال الله عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 102]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه)). وفي دعاء الاستفتاح الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح به: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). وفي الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للصديق أن يقوله في صلاته: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)). وفي حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)).
الاعتراف يمحو الاقتراف كما قيل:
فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه كما أن إنكار الذنوب ذنوب
لما أهبط آدم من الجنة بكى على تلك المعاهد فيما يروى ثلاثمائة عام، وحق له ذلك؛ كان في دار لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى، فلما نزل إلى الأرض أصابه ذلك كله، وكان إذا رأى جبريل عليه السلام يتذكر برؤيته تلك المعاهد فيشتد بكاؤه حتى يبكي جبريل عليه السلام لبكائه ويقول له: ما هذا البكاء يا آدم، فيقول: وكيف لا أبكي وقد أخرجت من دار النعمة إلى دار البؤس، فقال له بعض ولده: لقد آذيت أهل الأرض ببكائك، فقال إنما أبكي على أصوات الملائكة حول العرش، وفي رواية قال: إنما أبكي على جوار ربي في دار تربتها طيبة، أسمع فيها أصوات الملائكة، وفي رواية قال: أبكي على دار لو رأيتها لزهقت نفسك شوقًا إليها، وروي أنه قال لولده: كنا نسلا من نسل السماء، خُلقنا كخلقهم وغذينا بغذائهم، فسبانا عدونا إبليس، فليس لنا فرحة ولا راحة إلا الهم والعناء حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

لما التقى آدم وموسى عليهما السلام عاتبه موسى على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)). كما قيل:

والله لولا سابق الأقدار لم تبعد قط داركم عن داري
من قبل النأي جرية المقدار هل يمحو العبد ما قضاه الباري

لما ظهرت فضائل آدم عليه السلام على الخلائق بسجود الملائكة له وبتعليمه أسماء كل شيء وإخباره الملائكة بها وهم يستمعون له كاستماع المتعلم من معلمه حتى أقروا بالعجز عن علمه وأقروا له بالفضل وأسكن هو وزوجته الجنة -ظهر الحسد من إبليس وسعى في الأذى، وما زالت الفضائل إذا ظهرت تحسد:

لا مات حسادك بل خلدوا حتى يروا منك الذي يكمد
لا زلت محسودًا على نعمة فإنما الكامل من يحسد

فما زال يحتال على آدم حتى تسبب في إخراجه من الجنة، وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج منها كملت فضائله ثم عاد إلى الجنة على أكمل من حاله الأول، إنما أهلك إبليسَ العجبُ بنفسه، ولذلك قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف: 12]. وإنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23]. كان إبليس كلما أوقد نار الحسد لآدم فاح بها ريح طيب آدم واحترق إبليس:

وإذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

قال بعض السلف: آدم أُخرج من الجنة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا بها الجنة كما قيل:

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أن الله أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد

وقال:

بفرد خطيئة وبفرد ذنب من الجنات أخرجت البرايا
فقل لي كيف ترجو في دخول إليها بالألوف من الخطايا

احذروا هذا العدو الذي أخرج أباكم من الجنة، فإنه ساعٍ في منعكم من العود إليها بكل سبيل، والعداوة بينكم وبينه قديمة، فإنه ما أخرج من الجنة وطرد عن الخدمة إلا بسبب تكبره على أبيكم وامتناعه من السجود له لما أمر به، وقد أبلس من الرحمة وأيس من العود إلى الجنة وتحقق خلوده في النار، فهو يجتهد على أن يخلِّد معه في النار بني آدم بتحسين الشرك، فإن عجز قنع بما دونه من الفسوق والعصيان، وقد حذركم مولاكم منه، وقد أعذر من أنذر، فخذوا حذركم: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27].
العجب ممن عرف ربه ثم عصاه، وعرف الشيطان ثم أطاعه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50].
رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى حفظنا له العهد القديم فضيعا
وصاحبت قومًا كنت أنهاك عنهم وحقك ما أبقيت للصلح موضعا

لما أُهبط آدم إلى الأرض وُعد العود إلى الجنة هو ومن آمن من ذريته واتبع الرسل: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35]. فليبشر المؤمنون بالجنة هي إقطاعهم، وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25]. إنما خرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، فأما من تاب وآمن فالإقطاع مردود عليه، المؤمنون في دار الدنيا في سفر جهاد يجاهدون فيه النفوس والهوى، فإذا انقضى سفر الجهاد عادوا إلى وطنهم الأول الذي كانوا فيه في صلب أبيهم، تكفل الله للمجاهد في سبيله أن يرده إلى وطنه بما نال من أجر أو غنيمة.
وصلت إليكم معشر الأمة رسالة من أبيكم إبراهيم مع نبيكم محمد عليهما السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت ليلة أُسري بي إبراهيم، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة عذبة الماء طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)). وخرج النسائي. والترمذي عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة))، وخرج ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ((من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس له بكل واحدة شجرة في الجنة)) وخرجه الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا، وخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((من قال: سبحان الله العظيم بني له برج في الجنة)) وروي موقوفا.
وعن الحسن قال: "الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان يغرسون ويبنون، فربما أمسكوا، فيقال لهم: ما لكم قد أمسكتم؟ فيقولون: حتى تأتينا النفقات". وقال الحسن: "فابعثوهم بأبي أنتم وأمي على العمل" وقال بعض السلف: "بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون: حتى تأتينا نفقة".
أرض الجنة اليوم قيعان والأعمال الصالحة لها عمران، بها تبنى القصور، وتغرس أرض الجنان، فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكان. رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك، واسمها دار السرور فأبشر، وقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها والفراغ منها إلى سبعة أيام، فلما كان بعد سبعة أيام مات، فرؤي في المنام، فقال: أدخلت دار السرور وأنا في سرور، فلا تسأل عما فيها، لم يُرَ مثل الكريم إذا حل به مطيع.
رأى بعضهم كأنه أدخل الجنة، وعرض عليه منازله وأزواجه، فلما أراد أن يخرج تعلق به أزواجه، وقالوا: بالله حسن عملك، فكلما حسنت عملك ازددنا نحن حسنا.
العاملون اليوم يسلفون رؤوس أموال الأعمال فيما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين إلى أجل يوم المزيد في سوق الجنة، فإذا حل الأجل دخلوا السوق فحملوا منه ما شاؤوا بغير نقد ثمن على قدر ما سلف من تعجيل رأس مال السلف لكن بغير مكيال ولا ميزان، فيا من عزم أن يسلف اليوم إلى ذلك الموسم عجل بتقبيض رأس المال، فإن تأخير التقبيض يفسد العقد.

فلله واديها الذي هو موعد الـ ـمزيد لوفد الحب لو كنت منهم
فما شئت خذ منه بلا ثمن له فقد أسلف التجار فيه وأسلموا

في الحديث: ((إن الجنة تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني، فقد كثر حريري وإستبرقي وسندسي، ولؤلؤي ومرجاني، وفضتي وذهبي، وأباريقي وخمري، وعسلي ولبني، فأتني بأهلي وبما وعدتني)) وفي الحديث أيضا: ((من سأل الله الجنة شفعت له الجنة إلى ربها وقالت: اللهم أدخله الجنة)) وفي الحديث أيضا: ((إن الجنة تفتح في كل سحر ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك، فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر)).
قلوب العارفين تستنشق أحيانا نسيم الجنة قال أنس بن النضر يوم أحد: واها لريح الجنة والله إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
كما قيل:

تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما هوى كل نفس حيث حل حبيبها

كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم إلى الأرض لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين، واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين، يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة: 186] إن كان حصل لك بالإخراج من الجنة كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إن كان فاتك في السماء سماع زجل المسبحين فقد تعوَّضت في الأرض بسماع أنين المذنبين.
أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار وأنين المذنبين يزينه الانكسار، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم. سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وعاد عليه وبالا، لقن آدم حجته وألقي إليه ما تُتَقبل به توبته: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] وطرد إبليس بعد طول خدمته، فصار عمله هباء منثورا: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 77، 78] إذا وضع عدله على عبد لم تبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم تبق له سيئة.
يعطي ويمنع من يشاء كما يشا وهباته ليست تقارنها الرشا
لما ظهر فضل آدم على الخلائق بالعلم وكان العلم لا يكمل بدون العمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى رباط الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، واذرف دموع الأسف على البعاد، فكأنك بالعيش الماضي وقد عاد، على أكمل من ذلك الوجه المعتاد:

عودوا إلى الوصل عودوا فالهجر صعب شديد
لو ذاق طعم الفراق رضوى لكاد من وجده يميد
قد حملوني عذاب شوق يعجز عن حمله الحديد
قلت وقلبي أسير وجد متيم في الجفا عميد
أنتم لنا في الهوى موالٍ ونحن في أسركم عبيد




-------------------------------
من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله
Read more ...

في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول

في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول

خرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل)) الكلام على هذا الحديث في فصلين:

1- في أفضل التطوع بالصيام.
2-
وأفضل التطوع بالقيام.

الفصل الأول: في فضل التطوع بالصيام

وهذا الحديث صريح في أن أفضل ما تُطُوِّع به من الصيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرم وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تُطُوِّع بصيامه كاملا بعد رمضان؛ فأما بعض التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام يوم عرفة أو عشر ذي الحجة أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك، ويشهد لهذا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث علي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني بشهر أصومه بعد شهر رمضان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب الله فيه على قوم، ويتوب على آخرين)) وفي إسناده مقال.
ولكن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شهر شعبان، ولم ينقل عنه أنه كان يصوم المحرم إنما كان يصوم عاشوراء وقوله في آخر سنة: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)) يدل على أنه كان لا يصوم التاسع قبل ذلك، وقد أجاب الناس عن هذا السؤال بأجوبة فيها ضعف، والذي ظهر لي والله أعلم أن التطوع بالصيام نوعان:
أحدهما: التطوع المطلق بالصوم، فهذا أفضله المحرم كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل.
والثاني: ما صيامه تبع لصيام رمضان قبله وبعده، فهذا ليس من التطوع المطلق بل صيامه تبع لصيام رمضان وهو ملتحق بصيام رمضان، ولهذا قيل: إن صيام ستة أيام من شهر شوال يلتحق بصيام رمضان، ويُكْتَب بذلك لمن صامها مع رمضان صيام الدهر فرضا وقد روي أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بصيام شوال فترك الأشهر الحرم وصام شوالا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
فهذا النوع من الصيام يلتحق برمضان، وصيامه أفضل التطوع مطلقا؛ فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يصوم الأشهر الحرم، وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى، وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم، ويشهد لهذا أنه صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: ((وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل)) ومراده بعد المكتوبة: ولواحقها من سننها الرواتب فإن الرواتب قبل الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء؛ لالتحاقها بالفرائض وإنما خالف في ذلك بعض الشافعية، فكذلك الصيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان، وصيامه أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع المطلق بالصيام صيام المحرم.
وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل، فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه، وقد روي عنه مرفوعا ومرسلا قال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو الهلال الراسي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة بعد المكتوبة في جوف الليل الأوسط، وأفضل الشهور بعد شهر رمضان المحرم، وهو شهر الله الأصم)).
وخرج النسائي من حديث أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير، وأي الأشهر أفضل؟ فقال: ((خير الليل جوفه، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم)) وإطلاقه في هذا الحديث: ((أفضل الأشهر)) محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة، وقال سعيد بن جبير وغيره: أفضل الأشهر الحرم ذو القعدة أو ذو الحجة، بل قد قيل: إنه أفضل الأشهر مطلقا، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وزعم بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب وهو قول مردود، وأفضل شهر الله المحرم عشره الأول، وقد زعم يمان بن رآب أنه العشر الذي أقسم الله به في كتابه، ولكن الصحيح أن العشر المقسَم به عشر ذي الحجة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عثمان النهدي: "كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العَشر الأخير، من رمضان، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، والعشر الأُوَل من محرم"، وقد وقع هذا في بعض نسخ كتاب فضائل العشر لابن أبي الدنيا عن أبي عثمان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعظم هذه العشرات الثلاث، وليس ذلك بمحفوظ، وقد قيل: إنه العشر الذي أتم الله به ميقات موسى عليه السلام أربعين ليلة، وإن التكلم وقع في عاشره.
وروي عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن مر قومك أن يتقربوا إلي في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم.
وعن قتادة أن الفجر الذي أقسم الله به في أول سورة الفجر هو فجر أول يوم من المحرم، تنفجر منه السنة، ولما كانت الأشهر الحرم أفضل الأشهر بعد رمضان أو مطلقا، وكان صيامها كلها مندوبًا إليه كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعضها ختام السنة الهلالية، وبعضها مفتاحا لها، فمن صام شهر ذي الحجة سوى الأيام المحرم صيامها منه، وصام المحرم فقد ختم السنة بالطاعة، وافتتحها بالطاعة، فيرجى أن تكتب له سنته كلها طاعةً، فإن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
وفي حديث مرفوع: ((ما من حافظين يرفعان إلى الله صحيفة فيرى في أولها وفي آخرها خيرا إلا قال الله لملائكته أشهدكم أني غفرت لعبدي ما بين طرفيها)) خرجه الطبراني وغيره، وهو موجود في بعض نسخ كتاب الترمذي، وفي حديث آخر مرفوع: ((ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة، ومن آخر النهار ساعة أغفر لك ما بين ذلك، إلا الكبائر أو تتوب منها)) وقال ابن المبارك: "من ختم نهاره بذكر الله كتب نهاره كله ذكرا" يشير إلى أن الأعمال بالخواتيم، فإذا كان البداءة والختام ذكرًا فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملا، للجميع ويتعين افتتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.

قطعت شهور العام لهوا وغفلةً ولم تحترم فيما أتيت المحرما
فلا رجبا وافيت فيه بحقه ولا صمت شهر الصوم صوما متمما
ولا في ليالي عشر ذي الحجة الذي مضى كنت قواما ولا كنت محرما
فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة وتبكي عليها حسرة وتندما
وتستقبل العام الجديد بتوبة لعلك أن تمحو بها ما تقدما

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله؛ فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته، ولما كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى الله تعالى وكان الصيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى فإنه له من بين الأعمال ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به، وهو الصيام وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله عز وجل: إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله، كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرا، فأشار إلى شهر الله الذي حرمه فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره:

شهر الحرام مبارك ميمون والصوم فيه مضاعف مسنون
وثواب صائمه لوجه إلهه في الخلد عند مليكه مخزون

الصيام سر بين العبد وبين ربه، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي" وفي الجنة باب يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه غيرهم، وهو جُنَّة للعبد من النار كجُنَّة أحدكم من القتال.
وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام يوما ابتغاء وجه الله تعالى بَعَّدَهُ الله من نار جهنم كبُعْدِ غراب طار وهو فرخ حتى مات هرمًا)) وفيه أن أبا أمامة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني؟ قال: ((عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له)) فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رؤي في بيتهم دخان بالنهار، علم أنه قد نزل بهم ضيف.
وممن سرد الصوم عمر وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة وخلق كثير من السلف، وممن صام الأشهر الحرم كلها ابن عمر والحسن البصري وغيرهما، قال بعضهم: "إنما هو غداء وعشاء فإن أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين".
"للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" إذا وجد ثواب صيامه مدخورا.
سمع بعضهم مناديا ينادي على السحور في رمضان يا ما خبأنا للصوَّام، فانتبه لذلك وسرد الصوم. وروي: أن الصائمين توضع لهم مائدة تحت العرش فيأكلون والناس في الحساب، فيقول الناس: ما بال هؤلاء يأكلون ونحن نحاسب؟ فيقال: كانوا يصومون وأنتم تفطرون. وروي أنهم يحكمون في ثمار الجنة والناس في الحساب. روى ذلك ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع.
قال الله تعالى: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]. وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوام. من ترك لله طعامه وشرابه وشهوته عوضه الله خيرا من ذلك طعاما وشرابا لا ينفد، وأزواجا لا تموت.
في التوراة: طوبى لمن جوَّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن ظمأ نفسه اليوم ليوم الري الأكبر، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، طوبى لمن ترك طعاما ينفد في دار تنفد لدار {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35].

من يرد ملك الجنان فليذر عنه التواني
وليقم في ظلمة الليـ ـل إلى نور القرآن
وليصل صوما بصوم إن هذا العيش فانِ
إنما العيش جوار الله في دار الأمان

كان بعض الصالحين يكثر الصوم، فرأى في منامه كأنه دخل الجنة فنودي من ورائه: يا فلان تذكر أنك صمت لله يوما قط؟ قال: إي والله يوم ويوم ويوم، فإذا صواني النثار قد أخذته يمنة ويسرة. كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات، فرؤي بعضُ أصحابه في المنام فسئل عن حاله فقال:

قد كسي حلة البهاء وطا فت بالأباريق حوله الخدام
ثم حلى وقيل يا قارِيَ ارقه فلعمري لقد براك الصيام

صام بعض التابعين حتى اسود من طول صيامه، وصام الأسود بن يزيد حتى اخضر جسمه واصفر، فكان إذا عوتب في رفقه بجسده يقول: كرامة هذا الجسد أريد.
وصام بعضهم حتى وجد طعم دماغه في حلقه. كان بعضهم يسرد الصوم فمرض وهو صائم فقالوا له: أفطر، فقال: ليس هذا وقت ترك. وقيل لآخر منهم وهو مريض: أفطر، فقال: كيف وأنا أسير لا أدري ما يفعل بي.
مات عامر بن عبد الله بن الزبير وهو صائم ما أفطر، ودخلوا على أبي بكر بن أبي مريم، وهو في النزع وهو صائم فعرضوا عليه ماءً ليفطر، فقال: أغربت الشمس؟ قالوا: لا، فأبى أن يفطر ثم أتوه بماء وقد اشتد نزعه فأومأ إليهم: أغربت الشمس؟ قالوا: نعم فقطَّروا في فيه قطرةً من ماء ثم مات، واحتضر إبراهيم بن هانئ صاحب الإمام أحمد وهو صائم، وطلب ماء، وسأل: أغربت الشمس؟ فقالوا: لا، وقالوا له: قد رُخِّص لك في الفرض، وأنت متطوع، قال: أجل أمهلوا، ثم قال: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] ثم خرجت نفسه وما أفطر.
الدنيا كلها شهر صيام المتقين، وعيد فطرهم يوم لقاء ربهم، ومعظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.
وقد صمت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
ولما كان الصيام سرا بين العبد وربه اجتهد المخلصون في إخفائه بكل طريق حتى لا يطلع عليه أحد، قال بعض الصالحين: بلغنا عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه من دهنه، حتى ينظر إليه الناظر فيظن أنه ليس بصائم". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا أصبح أحدكم صائما فليترجل -يعني يسرح شعره- ويدهنه، وإذا تصدق بصدقة عن يمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلى تطوعا فليصل داخل بيته". وقال أبو التياح: "أدركت أبي ومشيخة الحي إذا صام أحدهم ادَّهَن، ولبس صالح ثيابه.
صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان له دكان فكان كل يوم يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج إلى دكانه فيتصدق بهما في طريقه، فيظن أهله أنه يأكلهما في السوق، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته قبل أن يجيء.
اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصيام فكان يقوم يوم الجمعة في مسجد الجامع، فيأخذ إبريق الماء فيضع بلبلته في فيه ويمتصها، والناس ينظرون إليه ولا يدخل حلقه منه شيء؛ لينفي عن نفسه ما اشتهر به من الصوم. كم يستر الصادقون أحوالهم، وريح الصدق ينم عليهم، ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية.

كم اكتم حبكم عن الأغيار والدمع يذيع في الهوى أسراري
كم أستركم هتكتمو أستاري من يخفي في الهوى لهيب النار

ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فكلما اجتهد صاحبه على إخفائه فاح ريحه للقلوب، فتستنشقه الأرواح، وربما ظهر بعد الموت ويوم القيامة.
فكاتم الحب يوم البين مُنْهَتِكٌ وصاحب الوجد لا تخفى سرائره
ولما دفن عبد الله بن غالب كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرؤي في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. وجاء في حديث مرفوع: ((يخرج الصائمون من قبورهم يُعْرَفون بريح صيامهم، أفواههم أطيب من ريح المسك)).

وهبني كتمت السر أو قلت غيره أتخفى على أهل القلوب السرائر
أبى ذاك إن السر في الوجه ناطق وإن ضمير القلب في العين ظاهر

الفصل الثاني: في فضل قيام الليل

وقد دل حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا على أنه أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وهل هو أفضل من السنن الراتبة فيه خلاف سبق ذكره، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. وخرجه الطبراني عنه مرفوعا، والمحفوظ وقَفُه، وقال عمرو بن العاص: "ركعة بالليل خير من عشر بالنهار". خرجه ابن أبي الدنيا، وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار؛ لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص.
كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم، قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زواره، فيقوم من الليل يصلي، لا يعلم به زواره. وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت، وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليلته، وهي لا تشعر. وكان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله، ويأمر حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه، وكان بعضهم يقوم في وسط الليل ولا يُدْرَى به، فإذا كان وقت طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة.
ولأن صلاة الليل أشق على النفوس فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار، فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر، فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم، كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] ولهذا المعنى أُمِر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا، ولهذا كانت صلاة الليل منهاة عن الإثم كما يأتي في حديث خرجه الترمذي، وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق؟ فقال: ((سينهاه ما تقول))، ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين.
وقد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته فقال الله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17] وقال الله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] وقال الله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذريات: 17، 18] وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] وقال الله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] وقال تعالى: { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الاسراء: 79] وقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الانسان: 26] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 1، 4] قالت عائشة رضي الله عنها لرجل: "لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض -أو قالت: كسل- صلى قاعدا" وفي رواية أخرى عنها قالت: "بلغني عن قوم يقولون: إن أدينا الفرائض لم نبالِ أن لا نزداد، ولعمري لا يسألهم الله إلا عما افترض عليهم، ولكنهم قوم يخطئون بالليل والنهار، وما أنتم إلا من نبيكم وما نبيكم إلا منكم، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل"، ونزعت كل آية فيها قيام الليل، فأشارت عائشة رضي الله عنها إلى أن قيام الليل فيه فائدتان عظيمتان: الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي به، وقد قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وتكفير الذنوب والخطايا؛ فإن بني آدم يخطئون بالليل والنهار، فيحتاجون إلى الاستكثار من مكفرات الخطايا، وقيام الليل من أعظم المكفرات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: ((قيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة)) ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] الآية. خرجه الإمام أحمد وغيره.
وقد روي أن المتهجدين يدخلون الجنة بغير حساب، وروي عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق، سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الناس)) خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، ويروى عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله، ويروى نحوه أيضا من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن قبة بن عامر مرفوعا وموقوفا، ويروى نحوه أيضا عن عبادة بن الصامت وربيعة الجرشي والحسن وكعب من قولهم.
قال بعض السلف: قيام الليل يُهَوِّن طول القيام يوم القيامة، وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الموقف للحساب.
وفي حديث أبي أمامة وبلال المرفوع: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد)) خرجه الترمذي. ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد، ويطرد عنه الداء، وكذلك صيام النهار، ففي الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((صوموا تصحوا)) وكما أن قيام الليل يكفر السيئات، فهو يرفع الدرجات، وقد ذكرنا أن أهله من السابقين إلى الجنة بغير حساب.
وفي حديث المنام المشهور الذي خرجه الإمام أحمد والترمذي: ((إن الملأ الأعلى يختصمون في الدرجات والكفارات)) وفيه: ((أن الدرجات إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام)). وفي المسند والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه: ((إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وإنها لأهل هذه الخصال الثلاثة)) وفي حديث عبد الله بن سلام المشهور المخرج في السنن أنه أول ما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند قدومه المدينة: ((يا أيها الناس، اطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)).
ومن فضائل التهجد: أن الله تعالى يحب أهله، ويباهي بهم الملائكة، ويستجيب دعاءهم. روى الطبراني وغيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم، فذكر منهم الذي له امرأة حسناء، وفراش حسن، فيقوم من الليل فيقول الله تعالى: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في سراء وضراء)) وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة يحبهم الله فذكر منهم: وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني ويتلو آياتي)) وصححه الترمذي.
وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول ربنا تبارك وتعالى: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته، رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله عز وجل، وانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع فرجع حتى أُهْرِيق دمُه فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رجاء فيما عندي، وشفقةً مما عندي حتى أهريق دمه" رواه أحمد، وذكر بقية الحديث، وقوله: ((ثار)) فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم.
ويروى من حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور فصلى، ورجل نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمة فهو على فرس جواد، لو شاء أن يذهب لذهب". وخرجه ابن ماجه من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليضحك إلى ثلاثة: الصف في الصلاة، والرجل يصلي في جوف الليل، والرجل يقاتل -أراه قال- خلف الكتيبة)) ورُوِّينَا من حديث أبان عن أنس عن ربيعة بن وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث مواطن لا ترد فيها دعوة رجل يكون في برية حيث لا يراه أحد فيقوم فيصلي، فيقول الله لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربا يغفر الذنب، فانظروا ما يطلب؟ فتقول الملائكة: إي رب رضاك ومغفرتك، فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له ورضيت عنه، ورجل يقوم من الليل فيقول الله عز وجل: أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا، فقام عبدي هذا يصلي يعلم أن له ربا يغفر الذنوب، فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا؟ فتقول الملائكة: يا رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له)) وذكر الثالث: الذي يكون في فئة فيفر أصحابه ويثبت هو، وهو مذكور أيضا في كل الأحاديث المتقدمة.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطَّهُور وعليه عُقَد فيتوضأ، فإذا وَضَّأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب عز وجل للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي هذا فهو له)) وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نِعْم الرجل عبد الله -يعني ابن عمر- لو كان يصلي من الليل)) فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا.
كان أبو ذر رضي الله عنه يقول للناس: "أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويُبَلِّغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم، حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يوما شديدًا حره لحر يوم النشور، صلُّوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير". أين رجال الليل أين الحسن وسفيان وفضيل:

يا رجال الليل جدوا رب داع لا يرد
ما يقوم الليل إلا من له عزم وجد
ليس شيء كصلا ة الليل للقبر يعد

صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة، ومنهم من صلى كذلك أربعين سنة، قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة أخرى.
أفضل قيام الليل وسطه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه)) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصارخ يقوم للصلاة والصارخ: الديك وهو يصيح وسط الليل. وخرَّج النسائي عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير؟ قال: ((جوفه)) وخرَّج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي قيام الليل أفضل؟ قال: ((جوف الليل الغابر، أو نصف الليل وقليل فاعله)) وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الليل أفضل؟ قال: ((جوف الليل الأوسط)) قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: ((دبر المكتوبات)). وخرَّجه الترمذي والنسائي ولفظهما: أنه سأله: أيّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات)) وخرَّج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)).
ويروى أن داود عليه السلام قال: "يا رب أي وقت أقوم لك؟ قال: لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إلي حوائجك". وفي الأثر المشهور: "كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه، فها أنا ذا مطلع على أحبابي، إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على حضوري، غدا أقر أعين أحبابي في جناني".

الليل لي ولأحبابي أحادثهم قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا
لهم قلوب بأسراري بها ملئت على ودادي وإرشادي لهم طبعوا
سروا فما وهنوا عجزا ولا ضعفوا وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا

ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم، هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم.

كتمت اسم الحبيب من العباد ورددت الصبابة في فؤادي
فيا شوقا إلى بلد خليٍّ لعلي باسم من أهوى أنادي

كان داود الطائي يقول في الليل: همك عطَّل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات. وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب.

لو انك أبصرت أهل الهوى إذا غارت الأنجم الطلع
فهذا ينوح على ذنبه وهذا يصلي وذا يركع

من لم يشاركهم في هواهم وذوق حلاوة نجواهم لم يدر ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب.
من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد
كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسحر للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم؛ فوسط الليل خاص لخلوة الخواص، والسحر عام لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم.
صحائف التائبين خدودهم ومدادهم دموعهم، قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم. رسائل الأسحار تحمل، ولا يدري بها الفلك، وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملَك.

صحائفنا إشارتنا وأكثر رسلنا الحرق
لأن الكتب قد تقرأ بغير الدمع لا تثق

لا تزال القصص تستعرض، وتوقع بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر. فلذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله.

نحن الذين إذا أتانا سائل نوليه إحسانا وحسن تكرم
ونقول في الأسحار هل من تائب مستغفرٍ لينال خير المغنم

الغنيمة تقسم على كل من حضر الوقعة فيعطى منها الرجَّالة والأجراء، والغلمان مع الأمراء، والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة، وفازوا بالفخر وحمدوا عند الصباح السرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى.
كان بعض الصالحين يقوم الليل فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: يا أيها الركب المعرسون، أَكُلَّ هذا الليل ترقدون؟ ألا تقومون فترحلون؟ فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم، فيُسْمَع من هنا باكٍ، ومن هنا داعٍ، ومن هنا تالٍ، ومن هنا متوضئٍ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى.

يا نفس قومي فقد نام الورى إن تصنعي الخير فذو العرش يرى
وأنت يا عين دعي عنك الكرى عند الصباح يحمد القوم السرى

يا قوَّام الليل اشفعوا في النوَّام، يا أحياء القلوب ترحموا على الأموات.
قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. وقيل للحسن: قد أعجزنا قيام الليل؟ قال: قيدتكم خطاياكم. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك. قال الحسن: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
قال بعض السلف: أذنبتُ ذنبًا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر.
ما يؤهل الملوك للخلوة بهم إلا من أخلص في ودهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل المخالفة فلا يؤهلونه.
في بعض الآثار: إن جبريل عليه السلام ينادي كل ليلة أقم فلانا وأنم فلانا. قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب رثة، فضربه البرد فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي علينا.

يا حسنهم والليل قد جنهم ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم فعيشهم قد طاب في الترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت دموعهم كلؤلؤ منظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت وخلع الغفران خير القسم

الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]. فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلح في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ((لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل)).
مرضت رابعة مرة فصارت تصلي وردها بالنهار، فعوفيت وقد ألفت ذلك، وانقطع عنها قيام الليل، فرأت ذات ليلة في نومها كأنها أدخلت إلى روضة خضراء عظيمة، وفتح لها فيها باب دار فسطع منها نور حتى كاد يخطف بصرها، فخرج منها وُصَفَاء كأن وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم مجامر، فقالت لهم امرأة كانت مع رابعة: أين تريدون؟ قالوا: نريد فلانا قتل شهيدا في البحر فنجمره، فقالت لهم: أفلا تجمرون هذه المرأة -تعني رابعة- فنظروا إليها وقالوا: قد كان لها حظ في ذلك فتركته، فالتفتت تلك المرأة إلى رابعة وأنشدت:
صلاتك نور والعباد رقود ونومك ضد للصلاة عنيد
وكان بعض العلماء يقوم السحر، فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفا عليه، وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك.
يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسائل عنك، الوصال تعاتبك على الهجر.

تغيرتمو عنا بصحبة غيرنا وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا
وأقسمتمو أن لا تحولوا عن الهوى فحلتم عن العهد القديم وما حلنا
ليالي كنا نستقي من وصالكم وقلبي إلى تلك الليالي قد حنا

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانا نام حتى أصبح؟ فقال: ((بال الشيطان في أذنه)).
كان سري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل، ماذا فات من فاته خير الليل، لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل.
كان بعض السلف يقوم الليل، فنام ليلة فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قم فصل، ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل، هم خزانها، هم خزانها. وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آتٍ في منامه فقال: ما لك قصرت في الخطبة، أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته.
ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى ربي وأمهرني، قال: ما مهرك؟ قالت: طول التهجد.
نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء، وقالت: يا أبا سليمان، تنام وأنا أُرَبَّى لك في الخدور من خمسمائة عام؟
واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة، فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:

أتخطب مثلي وعني تنام ونوم المحبين عني حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة براه الصيام

كان النبي صلى الله عليه وسلم يطرق باب فاطمة وعلي ويقول: ((ألا تصليان)) وفي الحديث: ((إذا استيقظ الرجل وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)).
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.

يا راقد الليل كم ترقد قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته وردا إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لأولي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد.





--------------------------------
من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي
Read more ...

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

كيف تمنع الدخول او تحجب المواقع الاباحية او اى موقع تريده دون برامج وبطريقة سهلة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
هناك طريقة سهلة لحجب المواقع الاباحية او الجنسية او اى موقع تريده كمواقع الشات او الفيديو كليب او اى موقع تراه خطرا على اطفالك او على من يستخدم النت لديك . يمكنك فعل ذلك دون اى برامج ودون ان تؤثر على سرعة الانتر نت لديك .

الطريقة

الشرح بالصور


ادخل على
C:\WINDOWS\system32\drivers\etc

  1. اضغط كليك يمين على ملف hosts
  2. -اختار open او فتح
  3. اختر برنامج ال Notepad


  1. سيفتح لك الملف ستجد فى الاسفل سطر اوله رقم 127.0.0.1 ثم كلمة localhost
  2. انشئ سطرا جديدا تحته ثم قم بنسخ الرقم 127.0.0.1 وضعه فى اول السطر ثم مسافة ثم ضع اسم الموقع .
  3. يمكنك زيادة المواقع عبرتكرار هذه العملية .

Read more ...

الخميس، 4 نوفمبر 2010

الحج والعمرة دعوة الله المتجددة للإنسانية

الحج أحد أركان الإسلام، وعمده ومبانيه، عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين فيه أنزل الله عز وجل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } سورة المائدة: الآية 3.
فَأَعْظِمْ بعبادة، بأدائها يتم الكمال، ويساوي تاركها –تهاونًا- أهل الغي والضلال لحديث عليٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا)). -رواه الترمذي- ولأن الله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} آل عمران: 97.

والحج لغة: القصد.
واصطلاحًا: قصد التوجه إلى بيت الله الحرام بالأعمال المشروعة فرضًا وسنة.
مكانته في القرآن والسنة: للحج مكانة عظيمة في القرآن الكريم، فقد ورد ذكره في أكثر من موضع منها: أمر الله لإبراهيم الخليل –عليه السلام-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الحج: 27 - 28.
أما السنة فقد عنيت بهذا الركن والحث على أدائه، روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا)) -متفق عليه-.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)) -متفق عليه-، والحج المبرور: الذي لا يخالطه إثم.
ونلاحظ أيضًا مكانة الحج وأهميته من قوله سبحانه: { وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ } سورة التوبة: الآية 3، وفي هذا اليوم قال ابن عمر رضي الله عنهما: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر)) -أخرجه أبو داود-، وَخَرَّجَ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".
إذن يوم الحج الأكبر: هو يوم النحر، قال ابن أبي أوفى: "يوم النحر يوم الحج الأكبر؛ يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، وتحل فيه الحرم"، وهذا مذهب الإمام مالك –رضي الله عنه-؛ لأن يوم النحر فيه الحج كله، لأن الوقوف إنما هو في ليلته، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته.
وقال ابن سيرين: "يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وحجت معه فيه الأمم" -راجع تفسير القرطبي عند شرحه لهذه الآية الكريمة الثالثة من سورة التوبة، وكذلك تفسير ابن كثير-.

فوائد الحج:
يعد الحج إحدى الوسائل التي تتحقق فيها الفوائد الروحية، والأدبية، والاجتماعية، والاقتصادية، نفهم هذا من قول الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 27 – 28.

الدين والدنيا يلتقيان في الحج:
تأمل قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...} دينية، ودنيوية معًا، فالدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد، فإن كان الدين يمد الروح بالإيمان الصحيح والآداب، فإن أمور الدنيا تمده بأسباب البقاء ودواعي الارتقاء، فلو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق بنا المجال. -عفيف طبارة: روح الدين الإسلامي، ص: 260-.
"وإذا كان الإسلام دينًا يدعو الناس كافة إلى عبادة رب العالمين، فالحج هو الفريضة التي تتمثل فيها هذه الأخوة الإنسانية على تباعد الديار، واختلاف الشعوب والأجناس وهو في اصطلاح العرف الشائع بين الناس بمثابة صلة الرحم، وتبادل الزيارة بين أبناء الأسرة الواحدة يجمعها الملتقى في المكان الذي صدرت منه الدعوة إليها، وهو أجدر مكان في بقاع الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء". -العقاد: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص: 112-.
وفي الكتاب العزيز قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} البقرة: 149 – 150.
ومن ثم فقد شاءت حكمة الله "أن يوجه الأمة جمعاء إلى قبلة واحدة ترتبط فيها مساجد القارات الخمس بأول مسجد ظهر على الأرض!! وترتبط فيها الأمة الإسلامية بأبيها الأول إبراهيم –عليه السلام- لتعلن أنها بهذا الارتباط لا تشذ عن قواعد النبوات القديمة، وإنما الذي شذ هو الذي أشرك، وأفسد من المغضوب عليهم والضالين". -محمد الغزالي: هذا ديننا، ص: 135-.
فمن أجل هذه "الصلات التاريخية والروحية أوجب الله على الأمة الإسلامية أن ينبعث منها كل مستطيع كي يزور المسجد الحرام مرة واحدة في عمره... وفي حجة الوداع كان الخطاب الإنساني الذي ألقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفود الكثيفة التي اجتمعت معه، وهو خطاب لم تَعِ مسامع الوجود أرقى من مبادئه، ولا أشرف من مقاصده.. وهو السجل الصادق لحقوق الإنسان وحريات الأمم.. وينبغي أن يبقى الحج ملتقى المسلمين الأكبر، ومثابتهم العظمى، وأن يبقى زمانه ومكانه الموعد المضروب لاجتماع الموحدين القادمين من المشارق والمغارب يذكرون الله، ويرجمون الشيطان". -هذا ديننا، ص: 137 – 138-.
ويظل الحج دعوة الله المتجددة لكل بني الإنسان.

من أسرار الحج:
من أهم أسرار الحج: الفهم أي فهم موقع الحج من الدين، ثم الشوق إليه، ثم العزم عليه، ثم قطع العلائق المانعة منه، ثم شراء ثوب الإحرام، ثم شراء الزاد، ثم اكتراء الراحلة، ثم الخروج، ثم المسير، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية، ثم دخول مكة، فإذا تمت هذه الأفعال على الوجه الشرعي انكشف لكل حاج من أسرار الحج ما يقتضيه صفاء قلبه، وطهارة باطنه، وغزارة فهمه، واستقامة جوارحه.
وجلاء هذه الأمور كلها كما قال الإمام الغزالي أن:
الفهم: لا يتأتى إلا بالتنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات فيها، ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق، وانحازوا إلى قُلَل الجبال ...، وألزموا أنفسهم بالمجاهدات الشاقة طمعًا في الآخرة فأثنى الله عليهم في قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} المائدة: 82، فلما اندرس هذا الصنف من الخلق أرسل الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين، فجعل الحق سبحانه الحج جهادًا ورهبانية لهم، فَشَرَّفَ البيت العتيق بإضافته إلى الله تعالى.. يقصده الزوار من كل فج عميق.. شعثًا غُبْرًا متواضعين لرب البيت... ولما كانت حكمة الله تقتضي ربط نجاة الخلق بجعل أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامهم بيد الشرع فتكون أعمالهم على سنن الانقياد.. فإن الله سخر ما في الكون للإنسان وجعل الله الإنسان لعبادته، ومن ثم أمره بمجموعة من العبادات تزكية لنفسه.
الشوق: يأتي بعد الفهم بأن البيت بيت الله عز وجل.. فقاصده قاصد الله عز وجل وزائر له، فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشَوِّقُه أسباب اللقاء لا محالة.
العزم: على أنه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهًا إلى زيارة بيت الله عز وجل.. فليصحح مع نفسه العزم.. والإخلاص.
قطع العلائق: أي رد المظالم إلى أصحابها، والتوبة النصوح، فكل مظلمة تتعلق بتلابيبه تناديه قائلة: إلى أين تتجه؟ أتقصد بيت ملك الملوك، وأنت مضيع أمره في منزلك هذا؟ إن قبول زيارتك مرتبط برد المظالم، والتوبة من جميع المعاصي.
الزاد: يجب أن يكون من حلال فلا يحرص على استكثاره ويظن أن طول السفر يؤدي إلى الإقلال منه، وعليه أن يتذكر زاده إلى الآخرة، وأن الذي يحرص عليه زاد التقوى لقوله سبحانه: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة: 197.
الراحلة: ينبغي أن تكون من حلال، فإذا استوى عليها وجب شكر الله.. حيث سخرها له لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة، وليتذكر المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة، وهو ركوب غير مشكوك فيه.
ثوبي الإحرام: وهما: الإزار والرداء، يفيدان معنى التجرد، وفيهما تذكر لما سَيُلَفُّ فيه بعد الموت، فنحن إذًا أمام هيئتين مختلفتين: هيئة الحاج بملابسه وهي مغايرة لملابس الحياة العادية، وهيئة الإنسان بعد مفارقة هذه الحياة بزيه المختلف كلية.
الخروج من البلد: هجرة الأهل والوطن ومفارقتهما أمر ثقيل على النفس، فإذا توجه إلى الله فليكن حاضر القلب؛ لأنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له.. فليكن راجيًا القبول والرضا منه لقوله سبحانه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} النساء: 100.
ميقات الإحرام والتلبية: فيهما تذكر بنداء الخلق بنفخ الصور وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه، ومنقسمين إلى: مقربين وممقوتين، مقبولين ومردودين، مترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا؟
دخول مكة: عندها يكون قد انتهى عند الحرم الآمن، فإذا وقع نظره على البيت استحضر عظمته في قلبه، راجيًا أن يرزقه الله النظر إلى وجهه الكريم كما رزقه النظر إلى بيته العظيم..
الطواف بالبيت صلاة؛ فيلزم استحضار القلب بالتعظيم، والخوف، والرجاء والمحبة.. وأشرف الطواف طواف القلب بحضرة الربوبية، وكما أن الملائكة يطوفون حول البيت المعمور في السماء كذلك الإنس يطوفون حول بيت الله في الأرض، إنها إشارة إلى طاعة مَنْ في السماوات وَمَنْ في الأرض لله الواحد القهار.
الاستلام: أي استلام الحجر الأسود، فإذا وصلت إليه فاعلم أنك ممن يجدد بيعته مع الله عز وجل على طاعته، فلتكن عزيمتك مصرة على الوفاء ببيعتك.
السعي بين الصفا والمروة: فيه إشارة لمن يتردد في دار الملك جائيًا وذاهبًا غاديًا ورائحًا مرة بعد أخرى.. وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة، وليمثل الصفا بكفة الميزان، والمروة بكفة السيئات، معلقًا الفؤاد بين العذاب والغفران.
الوقوف بعرفة: ركن الحج الأكبر، هنا يتم الحج، وعلى المسلم أن يتذكر في هذا الزحام، واختلاط الأصوات، واختلاط الأجناس واللغات، واتباع الفرق والأئمة بالوقفة العامة للبشرية في عرصات القيامة، واجتماع الأمم مع أنبيائهم، واقتفاء كل أمة نبيها.. فإذا تذكرت ذلك فَأَلْزِمْ قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل؛ فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين.. فمن أعظم الذنوب أن يحضر الإنسان عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له.
رمي الجمار: مظهر من مظاهر الانقياد والطاعة والعبودية لله رب العالمين، وتشبهًا بأبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، قد يخطر لك خاطر هو أن الشيطان عرض له، ولم يعرض لك، إذا أحسست بهذا الشعور فاعلم أنه الشيطان فهو يريد أن تفتر همتك بأن ما تقوم به لا فائدة فيه، فإذا أردت طرده فعليك بتنفيذ شعيرة الرمي. -راجع للإمام الغزالي: إحياء علوم الدين، جـ1 ص:491 بتصرف واختصار-.

وأما العمرة لغة: فهي الزيارة.
واصطلاحها: زيارة مخصوصة لأفعال مخصوصة.
مكانتها: تظهر مكانة العمرة وأهميتها في القرآن والسنة، أما القرآن فقوله سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} البقرة: 196.
أما في السنة فقوله صلى الله عليه وسلم للسيدة أم هانئ رضي الله عنها: ((عمرة في رمضان تعدل حجة معي)) -راجع تفسير ابن كثير، جـ1 ص: 385 ط الحلبي-.
ولقد اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عُمَرٍ: وهذه هي:
عمرة الحديبية وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة.
عمرة القضاء وكانت في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة.
عمرة الجعرانة وكانت في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة.
وعمرته –صلى الله عليه وسلم- مع حجته التي أحرم بهما في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة. -المصدر نفسه-.
زيارة المدينة: على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، والمقصود زيارته صلى الله عليه وسلم، فمن فاتته رؤيته في الدنيا، فلا يبخل أن يزوره في مقامه صلى الله عليه وسلم.
ومن أدب الزيارة: الخشوع، وعدم رفع الصوت في مسجده والسلام عليه، وليعلم أن الصلاة والتسليم يصلان إليه صلى الله عليه وسلم في أي مكان يقالان ويتلفظ بهما لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى وكل بقبره مَلَكًا يبلغه سلام من سلم عليه من أمته)) أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ: ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)). -راجع الإحياء جـ1 ص: 491 هامش 1.
وحديث: ((من صلى عَلَيَّ مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا)) -أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو-.

وبعد: فهذا الركن دعوة، وتربية عملية، فإن منهج الإسلام في التربية أنه لا يكتفي أن يقول للمسلم: كن صالحًا. بل يقول له هذا، ويضع له مناهج عملية يتدرب عليها ويسلكها فيكون صالحًا حقيقة لا ادعاءً.
والحج من هذه المناهج العملية؛ إذ فيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية، وبشكل معين واضح يجتث جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فإن في الإنسان نزوعًا إلى الطغيان. -راجع لعبد الكريم زيدان: أصول الدعوة ص: 41-.
قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} العلق: 6 – 7.
إن هذا الركن بالإضافة إلى أركان الإسلام الأخرى التي بينتها السنة الشريفة له تأثير واضح في إصلاح الفرد والمجتمع، فيظهر سلوك الفرد الذي زكى نفسه، وزادت مراقبته لله سبحانه، كما يظهر سلوك المجتمع بتقرب أفراده إلى الله، وتمسكهم برسوله صلى الله عليه وسلم، فيكثر الخير ويقل الشر، وعندما تتسع دائرة هذه العبادات فتنتقل من مجمتع إلى مجتمع حتى تشمل العالم كله، يبرز هدف دعوة الإسلام في عمومها الشامل، وشمولها العام.
ومن ثم يظل الحج والعمرة دعوة الله المتجددة إلى البشرية في شتى بقاع الأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها
Read more ...

ما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما.


ما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما.


من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي.


1- المال من الأسباب المعينة على الطاعة والعكس.

2- التسابق في فعل الخيرات.
3- ذكر الله من أفضل أنواع الصدقة.
4- الصدقة تكون بالمال وغيره.
5- من عجز عن عمل وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر.
6- فضل الله على المسلمين.
7- أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة.
8- ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها.
9- جهاد النفس هو الجهاد الأكبر.




يذكر بعد خروج الحاج في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم بما إن أخذتم به لحقتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين)).
وفي المسند وسنن النسائي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((قلنا يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يحجون ولا نحج ويجاهدون ولا نجاهد وبكذا وبكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على شيء إن أخذتم به جئتم من أفضل ما يجيء به أحد منهم: أن تكبروا الله أربعا وثلاثين وتسبحوه ثلاثا وثلاثين وتحمدوه ثلاثا وثلاثين في دبر كل صلاة)).

1- المال من الأسباب المعينة على الطاعة والعكس

المال لمن استعان به على طاعة الله وأنفقه في سبل الخيرات المقربة إلى الله -سبب موصل له إلى الله، وهو لمن أنفقه في معاصي الله واستعان به على نيل أغراضه المحرمة، أو اشتغل به عن طاعة الله سبب قاطع له عن الله كما قال أبو سليمان الداراني: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه ومطية موصلة إليه لأوليائه، فسبحان من جعل شيئا واحدا سببا للاتصال به والانقطاع عنه، وقد مدح الله في كتابه القسم الأول وذم القسم الثاني فقال في مدح الأولين: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة: 274 ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} فاطر: 29، 30. والآيات في المعنى كثيرة جدا، وقال في ذم الآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}المنافقون: 9، 10.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس أحد لا يؤتي زكاة ماله إلا سأل الرجعة عند الموت"، ثم تلا هذه الآية وأخبر عن أهل النار الذين يؤتى أحدهم كتابه بشماله أنه يقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} الحاقة: 28، 29. والأحاديث في مدح من أنفق ماله في سبيل الطاعات وفي ذم من لم يؤد حق الله منه كثيرة جدا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ))، وقال: ((الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلا مَنْ قَالَ بالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ))، وقال: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وإن أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ)). فالمؤمن الذي يأخذ المال من حقه ويضعه في حقه فله أجر ذلك كله، وكلما أنفق منه يبتغي به وجه الله فهو له صدقة يؤجر عليها حتى ما يطعم نفسه فهو له صدقة، وما يطعم ولده فهو له صدقة، وما يطعم أهله فهو له صدقة، وما يطعم خادمه فهو له صدقة، وكان عامة أهل الأموال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القسم قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله تعالى في أرضه ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما، ورأس المنفقين أموالهم في سبيل الله من هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفيه نزلت هذه الآية: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} الليل: 17-21.
وفي صحيح الحاكم عن ابن الزبير قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك. فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد. قال: وإنما أنزلت هذه الآيات فيه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الليل: 5، إلى آخر السورة.
وروي من وجه آخر عن ابن الزبير وخرجه الإسماعيلي ولفظه: "إن أبا بكر كان يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال له أبو قحافة: يا بني لو ابتعت من يمنع ظهرك فقال: يا أبت مَنْعَ ظهري أريد. ونزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} الليل: 17، إلى آخر السورة.
وخرج أبو داود والترمذي من حديث عمر قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وإن أبا بكر أتى بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقه إلى شيء أبدا)). وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر. فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله)). وخرجه الترمذي بدون هذه الزيادة في آخره.
وكان من المنفقين أموالهم في سبيل الله عثمان بن عفان، ففي الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: ((شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقام عثمان فقال: يا رسول الله عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما فعل بعد هذه، ما على عثمان ما فعل بعد هذه)).
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه ((أن عثمان جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم. مرتين)).
وكان منهم أيضا عبد الرحمن بن عوف. وفي مسند الإمام أحمد أنه قدم له عير إلى المدينة فارتجت لها المدينة فسألت عائشة عنها وحدثت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ عبد الرحمن فجعلها كلها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسها، وكانت سبعمائة راحلة. وخرجه ابن سعد من وجه آخر فيه انقطاع، وعنده أنها كانت خمسمائة راحلة. وخرج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة رضي الله عنها ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول -تعني لأزواجه-: إن أمركن لمما يهمني بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون. قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة وكان قد وصل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بحديقة بيعت بأربعين ألفا)). وقال: حسن غريب، وخرجه الحاكم وصححه. وخرج الإمام أحمد أوله. وخرج الإمام أحمد أيضا والحاكم من حديث أم بكر بنت المسور بن مخرمة ((أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين قال المسور: فأتيت عائشة رضي الله عنها بنصيبها من ذلك فقالت لنا: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون. سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة)). وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أم سلمة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه: إن الذي يحنو عليكن بعدي هو الصادق البار، اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة)). وخرجه ابن سعد وزاد: إن إبراهيم بن سعد قال: حدثني بعض أهلي من ولد عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف باع أمواله من كيدمة، وسهمه من بني النضير بأربعين ألف دينار فقسمها على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وخرج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه أن أباه عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف. وخرجه الحاكم ولفظه: "بيعت بأربعين ألف دينار". وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها جدا، وكان الفقراء من الصحابة كلما رأوا أصحاب الأموال منهم ينفقون أموالهم فيما يحبه الله من الحج والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصدقة والبر والصلة وغير ذلك من أنواع البر والطاعات والقربات حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في هذه الفضائل، وقد ذكرهم الله في كتابه بذلك فقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} التوبة: 91، 92 : نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى غزوة تبوك فطلبوا منه أن يحملهم فقال لهم: ((لا أجد ما أحملكم عليه)) فرجعوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها إلى الموت في مواطن تراق فيها الدماء في سبيل الله وتنزع فيها رؤوس الرجال عن كواهلها بالسيوف، فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذلك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة.
سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير فقدك ضائع

إنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدرجات العلى والنعيم المقيم. قال بعضهم: يرى رجل في الجنة يبكي فيسأل عن حاله فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله، ووددت أنه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلها في سبيله.
غزا قوم في سبيل الله فلما صافُّوا عدوهم واقتتلوا رأى كل واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السماء وهي تستدعي صاحبها إليها وتحثه على القتال فقتلوا كلهم إلا واحدا، وكان كلما قتل منهم واحد غلق باب وغابت منه المرأة، فأفلتَ آخرهم فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي وقالت: ما فاتك يا شقي؟ فكان يبكي على حاله إلى أن مات، ولكنه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاويا

2- التسابق في فعل الخيرات

لما سمع الصحابة رضي الله عنهم قول الله عز وجل: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة: 148.
{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الحديد: 21. فَهِمُوا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة، والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له؛ فيحزن لفوات سبقه فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها كما قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} المطففين: 26. ثم جاء من بعدهم فعكس الأمر فصار تنافسهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية قال الحسن: "إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة" وقال وهيب بن الورد: "إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل" وقال بعض السلف: "لو أن رجلا سمع بأحدٍ أطوعَ لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك". وقال غيره: "لو أن رجلا سمع برجل أطوع لله منه فانصدع قلبه فمات لم يكن ذلك بعجب". قال رجل لمالك بن دينار: رأيت في المنام مناديا ينادي أيها الناس الرحيل الرحيل فما رأيت أحدا يرتحل إلا محمد بن واسع" فصاح مالك وغشي عليه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الواقعة: 10-12.
قال عمر بن عبد العزيز في حجة حجها عند دفع الناس من عرفة: "ليس السابق اليوم من سبق به بعيره إنما السابق من غفر له، كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقنا أبو بكر وكان سباقا بالخيرات، ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر، وفي آخر حجة حجها عمر جاء رجل لا يعرف كانوا يرونه من الجن فرثاه بأبيات منها:
فمن يسعَ أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يُسْبَقُ

صاحب الهمة العالية والنفس الشريفة التواقة لا يرضى بالأشياء الدنية الفانية، وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزاكية التي لا تفنى، ولا يرجع عن مطلوبه ولو تَلَفَتْ نفسُه في طلبه ومن كان في الله تَلَفُه كان على الله خلفه.
قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد.
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
قال عمر بن عبد العزيز: إن لي نفسا تواقة ما نالت شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وإنها لما نالت هذه المنزلة يعني الخلافة وليس في الدنيا منزلة أعلى منها تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا يعني الآخرة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

قيمة كل إنسان ما يطلب، فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منه، فإن الدنيا دنية وأدنى منها من يطلبها، وهي خسيسة وأخس منها من يخطبها. قال بعضهم: "القلوب جوالة: فقلب يجول حول العرش، وقلب يجول حول الحش، الدنيا كلها حش وكل ما فيها من مطعم ومشرب يؤل إلى الحش وما فيها من أجسام ولباس يصير ترابا كما قيل:
وكل الذي فوق التراب تراب
وقال بعضهم في يوم عيد لإخوانه: هل تنظرون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا، وأما من كان يطلب الآخرة فقدره خطير لأن الآخرة خطيرة شريفة، ومن يطلبها أشرف منها كما قيل:

أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تدرك الأخرى فإن أنا بعتها بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

وأما من كان يطلب الله فهو أكبر الناس عنده، كما أن مطلوبه أكبر من كل شيء كما قيل:
له همم لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى أجل من الدهر
قال الشبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذروه الرياح، ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب ينتفع به، ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له.
العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبه، ويبذل وسعه في الوصول إلى رضا محبوبه، فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه، ويتكل على مجرد العفو فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين المقربين.
قال بعض السلف: هب أن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين.
فيا مذنبا يرجو من الله عفوه أترضى بسبق المتقين إلى الله

لما تنافس المتنافسون في نيل الدرجات غبط بعضهم بعضا بالأعمال الصالحات قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)) وفي رواية: ((لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقه يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل)). وهذا الحديث في الصحيحين.
وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما مثل هذه الأمة كأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الذي يعمل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهُمَا في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا فهو يقول: لو كان لي مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهما في الوزر سواء)).
وروى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال: "يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يا رب لم رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك؟ فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله، فيقول: يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع. فيقول: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه. ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض: يا رب لم رفعته علي؟ فيقول: بما كان يعمل في صحته. فيقول: يا رب لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل. فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه. ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك، ويؤتى بحسن الخلق وسيء الخلق فيقول: يا رب لم رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا؟ فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابا".
العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو الدرجات والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات. قال الله تعالى حاكيا عن قارون: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} القصص: 79، 80 إلى قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص: 83.

3- ذكر الله من أفضل أنواع الصدقة

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تأسف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقربا إليه وابتغاء لمرضاته طيَّب قلوبهم، ودلهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم، ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم: وهو الذِّكْر عقيب الصلوات المفروضات، وقد اختلفت الروايات في أنواعه وعدده، والأخذ بكل ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم، وفي حديث أبي هريرة هذا أنهم يسبحون ويحمدون ويكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وقد فسره أبو صالح راوية عنه بالجمع وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة فيكون جملة ذلك تسعا وتسعين.
وقد يستشكل على هذا حديث: ((أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: عما يعدل الجهاد؟ فقال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم ولا تفتر)) وهو حديث ثابت صحيح أيضا، فلم يجعل للجهاد عدلا سوى الصيام الدائم والقيام الدائم، وفي هذا الحديث قد جعل الذكر عقيب الصلوات عدلا له، والجمع بين ذلك كله: أن النبي لم يجعل للجهاد في زمانه عملا يعدله بحيث إذا انقضى الجهاد انقضى ذلك العمل واستوى العامل مع المجاهد في الأجر، وإنما جعل الذي يعدل الجهاد الذكر الكثير المستدام في بقية عمر المؤمن من غير قطع له حتى يأتي صاحبه أجله، فإذا استمر على هذا الذكر في أوقاته إلى أن مات عليه عدل ذكره هذا الجهاد، وقد دل على ذلك أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله عز وجل)) وخرجه مالك في الموطأ موقوفا. وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كَثِيرًا. قلت: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله عز وجل أفضل منه درجة)). وقد روي هذا المعنى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وطائفة من الصحابة موقوفا، وإن الذكر لله أفضل من الصدقة بعدته دراهم ودنانير، ومن النفقة في سبيل الله. وقيل لأبي الدرداء رضي الله عنه: رجل أعتق مائة نسمة؟ قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل. وعنه قال: لأن أقول: لا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار. ويروى مرفوعا وموقوفا من غير وجه ((من فاته الليل أن يكابده وبخل بماله أن ينفقه وجبن عن عدوه أن يقاتله فليكثر من سبحان الله وبحمده فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب أو فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل)).
وذكر الله من أفضل أنواع الصدقة. وخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: ((ما صدقة أفضل من ذكر الله عز وجل)). وقد قال طائفة من السلف في قول الله عز وجل: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الحديد: 18 : إن القرض الحسن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنفق عبد نفقة أفضل عند الله عز وجل من قول ليس من القرآن وهو من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)).
وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة قال: ((قال ناس من فقراء المؤمنين: يا رسول الله ذهب أصحاب الدثور بالأجور يتصدقون ولا نتصدق وينفقون ولا ننفق. فقال: أرأيتم لو أن مال الدنيا وضع بعضه على بعض أكان بالغا السماء؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: أفلا أخبركم بما أصله في الأرض وفرعه في السماء: أن تقولوا في دبر كل صلاة: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله عشر مرات، فإن أصلهن في الأرض وفرعهن في السماء)).

4- الصدقة تكون بالمال وغيره

وقد كان بعض الصحابة يظن أن لا صدقة إلا بالمال، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدقة لا تختص بالمال وأن الذكر وسائر أعمال المعروف صدقة. كما في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه: ((أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة)). وفي المسند عنه أنه قال: ((يا رسول الله الأغنياء يتصدقون ولا نتصدق. قال: وأنت فيك صدقة، رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأرتم صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة)). وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا يطول ذكرها.

5- من عجز عن عمل وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر

واعلم أن من عجز عن عمل خير وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر كما تقدم في الذي قال: "لو كان لي مال لعملت فيه ما عمل فلان..."، أنهما سواء في الأجر والوزر، وقد قيل: إنهما سواء في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإنها تختص بالعامل، فمن هنا كان أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرد هذه المشاركة، ويطلبون أن يعملوا أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها؛ ليفوزوا بثواب يقاوم ثواب تلك الأعمال ويضاعف لهم كما يضاعف لأولئك فيستووا هم وأولئك العمال في الأجر كله.
وقد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن عمل يعدل الجهاد.
وفات بعض النساء الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة قال: ((اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، أو حجة معي)) وقالت عائشة: ((يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: جهادكن الحج والعمرة))
وكان منهم من إذا تخلف عن الغزو واجتهد في مشاركة الغزاة في أجرهم، فإما أن يخرج مكانه رجلا بماله، وإما أن يعين غازيا، وإما أن يخلفه في أهله بخير. فإن من فعل هذا كله فقد غزا.
تصدق بعض الأغنياء بمال كثير فبلغ ذلك طائفة من الصالحين فاجتمعوا في مكان وحسبوا ما تصدق به من الدراهم وصلَّوا بدل كل درهم تصدق به لله ركعة.
هكذا يكون استباق الخيرات والتنافس في علو الدرجات.
كذاك الفخر يا همم الرجال تعالَي فانظري كيف التغالي

6- فضل الله على المسلمين

سبحان من فضل هذه الأمة وفتح لها على يدي نبيها -نبي الرحمة- أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملا يقاومه أو يفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه.
لما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه، وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.
لما كان الحج من أفضل الأعمال، والنفوس تتوق إليه لِمَا وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم، وكان كثير من الناس يعجز عنه ولا سيما كل عام شرع الله لعباده أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج، فيتعوض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج.
ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامة تامة تامة)).
شهود الجمعة يعدل حجة تطوع، قال سعيد بن المسيب: "هو أحب إلي من حجة نافلة، وقد جعل النبي المُبَكِّر إليها كالمُهْدِي هَدْيًا إلى بيت الله الحرام.
وفي حديث ضعيف: ((الجمعة حج المساكين)).
وفي تاريخ ابن عساكر: "عن الأوزاعي، قال: مر يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر "باب توما"، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، فرحمنا الله وإياكم، وغفر لنا ولكم، فكَأَنْ قد صرنا إلى ما صرتم إليه. فرد الله الروح إلى رجل منهم فأجابه فقال: طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرار. قال: وإلى أين يرحمك الله؟ قال: إلى الجمعة أما تعلمون أنها حجة مبرورة متقبلة. قال: ما خير ما قدمتم؟ قال: الاستغفار يا أهل الدنيا. قال: فما يمنعك أن ترد السلام. قال: يا أهل الدنيا السلام والحسنات قد رفعت عنا فلا في حسنة نزيد ولا في سيئة ننقص غُلِقَتْ رُهُونُنا يا أهل الدنيا.
في سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد لأداء صلاة مكتوبة فأجره مثل أجر الحاج المحرم، ومن خرج لصلاة الضحى كان له مثل أجر المعتمر)).
وفي حديث أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا ببر أمه وقال له: أنت حاج ومعتمر ومجاهد)) يعني إذا برها.
وقال بعض الصحابة: الخروج إلى العيد يوم الفطر يعدل عمرة ويوم الأضحى يعدل حجة.
قال الحسن: مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة.
وقال عقبة بن عبد الغافر: "صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة)). وقال أبو هريرة لرجل: بكورك إلى المسجد أحب إلي من غزوتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره الإمام أحمد.

7- أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة

أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة وغيرهما فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم، وكثير من الناس يهون عليه التنفل بالحج والصدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون ورد المظالم، وكذلك يثقل على كثير من النفوس التنزه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقة.
قال بعض السلف: "ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجة".
كف الجوارح عن المحرمات أفضل من التطوع بالحج وغيره وهو أشق على النفوس. قال الفضيل بن عياض: "ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان. ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد".

8- ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها

ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام.
سفر الدنيا يقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة يقطع بسير القلوب.
قال رجل لبعض العارفين: قد قطعت إليك مسافة. قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك.
سير القلوب أبلغ من سير الأبدان، كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت، وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متصل بالمحل الأعلى.
جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن
قال بعض العارفين: عجبا لمن يقطع المفاوز والقِفَار ليصل إلى البيت فيشاهد فيه آثار الأنبياء كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثر: ((ويسعني قلب عبدي المؤمن)).
أيها المؤمن: إن لله بين جنبيك بيتا لو طهرته لأشرق ذلك البيت بنور ربه وانشرح وانفسح.
أنشد الشبلي:

إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج
ومريضا أنت عائده قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حُجَّتنا يوم يأتي الناس بالحُجَج

تطهيره تفريغه من كل ما يكرهه الله تعالى من أصنام النفس والهوى، ومتى بقيت فيه من ذلك بقية فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة الأصنام.
قال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله.

أردناكم صِرْفًا فلما مُزِجتُمُ بعدتم بمقدار التفاتكمُ عنا
وقلنا لكم لا تُسكِنوا القلب غيرنا فأسكنتم الأغيار ما أنتمُ منا

9- جهاد النفس هو الجهاد الأكبر

إخواني إن حُبِستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس؛ فهو الجهاد الأكبر، أو أحصرتم عن أداء النسك فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر، فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رؤوس أديانكم بالذنوب فإن الذنوب حالقة الدين ليست حالقة الشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر، ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد.

إليك قصديَ ربَ البيت والحَجَر فأنت سؤليَ من حجي ومن عمري
وفيك سعيي وتطوافي ومزدلفي والهدي جسمي الذي يغني عن الجُزُر
ومسجد الخيف خوفي من تباعدكم ومشعري ومقامي دونكم خطري
زادي رجائي لكم والشوق راحلتي والماء من عبراتي والهوى سفري

Read more ...

ميديا مدونة الطريق الصح