هو الكونت ليون تولستوي ابن الجنرال تولستوي وحفيد الكونت تولستوي السياسي الروسي المتوفى سنة 1927م. نشأ جنديا ثم اشتغل بإصلاح الهيئة الاجتماعية فأخذ يكتب القصص يودعها مذهبه حتى ذاع صيته وطبق آفاق العالم.. وتصدى لقادة الأديان وصاح بهم صيحات انتقاد وسخرية حتى اضطروا إلى الحكم بإلحاده. لقد كان هذا الفيلسوف الروسي كاتبا منصفا، فعندما رأى تحامل أهل الأديان الأخرى على الدين الإسلام، هزته الغيرة على الحق إلى وضع رسالة عن نبي الإسلام وبعض تاريخ حياته فقال فيها: "ولد نبي الإسلام في بلاد العرب من أبوين فقيرين وكان في حداثة سنه راعيا، يميل إلى العزلة والانفراد في البراري والصحاري، متأملا في الله خالق الكون.. لقد عبد العرب المعاصرون له أربابا كثيرة وبالغوا في التقرب إليها واسترضائها، وأقاموا لها العبادات وقدموا لها الضحايا المختلفة. وكان كلما تقدم به العمر ازداد اعتقادا بفساد تلك الأرباب، وأن هناك إلها واحدا حقيقيا لجميع الناس والشعوب. وقد ازداد إيمان محمد بهذه الفكرة فقام يدعو أمته وأهله إلى فكرته، معلنا أن الله اصطفاه لهدايتهم وعهد إليه إنارة بصائرهم وهدم دياناتهم وعباداتهم الباطلة.. وراح يعلن عن عقيدته وديانته. وخلاصة هذه الديانة التي نادى بها هذا الرسول هو أن الله واحد –لا إله إلا هو- ولذلك لا يجوز عبادة غيره.. وبأن الله عادل ورحيم بعباده, وأن مصير الإنسان النهائي متوقف عليه وحده، فإن الله يؤجره في الحياة الآخرة أجرًا حسنا.. وإذا خالف شريعة الله وسار على هواه فإنه يعاقب في الآخرة عقابًا أليمًا.. وأن الله تعالى يأمر الناس بمحبته ومحبة بعضهم بعضا، ومحبة الله تكون بالصلاة، ومحبة الناس تكون بمشاركتهم في السراء والضراء... وأن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر يقتضى عليهم أن يبذلوا وسعهم في البعد عن كل ما من شأنه إثارة الشهوات النفسية والابتعاد عن الملذات الدنيوية.. وإنه يحتم عليهم ألا يخدموا الجسد ولا يعبدوه، بل عليهم أن يخدموا الروح ويهذبوها.. ومحمد لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد بل اعتقد أيضًا بنبوة موسى وعيسى، وقال إن اليهود والنصارى لا يُكرَهون على ترك دينهم. وفي سني دعوته الأولى احتمل كثيرًا من اضطهادات أصحاب الديانة القديمة شأن كل نبي قبله نادى أمته إلى الحق ولكن هذه الاضطهادات لم تثن من عزمه بل ثابر على دعوة أمته.. وقد امتاز المؤمنون كثيرًا عن العرب بتواضعهم وزهدهم في الدنيا وحب العمل والقناعة وبذلوا جهدهم في مساعدة إخوانهم في الدين عند حلول المصائب بهم. ولم يمض على جماعة المؤمنين زمن طويل حتى أصبح الناس المحيطون بهم يحترمونهم احتراما ويعظمون قدرهم. وراح عدد المؤمنين يتزايد يوما بعد يوم. ومن فضائل الدين الإسلامي أنه أوصى خيرًا بالمسيحيين واليهود ورجال دينهم، فقد أمر بحسن معاملتهم. وقد بلغ من حسن معاملته لهم أنه سمح لأتباعه بالتزوج من أهل الديانات الأخرى.. ولا يخفى على أصحاب البصائر العالية ما في هذا التسامح العظيم.. ثم ختم كلمته قائلا: لا ريب أن هذا النبي من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمته برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسلام وتكف عن سفك الدماء وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرا أنه فتح لها طريق الرقي والتقدم وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أوتي قوة وحكمة وعلما.. ورجل مثله جدير بالإجلال والاحترام.
ولقد كانت آراء هذا الفيلسوف الروسي موضع تقدير الأستاذ الشيخ محمد عبده فكتب لهذا الفيلسوف يقول:
أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي: لم نحظ بمعرفة شخصك ولكنا لم نحرم التعارف مع روحك سطع علينا نور من أفكارك وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها وإلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء هذا الوجود لينبت بالعلم، ولأن تكون ثمرته تعبا ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويربي جنسه، وشعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، ولَمَّا استعملوا قواهم التي لم يمنحوها إلا ليسعدوا بها، فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم. ونظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد، ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه، فكما كنت بقولك هاديا للعقول كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم، وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي بها الضالون كان مثلك في العمل إماما يقتدي به المسترشدون، وكما كان وجودك توبيخا من الله للأغنياء كان مددا من عنايته للضعفاء الفقراء، وإن أرفع مجد بلغته، وأكبر جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سماه الغافلون بالحرمان والإبعاد فليس ما حصل لك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس أنك لست من القوم الضالين فاحمد الله على أن فارقوك في أقوالهم كما كنت فارقتهم في عقائدهم. هذا وإن نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك. وإنا نسأل الله أن يمد في حياتك ويحفظ عليك قواك ويفتح أبواب القلوب لفهم قولك، ويسوق النفوس إلى التأسي بك في عملك والسلام
|
التعليقات: 0
Post a Comment