‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسائل تتعلق بمبادئ الفقه والمسائل الخلافية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسائل تتعلق بمبادئ الفقه والمسائل الخلافية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 فبراير 2015

دار الإفتاء ترد على فتوى داعش بجواز حرق الأسرى


الإفتاء في ردها على فتوى منشقي القاعدة "داعش": الإسلام بريء من حرق الطيار الأردني وفتوى المتطرفين بجواز حرقه باطلة
الإفتاء: الإرهابيون ضربوا بالتعاليم الإسلامية ومقاصدها التي تدعو إلى الرحمة وحفظ الأنفس عرض الحائط


أدانت دار الإفتاء المصرية بشدة ما قام به "منشقو القاعدة" داعش من حرق للطيار الأردني الأسير حيًّا، في مشهد بربري يدل على سادية هؤلاء المتطرفين.
وأكدت دار الإفتاء في ردها على فتوى "داعش" الكاذبة بأن هؤلاء الإرهابيين قد ضربوا بالتعاليم الإسلامية ومقاصدها التي تدعو إلى الرحمة وحفظ الأنفس عرض الحائط، وخالفوا الفطرة الإنسانية السليمة، واستندوا في جريمتهم البشعة على تفسيرات خاطئة لنصوص أو أقوال ليبرروا فجاجة فعلهم.
وفندت دار الإفتاء الدعاوى الباطلة التي استند عليها المتطرفون في جريمتهم، وأوضحت أن زعم هؤلاء بأن الصحابي الجليل أبو بكر الصديق قد أحرق "الفجاءة السلمي" حيًّا غير صحيح وساقط باطل لا سند له؛ لأن رواية إحراق سيدنا أبي بكر الصديق للفجاءة رواية باطلة مدار سندها على "علوان بن دَاوُدَ البجلي" وهو رجل مطعون في روايته، قال الحافظ بن حجر في لسان الميزان: "قال البخاري: علوان بن داود- ويقال بن صالح- منكر الحديث". كما علق الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد على هذه الرواية بقوله: "رواه الطبراني وفيه علوان بن دَاوُدَ البجلي وهو ضعيف وهذا الأثر مما أُنكر عليه". وروى العقيلي في "الضعفاء الكبير" عن يحيى بن عثمان أنه سمع سعيد بن عفير يقول: "كان علوان بن داود زاقولي من الزواقيل" والزواقيل هم اللصوص.
وقد حكى أهل العلم الإجماع على أن المقدور عليه "الأسير" لا يجوز تحريقه بحال من الأحوال حتى لو كان في حال الحرب فكيف بالأسير المكبل؟ وكل هذا في حال أسرى الحرب في نطاق الدول، فما بالنا بأن هذا التنظيم الإرهابي لا ينبغي أن يطلق عليه مسمى الدولة وبالتالي فإن ما حدث هو اختطاف قسري إرهابي تنبذه كافة الأديان والشرائع والقوانين الدولية.
كما أشارت دار الإفتاء في تفنيدها إلى أن اتهام الصحابي خالد بن الوليد بحرق رأس خالد بن نويرة هي رواية باطلة في سندها "محمد بْنُ حميد الرازي" وهو كذاب، قال عنه الإمام ابنُ حِبَّان: "كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات. قال أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وَارَة: صَحَّ عندنا أَنَّهُ يكذب".
وشددت دار الإفتاء على أن التمثيل بالأسرى منهي عنه في الإسلام، وقد ورد النهي عن الإعدام حرقًا، وجاء النهي عنها في أكثر من موضع منها حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمررنا بقرية نمل قد أحرقت؛ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله عز وجل"
وأكدت دار الإفتاء أن الطيار الأردني سقط رهينة لدى هذه الجماعة المتطرفة أثناء تأدية واجبه في الدفاع عن الأوطان ضد هذا الخطر المحدق بالجميع وهو بمثابة رهينة مختطف، بل حتى وإن كان أسيرًا لديهم فإن الإسلام قد أكد على ضرورة الإحسان إلى الأسرى وجعلها من الأخلاق الإسلامية والآداب القرآنية، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، ويكون هذا الإحسان في الطعام والشراب والكساء والعلاج والكلام الحسن.
وأضافت دار الإفتاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أحسن إلى أسرى بدر وكذلك مع ثمامة بن أثال رضي الله عنه، كما نهى النبي عن تعذيب الأسير ببتر أعضائه أو حرق أطرافه أو غير ذلك. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين عرض عليه أن ينزع ثنيتي سهيل بن عمرو حتى يندلع لسانه: "لا يا عمر، لا أمثّل به فيمثّل الله بي وإن كنت نبيًّا".
ولفتت دار الإفتاء إلى أن حديث النهي عن القتل بالحرق صحيح في البخاري، ويسوق العلماء عددًا من الأحاديث النبوية في هذا الصدد، ففي صحيح البخاري، وهو أصح كتب السنة على الإطلاق، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا تعذبوا بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا ربها".
وقالت دار الإفتاء: "إذا فرضنا جدلًا أن إنسانًا قد استحق عقوبة القتل بقصاص فإن الإسلام يأمرنا في هذه الحالة أن نحسن القتل بالنسبة للإنسان بحيث لا يقتله إلا الحاكم الشرعي وهو ما يعبر عنه بالسلطات المختصة بعد إجراء المحاكمات العادلة وبأقل الوسائل إيلامًا وأسرعها في الإنهاء على حياته حتى لو كان محاربًا، بل إن الحديث مصرح بأن نحسن الذبح بالنسبة للحيوان، فما بالكم بالإنسان؟!
شددت دار الإفتاء أن الإسلام قد وضع نظمًا وقوانين تحمي الأسير، ووصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بحُسن معاملتهم فقال: "اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا"، ولما رأى النبي يهود بني قُرَيْظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، فقال مخاطِبًا المسلمين المكلَّفين بحراستهم: "لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السّلاَحِ، وَقَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا"، كما نهى عن تعذيبهم وامتهانهم.
وقالت دار الإفتاء في بيانها أنه من استقراء النصوص، ورد بعضها إلى بعض: يتبين أن الأصل أنه لايجوز قتل الأسير، وإنما يعامل وفق آية سورة محمد التي تحدد كيفية التعامل مع من شددنا وثاقهم من الأسرى (فإما منا بعد وإما فداءا).

ومعنى (المنّ) : إطلاق سراح الأسير لوجه الله تعالي ومعنى (الفداء): أن نفدي الأسرى بأسرى مثلهم في العدد أو أقل أو أكثر، حسب المصلحة ، فرب أسير له وزن وقيمة، نفديه بأكثر من أسير لنا عندهم، والعكس يحدث أيضا.
وقد يكون الفداء بمال، كما فعل الرسول والصحابة معه في أسرى بدر، حيث طلبوا الفداء بالمال لمسيس حاجتهم إليهم وقدرة أهليهم من قريش عليه.
وروى البخاري في (باب فداء المشركين) في الجهاد: حديث أنس بن مالك: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنترك لابن أختنا عباس (بن عبد المطلب) فداءه، فقال: "لا تدعون منها درهما"!

وفي معركة بدر: سن الرسول صلى الله عليه وسلم في فداء الأسرى سنة مهمة، وهي: أن يؤدي من ليس لديه مال خدمة مناسبة للمجتمع المسلم، يقدر عليها الأسير، ويحتاج إليها المسلمون.
ومن أجل هذا شرع الرسول الكريم لمن كان يعرف الكتابة من أسرى المشركين: أن يكون فداؤه (تعليم عشرة) من أولاد المسلمين الكتابة. ولم يخش النبي صلى الله عليه وسلم على أبناء المسلمين من تأثير هؤلاء المشركين على عقول الصغار من ذراري المسلمين، فإن محو الأمية لا يحمل معه فكرا ولا اعتقادا، ثم هم في قلب المجتمع المسلم، وتحت رعايته وإشرافه ورقابته.

Read more ...

الاثنين، 2 أغسطس 2010

براءة الإسلام من ختان الإناث




براءة الإسلام من ختان الإناث



من المسائل التي أثارت جدلاً كبيرًا ـ لاسيما في مصر ـ في السنوات القليلة الماضية مسألة «ختان الإناث». وقد بدأت إثارة هذه المسألة بسبب تقرير مصور أذاعته محطة تلفزيون CNN عن عملية ختان تجرى في مصر لطفلة صغيرة (أذيع هذا التقرير في أواسط شهر سبتمبر 1994).

وقد كتب كثيرون محاولين تقرير حكم الإسلام في هذا الختان، وكان أغلب ما كتب يدور حول إثبات صحة مشروعية الختان، وبالغ بعضهم فوصفه بأنه من السنة، وغالى بعض آخر من الكاتبين فقال إن مقتضى الفقه «لزوم الختان للذكر والأنثى».

وليس ختان الذكور موضع خلاف، فلا حاجة إلى بيان حكم الشرع فيه.

وحكم الشريعة الإسلامية يؤخذ من مصادرها الأصلية المتفق عليها: وهى القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة والإجماع بشروطه المقررة في علم أصول الفقه، والقياس المستوفي لشروط الصحة.

أما فقه الفقهاء فهو العمل البشرى الذي يقوم به المتخصصون في علوم الشرع لبيان أحكام الشريعة في كل ما يهم المسلمين ـ بل الناس أجمعين ـ أن يعرفوا حكم الشريعة فيه. ولا يعد كلام الفقهاء (شريعة) ولا يحتج به على أنه دين، بل يحتج به على أنه فهم للنصوص الشرعية، وإنزال لها على الواقع. وهو سبيل إلى فهم أفضل لهذه النصوص وكيفية إعمالها، لكنه ليس معصوما، ويقع فيه الخطأ كما يقع فيه الصواب، والمجتهد المؤهل من الفقهاء مأجور أجرين حين يصيب، ومأجور أجرا واحدا حين يخطئ.

فإذا أردنا أن نتعرف على حكم الشريعة الإسلامية في مسألة ختان الإناث، فإننا نبحث في القرآن الكريم ثم السنة النبوية ثم الإجماع ثم القياس، وقد نجد في الفقه ما يعيننا فنطمئن به إلى فهمنا ونؤكده، وقد لا نجد فيه ما ينفع في ضوء علم عصرنا وتقدم المعارف الطبية خاصة، فنتركه وشأنه ولا نعول على ما هو مدون في كتبه.

وقد خلا القرآن الكريم من أي نص يتضمن إشارة من قريب أو بعيد إلى ختان الإناث. وليس هناك إجماع على حكم شرعي فيه، ولا قياس يمكن أن يقبل في شأنه.

أما السنة النبوية فإنها مصدر ظن المشروعية، لما ورد في مدوناتها من مرويات منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن. والحق أنه ليس في هذه المرويات دليل واحد صحيح السند يجوز أن يستفاد منه حكم شرعي في مسألة بالغة الخطورة على الحياة الإنسانية كهذه المسألة.

ولا حجة ـ عند أهل العلم ـ في الأحاديث التي لم يصح نقلها إذ الحجة فيما صح سنده دون سواه.

والروايات التي فيها ذكر ختان الإناث أشهرها حديث امرأة كانت تسمى: أم عطية، وكانت تقوم بختان الإناث في المدينة المنورة، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «يا أم عطية: أشمى ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج»[1].

وقد عقب أبو داود ـ والنص المروي عنده مختلف لفظه عن النص السابق ـ على هذا الحديث بقوله «روي عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بمعناه وإسناده، وليس هو بالقوي، وقد روي مرسلا، ومحمد بن حسان (راوي الحديث) مجهول، وهذا الحديث ضعيف»[2].

وعلق الإمام شمس الحق العظيم آبادي على كلام أبي داود بقوله:

«ليس الحديث بالقوي لأجل الاضطراب، ولضعف الراوي وهو محمد بن حسَّان الكوفي... وتبع أبا داود (في تجهيل محمد بن حسان) ابن عديّ والبيهقي، وخالفهم الحافظ عبد الغني بن سعيد فقال هو محمد بن سعيد المصلوب على الزندقة أحد الضعفاء والمتروكين»[3].

وهذا الراوي (محمد بن حسان أو محمد بن سعيد المصلوب) كذّاب، قال عنه العلماء إنه وضع أربعة آلاف حديث (أي نسبها كذباً إلى رسول الله r) وقال الإمام أحمد: قتله المنصور على الزندقة (أي بسبب الزندقة) وصلبه[4].

وقد جمع بعض المعاصرين طرق هذا الحديث، وكلها طرق ضعيفة لا تقوم بها حجة حتى قال أخونا العلامة الدكتور محمد الصباغ في رسالته عن ختان الإناث: «فانظر رعاك الله إلى هذين الإمامين الجليلين أبى داود والعراقي وكيف حكما عليه بالضعف ولا تلتفت إلى من صححه من المتأخرين[5]». ومن قبل قال شمس الحق العظيم آبادي: «وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها كما عرفت»[6].

فحديث أم عطية ـ إذن ـ بكل طرقه لا خير، فيه ولا حُجَّةَ تستفاد منه. ولو فرضنا صحته، جدلا، فإن التوجيه الوارد فيه لا يتضمن أمرا بختان البنات وإنما يتضمن تحديد كيفية هذا الختان إن وقع، وأنها (إشمام) وصفه العلماء بأنه كإشمام الطيب، يعنى أخذ جزء يسير لا يكاد يحس من الجزء الظاهر من موضع الختان وهو الجلدة التي تسمى «القلفة»، وهو كما قال الإمام الماوردى: «.....قطع هذه الجلدة المستعلية دون استئصالها»، وهو كما قال الإمام النووي: «قطع أدنى جزء منها» فالمسألة مسألة طبية دقيقة تحتاج إلى جراح متخصص يستطيع تحديد هذا «الجزء المستعلي» الذي هو «أدنى جزء منها»، ولا يمكن أن تتم ـ لو صح جوازها ـ على أيدي الأطباء العاديين فضلا عن غير المتخصصين في الجراحة من أمثال القابلات والدايات وحلاقي الصحة....إلخ، كما هو الواقع في بلادنا وغيرها من البلاد التي تجرى فيها هذه العملية الشنيعة للفتيات.

والحديث الثاني الذي يوازي في الشهرة حديث أم عطية هو ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء». وقد نص الحافظ العراقي في تعليقه على إحياء علوم الدين على ضعفه، أيضا، وسبقه إلى تضعيفه الأئمة البيهقي وابن أبي حاتم وابن عبد البر. ومداره (أي جميع طرق روايته تدور على أو تلتقي عند) على الحجاج بن أرطاة وهو لا يحتج به لأنه مدلس. ولذلك ـ ولغيره ـ قال العلامة الشيخ سيد سابق في فقه السنة: «أحاديث الأمر بختان المرأة ضعيفة لم يصح منها شيء»[7].

وقد نص الحافظ ابن حجر في كتابه: (تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعى الكبير) على ضعف هذا الحديث، ونقل قول الإمام البيهقى فيه: إنه ضعيف منقطع. وقول ابن عبد البر في (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد): إنه يدور على رواية راو لا يحتج به[8].

وكلام الحافظ أبى عمر بن عبد البر في كتابه المذكور نصه: «واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبى المَليح هذا، وهو يدور على حجاج بن أرطاة، وليس ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع المسلمون عليه: الختان في الرجال .... »[9].

وعلى ذلك فليس في هذا النص حجة، لأنه نص ضعيف مداره على راو لا يحتج بروايته، فكيف يؤخذ منها حكم شرعي بأن أمرا معينا من السنة أو من المكرمات وأقل أحوالها أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل صحيح.

ولا يرد على ذلك بأن لهذا الحديث شاهدا أو شواهد من حديث أم عطية السابق ذكره، فإن جميع الشواهد التي أوردها بعض من ذهب إلى صحته معلولة بعلل قادحة فيها مانعة من الاحتجاج بها.

وعلى الفرض الجدلي أن الحديث صحيح ـ وهو ليس كذلك ـ فإنه ليس فيه التسوية بين ختان الذكور وختان الإناث في الحكم. بل فيه التصريح بأن ختان الإناث ليس بسنة، وإنما هو في مرتبة دونها. وكأن الإسلام ـ لو صح الحديث ـ حين جاء وبعض العرب يختنون الإناث أراد تهذيب هذه العادة بوصف الكيفية البالغة منتهى الدقة، الرقيقة غاية الرقة بلفظ (أشمى ولا تنهكي) الذي في الرواية الضعيفة الأولى، وأراد تبيين أنه ليس من أحكام الدين ولكنه من أعراف الناس بذكر أنه (سنة للرجال...) ـ وهى (أي السنة) هنا بمعنى العادة لا بالمعنى الأصولي للكلمة ـ في الرواية الضعيفة الثانية .

ثم إن بعض الفضليات نبهتني إلى أن حديث أم عطية يناقض آخره أوله. ففي أوله أمر بالختان وفي آخره بيان أن بعض ذلك الجزء المطلوب إزالته (أسرى للوجه وأحظى عند الزوج)! فلماذا لا يبقى أصل الخلقة كما خلقها الله تعالى فتكتمل نضارة الوجه والحظوة عند الزوج؟!

ولا تحتمل الروايتان، على الفرض الجدلي بصحتهما، تأويلا سائغا فوق هذا. و لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم التسوية بين الرجال والنساء لقال: «إن الختان سنة للرجال والنساء»، أو لقال «الختان سنة» وسكت؛ فإنه عندئذ يكون تشريعًا عامًا ما لم يقم دليل على خصوصيته ببعض المكلفين دون بعض. أما وقد فرق بينهما في اللفظ ـ لو صحت الرواية ـ فإن الحكم يكون مختلفا، وكونه سنة ـ بالمعنى الأعم لهذه الكلمة أي معنى العادة المتبعة لا الحكم الشرعي ـ يكون في حق الرجال فحسب. وهذا هو ما فهمه الإمام ابن عبد البر القرطبي حين عَرَّضَ بالذين قالوا إنه «سنة» لاعتمادهم تلك الرواية الضعيفة وبين أن الإجماع منعقد على ختان الرجال.

ولمثل هذا الفهم قال الإمام ابن المنذر «ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع»[10]. وهو ما احتج به ـ مقرًا له ـ العلامة الشيخ محمد رشيد رضا في جواب سؤال نشره في مجلة المنار[11].

وقال الإمام الشوكانى: «ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به فهو لا حجة فيه على المطلوب لأن لفظة السنة في لسان الشارع أعم من السنة في اصطلاح الأصوليين... ولم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب والمتيقن السنة... وسائر خصال الفطرة ليست واجبة»[12].

وفى بعض ما نشر مؤخرا في مصر حول هذا الموضوع ذكر امرأة سموها (أم حبيبة) وذكر حديث لها في هذا الشأن مع النبي صلى الله عليه وسلم[13]. وهذا الحديث لا يوجد في كتب السنة وليس هناك ذكر فيها، ولا في كتب تراجم الصحابة، لامرأة بهذا الاسم كانت تقوم بهذا العمل. فكلامهم هذا لا حجة فيه، بل لا أصل له.

وقد احتجوا بحديث روي عن عبد الله بن عمر فيه خطاب لنساء الأنصار يأمرهن بالختان. وهو حديث ضعيف كما في المصدر الذي نقلوه منه نفسه[14]. فلا حجة لأحد في هذا الأمر المزعوم كذلك.

وفى السنة الصحيحة عن عائشة رضي الله عنها ـ مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموقوفا على عائشة ـ حديث يروى بألفاظ متقاربة تفيد أنه: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»[15].

وموضع الشاهد هنا قوله صلى الله عليه وسلم: «الختانان» إذ فيه تصريح بموضع ختان الرجل والمرأة، مما قد يراه بعض الناس حجة على مشروعية ختان النساء.

ولا حجة في هذا الحديث الصحيح. لأن اللفظ هنا جاء من باب تسمية الشيئين أو الشخصين أو الأمرين باسم الأشهر منهما، أو باسم أحدهما على سبيل التغليب. ومن ذلك كلمات كثيرة في صحيح اللغة العربية منها العمران (أبو بكر وعمر)، والقمران (الشمس والقمر) والنيران (هما أيضا، وليس في القمر نور بل انعكاس نور الشمس عليه) والعشاءان (المغرب والعشاء) والظهران (الظهر والعصر)، والعرب تغلب الأقوى والأقدر في التثنية عادة ولذلك قالوا للوالدين: (الأبوان) وهما أب وأم. وقد يغلبون الأخف نطقا كما في العمرين (لأبى بكر وعمر) أو الأعظم شأنا كما في قوله تعالى: «وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج» فالأول النهر والثاني البحر الحقيقي، وقد يغلبون الأنثى في هذه التثنية ومن ذلك قولهم: (المروتان) يريدون جبلي الصفا والمروة في مكة المكرمة. وكل ذلك مشهور معروف عند أهل العلم بلسان العرب[16].

فلفظ (الختانين) في هذا الحديث الصحيح لا دلالة فيه على مشروعية ختان الإناث، حيث إنه لم يرد إلا على سبيل التثنية التي تغلب الأقوى، أي الرجل، على المرأة. والحديث وارد في أمر الغسل وما يوجبه، وليس في شأن الختان أصلاً. والحديث، بعد ذلك، مؤول عند العلماء كافة، فهم لا يوجبون الغسل بمجرد التقاء الختانين، وإنما بالإيلاج[17].

وقد اعترض العلامة الشيخ القرضاوي على هذا التأويل بحديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم في صحيحه وفيه: «.... ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل»، فقال: «فلم يجئ بلفظ التثنية»[18]. وهذا الاعتراض لا يغير من الأمر شيئًا فإن الحديث في موجب الغسل لا في وجوب الختان ولا جوازه. ومعنى «مس الختان الختان» وقوع الجماع التام كما في شرح النووي على صحيح مسلم[19]. والغسل يجب به ولو لم يكونا مختونين[20] والاستدلال بعدم التثنية يكون له وجه لو أننا تأكدنا أن الرواية؛ باللفظ النبوي لا بالمعنى، وهو أمر لا يمكن التيقن منه مع إجازة الأئمة الرواية بالمعنى.

ويحتج بعض مؤيدي ختان الإناث بحديث:

«الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط»[21]. وعن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها وغيرها من الصحابة ـ في خصال الفطرة أنها عشر خصال، منها قص الشارب، وإعفاء اللحية.

والصحيح أن هذا الحديث الصحيح لا حجة فيه على ختان الإناث، حيث إن قص الشارب وإعفاء اللحية خاص بالذكور دون الإناث، وأصل الحديث في شأن الفطرة هو ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن إبراهيم عليه السلام كان أول من اختتن، وعلى هذا إجماع العلماء، كما نقله ابن عبد البر في التمهيد، وقال: إنه من مؤكدات سنن المرسلين التي لا يسع تركها في الرجال وهو نفسه الذي أنكر صحة ختان الإناث، كما أسلفنا.

فلا يجوز أن يقال إن ختان الإناث من أمور الفطرة أو من خصالها وفقا لما جاء في بعض الأحاديث، ذلك أن الختان الذي يعد من قبيل خصال الفطرة إنما هو ختان الذكور وهو الذي يسمى ختاناً في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء، أما ختان الإناث فإنه يسمى ختاناً على سبيل المجاز وليس على سبيل الحقيقة، وأن حقيقة مسماه أنه «خفاض»[22].
ولا يحتج هنا ـ كما يفعل بعضهم ـ بقاعدة «الأصل في الأشياء الإباحة» لأن هذه القاعدة الفقهية الصحيحة يقصد بها إباحة استعمال الأشياء التي خلقها الله لنا مثل المياه والأشجار وموارد الأرض المختلفة. أما ما يمس جسد الإنسان وماله وعرضه وسمعته فالأصل فيها التحريم وليس الإباحة. ولذلك يعتبر الاعتداء على الأموال والتعرض لسمعة الناس بالتشويه والتجريح، وانتهاك الأجساد بالضرب أو الجرح أو القطع من الجرائم التي تعاقب عليها الشريعة الإسلامية عقابا شديداً رادعاً. وختان الإناث هو تعرض لجسد فتاة صغيرة بالجرح والقطع فلا يجوز أن نقول إنه من الأشياء المباحة بل هو من المحظور والمجرَّم شرعا وقانونا والقاعدة الشرعية المتفق عليها أن الأصل في الدماء والأموال والأعراض التحريم، لا الإباحة.

وهكذا يتبين أن السنة الصحيحة لا حجة فيها على مشروعية ختان الأنثى. وأن ما يحتج به من أحاديث الختان للإناث كلها ضعيفة لا يستفاد منها حكم شرعي. والصحيح منها ليس نصًا في المسألة ولا يصلح دليلاً على المشروعية. وأن الأمر لا يعدو أن يكون عادة من العادات ترك الإسلام للزمن ولتقدم العلم الطبي أمر تهذيبها أو إبطالها.

وبقي أن نُذِّكرَ الداعين إلى ختان الإناث، والظانين أنه من الشرع، أن هذا الختان الذي نتحدث عنه ليس معنىً مجردًا نظريًا يجوز أن يتجادل فيه الناس حول الصحة والفساد العقليين، وإنما هو عادة سائدة تدل الإحصاءات المصرية المنشورة على أن 95% من الإناث المصريات تجرى لهن عملية الختان[23]. وهى تجرى بإحدى صور ثلاث كلها تخالف ما يدعو المؤيدون لختان الإناث إلى اتباعه فيها.

وبجميع الصور التي يجرى بها الختان للإناث في مصر فإنه يقع تحت مسمى «النهك» الذي ورد في نص الحديث الضعيف، أي إنه لا فائدة من الاحتجاج بما يحتجون به من هذا الحديث لأن العمل لا يجري على وفقه، بل يجري على خلافه.

والختان الذي يجري في مصر، بصوره الثلاث، عدوان على الجسم يقع تحت طائلة التجريم المقرر في قانون العقوبات[24].

والمسؤولية الجنائية والمدنية عن هذا الفعل يستوي فيها الأطباء وغير الأطباء لأن الجهاز التناسلي للأنثى في شكله الطبيعي الذي خلقه الله تعالى عليه ليس مرضا، ولا هو سبب لمرض، ولا يسبب ألمًا من أي نوع يستدعي تدخلا جراحيا، ومن هنا فإن المساس الجراحي بهذا الجهاز الفطري الحساس على أية صورة كان الختان عليها لا يعد ـ في صحيح القانون ـ علاجا لمرض أو كشفًا عن داء أو تخفيفًا لألم قائم أو منعًا لألم متوقع، مما تباح الجراحة بسببه، فيكون الإجراء الجراحي المذكور غير مباح وواقعًا تحت طائلة التجريم[25].

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تغيير خلق الله، وصح عنه لعن «المغيِّرات خلق الله»[26]، والقرآن الكريم جعل من المعاصي قطع بعض الأعضاء ولو من الحيوان، بل هو مما توعد الشيطان أن يُضِلَّ به بني آدم في أنعامهم وقرنه بتغيير خلق الله، فقال تعالى عن الشيطان: {لعنه الله وقال لأتخذَّن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلَّنهم ولأمنَّيَنَهم ولآمرنَّهم فليُبَتَّكُن آذان الأنعام ولآمرنَّهم فليغيرُّن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا}. [النساء 118 ـ 119، والتبتيك: التقطيع].

والختان بصوره التي يجري بها في مصر، وفى أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، فيه من تغيير خلق الله ومن قطع بعض أعضاء الإنسان المعصومة ما لا يخفى. وإذا كان هذا في الحيوان من إضلال الشيطان فكيف يكون في حق الإنسان؟؟

ومن المعلوم للكافة أن هذا الموضع الذي يجرى فيه الختان هو أحد المواضع شديدة الحساسية للاستثارة الجنسية، وأنه يتوقف على كيفية ملامسته إرواء المرأة من متعة التواصل الواجب مع الزوج أو حرمانها منها، وعلى اكتمال الشعور بهذا الإرواء يتوقف إحساس المرأة بالإشباع العاطفي، وهو يكتمل باكتماله وينقص بقدر نقصانه، وكل مساس جراحي بهذا الجزء من الجسم ينتقص ـ بلا خلاف ـ من شعور المرأة بهذين الأمرين. وهذا عدوان صريح على حقها المشروع في المتعة بالصلة الحميمة بينها وبين زوجها، وفى السلام النفسي المترتب على استيفائها لهذا الحق. وقد خلق الله أعضاء كل إنسان على صورة خاصة به غير متكررة بتفصيلاتها في غيره، وهو أعلم بما خلق ومن خلق، ولم يكن صنعه في أحد من خلقه عبثا أو غفلة حتى تأتى الخافضة، برأي هؤلاء الداعين إلى ختان الإناث، فتصححه. إنما جعلت أعضاء كل إنسان لتؤدى وظائفها له على أكمل نحو وأمثله، وحرمانه من ثمرات بعض هذه الوظائف عدوان عليه بلا شك.

والذين يدعون إلى استمرار ختان الأنثى يتجاهلون هذه الحقيقة ويؤذون النساء بذلك أشد الإيذاء. وهو إيذاء غير مشروع، والضرر المترتب عليه لا يمكن جبره، والألم النفسي الواقع بالمرأة بسببه لا يستطيع أحد تعويضها عنه.

وإذا كان الختان ليس مطلوبا للأنثى، ولا يقوم دليل واحد من أدلة الشرع على وجوبه ولا على كونه سنة، فبقى أنه ضرر محض لا نفع فيه. وليس كما يزعم الداعون إليه أنه «يهذب كثيرًا من إثارة الجنس، لاسيما في سن المراهقة ....... » إلى أن قالوا «وهذا أمر قد يصوره لنا، ويحذر من آثاره ما صرنا إليه في عصرنا من تداخل وتزاحم بل وتلاحم بين الرجال والنساء في مجالات الملاصقة التي لا تخفى على أحد فلو لم تختن الفتيات .... لتعرضن لمثيرات عديدة تؤدي بهن مع موجبات أخرى تزخر بها حياة العصر وانكماش الضوابط فيه إلى الانحراف والفساد»[27]. انتهى كلامهم.

أقول إن الأمر ليس كما يزعمون، لأن موضع الختان لا تتحقق الإثارة الجنسية فيه إلا باللمس الخاص المباشر الذي لا يقع قطعا في حالات التداخل والتزاحم ومجالات الملاصقة (التي أظهرها وسائل المواصلات العامة) التي يتحدثون عنها. وهذه المجالات يجري فيها تلامس غير جائز بين الرجال والنساء في أجزاء شتى من الجسم البشرى، فهل نعالج هذه الحالات بقطع هذه الأجزاء من أجسام الناس جميعا؟؟

ومعلوم أن كل عفيف وكل صائنة نفسها يكونان في غاية الألم والأسى إذا وقع شيء من ذلك، وهو يقع عادة دون قصد أو تعمد. ومع هذه الحال النفسية ـ التي يكون فيها الأسوياء من الناس نساء ورجالا تعساء آسفين مستغرقين حياء وخجلا ـ لا تقع استثارة جنسية أصلا، لأن مراكز الإحساس في المخ تكون معنية بشأن آخر غير هذا الشأن الذي لا يكون إلا في طمأنينة تامة وراحة كاملة واستعداد راض، اللهم إلا عند المرضى والشواذ وهم لا حكم لهم.

إن العفة والصون المطلوبان للنساء والرجال على سواء هما العاصم مما لا يحمد من نتائج اللقاء المتقارب بين النساء والرجال. والتربية على الخلق القويم هي الحائل الحقيقي بين هذا اللقاء وبين إحداث آثار ممنوعة شرعا مستهجنة خلقا. أما ما يدعون إليه من ختان الإناث فلا فائدة فيه، بل هو ضار ضررا محضا كما بينا.

ومن واجب الدولة في مصر، وفى غيرها من البلاد الإسلامية التي تشيع فيها هذه العادة السيئة، إصدار التشريع المانع لممارستها، لاسيما على الوجه الذي تمارس به الآن، ولا يجوز أن يمنع من ذلك جمود بعض الجامدين على ما ورثوه من آراء السابقين، فقد نص الفقهاء على أن في قطع الشفرين (وهما اللحمان المحيطان بموضع الجماع) الدية الكاملة، والدية عقوبة لمن يدفعها وتعويض لمن يستحقها، وعللوا ذلك بأنه بهذين الشفرين «يقع الالتذاذ بالجماع». فكل فوات لهذا الالتذاذ أو بعض منه يوجب هذه العقوبة التعويضية ومنع سببه جائز قطعا، بل هو أولى من انتظار وقوعه ثم محاولة تعليله أو تحليله[28].

وهكذا يتبين حكم الشرع في ختان الأنثى: أنه لا واجب ولا سنة، ولم يدل على واحد منهما دليل، وليس مكرمة أيضا لضعف جميع الأحاديث الواردة فيه. بل هو عادة، وهى عادة ليست عامة في كل بلاد الإسلام بل هي خاصة ببعضها دون بعض. وهى عادة ضارة ضررا محضا لا يجوز إيقاعه بإنسان دون سبب مشروع، وهو ضرر لا يعوض لاسيما النفسي منه. وقد أوجب الفقهاء إذا فاتت بسببه ـ أو بسبب الحيف فيه على ما يجري الآن في بلادنا في جميع حالات الختان ـ متعة المرأة بلقاء الرجل، أوجب الفقهاء فيه القصاص أو الدية. ومثل هذا يدخل في باب الجرائم المحظورة لا في باب المباحات، فضلا عن السنن أو المندوبات.

فليتق الله أولئك الذين يسوغون ما لا يسوغ، وينسبون إلى الشرع ما ليس منه. وليذكروا وصية الرسول بالنساء: «استوصوا بالنساء خيرا»[29]. وليضعوا أنفسهم موضع هؤلاء المسكينات اللاتي حرمن بهذا الختان، الذي لم يرد به شرع، متعة لو حرمها هؤلاء الرجال ما عوضهم عنها شيء قط!!

والحق أن الختان شأن طبي بحت، حكمه الشرعي يتبع حكم الأطباء عليه، وما يقوله الأطباء فيه ملزم للناس جميعًا، ولا يرد عليهم بقولة فقيه ولا محدث ولا مفسر ولا داعية ولا طالب علم. فإذا تبين من قول الأطباء العدول الثقات أنه ضار ضررًا محضًا وجب منعه إنفاذًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»[30].

ولا يرد على ذلك بأن الختان عادة قديمة جرى بها العرف، والعرف من مصادر التشريع فيجب الأخذ به في إباحته، ذلك لأن العرف الذي يعتد به يجب ألا يكون مصادمًا لنص شرعي[31]. والختان مصادم لنصوص تحريم الجرح وقطع الأعضاء والإضرار بالناس، فلا يبيحه جريان العمل به مهما طال زمنه، لأن استعمال الناس
ـ أي عادتهم ـ ليس حجة فيما يخالف النصوص الشرعية[32]. ولا يجوز الاعتداد في مواجهة هذا كله برأي فقيه أو مذهب فقهي بعد ما تبين أنه ليس له من أصول الشريعة سند يقوم عليه.

وقد نشرت بعض الصحف المصرية مؤخرًا أن دار الإفتاء تبحث إصدار فتوى تتضمن تحريم ختان الإناث. ولو فعلت دار الإفتاء ذلك فإنها تكون قد أسدت خدمة عظيمة لصحيح الفقه، وأسهمت في الإعلام بالحكم الإسلامي الصحيح في هذه العادة القبيحة.

والله تعالى أعلم.

[1] وهذا الحديث رواه الحاكم والبيهقى وأبو داود بألفاظ متقاربة، وكلهم رووه بأسانيد ضعيفة كما بين ذلك الحافظ زين الدين العراقي في تعليقه على إحياء علوم الدين للغزالي (1/148).

[2] سنن أبى داود مع شرحها عون المعبود، 14/125-126

[3] المرجع السابق.

[4] نقلا باختصار عن العلامة الشيخ محمد بن لطفي الصباغ في: الحكم الشرعي في الختان، منظمة الصحة العالمية، الإسكندرية، 1994 ص9

[5] يعني الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله، الذي صححه في: صحيح الجامع الصغير برقم 7475.

[6] عون المعبود، ج14 ص 126

[7] 1/33 من طبعة دار الفكر بيروت 1977. وقد حذف الناشر المصري ـ سامحه الله ـ هذه العبارة من الطبعة الصادرة بعد وفاة المؤلف(!)

[8] ابن حجر، تلخيص الحبير، ط حسن عباس قطب، مؤسسة قرطبة بالقاهرة، الطبعة الثانية 2006، جـ4 ص 162.

[9] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/59.

[10] نقله عنه:شمس الحق العظيم آبادى في شرحه لسنن أبى داود، جـ14، ص126

[11] مجلة المنار، العدد رقم (7)، المحرم 1322هـ = مارس 1904 ص 617-618.

[12] نيل الأوطار، جـ 1، ص139.

[13] الختان، للشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر السابق رحمه الله، ملحق مجلة الأزهر عدد جمادى الأولى 1415هـ = 1994 ص 12 وص 16. وقد كان الشيخ رحمه الله من أعلام الرجال خلقًا وكرامة ومحافظة على هيبة الأزهر ورجاله ومكانة العلم والعلماء، رجاعًا إلى الحق، مؤثرًا له على هواه وعلى ما سواه من عرض الدنيا وزينتها.

[14] نيل الأوطار للشوكانى، ج1،ص139 حيث يقول: في إسناد أبى نعيم ـ أحد مخرَّجيه ـ مندل بن علي وهو ضعيف، وفى إسناد ابن عدي خالد بن عمرو القرشي وهو أضعف من مندل!

[15] روى هذا الحديث مسلم في صحيحه ومالك في الموطأ، والترمذى وابن ماجة في سننهما وغيرهم من أصحاب مدونات الحديث النبوي.

[16] من المراجع المشهورة بين أيدي الطلاب في هذا المعنى: النحو الوافي لعباس حسن، 1/118 ـ 119.

[17] ابن قدامة، المغني، جـ 1 ص 271 من طبعة التركي والحلو، القاهرة، 1986.

[18] ورقة قدمها إلى مؤتمر (حظر انتهاك جسد المرأة) الذي عقدته دار الإفتاء المصرية بالمشاركة مع الاتحاد العالمي في ألمانيا في ذي القعدة 1427هـ = نوفمبر 2006م، ص 6.

[19] النووي على مسلم، جـ 4 ص 42، المطبعة المصرية ومكتبتها، القاهرة (د.ت).

[20] ابن قدامة، المغني، الموضع السابق، وفيه: «ولو مس الختان الختان من غير إيلاج فلا غسل بالاتفاق».

[21] رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة؛ البخاري رقم 5889؛ ومسلم رقم 257

[22] ولعله لهذا لم يورده الدكتور القرضاوي، ضمن الأدلة التي يستند إليها القائلون بختان الإناث، في ورقته سالفة الذكر؛ وإن أشار إلى أنه من سنن الفطرة في الذكور والإناث في كتابه: فقه الطهارة ص 131، مكتبة وهبة بالقاهرة 2002. والصحيح ما قلناه في المبتدأ من أنه ليس من سنن الفطرة للنساء.

[23] حقائق علمية حول ختان الإناث، الجمعية المصرية للوقاية من الممارسات الضارة بصحة المرأة والطفل، ص 11، ط 1993.

[24] ختان الأنثى في ضوء قواعد المسؤولية الجنائية والمدنية في القانون المصري، للمستشار صلاح عويس، نائب رئيس محكمة النقض.

[25] المصدر السابق، ص9.

[26] متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر، البخاري برقم 4886، ومسلم برقم 2125.

[27] الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، رحمه الله، المصدر السابق ص 18. والغريب أن ينسب هذا الكلام إلى (الأطباء!) وهم يقولون بخلافه، انظر: ختان الذكور والإناث، منظمة الصحة العالمية 1995.

[28] انظر المحلى لابن حزم الظاهري، 10/458، حيث نقل آراء الفقهاء في ذلك وخالفهم إلى إيجاب القصاص على المتعمد، ونفى الدية عن المخطئ، والمغني لابن قدامه، 12/158 و 11/546 حيث نقل رأيين أحدهما يجيز القصاص في قطع الشفرين، والثاني يكتفي بالدية لاعتبارات فنية تتصل بإجراء القصاص.

[29] رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، البخاري برقم 5186 ومسلم برقم 1468.

[30] رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه في سننه عن ابن عباس، ورواه ابن ماجه أيضًا عن عبادة بن الصامت، وهو في صحيح الجامع برقم 7517.

[31] أستاذنا العلامة محمد مصطفى شلبي رحمه الله، أصول الفقه الإسلامي، بيروت 1974، ص 324. والفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، له أيضاً، ص 99 من ط بيروت 1982.

[32] العلامة الشيخ أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ط2، 1989، ص 219.
Read more ...

الأربعاء، 14 يوليو 2010

هل دعاء القنوت في صلاة الفجر مشروع أم لا؟

الـجـــواب :
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

القنوت في صلاة الفجر سنة نبوية ماضية قال بها أكثر السلف الصالح من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم مِن علماء الأمصار، وجاء فيه حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: ((أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قَنَتَ شَهرًا يَدعُو عليهم ثُم تَرَكَه، وأمّا في الصُّبحِ فلم يَزَل يَقنُتُ حتى فارَقَ الدُّنيا))، وهو حديث صحيح رواه جماعة من الحفاظ وصححوه، كما قال الإمام النووي وغيره، وبه أخذ الشافعية والمالكية في المشهور عنهم، فيستحب عندهم القنوت في الفجر مطلقًا، وحملوا ما رُوي في نسخ القنوت أو النهي عنه على أن المتروك منه هو الدعاء على أقوام بأعيانهم، لا مطلق القنوت.
والفريق الآخر من العلماء يرى أن القنوت في صلاة الفجر إنما يكون في النوازل التي تقع بالمسلمين، فإذا لم تكن هناك نازلة تستدعي القنوت فإنه لا يكون حينئذٍ مشروعًا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
فإذا أَلَمَّت بالمسلمين نازلة فلا خلاف في مشروعية القنوت في الفجر، وإنما الخلاف في غير الفجر من الصلوات المكتوبة، فمِن العلماء مَن رأى الاقتصار في القنوت على صلاة الفجر كالمالكية، ومنهم مَن عَدّى ذلك إلى بقية الصلوات الجهرية، وهم الحنفية، والصحيح عند الشافعية تعميم القنوت حينئذٍ في جميع الصلوات المكتوبة، ومثَّلوا النازلة بوباءٍ أو قحطٍ أو مطرٍ يَضُرُّ بالعمران أو الزرع أو خوف عدوٍّ أو أَسرِ عالِمٍ.
فالحاصل أن العلماء إنما اختلفوا في مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير النوازل، أما في النوازل فقد اتفق العلماء على مشروعية القنوت واستحبابه في صلاة الفجر، واختلفوا في غيرها من الصلوات المكتوبة.

وعليه فإن قنوت صلاة الفجر مشروع في واقع الأمة الحالي، بالنظر إلى ما تعيشه من النوازل والنكبات والأوبئة وتداعي الأمم عليها من كل جانب، وما يستوجبه ذلك من كثرة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى عسى الله أن يرفع أيديَ الأمم عنا ويَرُدّ علينا أرضنا وأن يُقِرَّ عين نبيه المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- بنصر أمته ورد مقدساتها، إنه قريب مجيب.
هذا إذا أخذنا في الاعتبار تواصل النوازل وعدم محدوديتها، وأما مَن قال بمحدودية النازلة ووقّتها بما لا يزيد عن شهر أو أربعين يوما، فالأمر مبني على أن مَن قَنَتَ فقد قلّد مذهب أحد الأئمة المجتهدين المتبوعين الذين أُمرنا باتباعهم في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومَن كان مقلدا لمذهب إمام آخر يرى صوابه في هذه المسألة فلا يحق له الإنكار على مَن يقنت؛ لأنه لا يُنكَر المختلف فيه، ولأنه لا يُنقَض الاجتهاد بالاجتهاد.

والله سبحانه وتعالى أعلم
Read more ...

الاثنين، 5 يوليو 2010

هل يجوز الاحتفال بالإسراء والمعراج في شهر رجب؟

على الرغم من الخلاف الذي وقع بين العلماء في تحديد وقت الإسراء والمعراج حتى إن الحافظ ابن حجر حكى فيه ما يزيد على عشرة أقوال ذكرها في الفتح، فإن الاحتفال بهذه الذكرى في شهر رجب جائز شرعًا ولا شيء فيه، ما دام لم يشتمل على محرم بل على قرآن وذكر وتذكير؛ وذلك لعدم ورود النهي.
فإن قيل: إن هذا أمر مُحدث، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)) [رواه مسلم]، قلنا: نعم ولكن من أحدث فيه ما هو منه فليس بردٍّ بل هو حسن مقبول، فهذا سيدنا بلال رضي الله تعالى عنه وأرضاه لم يتوضأ وضوءًا إلا وصلى بعده ركعتين، وهذا صحابي جليل يقول بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وعلِم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وسمعه فبشَّرهما، بالرغم من أن الشرع لم يأمر بخصوص ذلك. وتلاوة القرآن الكريم وذكر الله تعالى من الدين، وإيقاع هذه الأمور في أيِّ وقت من الأوقات ليس هناك ما يمنعه.
كما أن الاحتفال بهذه الذكرى فيه تذكير بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزة من معجزاته، وقد قال تعالى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ}[إبراهيم: 5].

والله تعالى أعلم
Read more ...

الخميس، 1 أبريل 2010

ما حكم الاحتفال بعيد الأم ؟


ما حكم الاحتفال بعيد الأم ؟
الإنسان بنيان الرب، كرمه الله تعالى لآدميته؛ فصنعه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وطرد إبليس من رحمتـه؛ لأنه استكبر عن طاعة أمر الله بالسجود له، فكان احترام الآدمية صفة ملائكية قامت حضـارة المسلمين عليها، وكانت إهانة الإنسان وإذلاله واحتقاره نزعة شيطانية إبليسية زلزلت كيان الحضارات التي بنيت عليها : { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ }([1]) ،{ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً }([2]) ، { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً }([3]).
وكما جاء الإسلام بتكريم الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن نوعه، أو جنسه ،أو لونه ؛فإنه أضاف إلى ذلك تكريمًا آخر يتعلق بالوظائف التي أقامه الله فيها طبقًا للخصائص التي خلـقه الله عليها، فكان من ذلك تكريم الوالدين اللذين جعلهما الله تعالى سببًا في الوجود، وقرن شكرهما بشكره؛ فقال تعالى : { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ }([4])، وجعل الأمر بالإحسان إليهما بعد الأمر بعبادته سبحانه وتعالى، فقال : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }([5]) ، وكان ذلك لأن الله جعلهما السبب الظـاهر في الإيجاد فكانا أعظـم مظهر كوني تجلت فيه صفة الخلق، وناهيك بذلك شرفًا على شرف وتكريمًا على تكريم.
والنبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأم أولى الناس بحسن الصحبة، بل ويجعلها مقدمة على الأب في ذلك؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ : « أُمُّكَ » ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : « ثُمَّ أُمُّكَ » ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : « ثُمَّ أُمُّكَ »، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : « ثُمَّ أَبُوكَ »([6]).
ويقرر الشرع الإسلامي أن العلاقة بين الولد وأمه علاقة عضوية طبعية؛ فلا تتوقف نسبته إليها على كونها أتت به من نكاح أو سفاح، بل هي أمه على كل حال، بخلاف الأبوة التي لا تثبت إلا من طريق شرعي. ومن مظاهر تكريم الأم الاحتفاء بها وحسن برها والإحسان إليها، وليس في الشرع ما يمنع من أن تكون هناك مناسبة لذلك يعبر فيها الأبناء عن برهم بأمهاتهم؛ فإن هذا أمر تنظيمي لا حرج فيه، ولا صلة له بمسألة البدعة التي يدندن حولها كثير من الناس؛ فإن البدعة المردودة هي ما أُحدث على خلاف الشرع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ »([7]).
ومفهومه أن من أَحدث فيه ما هو منه فهو مقبول غير مردود، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العرب على احتفالاتهم بذكرياتهم الوطنية، وانتصاراتهم القومية التي كانوا يَتَغَنَّوْنَ فيها بمآثر قبائلهم وأيام انتصاراتهم، فعن عائشة رضي الله عنها ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان بغناء يوم بُعاث([8]) ،وجاء في السنة ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه السيدة آمنة في أَلْفَيْ مُقَنَّع ،فما رُؤِيَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ»([9]).
إن معنى الأمومة عند المسلمين هو معنًى رفيع، له دلالته الواضحة في تراثهم اللغوي؛ فالأم في اللغة العربية تُطلق على الأصل، وعلى المسكن، وعلى الرئيس، وعلى خادم القوم الذي يلي طعامهم وخدمتهم، وهذا المعنى الأخير مروي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو من أهلا اللغة . قال ابن دُرَيد : وكل شيء انضمت إليه أشياء من سائر ما يليه فإن العرب تسمي ذلك الشيء «أمًّا». ولذلك سميت مكة «أم القرى» ؛ لأنها توسطت الأرض ، ولأنها قبلة يؤمها الناس، ولأنها أعظم القرى شأنًا.
ولما كانت اللغة هي وعاء الفكر، فإن مردود هذه الكلمة عند المسلم ارتبط بذلك الإنسان الكريم الذي جعل الله فيه أصل تكوين المخلوق البشري، ثم وطَّنه مسكنًا له، ثم ألهمه سياسته وتربيته، وحبب إليه خدمته، والقيام على شئونه؛ فالأم في ذلك كله هي موضع الحنان والرحمة الذي يأوي إليه أبناؤها.
وكما كان هذا المعنى واضحًا في أصل الوضع اللغوي والاشتقاق من جذر الكلمة في اللغة، فإن موروثنا الثقافي يزيده نصاعةً ووضوحًا، وذلك في الاستعمال التركيبي [لصلة الرحم] حيث جُعِلَت هذه الصفة العضوية في الأم رمزًا للتواصل العائلي الذي كانت لَبِنَاتُه أساسًا للاجتماع البشري؛ إذ ليس أحدٌ أحق وأولى بهذه النسبة من الأم التي يستمر بها معنى الحياة وتتكون بها الأسرة وتتجلى فيها معاني الرحمة.
ويبلغ الأمر تمامه وكماله بذلك المعنى الديني البديع الذي يصوره النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم بقوله : «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ ،وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ»([10]) ،وفي الحديث القدسي : « قَالَ اللَّهُ عز وجل : أَنَا اللَّهُ ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي؛ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُه، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ»([11]).
وبتجلي هذا المعنى الرفيع للأمومة عندنا مدلولاً لغويًّا وموروثًا ثقافيًّا، ومكانةً دينية يمكننا أن ندرك مدى الهوة الواسعة والمفارقة البعيدة بيننا وبين الآخر، الذي ذابت لديه قيمة الأسرة وتفككت في واقعه أوصالُها، فأصبح يلهث وراء هذه المناسبات، ويتعطش إلى إقامتها؛ ليستجدي بها شيئًا من هذه المعاني المفقودة لديه، وصارت مثل هذه الأعياد أقرب عندهم إلى ما يمكن أن نسميه «بالتسول العاطفي» من الأبناء الذين يُنَبَّهون فيها إلى ضرورة تذكر أمهاتهم بشيء من الهدايا الرمزية أثناء لهاثهم في تيار الحياة الذي ينظر أمامه ولا ينظر خلفه .
ومع هذا الاختلاف والتباين بيننا وبين ثقافة الآخر التي أفرز واقعها مثل هذه المناسبات، إلا أن ذلك لا يشكل مانعًا شرعيًّا من الاحتفال بها، بل نرى في المشاركة فيها نشرًا لقيمة البر بالوالدين في عصر أصبح فيه العقوق ظاهرة تبعث على الأسى والأسف، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ حيث كان يحب محاسن الأخلاق ويمدحها من كل أحد حتى ولو كان على غير دينه؛ فلما أُتِيَ بسبايا طَيِّء كانت ابنة حاتم الطائي في السبي؛ فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ! إن رأيتَ أن تُخَلِّيَ عنا ولا تُشْمِت بي أحياء العرب؛ فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذِّمار، ويَفُكُّ العاني، ويُشبع الجائع، ويكسو العاري، ويَقري الضيف، ويطعم الطعام ، ويُفشي السلام، ولم يَرُدّ طالب حاجة قط. أنا ابنة حاتم طَيِّء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يَا جَارِيَةُ هَذِهِ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ حقًّا، لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسلماً لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ؛ خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ، وَالله يُحِبُّ مَكَارِمَ الأخْلاقِ » ، فقام أبو بُردة بن نِيار ،فقال : يا رسول الله، الله عز وجل يحب مكارم الأخلاق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ إِلاَّ بِحُسْنِ الخُلُقِ»([12]).
وقال صلى الله عليه وسلم : « لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلاَمِ لأَجَبْتُ »([13]).
وعليه فإن الاحتفال بعيد الأم أمر جائز شرعًا، لا مانع منه ولا حرج فيه، والفرح بمناسبات النصر وغيرها جائز كذلك، والبدعة المردودة إنما هي ما أُحدث على خلاف الشرع، أما ما شهد الشرع لأصله فإنه لا يكون مردودًا، ولا إثم على فاعله، والله سبحانه وتعالى أعلم.

([1]) النحل : 26.
([2]) النساء : 119.
([3]) الكهف : 50.
([4]) لقمان : 14.
([5]) الإسراء : 23.
([6]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 327، والبخاري في صحيحه، ج5 ص 2227، ومسلم في صحيحه، ج4 ص 1974.
([7]) أخرجه أحمد في مسنده، ج6 ص 240، والبخاري في صحيحه، ج2 ص 959، ومسلم في صحيحه، ج3 ص 1343.
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص 324، ومسلم في صحيحه، ج2 ص 607.
([9]) أخرجه الحاكم في المستدرك، ج2 ص 661.
([10]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 163، ومسلم في صحيحه، ج4 ص 1981، وابن حبان في صحيحه، ج2 ص 188.
([11]) أخرجه أحمد في مسنده، ج1 ص191، وأبو داود في سننه، ج2 ص133، والترمذي في سننه، ج4 ص315 ، وابن حبان في صحيحه، ج2 ص 187، والحاكم في المستدرك، ج4 ص 174.واللفظ للترمذي .
([12]) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة،ج5 ص341 .وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ج7 ص 299 ،طدار هجر الأولى .وقال ابن كثير : «هذا حديث حسن المتن ،غريب الإسناد جدًّا ،عزيز المخرج» .
([13]) أخرجه البيهقي في الكبرى، ج6 ص 367.
Read more ...

ما حكم الإسلام في الموسيقى ؟

الموسيقى لفظ يوناني يطلق على فنون العزف على آلات الطرب. وعلم الموسيقى يبحث فيه عن أصول النغم من حيث تأتلف أو تتنافر، وأحوال الأزمنة المتخللة بينها ليعلم كيف يؤلف اللحن. والموسيقي : المنسوب إلى الموسيقى، والموسيقار : من حرفته الموسيقى. والموسيقى في الاصطلاح : علم يعرف منه أحوال النغم والإيقاعات، وكيفية تأليف اللحون، وإيجاد الآلات([1])، وتطلق كذلك على الصوت الخارج من آلات العزف.
ومسألة سماع الموسيقى مسألة خلافية فقهية، ليست من أصول العقيدة، وليست من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا ينبغي للمسلمين أن يفسق بعضهم بعضًا، ولا ينكر بعضهم على بعض بسبب تلك المسائل الخلافية، فإنما ينكر المتفق عليه، ولا ينكر المختلف فيه، وطالما أن هناك من الفقهاء من أباح الموسيقى، وهؤلاء ممن يعتد بقولهم ويجوز تقليدهم، فلا يجوز تفريق الأمة بسبب تلك المسائل الخلافية.
خاصة وأنه لم يرد نص في الشرع صحيح صريح في تحريم الموسيقى، وإلا ما ساغ الخلاف بشأنها، وممن أباح الآلات والمعازف الإمام الغزإلى ؛حيث قال : « اللهو معين على الجد، ولا يصبر على الجد المحض، والحق المر، إلا نفوس الأنبياء علىهم السلام؛ فاللهو دواء القلب من داء الإعياء، فينبغي أن يكون مباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء. فإذًا اللهو على هذه النية يصير قربة، هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة، فينبغي أن يستحب له ذلك؛ ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه. نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن أحاط بعلم علاج القلوب، ووجوه التلطف بها، وسياقتها إلى الحق، علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه»([2]).
وقال: « إن الآلة إذا كانت من شعار أهل الشرب، أو الخنين، وهى : المزامير، والأوتار، وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة، وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل، وكالطبل، والشاهين، والضرب بالقضيب، وسائر الآلات»
غير أن بعض أهل العلم يرون في الغناء وسماعه عبرة لمن فهم الإشارة وسمت روحه، ومن هؤلاء العلماء القاضي عياض الشبلي([3]) فقد سئل عن السماع فقال : «ظاهره فتنة، وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة، حل له استماع العبرة »([4]).
وكذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام نُقل عنه أن الغناء بالآلات وبدونها قد يكون سبيلاً لصلاح القلوب فقال : «الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب من خارج، فيكون بالقرآن، وهؤلاء أفضل أهل السماع، ويكون بالوعظ والتذكير، ويكون بالحداء والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات، المختلف في سماعها، كالشبابات، فإن كان السامع لهذه الآلات مستحلاًّ سماع ذلك، فهو محسن بسماع ما يحصل له من الأحوال، وتارك للورع لسماعه ما اختلف في جواز سماعه» ([5]).
ونقل القرطبى فى «الجامع لأحكام القرآن» قول القشيرى : «ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة، فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏«دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح) فكن يضربن ويقلن : نحن بنات النجار، حبذا محمد من جار. ثم قال القرطبى : وقد قيل إن الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث»([6]).
‏ونقل الشوكانى فى «نيل الأوطار‏» فى (باب ما جاء في آلة اللهو) أقوال المحرمين والمبيحين ،وأشار إلى أدلة كل من الفريقين، ثم عقب على حديث : «‏كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه»([7]) بقول الغزالى : «قلنا قوله صلى الله عليه وسلم : (فهو باطل) لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة» ،ثم قال الشوكانى: «وهو جواب صحيح ؛لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح([8])، وساق أدلة أخرى في هذا الصدد ،من بينها حديث‏ من نذرت أن تضرب بالدف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رده الله سالمًا من إحدى الغزوات، وقد أذن لها صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر والضرب بالدف، فالإذن منه يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن، وأشار الشوكانى إلى رسالة له عنوانها «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع».‏
وقال ابن حزم : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (‏إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى)([9]) ،فمن نوى استماع الغناء عونًا على معصية الله تعالى ؛فهو فاسق، وكذلك كل شىء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل وينشط نفسه بذلك على البر ؛فهو مطيع محسن وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزهًا وقعوده على باب داره متفرجًا»([10]).
ونخلص من كل ما سبق أن الغناء بآلة -أي مع الموسيقي- وبغير آلة: مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولي، فاتفقوا في مواضع، واختلفوا في أخري.
اتفقوا علي تحريم كل غناء يشتمل على فحش، أو فسق، أو تحريض علي معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل علي حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟
واتفقوا علي إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها.
واختلفوا في الغناء المصحوب بالآلات، وباقي المسائل المذكورة.
ولهذا نرى جواز الغناء، سواء كان مصحوبا بالموسيقى، أو لا، بشرط ألا يدعو إلى معصية أو تتنافى معانيه مع معاني الشرع الشريف، غير أن استدامته والإكثار منه يخرجه من حد الإباحة، إلى حد الكراهة، وربما إلى حد الحرمة، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 38، ص 168، حرف الميم، معازف.
([2]) الفروع لابن مفلح، ج5 ص 236، 237، طـ دار الكتب العلمية.
([3]) وهو شيخ الصوفية، ذو الأنباء البديعة، وواحدة المتصوفين في علوم الشريعة، عالمًا فقيهًا، على مذهب مالك .انظر ترجمته : سير أعلام النبلاء، ج20 ص212 ،والديباج المذهب، ص 168.
([4]) التاج والإكليل، للعبدري المالكي ج2 ص 362.
([5]) المصدر السابق .
([6]) تفسير القرطبي، ج14 ص54.
([7]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص144 ،والترمذي في سننه، ج4 ص174 ،وابن ماجه في سننه، ج2 ص940 ،جميعاً بنحوه ،عن عقب بن عامر الجهني رضي الله عنه .
([8]) نيل الأوطار، ج8 ص 118.
([9]) رواه أحمد في مسنده، ج1 ص25 ،والبخاري في صحيحه، ج1 ص3 ،ومسلم في صحيحه، ج3 ص1515، وابن ماجه، ج2 ص1413، واللفظ له.
([10]) المحلى، لابن حزم، ج7 ص 567.
Read more ...

ما حكم إسبال الثوب ؟

الإسبال من السَّبَل : بالتحريك؛ السُنبل، وقد أسْبَلَ الزرع : خرج سُنبله. وأسْبَلَ المطر، والدمع : هطل. وأسبل إزاره: أرخاه. والسَّبَلُ : داء في العين شبه غشاوة، كأنها نسج العنكبوت بعروق حمر. و السَّبِيلُ : الطريق، يُذكر ويُؤنث([1]).
والمراد هنا هو الإسبال الخاص بالثوب، وهو أن يطيل الإنسان ثوبه ويجره على الأرض، أو يسبله من فوق رأسه دون أن يلبسه، وهذا مكروه في الصلاة لمشابهته لليهود، ولعدم أمن ستر العورة.
وقد كان إسبال الإزار علامة على الخيلاء والكبر، وهي من عظائم الذنوب وكبائر الخطايا، وهي من ذنوب القلوب التي تمرض القلب وتفسد الحياة فيه، حتى قال الصالحون : «رب معصية أورثت ذلاًّ وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا ».
وارتبط الإسبال بالخيلاء شرعًا ؛لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : «من جر ثوبه خيلاء ؛ لم ينظر الله إليه يوم القيامة» .فقال أبو بكر : إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنك لست تصنع ذلك خيلاء»([2]).
فإطالة الثوب وجره على الأرض في ذاتها ليست حرامًا؛ وإنما حرمت؛ لما تدل عليه من الكبر، ودلالة جر الثوب على الكبر كانت موجودة في عادة القوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك اتفق العلماء على حرمة الكبر والخيلاء سواء ارتبط بالثوب أو لم يرتبط به، واختلفوا في حكم إسبال الثوب فإذا كان بكبر وخيلاء فيحرم من أجل الخيلاء، وإن لم يكن كذلك فلا يحرم.
وإنما قالوا : إنه يكره؛ لأنه يشبه من فعله خيلاء، وكان هذا لأن المتكبرين والمتجبرين في هذا الزمان يفعلون ذلك، فكان التشبه بهم بغير قصد الخيلاء يكره، أما مع قصد الخيلاء فيحرم كما قدمنا.
وهذا ما ذهب إليه العلماء، ونص عليه الأئمة، يقول الشيخ البهوتي : « (فإن أسبل ثوبه لحاجة كستر ساق قبيح من غير خيلاء أبيح) قال أحمد في رواية حنبل : جر الإزار، وإسبال الرداء في الصلاة، إذا لم يرد الخيلاء فلا بأس»([3]).
قال الشوكاني : «وظاهر التقييد بقوله : خيلاء، يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلاً في هذا الوعيد. قال ابن عبد البر : مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أنه مذموم. قال النووي : إنه مكروه وهذا نص الشافعي. قال البويطي في مختصره عن الشافعي : لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر. انتهى»([4]).
فإسبال الثوب لغير الخيلاء، لا شيء فيه ولا بأس به كما قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والحرمة هي للخيلاء والكبر حتى وإن لم تقترن بالإسبال، فهذا هو الأوجه وقد تغيرت العادات، وليس من عادة المتكبرين في زماننا إسبال الثوب، فإسباله في هذا الزمن لا يمكن أن يكون فيه مشابهة للمتكبرين، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) انظر : لسان العرب، ج11 ص319 ،321 ،322 .
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج3 ص1340،واللفظ له ،ومسلم في صحيحه، ج3 ص1650،مختصرًا.
([3]) كشاف القناع، للبهوتي، ج1 ص 276.
([4]) نيل الأوطار، للشوكاني، ج2 ص 112.
Read more ...

الأحد، 14 فبراير 2010

حكم النقاب لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة

السؤال عن حكم النقاب هل هو فرض ؟ حيث إن هناك من الفقهاء من يوجبه استنادًا إلى حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغطي وجهها في الحج حتى يمر الركب .


الـجـــواب
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

الزي الشرعي المطلوب من المرأة المسلمة هو أي زي لا يصف مفاتن الجسد ولا يشف ويستر الجسم كله ما عدا الوجه والكفين ، ولا مانع كذلك أن تلبس المرأة الملابس الملونة بشرط ألا تكون لافتة للنظر أو تثير الفتنة ، فإذا تحققت هذه الشروط على أي زي جاز للمرأة المسلمة أن ترتديه وتخرج به .
أما نقاب المرأة الذي تغطي به وجهها وقفازها الذي تغطي به كفها فجمهور الأمة على أن ذلك ليس واجبًا وأنه يجوز لها أن تكشف وجهها وكفيها أخذًا من قول الله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } (النور 31) حيث فسر جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم الزينة الظاهرة بالوجه والكفين ، نُقِل ذلك عن ابن عباس وأنس وعائشة رضي الله عنهم ، وأخذًا من قوله تعالى :{ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (النور 31) فالخمار هو غطاء الرأس ، والجيب هو فتحة الصدر من القميص ونحوه ، فأمر الله تعالى المرأة المسلمة أن تغطي بخمارها صدرها ولو كان ستر الوجه واجبًا لصرحت به الآية الكريمة ، ومن السنة المشرفة حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَقَالَ : « يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا » وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ . أخرجه أبو داود . إلى غير ذلك من الأدلة المصرحة بعدم وجوب ستر الوجه والكفين .
بينما يرى بعض الفقهاء أنه يجب على المرأة ستر وجهها لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ » ، وهذا الحديث لا دليل فيه على وجوب ستر وجه المرأة لأن فعل الصحابة لا يدل أصلاً على الوجوب ولاحتمال أن يكون ذلك حكمًا خاصًا بأمهات المؤمنين كما خُصِّصْن بحرمة نكاحهن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تقرر في علم الأصول " أن وقائع الأحوال ، إذا تَطَرَّقَ إليها الاحتمال ، كَسَاها ثَوْبَ الإجمال ، فَسَقط بها الاستدلال " .
وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « لاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ » وهذا يدل على أن الوجه والكفين من الحرة ليسا بعورة ، وكيف يُتَصَوَّرُ أنهما عورة مع الاتفاق على كشفهما في الصلاة ووجوب كشفهما في الإحرام ! إذ من المعلوم أن الشرع لا يمكن أن يأتي بتجويز كشف العورة في الصلاة ووجوب كشفها في الإحرام ، ومحظورات الإحرام أشياء كانت في الأصل مباحة كلبس المخيط والطيب والصيد ونحوها ، وليس منها شيء كان واجبًا ثم صار بالإحرام حرامًا .
وقصارى القول أن ستر الوجه والكفين للمرأة المسلمة ليس فرضًا وإنما يدخل في دائرة المباح ؛ فإن سترت وجهها وكفيها فهو جائز ، وإن اكتفت بالحجاب الشرعي دون أن تغطي وجهها وكفيها فقد برئت ذمتها وأدت ما عليها .

والله سبحانه وتعالى أعلم

Read more ...

الخميس، 11 فبراير 2010

الطواف بالقبور - فتاوى دار الأفتاء المصري -


الســــؤال

اطلعنا على الطلب الوارد إلينا عبر الفاكس المقيد برقم 1113 لسنة 2006م والمتضمن ما يأتي:
نُشرت مقابلةٌ عندنا في الكويت في جريدة الرأي بتاريخ 20 من مارس 2006 م، الموافق 20 من صفر الخير 1427هـ مع أحد شيوخنا الأفاضل وكان فترة من الزمن عميدًا لكلية الشريعة في جامعة الكويت وورد فيها من إجابته على سؤال وُجِّهَ إليه حول الشرك:
"أما الطواف بالقبور فغير مشروع عند كل علماء المسلمين بمن فيهم الصوفية، واختلفوا هل هو حرام أو مكروه، ولم يقل أحد بأنه شرك إلا بعض المعدودين على الأصابع ممن يُنْسَب إلى العلم"، فثارت ضجة في مقالات عديدة كتبها بعضهم من أساتذة الشريعة وغيرهم، تهاجم هذا الكلام وتشنع على صاحبه بل وتتهمه بالترويج للشرك، ولما كانت لكم في قلوبنا منزلة ولقولكم إجلال أردنا أن تقولوا كلمة الحق في بيان حكم الله في هذه المسألة علها أن تضع حدًّا لهذا الهياج الذي كان له أثر غير حميد.


الـجـــواب
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

ينبغي أن نقدم أصولاً ثلاثةً تجب مراعاتها عند الكلام في هذه المسألة وأشباهها:
أولاً: الأصل في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تُحمل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز أن نبادر برميه بالكفر أو الشرك؛ فإن إسلامه قرينة قوية توجب علينا ألا نحمل أفعاله على ما يقتضي الكفر، وتلك قاعدة عامة ينبغي على المسلمين تطبيقها في كل الأفعال التي تصدر من إخوانهم المسلمين، وقد عبر الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله: "من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ويحتمل الإيمان من وجه حُمِِِل أمره على الإيمان "، ولنضرب لذلك مثلاً قوليًّا وآخر فعليًّا.
فالمسلم يعتقد أن المسيح عليه السلام يحي الموتى ولكن بإذن الله، وهو غير قادر على ذلك بنفسه وإنما بقوة الله وحوله، والنصراني يعتقد أنه يحي الموتى، ولكنه يعتقد أن ذلك بقوة ذاتية، وأنه هو الله، أو ابن الله، أو أحد أقانيم الإله كما يعتقدون. وعلى هذا فإذا سمعنا مسلمًا موحدًا يقول: "أنا أعتقد أن المسيح يحيي الموتى" -ونفس تلك المقولة قالها آخر مسيحي- فلا ينبغي أن نظن أن المسلم تنصر بهذه الكلمة، بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه للإسلام ولعقيدة التوحيد.
والمسلم يعتقد أيضًا أن العبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده، والمشرك يعتقد جواز صرفها لغير الله تعالى، فإذا رأينا مسلمًا صدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها وجب حمل فعله على ما يناسب اعتقاده كمسلم؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال؛ ولذلك لَمّا سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم -فيما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان- نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك أو الكفر، وبَدَهِيٌّ أن معاذًا رضي الله عنه -وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام- لم يكن يجهل أن السجود عبادة وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله، ولكن لَمّا كان السجود يحتمل وجهًا آخر غير عبادة المسجود له لم يجز حمله على العبادة إذا صدر من المسلم أو تكفيره بحال، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي: "ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: «لا». فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة، كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلاً، بل يكون عاصيًا، فليعرَّفْ أن هذا منهي عنه، وكذلك الصلاة إلى القبر" اهـ من معجم الشيوخ: ص 56.
والإخلال بهذا الأصل الأصيل هو مسلك الخوارج؛ حيث وضّح ابن عمر رضي الله عنهما أن هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: "إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إلى آيَاتٍ نَزَلَتْ فيِ الكفار فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ" علَّقه البخاري في صحيحه، ووصله ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" بسند صحيح.

ثانيًـا: هناك فارق كبير وبَوْن شاسع ما بين الوسيلة والشرك؛ فالوسيلة مأمور بها شرعًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35]، وأثنى سبحانه على من يتوسلون إليه في دعائهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]، والوسيلة في اللغة: المنزلة، والوصلة، والقربة؛ فجماع معناها هو: التقرب إلى الله تعالى بكل ما شرعه سبحانه، ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والملتزم تعظيمًا لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الآخر تعظيمًا لما عظيمه لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين تعظيمًا لمن عظمه الله من الأشخاص، ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيمًا لما عظمه الله من الأحوال.. وهكذا، وكل ذلك داخل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
أما الشرك فهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى، حتى لو كان ذلك يغرض التقرب إلى الله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وإنما قلنا "على الوجه الذي لا ينبغي إلا الله تعالى" لإخراج كل ما خالف العبادة في مُسمَّاها وإن وافقها في ظاهر اسمها؛ فالدعاء قد يكون عبادة للمدعوّ ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: 117] وقد لا يكون ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]، والسؤال قد يكون عبادة للمسئول ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32] وقد لا يكون ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 25]، والاستعانة قد تكون عبادة للمستعان به ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: 128] وقد لا تكون ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: 45]، والحب قد يكون عبادة للمحبوب وقد لا يكون كما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في قوله: «أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُم مِن نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي» رواه الترمذي وصححه الحاكم.. وهكذا، أي أن الشرك إنما يكون في التعظيم الذي هو كتعظيم الله تعالى كما قال تعالى ﴿فَلا َتَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] وكما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًا للهِ﴾ [البقرة: 165].
وبذلك يتبين لنا فَصْلُ ما بين الوسيلة والشرك؛ "فالوسيلة" نُعظِّم فيها ما عظمه الله، أي أنها تعظيمٌ بالله، والتعظيم بالله تعظيم لله كما قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، أما "الشرك" فهو تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله؛ ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا وكان سجود المشركين للأوثان كفرًا وشركًا مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لَمّا كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لِمَا عظّمه الله كما أمر الله كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولَمّا كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا يستحق فاعله العقاب.
وعلى هذا الأصل في الفرق بين الوسيلة والشرك بنى جماعة من أهل العلم قولهم بجواز الحلف بما هو مُعظَّم في الشرع كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإسلام، والكعبة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أحد قوليه؛ حيث أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم معلِّلاً ذلك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به؛ وذلك لأنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى بل تعظيمه بتعظيم الله له، وحمل هؤلاء أحاديث النهي عن الحلف بغير الله على ما كان من ذلك متضمنا للمضاهاة بالله، بينما يرى جمهور العلماء المنع من ذلك أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله.
وفي بيان مأخذ الأولين وترجيحه يقول ابن المنذر رحمه الله تعالى: "اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأَيْمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفارة فيها، وأمّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله كقوله: وحق النبي، والإسلام، والحج، والعمرة، والهدى، والصدقة، والعتق، ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلاً في النهي، وممن قال بذلك أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامًّا لنَهَوْا عن ذلك ولم يوجبوا فيه شيئًا" اهـ نقلاً من فتح الباري للحافظ ابن حجر (11/535).
فإذا ما حصل خلاف بعد ذلك في بعض أنواع الوسيلة كالتوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم مثلاً أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يُشرَع كونُه وسيلةً كالسجود للقبر أو الطواف به، فإنه لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الشرك والكفر؛ لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله، والله تعالى يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 36-35].

ثالثًـا: أن هناك فارقًا أيضًا ما بين كون الشيء سببًا واعتقاده خالقًا ومؤثرًا بنفسه، تمامًا كما مثَّلنا في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سبب في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه، فإذا رأينا مسلمًا يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعًا أو ضرًّا من غير الله فإنه يجب علينا قطعًا أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق؛ لِمَا نعلمه من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع أو يضر بإذن الله، ويبقى الكلام بعد ذلك في صحة كون هذا المخلوق أو ذلك سببًا من عدمه.

إذا ما تقررت هذه الأصول الثلاثة فإنه يجب علينا استحضارُها في الكلام على حكم الطواف بالقبور، فإذا علمنا أننا نتكلم في أفعال تصدر من مسلمين، وأن هؤلاء المسلمين يزورون هذه الأضرحة والقبور اعتقادًا منهم بصلاح أهلها وقربهم من الله تعالى، وأن زيارة القبور عمل صالح يتقرب ويتوسل به المسلم إلى الله تعالى، وأن الكلام إنما هو في جواز بعض ما يصدر من هؤلاء المسلمين من عدمه، وأن في بعض أفعالهم خلافًا بين العلماء وفي بعضها خطأً مخضًا لا خلاف فيه - إذا علمنا ذلك كله فإنه يتبين لنا بجلاء أنه لا مدخل للشرك ولا للكفر في الحكم على أفعال هؤلاء المسلمين في قليل ولا كثير أو من قَبِيل أو دَبِير، بل ما ثَمَّ إلا الخلافُ في بعض الوسائل والخطأُ المحضُ في بعضها الآخر من غير أن يستوجب شيءٌ من ذلك تكفيرًا لمن ثبت إسلامه بيقين.
وباستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف بالقبور نراها دائرة بين الحرمة والكراهة؛ أي أن منهم من يرى في الطواف وسيلة محرمة يأثم فاعلها، ومنهم من يرى أنه يستحب للمسلم تركه ولكنه إن فعله فلا عقاب عليه، والقول بالكراهة هو المعتمد عند السادة الحنابلة -كما في "كشاف القناع" لخاتمة محققيهم العلامة البهوتي-، والقول بالتحريم هو مذهب جمهور العلماء، وهو الذي عليه الفتوى.
أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له، اللهم إلا على افتراض أن الطائف يعبد من في القبر، أو يعتقد أنه يجلب الضر أو النفع بذاته، أو يعتقد بأن الطواف بالقبر عبادة شرعها الله تعالى كما شرع الطواف بالبيت.. وكلها احتمالات ينأى أهل العلم عن حمل فعل المسلم عليها كما سبق؛ لأن فرض المسألة في المسلم الذي يطوف بالقبر لا في غير ذلك.
ولا يجوز للمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بمثل هذه المسائل ويجعلوها قضايا يحمل بعضهم فيها سيف الكلام على صاحبه، فيكون جهادٌ في غير وغًي، ويكون ذلك سببًا في تفريق الصفوف وبعثرة الجهود، ويشغلنا عن بناء مجتمعاتنا ووحدة أمتنا. نسأل الله تعالى أن يجمع قلوب المسلمين على الكتاب والسنة وحسن التفهم للدين ومعرفة مراد الله تعالى من خلقه. آمين.
والله سبحانه وتعالى أعلم


Read more ...

الجمعة، 5 فبراير 2010

فتنة عدم الصلاة خلف من يُتَوَهَّم أنه مبتدع


س: ندخل المسجد لأداء الصلاة جماعة، فنجد أحيانًا بعض الناس لا يصلي وراء إمام المسجد، ثم ينتظر حتى ينتهي الإمام من صلاته، ثم يقيم هو جماعة أخرى بحجة أن الإمام مبتدع، فما مدى جواز هذا الفعل؟
الجواب:
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد..، فالصلاة ركن من أركان الإسلام، فرضها الله عز وجل على المسلمين، وقد بَيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية أدائها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(1). وأداء الصلاة في جماعة أفضل من أدائها منفردًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»(2)، وصلاة الجماعة تحتاج إلى إمام يُؤْتَمُّ به، والإمامة هي: ارتباط صلاة المصلي بِمُصَل آخر، بشروط بيَّنَها الشَّرْع، وقد وضع العلماء شروطًا يجب أن تتوافر لمن يؤم الناس في الصلاة، وهي معروفة في كتب الفقه، فإذا توفرت هذه الشروط كان أهلا لـها.
وينبغي علينا أن نحدد بعض المفاهيم الأساسية المهمة، وهي: تحديد معنى البدعة، وبيان أنه لا خلاف بين المسلمين في المسائل القطعية.

أولا: تحديد مفهوم البدعة:
البِدْعةُ في اللغة: كلُّ مُحْدَثةٍ، وقال أَبو عَدْنان: المبتَدِع الذي يأْتي أَمْرًا على شبه لم يكن ابتدأَه إِياه. والبِدْعةُ في الشرع: هناك مسلكان للعلماء في تعريف البدعة في الشرع:
المسلك الأول: وهو مسلك العز بن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة، وقسمها إلى أحكام حيث قال: «فعل ما لم يُعهدْ في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك؛ أن تُعرضَ البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة»(3).
والمسلك الثاني: جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة، والمندوبة، والمباحة والمكروهة بدعًا كما فعل العِز؛ وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على الْـمُحَرَّمَةِ، وممن ذهب إلى ذلك ابن رجب الحنبلي-رحمه الله- ويوضح هذا المعنى فيقول: «والمراد بالبدعة: ما أُحْدِثَ مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة»(4).
وفي الحقيقة فإن المسلكين اتفقا على أن البدعة المذمومة شرعًا- التي يأثم فاعلها- هي التي ليس لها أصل في الشريعة يدل عليها؛ وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»(5). وكان على هذا الفهم الواضح الصريح أئمة الفقهاء وعلماء الأمة المتبوعون.

ثانيًا: لا خلاف بين المسلمين في المسائل القطعية:
إن هوية الإسلام لا يختلف عليها أحد، وهي المعلوم من الدين بالضرورة، والمسائل التي أجمعت عليها الأمة سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا، وهي حقيقة هذا الدين، وما دون ذلك من أمور اجتهادية يجوز للمسلم أن يَتبعَ فيها أيًّا من المذاهب طالـما أن أصحابـها علماء، لهم حق الاجتهاد والنظر في الدليل، وليس هناك اعتبار لاجتهاد من لم تتوافر فيه شروط الاجتهاد، وهذا يعني أنه لا يجوز لأحد أن يتهم المخالف له في أمر فيه خلاف بين العلماء بالابتداع، والضلال، والفسق في مسائل قَبِلهَا العلماء في كل عصر من عصور الأمة، ولا يجرؤ أحدهم أن يضلل هؤلاء العلماء الأكابر، وإنما أقصى ما يمكن له فعله؛ هو أن يخالف مذهبًا ويتبع مذهبًا آخر، وهذا ليس فيه تفريقٌ للأمة، أما إصرار أحدهم على أن مذهبه هو الحق، وما دونه باطل فيلزم منه التنازع والاختلاف والشقاق.
وقال ابن قدامة: «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مَهَّدَ بـهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة»(6).
هكذا فَهِمَ العلماء مبدأ الاختلاف ومغزاه ولم يُفَسِّق أحدهما الآخر ولا يُبَدِّعه من أجل أنه اجتهد، حتى ولو أخطأ في هذا الاجتهاد، قال الحافظ الذهبي: «ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدَّعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة»(7).
وبعد إيضاح هذه المفاهيم الأساسية، نقول: إن هذا الشخص قد حكم على الإمام بالابتداع وهو لم يعرف عنه أي شيء مطلقًا، إلا أنه قد حكم عليه بناء على صورته وظاهره، وبنى حكمه عليه بأنه مبتدع من أجل أنه حليق اللحية أو لم يقصر ثوبه، أو غير ذلك من الأمور التي يحكم بـها على الشخص من خلال النظر إليه ..

فمثلا في مسألة إطلاق اللحية :
اختلف الفقهاء بشأن دلالة الأمر الوارد بإطلاق اللحية وإعفائها في أكثر من حديث نبوي؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب»(8). فهل هذا الأمر للوجوب أو للندب؟ فذهب جمهور الفقهاء أنه للوجوب، وذهب الشافعية إلى أنه للندب، وقد كثرت نصوص علماء المذهب الشافعي في تقرير هذا الحكم عندهم.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله ما نصه: «(فرع) ذكروا هنا في اللحية ونحوها خصالًا مكروهة؛ منها: نتفها، وحلقها، وكذا الحاجبان»(9). وأكد ذلك الكلام الإمام ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج، حيث قال: «قوله: (أو يحرم كان خلاف المعتمد) قال في شرح العباب: فائدة: قال الشيخان: يُكْرَهُ حلق اللحية»(10).
وقد جاء القول بكراهة حلق اللحية عن غير الشافعية، من هؤلاء الإمام القاضي عياض رحمه الله صاحب كتاب الشفاء، وأحد أئمة المالكية؛ حيث قال: «يكره حلقها وقصها وتحريقها»(11).
فتبين بـهذا أن مسألة حلق اللحية فيها خلافٌ معتبر بين العلماء، ومَنْ حلقها فليس بآثم على مذهب الشافعية الذين اعتبروا إطلاقها سنة. وعليه فلا يُبَدَّع الشخص من أجل أنه حلق لحيته؛ لأنه فعل مكروه على مذهب الشافعية.

وكذلك مسألة تقصير الثوب:
فإطالة الثوب وجره على الأرض في ذاتها ليست حرامًا؛ وإنما حرمت؛ لما تدل عليه من الكِبْرِ، ودلالة جر الثوب على الكِبْرِ، كانت موجودة في عادة القوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك اتَّفق العلماء على حرمة الكِبْرِ والخيلاء سواء ارتبط بالثوب أو لم يرتبط به، واختلفوا في حكم إسبال الثوب؛ فإذا كان بكبر وخيلاء، فَيحْرم من أجل الخيلاء، وإن لم يكن كذلك فلا يحرم.
وارتبط الإسبال بالخيلاء شرعًا؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «من جرَّ ثوبه خيلاء؛ لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء»(12).
قال البهوتي: «(فإن أسبل ثوبه لحاجة، كستر ساق قبيح من غير خيلاء أبيح)، قال أحمد في رواية حنبل: جرُّ الإزار، وإسبال الرِّداء في الصلاة، إذا لم يُرد الخيلاء فلا بأس»(13).
فإسبال الثوب لغير الخيلاء، لا شيء فيه ولا بأس به؛ كما قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: والحرمة هي للخيلاء والكبر، حتى وإن لم تقترن بالإسبال، فهذا هو الأوجه وقد تغيرت العادات، وليس من عادة المتكبرين في زماننا إسبال الثوب، فإسباله في هذا الزمن لا يمكن أن يكون فيه مشابـهة للمتكبرين.
وأخيرًا فإن ما ذكرناه من نصوص العلماء بيَّن لنا، أن حلق اللحية وعدم تقصير الثوب من المسائل الخلافية في الفقه الإسلامي، التي يجوز للمسلم الأخذ فيها بأي رأي من أقوال العلماء، ولا يجوز تصنيف الناس واتـهامهم بالفسق والبدعة؛ لأنـهم اتخذوا رأيًا يخالف الرأي الذي تبناه هؤلاء وأخذوا به، وإطلاق أحكام الفسق والتبديع على الناس بـهذه الطريقة تؤدي إلى إيقاع الفرقة بين المسلمين، وهو جرمٌ عظيم أعاذنا الله تعالى منه.
وعليه فلا ينبغي ترك الصلاة وراء من فعل شيئًا من ذلك بحجة أن هذه الأشياء بدع، وإنما هي مسائل خلافية لا يجوز أن تتشرذم الأمة وتفترق بسببها، ولا يجوز أن يفتن الناس بـها، وقد أمرنا الله بالجماعة، ونـهانا عن الفُرقةِ، فنسأل الله أن يوحِّد قلوب المسلمين وكلمتهم.
والله تعالى أعلى وأعلم.




الهوامش:
-----------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الآذان، حديث رقم (634)، وكتاب الأدب، حديث رقم (6079).
(2) أخرجه البخاري، كتاب الآذان، حديث رقم (648)، ومسلم، كتاب المساجد، حديث رقم (1509).
(3) قواعد الأحكام في مصالح الآنام، للعز بن عبد السلام، ج2 ص 204.
(4) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ص 266.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، ج2 ص 592، وأحمد في مسنده، ج3 ص 310.
(6) المغني لابن قدامة 1/29.
(7) سير أعلام النبلاء 14/40.
(8) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2209، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 222.
(9) تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن حجر الـهيتمي، ج 9 ص 375، 376.
(10) حاشية تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن قاسم العبادي، ج 9 ص 375، 376.
(11) نقل ذلك الحافظ العراقي في كتابه طرح التثريب ج2 ص83، والإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ج1 ص 143.
(12) أخرجه البخاري في صحيحه، ج3 ص1340،واللفظ له، ومسلم في صحيحه، ج3 ص1650، مختصرًا.
(13) كشاف القناع، للبهوتي، ج1 ص 276.




قائمة المصادر والمراجع:
--------------------------
1- الآداب الشرعية لابن مفلح، محمد بن مفلح المقدسي، دار عالم الكتب.
2- تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، طبعة سنة 1357هـ/ 1938م.
3- جامع العلوم والحكم، لابن رجب، دار المعرفة- بيروت، الطبعة الأولى سنة 1408هـ.
4- جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، المكتبة السلفية.
5- حاشية تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن قاسم العبادي، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، طبعة سنة 1357هـ/ 1938م.
6- سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايـماز الذهبي، مؤسسة الرسالة.
7- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير.
8- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار إحياء التراث العربي.
9- طرح التثريب، عبد الرحيم بن الحسين العراقي، دار إحياء الكتب العربية.
10- قواعد الأحكام في مصالح الآنام، للعز بن عبد السلام، مكتبة الكليات الأزهرية.
11- كشاف القناع، للبهوتي، دار الكتب العلمية.
12- المغني لابن قدامة، دار إحياء التراث العربي.
13- نيل الأوطار، محمد بن علي الشوكاني، دار الحديث.


المصدر: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية.
Read more ...

الخميس، 4 فبراير 2010

ما حكم قراءة القرآن في الصلاة من المصحف ؟


كانت السيدة عائشة رضي الله عنها يؤمها مولى لها يسمى ذكوان، وكان يقرأ في إمامته لها من المصحف([1])، ولهذا ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك، بل إن الشافعية زادوا بأن الصلاة لا تبطل حتى ولو قرأ مكتوبًا غير القرآن، ونقل المذهب في تلك المسألة الإمام النووي حيث قال : «لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة كما سبق، ولو قلب أوراقه أحيانا في صلاته لم تبطل، ولو نظر في مكتوب غير القرآن وردد ما فيه في نفسه لم تبطل صلاته وإن طال ، لكن يكره ، نص عليه الشافعي في الإملاء وأطبق عليه الأصحاب»([2]).
ونقل الشيخ الرحيباني مذهب أحمد حيث قال : « (و) لمصل (قراءة بمصحف، ونظر فيه)، أي : المصحف قال أحمد : لا بأس أن يصلي بالناس القيام، وهو ينظر في المصحف قيل له : الفريضة ؟ قال : لم أسمع فيها شيئًا. وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف، فقال : كان خيارنا يقرءون في المصاحف» ([3]).
غير أن المالكية كرهوا القراءة من المصحف في فرض ونفل، أما الحنفية فقد اختلفوا فيما بينهم، فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى فساد الصلاة بهذا الفعل، وذهب الصاحبان إلى مذهب إليه المالكية.
وعليه فنحن نرى ترجح مذهب أغلب العلماء بأن قراءة القرآن من المصحف في الصلاة صحيحة ولا إثم فيها، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) ذكره البخاري في صحيحه تعليقا، ج1 ص 245، باب إمامة العبد والمولى. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ج2 ص 123، والبيهقي في الكبرى، ج2 ص 253.
([2]) المجموع، للإمام النووي، ج4 ص 27.
([3]) مطالب أولي النهى، للرحيباني، ج1 ص 483، 484.
Read more ...

ما حكم اتخاذ المحاريب في المسجد، وهل هي فعلاً بدعة محرمة؟


لم يكن للمسجد النبوي الشريف محراب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الخلفاء بعده، وأول من اتخذ المحراب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أحدثه وهو عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة المنورة عندما أسس مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هدمه وزاد فيه، وكان هدمه للمسجد سنة إحدى وتسعين للهجرة ، وقيل سنة ثمان وثمانين، وفرغ منه سنة إحدى وتسعين - وهو أشبه - وفيها حج الوليد.
اختلف الفقهاء في حكم اتخاذ المحاريب : فكرهه الشافعية، وذهب الجمهور إلى جوازه واستحبابه كما دلت عليه عبارة الحنفية والمالكية، وأما الحنابلة فقد صرحوا بذلك الحكم فذكر ابن مفلح ذلك؛ فقال: « وقال ابن تميم : بناء المسجد مندوب إليه، ويستحب اتخاذ المحراب فيه وفي المنزل وقال الشيخ وجيه الدين بن المنجي في شرح الهداية : بناء المسجد مستحب وردت الأخبار بالحث عليه، وسيأتي كلامه في الرعاية في أواخر الكتاب أن المساجد والجوامع من فروض الكفايات. وقال ابن عقيل : ينبغي اتخاذ المحراب فيه؛ ليستدل به الجاهل، وقطع به ابن الجوزي وقال بعضهم : ويباح اتخاذ المحراب نص عليه وقيل : يستحب أومأ إليه أحمد»([1]).
وعليه فنرى استحباب اتخاذ المحاريب في المسجد؛ لما فيه من موافقة هؤلاء الأئمة، ولما فيه من المصلحة للمسلمين، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) الآداب الشرعية، لابن مفلح، ج3 ص 405.
Read more ...

الاثنين، 1 فبراير 2010

ما حكم مصافحة المسلم لأخيه فور الانتهاء من الصلاة ؟

ما حكم مصافحة المسلم لأخيه فور الانتهاء من الصلاة ؟


المصافحة مستحبة في أصلها، قال النووي : «اعلم أنها سنة مجمع عليها عند التلاقي»([1])، وقال ابن بطال : «أصل المصافحة حسنة عند عامة العلماء»([2]).
وقد نص على استحباب المصافحة بين الرجال كثير من فقهاء المذاهب، واستدلوا عليه بجملة من الأخبار الصحيحة والحسنة، من ذلك ما روى كعب بن مالك رضي الله عنه قال : «دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني»([3])، وعن قتادة قال : قلت لأنس رضي الله عنه : «أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم» ([4])، وما روي عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصافحوا؛ يذهب الغل، وتهادوا ؛تحابوا وتذهب الشحناء»([5]).
وأما المصافحة عقب الصلاة فلم يحرمها أحد من العلماء، وذهبوا إلى استحبابها، وأنها بدعة حسنة أو بدعة مباحة، وفصل القول فيها الإمام النووي؛ حيث قال : «إن كان المصافح لم يصافح قبل الصلاة فهي سنة حسنة، وإن كان قد سلم عليه قبلها فهي مباحة»([6]).
قال الحصكفي : «وإطلاق المصنف - التمرتاشي - تبعًا للدرر، والكنز، والوقاية، والنقاية، والمجمع، والملتقى، وغيرها ؛يفيد جوازها مطلقًا ولو بعد العصر، وقولهم : إنه بدعة، أي مباحة حسنة كما أفاده النووي في أذكاره»([7]).
وعقب ابن عابدين على ذلك بعد أن ذكر بعض من قال باستحبابها مطلقًا من علماء الحنفية بقوله : «وهو الموافق لما ذكره الشارح من إطلاق المتون، واستدل لهذا القول بعموم النصوص الواردة في مشروعية المصافحة»([8]).
وقالوا باستحباب المصافحة عقب الصلوات مطلقًا، واستأنس الطبري بما رواه أحمد والبخاري، عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال : «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَةٌ([9])،تمر من ورائها المرأة، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه، فيمسحون بها وجوههم. قال أبو جحيفة : فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك»([10]) .قال المحب الطبري : «ويستأنس بذلك لما تطابق عليه الناس من المصافحة بعد الصلوات في الجماعات، لا سيما في العصر والمغرب، إذا اقترن به قصد صالح من تبرك أو تودد أو نحوه».
وأما العز بن عبد السلام فبعد أن قسم البدع إلى خمسة أقسام : واجبة ومحرمة ومكروهة ومستحبة ومباحة؛ قال : «وللبدع المباحة أمثلة منها المصافحة عقيب الصبح والعصر»([11]).
وقال النووي : «وأما هذه المصافحة المعتادة بعد صلاتي الصبح والعصر، فقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام ؛أنها من البدع المباحة، ولا توصف بكراهة، ولا استحباب، وهذا الذي قاله حسن، والمختار أن يقال : إن صافح من كان معه قبل الصلاة فمباحة كما ذكرنا، وإن صافح من لم يكن معه قبلها فمستحبة؛ لأن المصافحة عند اللقاء سنة بالإجماع للأحاديث الصحيحة في ذلك » ([12]).
وبهذا يُعلم أن من أنكر على هذا الفعل إما لا علم له بما ذكرنا، وإما أن يكون غير سائر على المنهج العلمي أصلاً، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) نقله عن النووي الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ج11 ص55.
([2])نقله عن ابن بطال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ج11 ص55، وصاحب تحفة الأحوذي، ج7 ص 426.
([3]) أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 458، والبخاري في صحيحه، ج4 ص 1607، ومسلم في صحيحه، ج4 ص 2126.
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2311، وابن حبان في صحيحه، ج2 ص 245.
([5]) أخرجه مالك في الموطأ، ج2 ص908 .وقال ابن عبد البر في التمهيد،ج21 ص12 : «وهذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها».
([6]) المجموع للنووي، ج3 ص 469، 470.
([7]) الدر المختار، للحصكفي، مطبوع بهامشه حاشية ابن عابدين، ج6 ص 380.
([8]) رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، ج6 ص 381.
([9]) العَنَزَََََة مِثْل نِصْف الرَّمْح أو أكبر شيئاً ,وفيها سِناَنُ مِثْل سِناَن الرُّمْح .النهاية في غريب الحديث، ج3 ص 308.
([10]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج3 ص 1304.
([11]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، ج2 ص205.
([12]) المجموع للنووي، ج3 ص 469، 470.

Read more ...

الأحد، 31 يناير 2010

هل تجوز الصلاة في القبور، وما حكم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة، وهل يعد ذلك من قبيل اتخاذ القبر مسجدًا؟


إن قضية المساجد التي بها قبور، قضية فقهية فرعية استغلها الجهال ومبتغو الفتنة أسوأ استغلال حيث جعلوها سببًا في التفريق بين المسلمين، والتنابذ بالألقاب فذهب هذا يسب هذا ويقول إنه قبوري، أو مبتدع، أو مشرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونحن نجمع شتات الكلام في هذه المسألة عسى الله أن يفتح بهذا الكلام أعينًا عميًا، وآذنًا صمًّا.
فإن هناك خلطًا بين أمور متفرقة أحدث لبسًا في التعامل مع هذه المسألة، وجعلنا كلما تكلمنا فيها لا نصل إلى شيء، ولكننا سنوضح هنا تلك الأمور، ونفرق بينها، فالصلاة في القبور ليست هي الصلاة بالمسجد الذي به ضريح، وليست هي اتخاذ القبر مسجدًا؛ ولذلك نفرق بين ثلاثة أمور :
1- الصلاة في القبور.
2- الصلاة في المسجد الذي به ضريح.
3- اتخاذ القبر مسجدًا.
أولاً : الصلاة في القبور :
القبر : مدفن الإنسان، يقال :قَبَرَهُ يَقْبِرُهُ ويَقْبُرُهُ، قبرًا ومقبرًا : دفنه، وأقبره : جعل له قبرا، والمقبرة، بفتح الباء وضمها : موضع القبور أي موضع دفن الموتى. والقابر : الدافن بيده([1]).
والقبر محترم شرعًا توقيرًا للميت، ومن ثم اتفق الفقهاء على كراهة وطء القبر والمشي عليه، لما ثبت ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ القبور([2]). لكن المالكية خصوا الكراهة بما إذا كان مسنمًا، كما استثنى الشافعية والحنابلة وطء القبر للحاجة من الكراهة، كما إذا كان لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطء قبر آخر.
أما عن حكم الصلاة في المقابر ؛فذهب الحنفية إلى أنه تكره الصلاة في المقبرة، وبه قال الثوري والأوزاعي، لأنها مظان النجاسة، ولأنه تشبه باليهود، إلا إذا كان في المقبرة موضع أعد للصلاة ولا قبر ولا نجاسة فلا بأس.
وقال المالكية : تجوز الصلاة بمقبرة عامرة كانت أو دارسة، منبوشة أم لا، لمسلم كانت أو لمشرك.
وفصل الشافعية الكلام فقالوا : لا تصح الصلاة في المقبرة التي تحقق نبشها بلا خلاف في المذهب، لأنه قد اختلط بالأرض صديد الموتى، هذا إذا لم يبسط تحته شيء، وإن بسط تحته شيء تكره. وأما إن تحقق عدم نبشها صحت الصلاة بلا خلاف؛ لأن الجزء الذي باشره بالصلاة طاهر، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه؛ لأنها مدفن النجاسة. وأما إن شك في نبشها فقولان : أصحهما : تصح الصلاة مع الكراهة؛ لأن الأصل طهارة الأرض فلا يحكم بنجاستها بالشك، وفي مقابل الأصح : لا تصح الصلاة؛ لأن الأصل بقاء الفرض في ذمته، وهو يشك في إسقاطه، والفرض لا يسقط بالشك.
وقال الحنابلة : لا تصح الصلاة في المقبرة قديمة كانت أو حديثة، تكرر نبشها أو لا، ولا يمنع من الصلاة قبر ولا قبران؛ لأنه لا يتناولها اسم المقبرة وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا. وروي عنهم أن كل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه. ونصوا على أنه لا يمنع من الصلاة ما دفن بداره ولو زاد على ثلاثة قبور، لأنه ليس بمقبرة.
هذا بشأن كلام الفقهاء في مسألة الصلاة في المقبرة، والمقابر دون التعرض لمسألة الصلاة في المساجد التي يجاورها الأضرحة.
ثانيًا : الصلاة في المسجد الذي به ضريح :
وأما الصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحد الأنبياء عليهم السلام أو الصالحين، فهي صحيحة، ومشروعة، وقد تصل إلى درجة الاستحباب، ويدل على هذا الحكم عدة أدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وفعل الصحابة، وإجماع الأمة العملي.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى : { فَقَالُوا ابْنُوا
عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً }([3])، ووجه الاستدلال بالآية أنّها أشارت إلى قصّة أصحاب الكهف، حينما عثر عليهم الناس، فقال بعضهم: نبني عليهم بُنيانًا، وقال آخرون: لنتّخذنّ عليهم مسجدًا.
والسياق يدل على أن الأوّل: قول المشركين، والثاني: قول الموحّدين، والآية طرحت القولين دون استنكار، ولو كان فيهما شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه وتدل على بطلانه بقرينة ما، وتقريرها للقولين يدل على إمضاء الشريعة لهما، بل إنّها طرحت قول الموحدين بسياق يفيد المدح، وذلك بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحدين قاطعًا (لنتّخذنّ) نابعًا من رؤية إيمانية، فليس المطلوب عندهم مجرد البناء، وإنّما المطلوب هو المسجد. وهذا القول يدلّ على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.
قال الرازي في تفسير (لنتّخذنّ عليه مسجدًا) : نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد([4]).
وقال الشوكاني: ذكر اتخاذ المسجد يُشعر بأنّ هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل: هم أهل السلطان والملوك من القوم المذكورين، فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوّل أولى([5]). وقال الزجاجي: هذا يدلّ على أنّه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور، لأن المساجد للمؤمنين. هذا بخصوص ما ذكر في كتاب الله فيما يخص مسألة بناء المسجد على القبر.
ومن السنة حديث أبي بصير الذي رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا : «إن أبا بصير انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية، وذهب إلى سيف البحر، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو، أنفلت من المشركين أيضًا، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أبو بصير، وكان يقول :
الله العلي الأكبر من ينصر الله ينصر
فلما لحق به أبو جندل، كان يؤمهم، وكان لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها، وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم، إلا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول صلى الله عليه وسلم على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وبنى على قبره مسجدًا »([6]).
أما فعل الصحابة رضي الله عنهم يتضح في موقف دفن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافهم فيه، وهو ما حكاه الإمام مالك رضي الله عنه عندما ذكر اختلاف الصحابة في مكان دفن الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال : «فقال ناس : يدفن عند المنبر، وقال آخرون : يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه فحفر له فيه »([7])، ووجه الاستدلال أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اقترحوا أن يدفن صلى الله عليه وسلم عند المنبر وهو داخل المسجد قطعًا، ولم ينكر عليهم أحد هذا الاقتراح، بل إن أبا بكر رضي الله عنه اعترض على هذا الاقتراح ليس لحرمة دفنه صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإنما تطبيقًا لأمره صلى الله عليه وسلم بأن يدفن في مكان قبض روحه الشريف صلى الله عليه وسلم.
وبتأملنا إلى دفنه صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان؛ نجد أنه صلى الله عليه وسلم قُبض في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، وهذه الحجرة كانت متصلة بالمسجد الذي يصلي فيه المسلمون. فوضع الحجرة بالنسبة للمسجد كان - تقريبًا - هو نفس وضع المساجد المتصلة بحجرة فيها ضريح لأحد الأولياء في زماننا، بأن يكون ضريحه متصلاً بالمسجد والناس يصلون في صحن المسجد بالخارج.
وهناك من يعترض على هذا الكلام ويقول : إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم والرد عليه أن الخصوصية في الأحكام بالنبي صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى دليل، والأصل أن الحكم عام ما لم يرد دليل يثبت الخصوصية، ولا دليل، فبطلت الخصوصية المزعومة في هذا الموطن، ونزولاً على قول الخصم من أن هذه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو باطل كما بينا ـ فالجواب أن هذه الحجرة دفن فيها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، ومن بعده سيدنا عمر رضي الله عنه، والحجرة متصلة بالمسجد، فهل الخصوصية انسحبت إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أم ماذا ؟ والصحابة يصلون في المسجد المتصل بهذه الحجرة التي بها ثلاثة قبور، والسيدة عائشة رضي الله عنها تعيش في هذه الحجرة، وتصلي فيها صلواتها المفروضة والمندوبة، ألا يعد هذا فعل الصحابة وإجماعًا عمليًّا لهم.
ومن إجماع الأمة الفعلي وإقرار علمائها لذلك، صلاة المسلمين سلفاً وخلفاً في مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمساجد التي بها أضرحة بغير نكير، وإقرار العلماء من لدن الفقهاء السبعة بالمدينة الذين وافقوا على إدخال الحجرة الشريفة إلى المسجد النبوي، وهي بها ثلاثة قبور، ولم يعترض منهم إلا سعيد بن المسيب رضي الله عنه، ولم يكن اعتراضه لأنه يرى حرمة الصلاة في المساجد التي بها قبور، وإنما اعترض؛ لأنه يريد أن تبقى حجرات النبي صلى الله عليه وسلم كما هي يطلع عليها المسلمون؛ حتى يزهدوا في الدنيا، ويعلموا كيف كان يعيش نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا : اتخاذ القبر مسجدًا ليس هو المسجد الذي به ضريح :
واتخاذ القبر مسجدًا الذي ورد فيه النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليس هو ما ذكرنا من بناء المسجد بجوار ضريح متصل به أو منفصل عنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد »([8])، وفي رواية لمسلم بلفظ : «قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»([9]).بزيادة : «وصالحيهم».
فعلماء الأمة لم يفهموا من هذا الحديث أن المقصود النهي عن اتصال المسجد بضريح نبي أو صالح، وإنما فسروا اتخاذ القبر مسجدًا التفسير الصحيح، وهو أن يُجعل القبر نفسه مكانًا للسجود، ويسجد عليه الساجد لمن في القبر عبادة له، كما فعل اليهود والنصارى؛ حيث قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }([10]). فهذا هو معنى السجود الذي استوجب اللعن، أو جعل القبر قبلة دون القبلة المشروعة، كما يفعل أهل الكتاب؛ حيث يتوجهون بالصلاة إلى قبور أحبارهم ورهبانهم، فتلك الصور هي التي فهمها علماء الأمة من النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
فكان ينبغي على المسلمين أن يعرفوا الصورة المنهي عنها، لا أن ينظروا إلى ما فعله المسلمون في مساجدهم، ثم يقولون إن الحديث ورد في المسلمين، فهذا فعل الخوارج والعياذ بالله، كما قال ابن عمر رضي الله عنه ذهبوا إلى آيات نزلت في المشركين، فجعلوها في المسلمين. فليست هناك كنيسة للنصارى ولا معبد لليهود على هيئة مساجد المسلمين التي بها أضرحة، والتي يصر بعضهم أن الحديث جاء في هذه الصورة.
ولكن العلماء فهموا المراد بنظر ثاقب وهو ما اتضح في شروحهم لهذه الأحاديث، فها هو الشيخ السندي يقول بشأن هذا الحديث : «ومراده بذلك أن يحذر أمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد إما بالسجود إليها تعظيمًا أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، قيل : ومجرد اتخاذ مسجد في جوار صالح تبركًا غير ممنوع»([11]).
وقد نقل العلامة ابن حجر العسقلاني وغيره من شراح السنن قول البيضاوي؛ حيث قال: « قال البيضاوي : لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانًا، لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، ونهاهم عنه، أما من اتخذ مسجدًا بجوار صالح أو صلى في مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه، ووصول أثر من آثار عبادته إليه، لا التعظيم له، والتوجه فلا حرج عليه، ألا ترى أن مدفن إسماعيل في المسجد الحرام ثم الحطيم؟ ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي بصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة لما فيها من النجاسة انتهى »([12]).
وقد نقل كذلك المباركفوري في شرحه لجامع الإمام الترمذي قول التوربشتي فقال : «قال التوربشتي هو مخرج على الوجهين : أحدهما : كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم وقصد العبادة في ذلك. وثانيهما : أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء، والتوجه إلى قبورهم في حالة الصلاة والعبادة لله؛ نظرًا منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند الله لاشتماله على الأمرين»([13]).
و مما سبق يتبين أن حكم الصلاة بالمسجد الذي به ضريح يكون، إذا كان القبر في مكان منعزل عن المسجد، أي لا يصلى فيه، فالصلاة في المسجد الذي يجاوره صحيحة، ولا حرمة ولا كراهة فيها، أما إذا كان القبر في داخل المسجد، فإن الصلاة باطلة ومحرمة على مذهب أحمد بن حنبل، جائزة وصحيحة عند الأئمة الثلاثة، غاية الأمر أنهم قالوا : يكره أن يكون القبر أمام المصلى؛ لما فيه من التشبه بالصلاة إليه، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) انظر لسان العرب، ج5 ص69.
([2]) أخرجه الترمذي في سننه ،ج3 ص368.
([3]) الكهف : 21.
([4]) تفسير الرازي، ج11 ص106.
([5]) فتح القدير ،في التفسير ،للشوكاني ، ج3 ص277 .
([6]) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، ج4 ص1614 ،وصاحب الروض الأنف، ج4 ص59، وابن سعد في الطبقات الكبرى ، ج4 ص134، وصاحب السيرة الحلبية، ج2ص 720، ورواه أيضًا موسى بن عقبة في المغازي وابن إسحاق في السيرة، ومغازي موسى بن عقبة من أصح كتب السيرة، فكان يقول الإمام مالك عنها : عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي، وكان يحيى بن معين يقول : كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب.
([7]) رواه مالك في الموطأ، ج 1 ص231.
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص446، ومسلم في صحيحه، ج1 ص376.
([9])أخرجها مسلم في صحيحه، ج1 ص377.
([10]) التوبة : 31.
([11]) حاشية السندي، ج 2 ص 41.
([12]) فتح الباري، ج1 ص524، وشرح الزرقاني، ج4 ص290، وفيض القدير، ج4 ص466 .
([13]) تحفة الأحوذي، للمباركفوري، ج2 ص 226 .
Read more ...

ميديا مدونة الطريق الصح