‏إظهار الرسائل ذات التسميات فتاوى هامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فتاوى هامة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 فبراير 2015

دار الإفتاء ترد على فتوى داعش بجواز حرق الأسرى


الإفتاء في ردها على فتوى منشقي القاعدة "داعش": الإسلام بريء من حرق الطيار الأردني وفتوى المتطرفين بجواز حرقه باطلة
الإفتاء: الإرهابيون ضربوا بالتعاليم الإسلامية ومقاصدها التي تدعو إلى الرحمة وحفظ الأنفس عرض الحائط


أدانت دار الإفتاء المصرية بشدة ما قام به "منشقو القاعدة" داعش من حرق للطيار الأردني الأسير حيًّا، في مشهد بربري يدل على سادية هؤلاء المتطرفين.
وأكدت دار الإفتاء في ردها على فتوى "داعش" الكاذبة بأن هؤلاء الإرهابيين قد ضربوا بالتعاليم الإسلامية ومقاصدها التي تدعو إلى الرحمة وحفظ الأنفس عرض الحائط، وخالفوا الفطرة الإنسانية السليمة، واستندوا في جريمتهم البشعة على تفسيرات خاطئة لنصوص أو أقوال ليبرروا فجاجة فعلهم.
وفندت دار الإفتاء الدعاوى الباطلة التي استند عليها المتطرفون في جريمتهم، وأوضحت أن زعم هؤلاء بأن الصحابي الجليل أبو بكر الصديق قد أحرق "الفجاءة السلمي" حيًّا غير صحيح وساقط باطل لا سند له؛ لأن رواية إحراق سيدنا أبي بكر الصديق للفجاءة رواية باطلة مدار سندها على "علوان بن دَاوُدَ البجلي" وهو رجل مطعون في روايته، قال الحافظ بن حجر في لسان الميزان: "قال البخاري: علوان بن داود- ويقال بن صالح- منكر الحديث". كما علق الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد على هذه الرواية بقوله: "رواه الطبراني وفيه علوان بن دَاوُدَ البجلي وهو ضعيف وهذا الأثر مما أُنكر عليه". وروى العقيلي في "الضعفاء الكبير" عن يحيى بن عثمان أنه سمع سعيد بن عفير يقول: "كان علوان بن داود زاقولي من الزواقيل" والزواقيل هم اللصوص.
وقد حكى أهل العلم الإجماع على أن المقدور عليه "الأسير" لا يجوز تحريقه بحال من الأحوال حتى لو كان في حال الحرب فكيف بالأسير المكبل؟ وكل هذا في حال أسرى الحرب في نطاق الدول، فما بالنا بأن هذا التنظيم الإرهابي لا ينبغي أن يطلق عليه مسمى الدولة وبالتالي فإن ما حدث هو اختطاف قسري إرهابي تنبذه كافة الأديان والشرائع والقوانين الدولية.
كما أشارت دار الإفتاء في تفنيدها إلى أن اتهام الصحابي خالد بن الوليد بحرق رأس خالد بن نويرة هي رواية باطلة في سندها "محمد بْنُ حميد الرازي" وهو كذاب، قال عنه الإمام ابنُ حِبَّان: "كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات. قال أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وَارَة: صَحَّ عندنا أَنَّهُ يكذب".
وشددت دار الإفتاء على أن التمثيل بالأسرى منهي عنه في الإسلام، وقد ورد النهي عن الإعدام حرقًا، وجاء النهي عنها في أكثر من موضع منها حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمررنا بقرية نمل قد أحرقت؛ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله عز وجل"
وأكدت دار الإفتاء أن الطيار الأردني سقط رهينة لدى هذه الجماعة المتطرفة أثناء تأدية واجبه في الدفاع عن الأوطان ضد هذا الخطر المحدق بالجميع وهو بمثابة رهينة مختطف، بل حتى وإن كان أسيرًا لديهم فإن الإسلام قد أكد على ضرورة الإحسان إلى الأسرى وجعلها من الأخلاق الإسلامية والآداب القرآنية، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، ويكون هذا الإحسان في الطعام والشراب والكساء والعلاج والكلام الحسن.
وأضافت دار الإفتاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أحسن إلى أسرى بدر وكذلك مع ثمامة بن أثال رضي الله عنه، كما نهى النبي عن تعذيب الأسير ببتر أعضائه أو حرق أطرافه أو غير ذلك. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين عرض عليه أن ينزع ثنيتي سهيل بن عمرو حتى يندلع لسانه: "لا يا عمر، لا أمثّل به فيمثّل الله بي وإن كنت نبيًّا".
ولفتت دار الإفتاء إلى أن حديث النهي عن القتل بالحرق صحيح في البخاري، ويسوق العلماء عددًا من الأحاديث النبوية في هذا الصدد، ففي صحيح البخاري، وهو أصح كتب السنة على الإطلاق، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا تعذبوا بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا ربها".
وقالت دار الإفتاء: "إذا فرضنا جدلًا أن إنسانًا قد استحق عقوبة القتل بقصاص فإن الإسلام يأمرنا في هذه الحالة أن نحسن القتل بالنسبة للإنسان بحيث لا يقتله إلا الحاكم الشرعي وهو ما يعبر عنه بالسلطات المختصة بعد إجراء المحاكمات العادلة وبأقل الوسائل إيلامًا وأسرعها في الإنهاء على حياته حتى لو كان محاربًا، بل إن الحديث مصرح بأن نحسن الذبح بالنسبة للحيوان، فما بالكم بالإنسان؟!
شددت دار الإفتاء أن الإسلام قد وضع نظمًا وقوانين تحمي الأسير، ووصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بحُسن معاملتهم فقال: "اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا"، ولما رأى النبي يهود بني قُرَيْظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، فقال مخاطِبًا المسلمين المكلَّفين بحراستهم: "لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السّلاَحِ، وَقَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا"، كما نهى عن تعذيبهم وامتهانهم.
وقالت دار الإفتاء في بيانها أنه من استقراء النصوص، ورد بعضها إلى بعض: يتبين أن الأصل أنه لايجوز قتل الأسير، وإنما يعامل وفق آية سورة محمد التي تحدد كيفية التعامل مع من شددنا وثاقهم من الأسرى (فإما منا بعد وإما فداءا).

ومعنى (المنّ) : إطلاق سراح الأسير لوجه الله تعالي ومعنى (الفداء): أن نفدي الأسرى بأسرى مثلهم في العدد أو أقل أو أكثر، حسب المصلحة ، فرب أسير له وزن وقيمة، نفديه بأكثر من أسير لنا عندهم، والعكس يحدث أيضا.
وقد يكون الفداء بمال، كما فعل الرسول والصحابة معه في أسرى بدر، حيث طلبوا الفداء بالمال لمسيس حاجتهم إليهم وقدرة أهليهم من قريش عليه.
وروى البخاري في (باب فداء المشركين) في الجهاد: حديث أنس بن مالك: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنترك لابن أختنا عباس (بن عبد المطلب) فداءه، فقال: "لا تدعون منها درهما"!

وفي معركة بدر: سن الرسول صلى الله عليه وسلم في فداء الأسرى سنة مهمة، وهي: أن يؤدي من ليس لديه مال خدمة مناسبة للمجتمع المسلم، يقدر عليها الأسير، ويحتاج إليها المسلمون.
ومن أجل هذا شرع الرسول الكريم لمن كان يعرف الكتابة من أسرى المشركين: أن يكون فداؤه (تعليم عشرة) من أولاد المسلمين الكتابة. ولم يخش النبي صلى الله عليه وسلم على أبناء المسلمين من تأثير هؤلاء المشركين على عقول الصغار من ذراري المسلمين، فإن محو الأمية لا يحمل معه فكرا ولا اعتقادا، ثم هم في قلب المجتمع المسلم، وتحت رعايته وإشرافه ورقابته.

Read more ...

السبت، 30 يوليو 2011

ما هو يوم الشك؟ ولماذا يحرم صومه؟

ما هو يوم الشك؟ ولماذا يحرم صومه؟

هذه المسألة فيها ثلاثة أحاديث شريفة:
الأول: عن صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه، فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ: "كُلُوا"، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وآله وسلم» رواه أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم، قَال الترمذي: "حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ؛ كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، وَرَأَى أَكْثَرُهُمْ إِنْ صَامَهُ فَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ" اهـ.
والثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» رواه الجماعة، قال الترمذي: "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِكَ فَلا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمْ" اهـ.
والثالث: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» متفق عليه.
● وبناءً على ذلك فقد اختلف العلماء في تحديد يوم الشك:
فعند جمهور العلماء من الحنفية والشافعية: يوم الشك هو اليوم الثلاثون من شهر شعبان إذا تَحَدَّث الناس بالرؤية ولم تثبت، أو شهد بها من رُدَّت شهادتُه لفسقٍ ونحوه، فإن لم يتحدَّث بالرؤية أحدٌ فليس يومَ شكٍّ حتى لو كانت السماء مُغيمة؛ وذلك عملا بظاهر قول عمار بن ياسر رضي الله عنه: "الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ" من غير التفات إلى وجود غيمٍ أو انتفائه.
أما المالكية فإنهم يجعلون مناط الشك هو الغيم، فلو كانت السماء مُصْحِيَة فليس يومَ شكٍّ؛ لأنه إن لم يُرَ الهلالُ كان من شعبان جزمًا، ويجعلون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» تفسيرًا ليوم الشك، واعترض ذلك ابن عبد السلام من المالكية بأن قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» -أي: أكملوا عدة ما قبله ثلاثين يومًا- يدل على أن صبيحة الغيم من شعبان جزمًا.
ويقابلهم الحنابلة الذين يوافقون الجمهور، لكنهم يرون في ظاهر المذهب عندهم أن وجود الغيم ينفي كونَه يومَ شكٍّ؛ لأنه حينئذ يُعَدُّ من رمضان، ويجعلون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مَسُوقًا لبيان التفرقة بين حكم الصحو والغيم؛ فإذا كانت رؤية الهلال شرطًا للصوم في الصحو فالمغايرة تقتضي عدم كون الرؤية شرطًا في الغيم، ومعنى «فَاقْدُرُوا لَهُ» عندهم: أي: فضيِّقوا له وقدِّروه تحت السحاب؛ عملا بمذهب راوي الحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في ذلك.
وتوارُدُ رواياتِ الحديث الصحيحة الصريحة على تفسير «فَاقْدُرُوا لَهُ» بإكمال عدة شعبان ثلاثين يرجح مذهب الجمهور في ذلك؛ حملا للمطلَق على المقيَّد، والسُّنَّة هي أَوْلى ما تُبَيَّنُ به السُّنَّة، ولذلك اختار كثير من محققي الحنابلة والمالكية مذهب الجمهور، قال الإمام النووي في المجموع: "فالصواب ما قاله الجمهور، وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة".
وقد صنف بعض العلماء في تحديد يوم الشك، كما فعل مفتي مكة المكرمة العلامة الشيخ إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي [ت1099هـ] في رسالته التي سَمّاها "إزالة الضنك في المراد من يوم الشك". ● أما حكم صوم يوم الشك فله حالتان:
الأولى: أن يُصام عن رمضان بنية الاحتياط له، فهذا هو المراد بالنهي عند جمهور العلماء، ثم منهم من جعله حرامًا لا يصح صومه كأكثر الشافعية، ومنهم من رآه مكروهًا كالحنفية والمالكية والحنابلة، فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عند الليث بن سعد والحنفية، ولم يجزئه عند المالكية والشافعية والحنابلة.
وهذا عند الحنابلة في غير يوم الغيم؛ فأما يوم الغيم فإنهم أوجبوا صيامه عن رمضان في ظاهر الرواية عندهم ولم يجعلوه يومَ شك؛ عملا بمذهب راوي الحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما سبق، وللإمام أحمد رواية أخرى توافق الجمهور أخذ بها كثير من محققيهم؛ لتوارد الروايات الصحيحة الصريحة على ذلك، حتى قال الإمام ابن تيمية الحنبلي رحمه الله تعالى -فيما نقله عنه الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي في "تنقيح التحقيق"-: "الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَحَادِيثُ في هذه المسـألة -وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ- أَنَّ أَيَّ شَهْر غُمَّ أُكْمِلَ ثَلاثِينَ؛ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شهر شَعْبَان أو شهر رَمَضَان أو غَيْرهمَا" اهـ. وقد سبق نقل كلام الإمام النووي في ذلك.
الثانية: أن يُصام عن غير رمضان، فالجمهور أنه يجوز صومه إذا وافق عادةً في صوم التطوع كما هو نص حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ويلتحق بذلك عندهم صوم القضاء والنذر، أمَّا التطوع المطلق من غير عادة فهو حرام على الصحيح عند الشافعية إلا إن وصله بما قبله من النصف الثاني فيجوز، ولا بأس به عند الحنفية والمالكية.
وقد صنف الأئمة في هذه المسألة، منهم: الحافظ الخطيب البغدادي الشافعي [ت463هـ] في كتابه "النهي عن صوم يوم الشك"، والحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده الحنبلي [ت470هـ] في كتابه "صيام يوم الشك" خالف فيه ما هو المذهب عند الحنابلة من صيام يوم الغيم، والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي [ت597هـ] في كتابه "درء الضيم واللَّوم في صوم يوم الغيم"، والعلامة مرعي بن يوسف الكَرْمي الحنبلي [ت1033هـ] في كتابه "تحقيق الرُّجحان بصوم يوم الشك من رمضان".
● أمّا عن الحكمة في النهي عن صومه:
ففيها خلافٌ يذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بقوله: "وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: التَّقَوِّي بِالْفِطْرِ لِرَمَضَان لِيَدْخُلَ فِيهِ بِقُوَّة وَنَشَاط، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُ بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَة جَاز … وَقِيلَ: الْحِكْمَة فِيهِ خَشْيَة اِخْتِلاط النَّفْل بِالْفَرْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: لأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالرُّؤْيَةِ فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ" اهـ.
وهذا الذي اعتمده الحافظ في حكمة النهي يزيد وضوحًا عند معرفة منهج الإسلام في رؤية الهلال؛ فإن الحاكم هو الذي يقضي بصحة بينة الرؤية -عند إمكانها فلكيًّا-، فإذا حكم بعدم ثبوت الشهر فإن حكمه هذا يرفع النزاع في الأمر الظني ظاهرًا وباطنًا ويحسم مادة الخلاف فيه، وليس المسلم مكلَّفًا -تحت أي سقف معرفي يعيش فيه- بالوصول إلى ما في الواقع ونفس الأمر، بل المَظِنَّة في ذلك تُنَزَّلُ منزلةَ المَئِنَّة، والأخذ بغلبة الظن واجب شرعي، وهذا يُعَلِّم المسلمين القوة والثبات في دينهم، والجِدِّيَّة في أمر عبادتهم، ويحذرهم من أن يكونوا نَهْبًا لخطر الشائعات بين أهل البلد الواحد عن طريق تَحَدُّثِ بعض الناس بينهم بالرؤية وإحداثهم للبلبلة والفوضى في ذلك مع عدم الحكم بثبوتها، وإذا كان هذا عصيانًا للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في حق من دعا إلى رؤيةٍ لم تثبتها البينة الصحيحة وترك الأخذ بالظن الغالب إذا قضى به الحاكم، فما بالنا بمن يخالف الجماعة ويشق عصا الطاعة ويزرع بذور الفرقة والاختلاف بالتشبُّث والدعوة إلى رؤيةٍ قطع الحساب الفلكي القطعي ببطلانها ولم يعتمدها أهل بلده، كما يفعله كثير من المتعالِمين في هذا الزمان؛ في زيغٍ عن الحق من غير حجة ولا برهان من عقل أو نقل، واقعِينَ بذلك في محظورَيْن: تفريق الجماعة، والأخذ برؤية موهومة عُلِم بطلانُها بالضرورة. وناهيك بذلك خروجًا عن الجادّة وعصيانًا لسيدنا النبي المصطفى أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
Read more ...

هل الصوم درجات؟ وما هي تلك الدرجات؟

نعم للصوم درجات، فمن الناس من يصوم عن الطعام والشراب فحسب وهذه أقل درجات الصوم، ومن الناس من يصوم عن الطعام والشراب والأعمال السيئة والأقوال الرديئة، وتلك هي أعلى من السابقة، وهناك صفوة يصومون عن الطعام والشراب وسوء الأعمال ومنكرات الأقوال، وتصوم قلوبهم عن الأهواء وخواطرهم عما سوى ربهم، وتلك نهاية عليا في الصوم، ونجد أن الإمام الغزالي قد جعل الصوم ثلاث درجات :
1- صوم العموم: وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة.
2- صوم الخصوص: وهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام .
3- صوم خصوص الخصوص: وهو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية .

فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد
Read more ...

ما فضل ختم القرآن أكثر من مرة؟

شهر رمضان هو شهر القرآن الكريم قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} البقرة: 185، وقال جل شأنه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} الدخان: 3، وقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} القدر: 1، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)) متفق عليه، وعن السيدة فاطمة عليها السلام: ((أن أباها صلى الله عليه وآله وسلم أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين)) متفق عليه.
وهذا كله يدل على استحباب قراءة القرآن في رمضان وختمه مرة وأكثر، والإكثار من تلاوته ليلا ونهارًا مع كون القراءة ليلا أفضل وأكثر ثوابًا؛ لقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} المزمل: 6، وفي الحديث القدسي: ((... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ)) رواه البخاري.

والله سبحانه وتعالى أعلم


فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

Read more ...

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

حكم قراءة الفاتحة عند عقد الزواج ؟؟

الســــؤال



هل يجوز قراءة الفاتحة عند عقد الزواج أم لا؟



الـجـــواب
أمانة الفتوى دار الافتاء المصرية

قراءة الفاتحة في استفتاح الدعاء أو اختتامه أو في قضاء الحوائج أو في بداية مجالس الصلح أو في عقد النكاح أو غير ذلك من مهمات الناس هو أمر مشروع بعموم الأدلة الدالة على استحباب قراءة القرآن من جهة، وبالأدلة الشرعية المتكاثرة التي تدل على خصوصية الفاتحة في إنجاح المقاصد وقضاء الحوائج وتيسير الأمور من جهة أخرى.
فأما الأدلة العامة: فكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29]، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» رواه مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه إلى غير ذلك من النصوص المطلقة. ومن المقرر في علم الأصول أن الأمر المطلق يقتضي العموم البدلي في الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وإذا شرع الله تعالى أمرًا على جهة العموم أو الإطلاق فإنه يؤخذ على عمومه وسعته ولا يصح تخصيصه ولا تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا كان ذلك بابًا من أبواب الابتداع في الدين بتضييق ما وسَّعَه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما أن فِعْلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أفراد العموم الشمولي أو البدلي ليس مُخَصِّصًا للعموم ولا مُقَيِّدًا للإطلاق طالَما أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عما عداه، وهذا هو الذي يعبر عنه الأصوليون بقولهم: "الترك ليس بحجة"؛ أي أن ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر ما لا يدل على عدم جواز فعله، وهو أمر متفق عليه بين علماء المسلمين سلفًا وخلفًا، حتى إن العلامة ابن تيمية الحنبلي رحمه الله -مع توسُّعِه في مفهوم البدعة المذمومة- قد فهم هذا المعنى في تعبده؛ فكان يجعل الفاتحة وِردًا له، فقد نقل عنه تلميذه أبو حفص البَزَّارُ في كتابه "الأعلام العَلِيَّة في مناقب ابن تيمية" (ص: 38، المكتب الإسلامي) أنه كان يقرأ الفاتحة ويكررها من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس. ولو كان الترك حجةً لعُدَّ بفعله هذا مبتدعًا مخالفًَا للسنة، ولكن لما كان أمر الذكر والقراءة على السعة، وكانت العِبرة فيه حيث يجد المسلم قلبه، كان هذا الفعل جائزًا شرعًا.
هذا من جهة عموم كون الفاتحة قرآنًا وذكرًا مشروعًا تلاوته على كل حال ما لم يرد نهي عن ذلك بخصوصه، كالنهي عن تلاوة القرآن حال الجنابة مثلا.
وأما من جهة خصوصها في إنجاح المقاصد وقضاء الحوائج وتيسير الأمور وإجابة الدعاء: فقد دلت الأدلة الشرعية على أن فيها من الخصوصية ما ليس في غيرها:
فالله تعالى يقول: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87].
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُه» رواه البخاري من حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى رضي الله عنه.
ويقول لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «يَا جَابِرُ، أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ»، قال راوي الحديث: وأحسبه قال: «فِيَها شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ويقول عليه الصلاة والسلام: «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا عِوَضٌ» رواه الدارقطني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
وقد جاء الشرع الشريف بمشروعية قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة المفروضة والمسنونة، وهي ركن للصلاة عند جماهير أهل العلم، كما جاء الشرع بمشروعية قراءتها في الصلاة على الجنازة دون غيرها من سائر القرآن.
وهذه الخصوصية للفاتحة هي التي حَمَلَتْ سيدَنا أبا سعيد الخدريَّ رضي الله عنه على الرقية بها دون أن يبتدئه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإذن أو يعهد إليه بشيء في خصوص الرقية بها وقراءتها على المرضى، فلما أخبر النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بما فعل لم يُنكِر عليه ولم يجعل ما فعله مِن قَبِيل البدعة، بل استحسنه وصوَّبه وقال له: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» متفق عليه، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: «قَدْ أَصَبْتُم».
وجاء عن الصحابة الحثُّ على قراءة الفاتحة في بعض المواضع مع عدم ورود نص بخصوصه في ذلك؛ فروى ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (7/ 98، ط. دار الفكر) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: "مَن قرأ بعد الجمعة فاتحةَ الكتاب و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) حفظ ما بينه وبين الجمعة".
كما أن في خصوص الاستفتاح بها تأسيًا بالكتاب العزيز؛ فإنها ما سميت فاتحةً إلا لأن القرآن فُتِح بها، وفاتحة الشيء أولُه، وقراءتها في استفتاح الأمور طلب للهداية والمعونة من الله تعالى فيها.
وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم الحنبلي رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" (4/ 347-348، مؤسسة الرسالة): [فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغِنَى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن؛ لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنـزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك. ولما وقع بعضُ الصحابة على ذلك رَقى بها اللديغَ فبَرأَ لوقته، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وما أدراك أنها رقية».
ومن ساعده التوفيق وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعَلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها، موقوفة على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرُّقَى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه، وهذا أمر يحتاج إلى استحداث فطرة أخرى وعقل آخر وإيمان آخر] اهـ.
وقد استدل العلماء على قراءة الفاتحة لقضاء الحوائج بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
وعلى ذلك جرى فعل السلف الصالح من غير نكير، فأخرج أبو الشيخ في "الثواب" عن عطاء رحمه الله تعالى أنه قال: "إذا أردتَ حاجةً فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها تُقْضَى إن شاء الله".
قال العلامة مُلا علي القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص: 253، ط. مؤسسة الرسالة):
[وهذا أصلٌ لِمَا تعارف الناس عليه مِن قراءة الفـاتحة لقضاء الحاجات وحصول المهمات] اهـ.
وهذا هو المعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة:
فنص الحنفيةُ مثلا على استحسان قراءة الفاتحة على الطعام: قال العلامة الخادمي الحنفي في "بريقة محمودية" وهو يتحدث عن آداب الطعام (4/ 111، ط. دار إحياء الكتب العربية): [أما قراءة الفاتحة: فعن بعض العلماء عن شرح مختصر الإحياء لعلي القاري: وقول قراءة سورة الفاتحة المشتملة على التحميد والدعاء بالاستقامة كما هو المتعارف بين العامة مُستحسَنٌ خلافًا لمن منعه. انتهى] اهـ.
والمعتمد عندهم جواز قراءة الفاتحة في أدبار الصلوات المكتوبة: قال العلامة الخادمي في "بريقة محمودية" (1/98): [وأما قراءةُ الفاتحة أدبارَ المكتوبات فكثيرٌ فيها أقاويلُ الفقهاء:
فعن "معراج الدراية" أنها بدعة، لكنها مستحسنة للعادة، ولا يجوز المنع. وعن "فتاوى برهان الدين" يُكرَه قراءة الفاتحة بعد المكتوبة لكفاية المهمات جهرًا ومُخَافَتةً. وعن "فتاوى السعدي" لا يُكرَه. وفي "التتارخانية" و"القنية" و"الأشباه": الاشتغال بقراءة الفاتحة أولى من الأدعية المأثورة في أوقاتها، ومِن الأوقات المأثورة: أدبارُ الصلوات؛ إذ وردت أدعية كثيرة أعقاب الصلوات عن سيد السادات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات.. وفي "فصول الأسروشني": وقراءة الفاتحة أولى من الأدعية المأثورة في أوقاتها..
والذي تَحَرَّر مِن هذه النُّقُول: ترجيحُ جانب الجواز؛ لكثرة قائله, وأن البـدعة الممنوعة: ما لا يكون لها إذنُ إشارة ودلالة، وسورة الفاتحة سورة تعليم طريق الدعاء، وسورة المسألة، وسورةٌ نزلت لبيان طريق الأفضل من الدعاء، فأفضل الأدعية إنما يليق ويجري في أفضل الأوقات، ومِن أفضل الأوقات أدبارُ الصلوات، فلا كلامَ في أصل قراءتها] اهـ.
ونص المالكية على جواز قراءتها عند الوداع في السفر: قال العلامة الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (1/ 487، ط. دار المعارف): [وما يقع من قراءة الفاتحة عند الوداع فأنكره الشيخ عبد الرحمن التاجوري وقال: إنه لم يرد في السنة، وقال الأجهوري: بل ورد فيها ما يدل لجوازه, وهو غير منكر] اهـ.
وعند الشافعية: جاء في فتاوى العلامة الشهاب الرملي الشافعي (1/160-16، ط. المكتبة الإسلامية):
[(سئل) عن قراءة الفاتحة عقب الدعاء بعد الصلوات؛ هل لها أصل في السنة أم هي محدثة لم تعهد في الصدر الأول؟ وإذا قلتم محدثة: فهل هي حسنة أو قبيحة؟ وعلى تقدير الكراهة: هل يثاب قائلها أم لا؟
(فأجاب) بأن لقراءة الفاتحة عقب الدعاء بعد الصلوات أصلا في السنة, والمعنى فيه ظاهر، لكثرة فضائلها, وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فاتحةُ الكتابِ معلقةٌ في العرش ليس بينها وبين اللهِ حجابٌ». وفيها من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قالوا: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت علوم القرآن؛ لاشتمالها على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجماله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى, وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم, وعلى بيان عاقبة الجاحدين. ومن شرفها: أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القراءة في الصلاة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها؛ وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم, وأيضًا فلكثرة أسمائها, وكثرة الأسماء تدل على شرف المُسَمَّى, ولأن من أسمائها: أنها سورة الدعاء، وسورة المناجاة، وسورة التفويض، وأنها الراقية، وأنها الشفاء، والشافية؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنها شفاء لكل داء»، وقالوا: إذا عُلِلْتَ أو شَكَيْتَ فعليك بالفاتحة؛ فإنها تَشْفِي] اهـ.
وذكر العلامة ابنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ الشافعي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (4/ 29، ط. المكتبة الإسلامية) أنه يستحب قراءة الفاتحة عند وقوع الطاعون؛ لأنها شفاء من كل داء.
وكذلك عند الحنابلة: فقد كان الإمام أحمد بن حنبل يستعمل كتابة الفاتحة في التمائم الشرعية، قال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الآداب الشرعية" (2/ 455، ط. عالم الكتب): [قال المرُّوذي: شكت امرأة إلى أبي عبد الله أنها مستوحشةٌ في بيتٍ وحدَها، فكتب لها رقعة بخطه: بسم الله, وفاتحة الكتاب، والمعوذتين، وآية الكرسي] اهـ.
وسبق عن الشيخ ابن تيمية الحنبلي رحمه الله أنه كان يجعلها وِرْدَه في الصباح. وهذا تلميذه العلامة ابن القيم الحنبلي يستحسن قراءة الفاتحة للمفتي عند الإفتاء، وينقل ذلك عن بعض السلف، مع عدم ورود شيء من ذلك بخصوصه في السنة، فيقول في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (4/ 198، ط. دار الكتب العلمية): [حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح «اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيبِ والشهادة، أنت تَحكُمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدِني لِمَا اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».. وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا؛ إنك أنت العليم الحكيم.. وكان بعضهم يقرأ الفاتحة, وجربنا نحن ذلك فرأيناه أقوى أسباب الإصابة] اهـ.
وعلى ذلك جرى عمل السلف والخلف حتى صنف الشيخ العلامة يوسف بن عبد الهادي الحنبلي الشهير بابن المِبْرَد رسالةً في ذلك سمَّاها "الاستعانة بالفاتحة على نجاح الأمور" نقل فيها كلام العلامة ابن القيم السابق إيراده من كتابه "زاد المعاد"، ثم يقول معقبًا عليه: [وهو كلام عظيم، ولكنه مِنْ فَضْلها كغمسةِ عصفورٍ منقرَه في البحر أو قطرة شربها منه. وقد كان شيخنا أبو الفرج ابن الحبال في كثرة استعمالها لقضاء الحوائج ونجاح أمرها على أمر عظيم؛ بحيث إنه إذا كتب لأحد حِرْزًا كتبها أولا، ثم قرأ عليه، ثم قرأها عند طَيِّه، وكان إذا كتب لأحدٍ رسالةً قرأها عليها.
وقد شاهَدْتُ أنا من نجاح الأمور بها أمرًا عظيمًا؛ فقَلَّ حاجةٌ من الحوائج تَعْرِضُ لي -من الحوائج الدنيوية والأخروية- فأقرؤها عليها إلا قُضِيَتْ ونجح أمرُها، وكم من حاجة تعسَّرَتْ، واسْتَدَّتْ طُرُقُها، وحال دونها الموانعُ، فقرأتُها لنجاحها فقُضِيَتْ وعادت أَتَمَّ ما كانت، وكم مِنْ أمر ٍتعسَّر فقرأْتُها له فتقشَّعَتْ غيومُه، وزالت سُحُبه، وأنارت شموسُه.. وهي سورة عظيمة؛ فعليك -رَحِمَكَ اللهُ- بالإكثار منها على أمورك وحوائجك وأدوائك ومهماتك وكل ما عَرَض لك، وتأمَّلْ ذلك تَجدْ منه ما يظهر لك. وهي سورةٌ فضائلُها كثيرةٌ، وأسرارُها لا تُحصَى، وإنما يَعْرِفُ الجوهَر أربابُه، والمَسْكَنَ أصحابُه، والمعلِّمَ طُلابُه، وبالله الاستعانة، وهو ولي التوفيق] اهـ.
وأما الآراءُ المخالفة لما عليه عمل الأمة سلفًا وخلفًا والتي تظهر بين الناس بين الفَيْنة والفَيْنة لتضيِّق عليهم المجال في ذكر الله تعالى في بيوتهم ومجالسهم ومنتدياتهم وتجمعاتهم وأفراحهم فما هي في الحقيقة إلا مَشارِبُ بدعة، ومَسالِكُ ضلالة -بغض النظر عن نوايا منتحليها-؛ لأن الدعوة إلى القضاء على أعراف المسلمين التي بنتها الحضارة الإسلامية على مر الزمان وشكَّلَتْها في سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم -انطلاقًا من كون الشرع الشريف هو محور حياتهم- هو أمر خطير، غفل الداعون إليه أو تغافلوا عن أنه سيؤدي بهم في النهاية إلى فقد المظاهر الدينية من المحافل العامة، واستبعاد ذكر الله تعالى من الحياة الاجتماعية ومنظومة الحضارة، وهو عين ما يدعو إليه الملاحدة والمادِّيُّون من البشر. فليتق الله أولئك الذين يَهرِفُون بما لا يَعرِفُون، وليتركوا الفتوى لأهلها الذين يدركون مرارة الواقع، ويعقلون مآلات الأحكام.

والله سبحانه وتعالى أعلم

Read more ...

الحكم الشرعي للتطير والتشاؤم

الســــؤال


أن ابنته تزوجت من زميل لها في العمل ومنذ أن تزوجت منه وأهل زوجها يعتبرون أن قدمها سيئة عليهم بسبب ما أصابهم من نكبات وأمراض وخسائر وحوادث بعد زواجها منه مع العلم بأن كثيرًا مما جرى لهم بعد زواجهما منه كان يحصل لهم ما يشابهه قبل زواجها ولكنهم مصرون على أن " وشها وحش عليهم " حتى إن ابنته أصابها الضرر الشديد المعنوي والنفسي والمادي من جراء ترويج هذه المزاعم على سمعتها وكرامتها ونفسيتها ، ويطلب حكم الشرع وإبداء النصح فيما يقولونه وفي اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين


الـجـــواب
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

التطير والتشاؤم من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام بهدمها والتحذير منها ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : « لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِى الْفَأْلُ ». قَالُوا : وَمَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : « كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ » متفق عليه ، وعن قَبِيصَةَ بن المخارق قَالَ : سَمِعْتُ رَسُـولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُـولُ : « الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ » رواه أبو داود بإسناد حسـن ، وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يتطير رواه أبو داود بسند صحيح ، وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ : ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ : « أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ ، وَلاَ تَرُدُّ مُسْلِمًا ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ لاَ يَأْتِى بِالْحَسَنَاتِ إِلاَّ أَنْتَ وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلاَّ أَنْتَ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ » رواه أبو داود بسند صحيح ، ونحو ذلك من الأحاديث وذلك إذا اعتقد أن شيئًا مما تشاءم منه موجب لما ظنه ولم يضف التدبير إلى الله سبحانه وتعالى ؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله سبحانه وتعالى ، وربما وقع به ذلك المكروه الذي اعتقده بعينه عقوبة له على اعتقاده الفاسد .
ولا تنافي بين هذا وبين حديث عَبدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضى الله عنهما قَال َ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : « لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِى ثَلاَثٍ : فِى الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ » متفق عليه ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشير في هذا الحديث ونحوه إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منه العداوة والفتنة لا كما يفهم بعض الناس خطأً من التشاؤم بهذه الأشياء أو أن لها تأثيرًا – كما فسرته الرواية الأخرى عند الحاكم في " المستدرك " من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ثلاث من السعادة : المرأة تراها تعجبك وتغيب عنها فتأمنـها على نفسها ومالك ، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك ، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق . وثلاث من الشقاء : المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك وإن غبت لم تأمنها على نفسها ومالك ، والدابة تكون قطوفًا فإن ضربتها اتبعتك وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك ، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق » .
أما اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين والاعتماد عليهم في جلب الخير أو دفع الشر فقد نُهيَ عنه في الشرع ؛ فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ليس منا من تَطَيَّرَ أو تُطُيِّرَ لـه ، أو تكهَّنَ أو تُكُهِّنَ له ، أو سَحَرَ أو سُحِرَ له ، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم » رواه البزار من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بإسناد حسن ، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إتيان هؤلاء وتصديقهم مانعًا من قبول العمل فقال : « مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فصدقه لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً » رواه الإمام أحمد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصله في مسلم بدون "فصدقه".

ومما سبق بيانه يعلم أن التشاؤم بالزوجة منهي عنه شرعًا ؛ لأن الأمور تجري بأسبابها بقدرة الله تعالى ، ولا تأثير للزوجة فيما ينال الإنسان من خير أو شر .

والله سبحانه وتعالى أعلم

Read more ...

الخميس، 4 نوفمبر 2010

رمي الجمرات السبع دفعة واحدة ؟

وكلني شخص أثناء موسم الحج لأرمي عنه جمرة العقبة، ولكني بسبب الزحام رميت الجمرات الخاصة به كلها دفعة واحدة، فما الحكم؟ علما بأنه قد توفي وأنا لم أخبره بذلك

الـجـــواب
أمانة الفتوى دار الافتاء المصرية

إذا كان الحال كما ورد بالسؤال فإنه يجب دمٌ يُذبَح في الحرم الشريف –أي في منى أو مكة المكرمة أو المزدلفة أو أي بقعة داخل حدود الحرم الشريف- على مدار العام؛ وذلك على المعتمد في المذاهب الأربعة مِن وجوب كون رمي الحصيات متفرقا، وأن مَن ترك غالب الرمي في يوم من الأيام فعليه دم.
ويكون ذلك في مالك أنت؛ لأنك قَصَّرتَ بترك الرمي الذي وُكِّلتَ فيه، وتركتَ التوكيلَ عند عجزك عن الرمي حتى انقضى زمنه.

والله سبحانه وتعالى أعلم


Read more ...

حكم لبس المخيط للمحرم ناسيا

يقول السائل:
إنه لبس العباءة في الحج ناسيًا قبل الحلق وبعد أن قام برمي جمرة العقبة الكبرى ثم حلق بعد ذلك شعره وطاف للإفاضة وسعى وتحلل التحلل الأكبر.
فماذا يجب عليه إزاء هذا الفعل؟

الـجـــواب
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

من المقرر عند الشافعية أن ما كان من محظورات الإحرام على سبيل "التَّرَفُّه" كالطيب والجماع ولبس المخيط وستر الوجه والرأس فإنه لا تجب الفدية فيها على الناسي ولا الجاهل وإنما تجب على من تلبس بشيء منها عامدًا عالمًا.

وبناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن لبس العباءة حال الإحرام بعد رمي جمرة العقبة إذا كان على سبيل النسيان أو الجهل فلا حرج على فاعله ولا يفسد بذلك حجه وليس عليه دم.

والله سبحانه وتعالى أعلم


Read more ...

الأربعاء، 22 سبتمبر 2010

هل يجوز صيام القضاء وستة أيام من شوال بنية واحدة؟

الـجـــواب
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

يجوز عند كثير من الفقهاء اندراج صوم النفل تحت صوم الفرض، وليس العكس؛ أي لا يجوز أن تندرج نية الفرض تحت نية النفل.
وبناءً عليه: يجوز للمرأة المسلمة أن تقضي ما فاتها من صوم رمضان في شهر شوال، وبذلك تكتفي بصيام قضاء ما فاتها من رمضان عن صيام الأيام الستة، ويحصل لها ثوابها؛ لكون هذا الصيام قد وقع في شهر شوال، وذلك قياسا على من دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس بنية صلاة الفرض أو سنة راتبة، فيحصل له ثواب ركعتي تحية المسجد؛ لكون هذه الصلاة التي أداها قبل أن يجلس.
قال البجيرمي في حاشيته: "وتحصل بركعتين فأكثر، أي يحصل فضلها ولو كان ذلك فرضا أو نفلا آخر، سواء أنويت معه أم لا؛ لخبر الشيخين: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))؛ ولأن المقصود وجود صلاة قبل الجلوس وقد وجدت بذلك".
وفي مسألة الصوم قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص22: "لو صام في يوم عرفة مثلا قضاء أو نذرا أو كفارة، ونوى معه الصوم عن عرفة، فأفتى البارزي بالصحة والحصول عنهما. قال: كذا إن أطلق. فألحقه بمسألة التحية". اهـ.
على أننا ننبه أن المراد بحصول الثواب عن الأيام الستة إنما هو ثواب أصل السُّنَّة فيها دون الثواب الكامل، فقد قال الرملي في نهاية المحتاج (3/ 208، 209): "ولو صام في شوال قضاء أو نذرا أو غيرهما أو في نحو يوم عاشوراء حصل له ثواب تطوعها، كما أفتى به الوالد -رحمه الله تعالى- تبعا للبارزي والأصفوني والناشري والفقيه علي بن صالح الحضرمي وغيرهم، لكن لا يحصل له الثواب الكامل المرتَّب على المطلوب". إتباع رمضان بستة من شوال.

والله سبحانه وتعالى أعلم.


دار الإفتاء المصرية

Read more ...

الخميس، 9 سبتمبر 2010

ما حكم التكبير في العيد بالصيغة المشهورة التي تقال في صلاة العيدين والتي فيها زيادة عن الصيغة الواردة؟



لتكبير في العيد مندوب، قال تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([1])، فورد الأمر بالتكبير مطلقًا، ولم يرد نص في السنة يقيد هذا الإطلاق بصيغة معينة ملزمة للأمة بحيث إن خالفوا في ألفاظها كانت بدعة، وقد اشتهرت صيغة «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد» عن كثير من الصحابة والتابعين، كما وردت الزيادة والاختلاف عليها عن بعض الصحابة والسلف رضي الله عنهم، نقل البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه ذلك فقال: «وروينا أيضًا عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه من الزيادة: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا»([2]).
ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: «فيبدأ الإمام فيقول: [الله أكبر الله أكبر الله أكبر] حتى يقولها ثلاثًا، وإن زاد تكبيرًا فحسن، وإن زاد فقال: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، الله أكبر، ولا نعبد إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده ،صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر) فحسن، وما زاد مع هذا من ذكر الله أحببته»([3]).
وقال الجلال المحلي: «(وصيغته المحبوبة: [الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر ولله الحمد] ويستحب أن يزيد) بعد التكبيرة الثالثة (كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا)، وفي الروضة: وأصلها قبل كبيرًا [الله أكبر] وبعد أصيلًا [لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده]»([4]).
وهذه الصيغة التي يكبر بها المصريون من قرون طويلة، ويزيدون عليها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: «اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا»، وهذا كله خير ومشروع، فهو ذكر الله كما نص الشافعي على ذلك؛ حيث قال: «وكل ما زاد على ذلك من ذكر الله أحببته» فإن أفضل الذكر ما اجتمع فيه ذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم تفتح للعمل باب القبول؛ فإنها مقبولة أبدًا حتى من المنافق كما نص على ذلك أهل العلم؛ لأنها متعلقة بالجناب الأجل صلى الله عليه وسلم.

وبناءً على ذلك، فمن ادعى أن قائل هذه الصيغة المشهورة مبتدع، فهو إلى البدعة أقرب؛ حيث تحجَّر واسعًا، وضيَّق ما وسعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وقيد المطلق بلا دليل، ويسعنا في ذلك ما وسع سلفنا الصالح من استحسان مثل هذه الصيغ، وقبولها، وجريان عادة الناس عليها بما يوافق الشرع الشريف ولا يخالفه، ونهيُ من نهى عن ذلك غير صحيح لا يلتفت إليه ولا يعول عليه، والله تعالى أعلى وأعلم.




-----------------------------
([1]) البقرة: 185.
([2]) البيهقي في السنن الصغرى ج1 ص404، وفي السنن الكبرى ج3 ص315.
([3]) الأم للشافعي ج1 ص276.
([4]) شرح جلال الدين المحلي، على منهاج الطالبين ج1 ص358 في طبعة بهامشها حاشيتا قليوبي وعميرة.
Read more ...

الأحد، 5 سبتمبر 2010

هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا بدلا من الحبوب؟

هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا بدلا من الحبوب؟

تجب زكاة الفطر بدخول فجر يوم العيد عند الحنفية، بينما يرى الشافعية والحنابلة أنها تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وأجاز المالكية والحنابلة إخراجها قبل وقتها بيومين؛ لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "كانوا يعطون صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين".
ولا مانع شرعًا من تعجيل زكاة الفطر من أول دخول رمضان، كما هو الصحيح عند الشافعية، وهو قول مصحح عند الحنفية.
وفي وجه عند الشافعية أنه يجوز من أول يوم من رمضان لا من أول ليلة، وفي وجه يجوز قبل رمضان.
أما عن إخراجها بالقيمة فيرى السادة الحنفية أنَّ الواجبَ في صدقة الفطر نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو دقيقه أو سويقه أو زبيب أو صاعٌ من تمر أو شعير، أما صفته فهو أن وجوب المنصوص عليه من حيث إنه مال متقوم على الإطلاق لا من حيث إنه عين، فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم, أو دنانير, أو فلوسًا, أو عروضًا, أو ما شاء.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (3/107-108): [فإن أعطى قيمة الحنطة جاز عندنا; لأن المعتبر حصول الغنى، وذلك يحصل بالقيمة كما يحصل بالحنطة, وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز. وأصل الخلاف في الزكاة، وكان أبو بكر الأعمش رحمه الله تعالى يقول: أداء الحنطة أفضل من أداء القيمة; لأنه أقرب إلى امتثال الأمر وأبعد عن اختلاف العلماء فكان الاحتياط فيه, وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول: أداء القيمة أفضل; لأنه أقرب إلى منفعة الفقير فإنه يشتري به للحال ما يحتاج إليه,
والتنصيص على الحنطة والشعير كان لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها، فأما في ديارنا البياعات تجري بالنقود, وهي أعز الأموال فالأداء منها أفضل] اهـ.
وهذا أيضًا هو مذهب جماعة من التابعين، كما أنه قول طائفة من العلماء يُعْتَدُّ بهم، منهم:
الحسنُ البصري؛ حيث روي عنه أنه قال: "لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر".
وأبو إسحاق السبيعي، فعن زهير قال: سمعت أبا إسحاق يقول: "أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام".
وعمرُ بن عبد العزيز، فعن وَكِيع عن قُرَّة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر: "نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم".
وقد روى هذه الآثار الإمام أبو بكر بن أبي شَيبة في "المصَنَّف" (2/398)، وهو أيضًا مذهب الثوري، وبه قال إسحاق ابن راهويه وأبو ثور، إلا أنهما قيدا ذلك بالضرورة، كما ذكره الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (6/112)، وأجازه الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي أيضًا للحاجة والمصلحة الراجحة حيث يقول في "مجموع الفتاوى" عن إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك (25/82-83): [والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به] اهـ.
كما أن القول بإجزاء إخراج القيمة في زكاة الفطر رواية مُخَرَّجة عن الإمام أحمد نَصَّ عليها المرداوي في "الإنصاف" (3/182).
والذي نختاره للفتوى في هذا العصر ونراه أوفق لمقاصد الشرع وأرفق بمصالح الخلق هو جواز إخراج زكاة الفطر مالا مطلقًا، وهذا هو مذهب الحنفية، وبه العمل والفتوى عندهم في كل زكاة، وفي الكفارات، والنذر، والخراج، وغيرها، كما أنه مذهب جماعة من التابعين كما مر.

والله سبحانه وتعالى أعلم





Read more ...

الخميس، 26 أغسطس 2010

قبول صلاة غير المحجبة وصيامها

ورد من السيدة/ م. أ. ع.

أنا غير محجبة، فهل يقبل الله صلاتي وصيامي؟

الـجـــواب

الزي الشرعي للمرأة المسلمة هو أمر فرضه الله تعالى عليها، وحرم عليها أن تُظهِر ما أمرها بستره عن الرجال الأجانب، والزي الشرعي هو ما كان ساترًا لكل جسمها ما عدا وجهها وكفيها؛ بحيث لا يكشف ولا يصف ولا يشف.
والواجبات الشرعية المختلفة لا تنوب عن بعضها في الأداء؛ فمن صلى مثلاً فإن ذلك ليس مسوِّغًا له أن يترك الصوم، ومن صلت وصامت فإن ذلك لا يبرر لها ترك ارتداء الزي الشرعي.
والمسلمة التي تصلي وتصوم ولا تلتزم بالزِّيِّ الذي أمرها الله تعالى به شرعًا هي محسنةٌ بصلاتها وصيامها، ولكنها مُسيئةٌ بتركها لحجابها الواجب عليها، ومسألة القبول هذه أمرها إلى الله تعالى، غير أن المسلم مكلَّفٌ أن يُحسِنَ الظن بربه سبحانه حتى ولو قارف ذنبًا أو معصية، وعليه أن يعلم أنَّ من رحمة ربِّه سبحانه به أنْ جعل الحسنات يُذهِبْنَ السيئات، وليس العكس، وأن يفتح مع ربه صفحة بيضاء يتوب فيها من ذنوبه، ويجعل شهر رمضان منطَلَقًا للأعمال الصالحات التي تسلك به الطريق إلى الله تعالى، وتجعله في محل رضاه. وعلى المسلمة التي أكرمها الله تعالى بطاعته والالتزام بالصلاة والصيام في شهر رمضان أن تشكر ربها على ذلك بأداء الواجبات التي قصَّرَت فيها؛ فإنّ من علامة قبول الحسنة التوفيقَ إلى الحسنة بعدها.

والله سبحانه وتعالى أعلم



Read more ...

الجمعة، 6 أغسطس 2010

هل يجوز للمرأة المسلمة أن تقضي أيامًا أفطرتها بسبب الحيض في الست من شوال، ويحصل لها أجر الست من الشوال؟

يجوز عند كثير من الفقهاء اندراج صوم النفل تحت صوم الفرض، وليس العكس؛ أي لا يجوز أن تندرج نية الفرض تحت نية النفل عمومًا، وقد ذكر الإمام النووي في المنهاج: «وتحصل بفرض أو نفل آخر»([1]) وقال جلال المحلي في شرحه على المنهاج: «قال في شرح المهذب: فإن صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز، وكانت كلها تحية لاشتمالها على الركعتين. (وتحصل بفرض أو نفل آخر) سواء نويت معه أم لا؛ لأن المقصود وجود صلاة قبل الجلوس، وقد وجدت بما ذكر، ولا يضره نية التحية؛ لأنها سنة غير مقصودة خلاف نية فرض وسنة مقصودة فلا تصح»([2])
وأما بخصوص واقعة السؤال فقد ذهب السادة الشافعية إلى أن من يقضي رمضان في الست من شوال تبرأ ذمته بقضاء هذه الأيام من رمضان، ويحصل له أجر الصيام في شوال، ولكنه لا ينوي صيام الست من شوال، وإنما ينوي صيام ما فاته من رمضان فقط، وبوقوع هذا الصيام في أيام الست يحصل له الأجر، فإنَّ فضل الله واسعٌ؛ وذلك لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم نصه: «من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر»([3]) لم يخبر بأن صيام هذه الأيام بنية مخصوصة لأيام مخصوصة من شوال، وإنما تحدث عن مطلق الإِتْباع، وهيئة إتباع رمضان بست من شوال حاصلة فيمن نوى صيامهم نافلة، ومن نوى صيامهم كقضاء لرمضان.
وقد أفتى العلامة الرملي رحمه الله بهذا في إجابة سؤال عن شخص عليه صوم من رمضان وقضاء في شوال: هل يحصل له قضاء رمضان وثواب ستة أيام من شوال وهل في ذلك نقل؟ «(فأجاب) بأنه يحصل بصومه قضاء رمضان، وإن نوى به غيره، ويحصل له ثواب ستة من شوال، وقد ذكر المسألة جماعة من المتأخرين»([4]).

وبناءً عليه يجوز للمرأة المسلمة أن تقضي ما فاتها من صوم رمضان في شهر شوال، وبذلك تكتفي بصيام قضاء ما فاتها من رمضان عن صيام الأيام الستة، ويحصل لها ثوابها؛ لكون هذا الصيام قد وقع في شهر شوال؛ وذلك لما ذكر وقياسًا على من دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس بنية صلاة الفرض، أو سنة راتبة، فيحصل له ثواب ركعتي تحية المسجد. والله تعالى أعلى وأعلم.




-------------------------------
([1]) شرح الجلال المحلي للمنهاج ج1 ص273، وبهامشه حاشيتا قليوبي وعميرة.
([2]) المصدر السابق.
([3]) رواه أبو داود في سننه ج2 ص324، وابن ماجه في سننه ج1 ص547، وابن حبان في صحيحه، ج8 ص396.
([4]) فتاوى الرملي ج2 ص66.
Read more ...

ما فضل من فَطَّر صائمًا؟ وهل يشترط أن يكون الصائم فقيرًا؟

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من فَطَّرَ فيه صائمًا كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينتقص من أجره شيء» .قالوا: ليس كلنا نجد ما يُفَطِّرر به الصائم. فقال صلى الله عليه وسلم: «يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذقة لبن»([1]).
فهذا الحديث يدل على ثواب من فطر صائمًا، ومدى فضل فاعل ذلك عند الله، وليس في الحديث اشتراط كون الصائم فقيرًا، فالحديث عام في كل صائم، فالله ذو فضل عظيم، ولو كان عملًا قليلًا، فثواب الإفطار يحصل لمن فطَّر الصائم ولو على أقل القليل كما ورد في الحديث، والله تعالى أعلى وأعلم.



-----------------------------------
([1]) أخرجه أحمد في مسنده ج4 ص114، والترمذي في سننه ج3 ص171، والدارمي في سننه ج2 ص14، وابن حبان في صحيحه ج8 ص216، وابن خزيمة في صحيحه ج3 ص191. واللفظ لابن خزيمة من حديث طويل.
Read more ...

هل يقبل صيام من ترك الصلاة؟

لا ينبغي لمسلم ترك الصلاة، وقد اشتد وعيد الله ورسوله لمن تركها، وفرط في شأنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»([1])، وحتى لا يقع في قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا}([2]).
ومسألة قبول الصوم وَرَدِّه لا يتكلم فيها العلماء، فإنها موكولة إلى الله ونرجو من الله أن يقبل الصوم من كل الصائمين، غير أن المصلي الصائم أرجى للقبول من غير المصلي.
أما فيما يتعلق بصحة الصوم، فعلى الرغم من أن تارك الصلاة يعرض نفسه إلى خطر عظيم وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم عليه لفظ الكفر، ومفرط في دينه؛ لأنه ترك عماد الدين، إلا أن صومه صحيح، ولا يشترط لصحة الصوم إقامة الصلاة، ولكن ترك الصلاة من الكبائر، ولا يجوز لمسلم الإقدام عليها، ومن كان يتركها من المسلمين، فليبادر بالتوبة إلى الله، والله تعالى أعلى وأعلم.




-----------------------------------
([1]) أخرجه أحمد في مسنده ج5 ص346، والترمذي في سننه ج5 ص13، والنسائي في سننه ج1 ص231، والحاكم في المستدرك ج1 ص48.
([2]) البقرة: 85.
Read more ...

ما حكم من بدأ صومه مع أهل بلدته، ثم سافر لبلد آخر أو العكس، وكانت هذه البلد قد بدأت الصوم قبل بلدته بيوم أو بعده بيوم؟

ما حكم من بدأ صومه مع أهل بلدته، ثم سافر لبلد آخر أو العكس، وكانت هذه البلد قد بدأت الصوم قبل بلدته بيوم أو بعده بيوم؟

قال الإمام النووي، والشيخ الرملي في شرحه لكلام النووي: «(ومن سافر من البلد الآخر) أي الذي لم ير فيه (إلى بلد الرؤية عيد معهم) حتمًا لما مر سواء أصام ثمانية وعشرين بأن كان رمضان ناقصًا عندهم أيضًا، فوقع عيده معهم في التاسع والعشرين من صومه أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تامًّا عندهم (وقضى يومًا) إن صام ثمانية وعشرين؛ إذ الشهر لا يكون كذلك، بخلاف ما لو صام تسعة وعشرين فلا قضاء عليه ؛إذ الشهر يكون كذلك (و) على الأصح (من أصبح معيدًا فسارت سفينته) مثلاً (إلى بلدة بعيدة أهلها صيام فالأصح أنه يمسك بقية اليوم) حتما لما مر، والثاني : لا يجب إمساكها لعدم ورود أثر فيه، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيد »( ) ا.هـ لذا فنرى أن يلتزم هذا المسافر من بلد برؤية البلد التي سافر إليها، فإن كان مجموع ما صامه في بلده مع المسافر إليها أقل من تسع وعشرين فعليه قضاء يوم بعد رمضان، ويفطر معهم في عيد الفطر، وإن كان ما صامه في بلده تسعًا وعشرين مع البلد المسافر إليها، ولا زال أهل البلد المسافَر إليها يصومون؛ صام معهم بنية الصوم؛ لأن الشهر يكون ثلاثين، وإن كان ما صامه وصل إلى الثلاثين وما زال أهل البلد التي سافر إليها يصومون فيمسك هو اليوم الزائد ولكن ليس بنية الصوم، فالشهر لا يزيد عن ثلاثين يومًا ولا يقل عن تسعة وعشرين، وإنما يمسك عن الطعام والشراب حتى لا يؤذي المسلمين في البلد المسافر إليها بفطره أمامهم ولتجنب الفتنة عند من لا علم له بالأحكام، ولبث روح الألفة والمودة والوحدة. والله تعالى أعلى وأعلم.

Read more ...

هل يجوز الصيام بناء على رؤية دولة أخرى غير الدولة التي يوجد فيها الصائم؟

لا ينبغي أن يصوم أبناء أي بلد ويفطروا على خلاف الرؤية التي تثبت في هذه البلد؛ لأن هذه المخالفة تشق وحدة المسلمين، وتزرع بينهم بذور الفتنة والفرقة، ثم إنه من المقرر في الشريعة الإسلامية أن ولي الأمر حكمه يرفع الخلاف فيما يقع فيه الاختلاف بين الناس، وعلى ذلك فإذا ما صدرت الفتوى الشرعية باستطلاع هلال رمضان أو غيره في بلد ما، فإن على المسلمين في ذلك البلد أن يلتزموا بهذه الفتوى، ولا يجوز الخروج عنها؛ وذلك لما روي عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام. قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكننا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أَوَ لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»([1]). فالحديث يدل على التزام كل بلد برؤيتها، وهو ما نفتي به، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) أخرجه أحمد في مسنده ج1 ص306، ومسلم في صحيحه ج2 ص765، كتاب الصيام -باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم، وأبو داود في سننه ج2 ص299، والترمذي في سننه ج3 ص76. واللفظ لمسلم
Read more ...

ما مدى جواز دراسة وتعلم علم الفلك عمومًا، والاعتماد على الحسابات الفلكية في تحديد رؤية شهر رمضان؟

الإسلام لا يصادم العلم ولا يقف حجر عثرة في طريقه، بل إن الإسلام حث على التعلم، وإعمال الفكر والنظر في الكون، واستخلاص النظريات الكونية التي تفيد الإنسان، يقول الله تعالى: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}([1])، ويقول سبحانه:{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ}([2]).
وعلم الفلك من العلوم التي دعا القرآن إلى معرفتها وتعلمها؛ لدراسة الظواهر الكونية، ومعرفة أسرارها، من ذلك قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}([3])، وقوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}([4]).
ولقد عرف المسلمون علم الفلك، وتمكنوا من جميع معادلاته، ووظفوه لخدمة دينهم، فقاموا بحساب الفجر، والشروق، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وأصبح المؤذن يؤذن بعد أن ينظر في ورقة مكتوب فيها مواقيت الصلاة طبقًا للحسابات الفلكية، وترك المسلمون الاسترشاد بوضع عود في الأرض والنظر إلى ظله، وقد يحتاج الإنسان وضع العود والنظر إلى ظله في حالة فقده للساعة أو لعدم علمه بمواقيت الصلاة، فالشرع جاء بالميسور والمتاح لكل الخلق؛ لأنه دين عالمي ودين رب العالمين، فليس تحديد مواقيت الصلاة والصوم بالحسابات الفلكية مخالفة للمنهج النبوي، والغريب أننا لا نجد خلافًا في قضية الصلاة، والخلاف يشتد في قضية الصوم رغم أن الصلاة أهم من الصوم.
أما ما يخص صوم رمضان فالرؤية البصرية للهلال هي الأصل في إثبات أوائل الشهور العربية كافة، بما فيها رمضان؛ لقوله تعالى:{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}([5])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»([6]).
ولا شك أن الهلال ظاهرة كونية ثابتة لا خلاف حول إمكان رؤيتها بالعين المجردة إذا تحققت شروط الرؤية البصرية، فضلًا عن إمكان تحقق الرؤية بالوسائل العلمية المؤكدة التي تم الإجماع عليها، وأصبحت الآن معلومة عند أهل الاختصاص، وقد عرفها المسلمون وغيرهم؛ لأن ميلاد الهلال حقيقة علمية يقينية بالإجماع عند علماء الفلك والحساب وليست ظنية.
وقد سئل الشيخ السبكي رحمه الله فيمن شهد برؤية الهلال منفردًا بشهادته واقتضى الحساب تكذيبه، فأجاب بكلام طويل الشاهد منه قوله: «ههنا صورة أخرى، وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته، ويدرك ذلك بمقدمات قطعية، ويكون في غاية القرب من الشمس، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًّا؛ لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجه عدم قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًّا وعقلاً وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان، استحال القبول شرعًا لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات»([7]).
لذا نرى أن الأولى الأخذ بالحسابات الفلكية؛ حيث إنها أصبحت خاضعة لعلوم تجريبية قطعية مما يجعل الأخذ بها يفيد القطع -كما مر- أما رؤية الشهود البصرية بالعين المجردة فهي مظنونة؛ لاحتمال وجود عوائق تحول دون رؤية الهلال بالرؤية البصرية مما يقدم الأخذ بالحسابات الفلكية عند التعارض، والله تعالى أعلى وأعلم.




--------------------------------------
([1]) يونس: 101.
([2]) العنكبوت: 20.
([3]) الإسراء: 12.
([4]) يس: 38: 40.
([5]) البقرة: 185.
([6]) أخرجه أحمد في مسنده ج1 ص221، والبخاري في صحيحه ج2 ص674، ومسلم في صحيحه ج2 ص762.
([7]) فتاوى السبكي، لتقي الدين السبكي ج1 ص209.
Read more ...

يختلف الناس في شهر رمضان المبارك بشأن مسألة صلاة التراويح ..

يختلف الناس في شهر رمضان المبارك بشأن مسألة صلاة التراويح، فما الحكم الصحيح في عدد ركعاتها؟

نعيش النزاع السنوي في شهر رمضان المبارك بين بعض المتشددين الذين يريدون حمل الناس على مذهبهم، والعوام الذين قد لا يجدون من ينقذهم من هؤلاء، وسبب هذا الخلاف مسألة «عدد ركعات صلاة التراويح» فأصحاب الصوت العالي يُخَطِّئون الأئمة والأمة بأسرها على مدى القرون الماضية، وينكرون عليهم أيما إنكار ويتهمونهم بالابتداع، ويُحَرمون ما أحل الله؛ إذ قالوا: «لا يجوز الزيادة عن ثمان ركعات في صلاة التراويح».
والتراويح في اللغة: جمع الترويحة. يقول ابن منظور: « التَّرْويحةُ فـي شهر رمضان: سميِّت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أَربع ركعات؛ وفـي الـحديث: صلاة التراويح؛ لأَنهم كانوا يستريحون بـين كل تسلـيمتـين. والتراويح: جمع تَرْوِيحة، وهي الـمرة الواحدة من الراحة، تَفْعِيلة منها، مثل تسلـيمة من السَّلام» ([1]).
وبمجرد التعريف اللغوي يتبين أن صلاة التراويح أكثر من ثمان ركعات؛ لأن الترويحة الواحدة بعد أربع ركعات، فلو كانت ترويحتين للزم أن يكون عدد الركعات اثنتي عشرة ركعة، والحق أن الأمة أجمعت على أن صلاة التراويح عشرون ركعة من غير الوتر، وثلاث وعشرون ركعة بالوتر، وهو معتمد المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، والحنابلة. وهناك قول نقل عن المالكية خلاف المشهور أنها ست وثلاثون ركعة، ولم تعرف الأمة القول بأن صلاة التروايح ثمان ركعات إلا في هذا الزمن، وسبب وقوعهم في تلك المخالفة الفهم الخطأ للسنة النبوية، وعدم قدرتهم على الجمع بين الأحاديث، وعدم التفاتهم إلى الإجماع القولي والفعلي من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، فاستشهدوا بحديث عائشة رضي الله عنها؛ حيث قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي»([2]).
وهذا الحديث يحكي عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نافلة قيام الليل عمومًا، ولم يتعرض إلى صلاة التراويح؛ إذ هي قيام ليل مخصوص بشهر رمضان، وهي سنة نبوية في أصلها عُمَرِيَّة في كيفيتها، بمعنى أن الأمة صارت على ما سنه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من تجميع الناس على القيام في رمضان في جميع الليالي، وعلى عدد الركعات التي جمع الناس عليها علي أبي بن كعب رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ»([3]).
إن لم يكن مستند الأمة فعل سيدنا عمر رضي الله عنه فلِمَ تؤدى التراويح في جماعة في المسجد على إمام واحد، وكأن هؤلاء يأخذون من سنة سيدنا عمر رضي الله عنه جمع الناس على إمام طوال الشهر، وهو ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ويتركون عدد الركعات ويزعمون أنهم يطبقون سنة صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا صحيحًا، وأنتم لا تلتفون لفعل سيدنا عمر رضي الله عنه فيجب عليكم أن تصلوا التراويح في البيت، وتتركوا الناس يطبقون دين الله كما ورثوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والأدلة على أن ذلك فعل عمر رضي الله عنه ما رواه عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان، إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل». ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: «نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله([4]).
وأن تلك الصلاة التي جمع عمر رضي الله عنه الناس عليها هي التراويح، وهي عشرون ركعة، دل على ذلك عدة أحاديث، منها ما رواه السائب بن يزيد رضي الله عنه؛ حيث قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شدة القيام([5]).
وعن يزيد بن رومان، قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة([6]).
واتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على ذلك، فذهب الحنفية إلى ذلك، قال السرخسي عن التراويح: «إنها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا، وقال مالك رحمه الله تعالى: السنة فيها ستة وثلاثون»([7]). وذكر الكاساني ما يؤكد ذلك؛ حيث قال: «وأما قدرها فعشرون ركعة في عشر تسليمات، في خمس ترويحات، كل تسليمتين ترويحة، وهذا قول عامة العلماء»([8]).
ويعضد ذلك ما نقله العلامة ابن عابدين في حاشيته؛ حيث قال: «(قوله: وهي عشرون ركعة) هو قول الجمهور، وعليه عمل الناس شرقًا وغربًا»([9]).
وأما المالكية فالمشهور من مذهبهم ما يوافق الجمهور، قال العلامة الدردير: «(والتراويح): برمضان (وهي عشرون ركعة) بعد صلاة العشاء، يسلم من كل ركعتين غير الشفع والوتر. (و) ندب (الختم فيها): أي التراويح، بأن يقرأ كل ليلة جزءًا يفرقه على العشرين ركعة»([10]).
وذكر العلامة النفراوي قوة مذهب الجمهور، وموافقة أتباع مالك له، والقول الآخر لمالك فقال: «(وكان السلف الصالح) وهم الصحابة (يقومون فيه) في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبأمره كما تقدم (في المساجد بعشرين ركعة) وهو اختيار أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والعمل عليه الآن في سائر الأمصار. (ثم) بعد صلاة العشرين (يوترون بثلاث) من باب تغليب الأشرف لا أن الثلاث وتر؛ لأن الوتر ركعة واحدة كما مر، ويدل على ذلك قوله: (ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام) استحبابًا، ويكره الوصل إلا لاقتداء بواصل، وقال أبو حنيفة: لا يفصل بينهما، وخيَّر الشافعي بين الفصل والوصل، واستمر عمل الناس على الثلاثة والعشرين شرقًا وغربًا. (ثم) بعد وقعة الحرة بالمدينة (صلوا) أي السلف غير الذين تقدموا؛ لأن المراد بهم هنا من كان في زمن عمر بن عبد العزيز (بعد ذلك) العدد الذي كان في زمن عمر بن الخطاب (ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر) ... -إلى أن قال- وهذا اختاره مالك في المدونة واستحسنه، وعليه عمل أهل المدينة، ورجح بعض أتباعه الأول الذي جمع عمر بن الخطاب الناس عليها لاستمرار العمل في جميع الأمصار عليه»([11]).
وأما الشافعية فيصرحون بأن التراويح عشرون ركعة، ذكر الإمام النووي رضي الله عنه ذلك فقال: «مذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات، والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وداود، وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء. وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع. وقال مالك: التراويح تسع ترويحات، وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر. واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا»([12]).
ويجمع الشافعية بين مذهب المالكية ومذهب الجمهور؛ حيث عللوا زيادة الركعات عند الإمام مالك بأن ذلك لتعويض الطواف في المسجد الحرام، قال ابن حجر الهيتمي: «وهي عندنا لغير أهل المدينة عشرون ركعة، كما أطبقوا عليها في زمن عمر رضي الله عنه، لما اقتضى نظره السديد جمع الناس على إمام واحد، فوافقوه، وكانوا يوترون عقبها بثلاث، وسر العشرين أن الرواتب المؤكدة غير رمضان عشر فضوعفت فيه؛ لأنه وقت جد وتشمير، ولهم فقط لشرفهم بجواره صلى الله عليه وسلم ست وثلاثون؛ جبرًا لهم بزيادة ستة عشر في مقابلة طواف أهل مكة أربعة أسباع، بين كل ترويحة من العشرين سبع»([13]).
ويؤكد ذلك ما ذكره العلامة الرملي؛ حيث قال: «وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان؛ لما روي أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. وفي رواية لمالك في الموطأ بثلاث وعشرين. وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث، وقد جمع الناس على قيام شهر رمضان الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان بن أبي حثمة، وقد انقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى ذلك، وسميت كل أربع منها ترويحة؛ لأنهم كانوا يتروحون عقبها: أي يستريحون» ([14]).
أما الحنابلة فقد صرحوا بأن المختار عند الإمام أحمد عشرون ركعة، فقال العلامة ابن قدامة المقدسي: «والمختار عند أبي عبد الله رحمه الله فيها عشرون ركعة. وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون. وزعم أنه الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحًا مولى التوأمة، قال: أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يوترون منها بخمس» ([15]).
وينقل كذلك العلامة البهوتي معتمد المذهب الحنبلي، فيقول عن التراويح: «سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع يستريحون، وقيل مشتقة من المراوحة وهي التكرار في الفعل، وهي (عشرون ركعة في رمضان) لما روى مالك، عن يزيد بن رومان، قال: كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين»([16]).
حتى ابن تيمية الذي يعتمد عليه كثير من المتشددين يؤكد ما ذهب إليه الأئمة، ويقر بأنه السنة عند كثير من العلماء، فقال: «شبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. واستحب آخرون: تسعًا([17]) وثلاثين ركعة؛ بني على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة. واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن»([18]).
ومما سبق نرى أن ما عليه الأئمة والعلماء والمذاهب الفقهية على مر العصور سلفًا وخلفًا، شرقًا وغربًا أن صلاة التراويح عشرون ركعة، وهي سنة مؤكدة وليست واجبة. فمن تركها حُرم أجرًا عظيمًا، ومن زاد عليها فلا حرج عليه ومن نقص عنها لا حرج عليه إلا أن ذلك يعد قيام ليل، وليس سنة التراويح المذكورة، والله تعالى أعلى وأعلم.





------------------------------------
([1]) لسان العرب، لابن منظور ج2 ص462.
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه ج1 ص385، ومسلم في صحيحه ج1 ص509.
([3]) أخرجه أحمد في مسنده ج 4 ص 126، والترمذي في سننه ج5 ص44، واللفظ له وابن حبان في صحيحه ج1 ص179 .
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه ج2 ص707، والبيهقي في الكبرى ج2 ص492، ومالك في الموطأ ج1 ص114.
([5]) رواه البيهقي في الكبرى ج2 ص496، ومالك في الموطأ ج1 ص115.
([6]) رواه البيهقي في الكبرى ج2 ص496، ومالك في الموطأ ج 1 ص115.
([7]) المبسوط، للسرخسي ج2 ص144.
([8]) بدائع الصنائع، للكاساني ج1 ص288.
([9]) رد المحتار على الدر المختار المسمى بـ «حاشية ابن عابدين» ج2 ص46.
([10]) الشرح الصغير، للعلامة الدردير، ومعه حاشية العلامة الصاوي ج1 ص404، 405.
([11]) الفواكه الدواني، للنفراوي ج1 ص318، 319.
([12]) المجموع، للإمام النووي ج3 ص527.
([13]) تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي ج2 ص240، 241.
([14]) نهاية المحتاج، للرملي ج2 ص127.
([15]) المغني، لابن قدامة ج1 ص456.
([16]) كشاف القناع، للبهوتي ج1 ص425.
([17]) بالأصل: تسعة، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
([18]) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية ج2 ص250.
Read more ...

هل تصلي المرأة التراويح وسائر الصلوات في المسجد أم في بيتها؟

هل تصلي المرأة التراويح وسائر الصلوات في المسجد أم في بيتها؟

تصلي المرأة التراويح حيث شاءت، فإن شاءت أن تصلي التراويح في بيتها فلها هذا، وإن أرادت الذهاب للمسجد؛ حتى تستعين بأخواتها على العبادة فلها هذا، والعبرة ليست بالمكان، فتصلي التراويح في المكان الذي تجد فيه قلبها وتخشع فيه لربها؛ سواء أكان البيت أم المسجد، ولا سيما وقد ساوى الإمام الشافعي في ثواب صلاة التراويح في البيت أو المسجد سواء للرجال والنساء.
وعليه؛ فالمرأة لا تمنع من الذهاب لبيت الله سواء لحضور درس العلم، أو لصلاة التراويح، أو لقراءة القرآن، وهذا ما علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمر الرجال بقوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»([1])، أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاتك في بيتك خير »([2])؛ فهو مبني على أن الأفضل للنساء التستر، أما إذا كانت المرأة تخرج لشراء ما تحتاجه، وللتنزه، ولغير ذلك، وهذا كله مباح، فلا حرج أن تخرج للمسجد، ولا ينبغي للرجال منعها من ذلك، والله تعالى أعلى وأعلم.




--------------------------------
([1]) أخرجه أحمد في مسنده ج2 ص16، والبخاري في صحيحه ج1 ص305، ومسلم في صحيحه ج1 ص327.
([2]) أخرجه أحمد في مسنده ج3 ص371.
Read more ...

ميديا مدونة الطريق الصح