الخميس، 4 نوفمبر 2010

فضل الحج المبرور

((عن عائشة: أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور)).
رواه البخاري 2/ 164، ورواه النسائي في الحج وكذا ابن ماجه).

راوي الحديث:
أم المؤمنين عائشة الصديقية، بنت أبي بكر الصديق، وزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان عمرها فيما يُرْوى ست سنين، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وكانت أحب نسائه إليه، ولم يتزوج بكرًا غيرها.
وأمها: أم رومان، واسمها زينب، أسلمت وبايعت وهاجرت، ولما دليت في قبرها قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان))، وكانت عائشة فقيهة جدًّا، وكانت عالمة بكل العلوم.
قال عطاء بن أبي رباح: "كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة".
وقال عروة: "ما رأيت أحدًا أعلم بالقرآن ولا بفريضة، ولا بحرام، ولا بحلال، ولا بفقه، ولا بشعر، ولا بطب، ولا بحديث العرب، ولا نسب من عائشة وكانت فصيحة".
قال معاوية: "والله ما رأيت خطيبًا قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة".
وَرُوِي لها ألفان ومائتا حديث وعشرة، اتفق الشيخان على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري: بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين.
وكانت عارفة بأيام العرب، وأشعارها، وكانت زاهدة، كثيرة الكرم والصدقة، وكان فقهاء الصحابة يرجعون إليها.
وحدَّث عنها كثير من الصحابة والتابعين وأكثر الناس رواية عنها أهل بيتها: عروة بن الزبير: ابن أختها، والقاسم بن محمد وهو ابن أخيها، توفيت سنة 57 من الهجرة ودفنت بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
-تاريخ التشريع للشيخ محمد الخضري: 141، المواهب اللدنية للزرقاني 3/ 229 – 236-.

سببه:
أن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت له –صلى الله عليه وسلم-: "نرى الجهاد أفضل العمل". أي: نعتقده كذلك، لما أتـى به الكتاب المبين من فضائله في غير ما آية، والسنة في غير ما حديث. أفلا نجاهد؟ فقال:...... الخبر.
-هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاري للأستاذ السيد عبد الرحيم عنبر2/ 138-.

المفردات:
"الجهاد": هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، والقتال للدفاع عن الأوطان والأهل والولد.
"لَكُنَّ": للأكثر -بضم الكاف- خطاب للنساء، وللحموي "لَكِنْ" حرف استدراك، قال ابن حجر: والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج، وعلى جواب سؤالها على الجهاد.
"المبرور": الذي لا يخالطه إثم، ولا رياء فيه.

الشرح:
الحج المبرور أفضل العمل في الإسلام، بعد الجهاد في سبيل الله؛ لأنه دعامة من دعائم الدين، وأحد الأركان الخمسة، التي لا يستقيم الإسلام إذا قصر المرء في واحد منها، وهو عبادة العمر، وفي هذه الفريضة أبلغ امتحان لصدق الإيمان، وقوة اليقين، وهو واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، حر، مستطيع، واجد للزاد والراحلة، وأن تكون المرأة برفقة محرم لها.
ومن عزم على أداء هذه الفريضة [عليه] أن يبادر بتوبة خالصة من جميع المعاصي والمكروهات، بأن يندم على ما فرط، ويقلع عن معاصيه، ويصمم على عدم العودة إليها مرة أخرى، ويسترشد بالحديث الشريف: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
-الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الزهد باب ذكر التوبة ج2 ص: 1420 رقم 4250 بلفظه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه، قال السندي: الحديث ذكره صاحب الزوائد في زوائده وقال: إسناده صحيح رجاله ثقات ... إلخ-
وأن يخلص حجه لله تبارك وتعالى والتقرب به إليه سبحانه، ثم يقضي ما عليه من دين حالٍّ، ويرد الودائع إلى أصحابها، ويتحلل كل من كان بينه وبينه معاملة في شيء، وأن يزيل الشحناء بينهما، ولا ينسى أن يكتب وصيته بحقوق المولى عز وجل، وحقوق الآدميين، والإشهاد عليها.
-حاشية ابن الهيثمي على مناسك النووي 22-.
وأن يجتهد في إرضاء أصوله، ومشايخه، وأرحامه، وأن يعد المؤونة الواجبة عليه لمن لهم النفقة حتى يعود، وفي الحديث الشريف: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول)).
-الحديث أخرجه في سننه في كتاب الزكاة باب في صلة الرحم ج2 ص: 321 رقم: 1692 بلفظه: غير أنه ذكر: "يقوت" بدل "يعول"، من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب فضل النفقة على العيال ... إلخ ج 2 ص: 692 رقم 40 بلفظ: ((كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)) عن عبد الله بن عمرو بن العاص-.
وأن تكون نفقة حجه، وجميع أمتعته من الحلال الخالص من أية شبهة، فعن عمر -رضي الله تعالى عنه- "من كرم المرء طيب زاده في سفره، وبذله لأصحابه"، وأن الطيب هو الجيد المستلذ طعمه، ولكن طيب النفس بما يخرجه، بأن يفرح بذلك، ليكون أقرب إلى القبول، مريدًا به وجه الله تعالى لا رياء ولا سمعة.
ويستحب له أن يترك المعاكسة، والمماحكة، والمشاحنة فيما يشتريه لأي سفر من أسفار الطاعات، وأن يودع أهله وجيرانه وقرابته ومعارفه ويصافحهم، ويتحلل منهم ويطيب قلوبهم، ويلتمس منهم الدعاء، وأن يتصدق عند خروجه حتى قال بعض العلماء: "ينبغي للمسافر أن يشتري سلامته من الله تعالى بما تيسر من الصدقة، يأخذها بيده".
ويقول: "اللهم إني اشتريت سلامتي وسلامة من معي، ويسميهم، وسلامة ما معى -ويعدده شيئًا فشيئًا- منك يا مولاي بهذه الصدقة، فبعنيه، وسلمني"، ثم يتصدق به على أول من يستقبله من الفقراء، ويقول: "خرجت بحول الله، وقوته، بغير حول مني ولا قوة. اللهم إني أسألك بركة يومي هذا وبره، وبركة أهله".
ثم يلتزم بالآداب الشرعية في حله وترحاله، حتى يكون حجه مبرورًا، وذنبه مغفورًا، وعوده حميدًا.
-الإحياء للغزالي 1/ 248. حاشية ابن حجر الهيتمي على مناسك النووي 45-.
لم شرع الحج؟ شرع الحج إلى بيت الله الحرام لحكم جليلة، ومعان نبيلة، يجل عنها الوصف، ومنها أنه إظهار العبودية لله تعالى بما يتخلل أعمال الحج من التذلل للمعبود، وإبداء مظاهر الشعث والتقشف، وترك أسباب التجمل ومن وقوف الحاج موقف المتضرع الحامد لمولاه، المثني عليه المستغفر له من الزلات، الملازم لأبواب رحمته وإحسانه، اللائذ بجنابه وحماه العائذ بعفوه وغفرانه.
-حاشية ابن حجر الهيتمي 414-.
كما أنه شرع إظهارًا لحق الشكر على أن المولى عز وجل قد أنعم عليه بنعمتي الصحة والمال اللتين هما الدعامتان اللتان ترتكز عليهما عبادة الحج.
وهكذا نرى أن الحج إنما هو حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود، ومشاهدة لذلك المشهد العلي الرحماني، وإلمام بمعهد العهد الرباني، وأن القصد منه التقرب إليه سبحانه، فإذا أخلص فيه وعمل بحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((اعبد الله كأنك تراه)) كان بمنزلة من حل في حضرته؛ لأنه حيث صور نفسه كالرائي له اتصف بتلك الصفة، وأن الوقوف بساحة كرمه يمكن شبهه بمال كثير بفضاء واسع، من دخله تمكن من أخذ ما شاء منه.
والقصد أن المخلص به -فكان حجه مبرورًا- يصل إلى مراده من شمول الرحمة العامة المقتضية لغفران ذنوبه فضلا منه سبحانه، ولا يخفى أن نفس الكون -الوجود والحلول بتلك الأماكن- شرف وعلو للحالِّ فيها، وأن التردد في تلك المواطن فخار وسمو وارتفاع، فإن المحال المحترمة لم تزل تفرغ وتصب على الحالِّ فيها أدلاء مملوءة وصفها بفيض غامر.
ولذا فإنه ينبغي للعبد أن يهتم بالحج، ويبادر إليه، ويحرك عزمه الفاتر إنهاضًا يحثه عليه بالاجتهاد في أسبابه، والسعي إليه، وإن بعدت المسافة، ونالته مشقة، ولا ينبغي له أن يتوانى أو يتكاسل في طرح سيئات العمر بطلب المغفرة، بالحج المبرور، الذي يغسلها، فيزيل أثرها، كما يزيل الصابون أثر الأوساخ الحسية، كما لا يحق له أن يتكاسل عن البدار فيعرضه للفوات بركوب عمياء المجازفة، بركوب المخاطرة التي هي كالناقة العمياء في أن من تلبس بها وقع في الهلاك، كما أن الراكب للناقة العمياء يقع بواسطة سيرها كيف اتفق في الطرق الصعبة المؤدية إلى هلاكه، رُوِيَ عن ابن عباس أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أراد الحج فليتعجل)).
-رواه أبو داود وأحمد والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح، وأبو صفوان مهران راويه عن ابن عباس لم يجرح، لكن قال ابن بطال: إنه مجهول، وتبعه الذهبي في المهذب والحافظ في التقريب. المواهب اللدنية 8/ 142-.

بم يكون الحج مبرورا؟
قال ابن خالويه: الحج المبرور: المقبول.
وقال غيره: هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقد رجحه النووي.
وقال القرطبي: "إن الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى" وحاصلها: أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعًا -لما طلب من المكلف- على الوجه الأكمل.
-شرح صحيح البخاري للشيخ زروق الفاسي 4/ 11 تحقيق الأستاذين: موسى محمد علي، والدكتور عزت علي عطية-.
وعلى أَيٍّ فإن مغفرة الذنوب بالحج وترتب الجزاء بالجنة عليه منوطان بكون الحج مبرورًا، وفي الوقت نفسه لا يكون الحج مبرورًا إلا إذا اجتمعت فيه من أعمال البر الكثيرة التي منها:
1- الإحسان في معاملة الناس سواء بالقول أم بالفعل، وأن يتلطف في مخالطتهم ومعاشرتهم، وأن يطعم الطعام، ويفشي السلام على من عرف ومن لم يعرف، وأن يطيب كلامه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك المسلم فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض)).
-الحديث أخرجه أحمد في مسنده ج3/ 83، ج5/ 63، 64، طبع المكتب الإسلامي بيروت-.
وقيل: "المروءة في السفر: بذل الزاد وقلة الخلاف بين الأصحاب، وكثرة المزاح، في غير مساخط الله، والمخالطة بالمعروف، والصبر على الأذى، فخير الناس أنفعهم للناس".
2- أن يفعل الطاعات كلها، وقد بَيَّنَ الله عز وجل البر في قوله تبارك وتعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} سورة البقرة الآية: 177، وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواع البر في الطاعات، فمن استكملها في حجه، فقد استكمل أنواع البر جميعًا.
3- ومن أعمال البر أن تكون نفقة الحج طيبة، وأن تكون من كسب حلال:
((إذا خرج الرجل حاجًّا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور)).
-الحديث أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب الحج باب الترغيب في النفقة في الحج ... إلخ ج2 ص: 180 رقم 7، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت. وعزاه للطبراني في الأوسط والأصبهاني من حديث أسلم مولى عمر بن الخطاب مرسلًا مختصرًا. والغرز: ركاب من جلد. أبو منذري-.
4- ومنها كثرة ذكر الله تبارك وتعالى في الحج؛ لأن الله قد أمر بكثرته في إقامة المناسك مرة بعد أخرى -وخصوصًا في أثناء الإحرام- ويكون بالتلبية والتكبير والتهليل وجاء في الحديث النبوي الشريف حينما سئل –صلى الله عليه وسلم-: ((أي الحاج أفضل؟ قال: أكثرهم لله ذكرا))، وقال عليه السلام: ((أفضل الحج: العج والثج)).
-أخرجه الترمذي في سننه في كتاب الحج باب ما جاء في فضل التلبية والنحر ج3 ص: 180 رقم: 827، طبع الحلبي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي-
والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: نحر البدن.
وأن الإنسان إذا ناداه إنسان جليل القدر أجابه بالتلبية وحسن الكلام، فكيف بمن ناداه مولاه الملك العلام ودعاه إلى جنابه ليكفر عنه الذنوب والآثام، وأن العبد إذا قال: لبيك، يقول الله تعالى: ها أنا دان إليك، ومتجل عليك، فسل ما تريد، فأنا أقرب إليك من حبل الوريد.
ضيفَ الرحمن: اجعل التقوى زادك، والآخرة مرادك، والزهد والورع مطيتك، والانقطاع إلى الله تعالى سجيتك، وارم هذه الدنيا من قلبك فهو سبب الرجوع إلى ربك، واسلك طريق المذنبين تكتب في ديوان الموحدين، وتلقى الله وليس بينك وبينه حجاب ولا يردك عنه بَوَّاب، يا ربِّ يا قابل التائبين تقبل توبتنا وَأَعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

علامات الحج المبرور:
- أن يرجع صاحبه زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وأن يترك سيئ ما كان عليه من العمل.
قيل للحسن: ما الحج المبرور؟ قال: "أن ترجع زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة"، وعن عائشة –رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال:
((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ فيقولون: يا ربنا يريدون العفو والمغفرة، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم، وعفوت عنهم)).
-الحديث في الترغيب والترهيب للمنذري ج2 ص: 204 رقم: 10 بلفظه عن عائشة، وعزاه المنذري لمسلم والنسائي وابن ماجه، وزاد رزين في جامعه فيه: (( .. اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم)).-
والحج المبرور: يغفر الذنوب صغائرها وكبائرها حتى التبعات على المعتمد إذا مات فيه أو بعده وقبل تمكنه من أدائها.
-بقية المسترشدين لباعلوي 114-.
ففي عرفات يهبط الله تعالى إلى سماء الدنيا ليباهي بالحجاج ملائكته فيقول: ((عبادي جاءوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا مغفورًا لكم)).
-الحديث أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب الحج باب بما جاء في فضل الحج ج2 ص: 170 رقم: 32، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت، وقال: رواه الطبراني في الكبير والبزار واللفظ له، وقال: وقد روي من وجوه، ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق، أبو منذري-.
وأن تكون حالة الحاج في طاعاته ومعاملاته ومخالطاته بعد حجه خيرًا منها قبل الحج، فإن من علامة قبول الطاعة أن توصل بعدها بالتوفيق والإحسان، ومن علامة ردها أن توصل بالمخالفة والعصيان.
ومن هنا رغبت السنة النبوية المطهرة في تلقي الحاج والسلام عليه ومصافحته وطلب الدعاء والاستغفار منه؛ لأن الحاج إذا كان حجه مبرورًا غفر له ولمن استغفر له واستجيب دعاؤه، ففي صحيح مسلم أنه –صلى الله عليه وسلم-: ((كان إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ من أهل المدنية)).
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- قال: "لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس"
-لم نعثر عليه بهذا اللفظ – الباجوري-.
إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوه استجاب لهم، وإن شَفَعُوا شُفِّعُوا، وإن الله تبارك وتعالى يختم على عمل الحاج بطابع من نور. فإياك يا أخي أن تفك ذلك الختم بمعصية الله عز وجل.
وفي الحديث: ((إذا مات المحرم فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيًا))
-حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((بينما رجل واقف مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرفة إذ وقع عن راحلته فأقصعته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اغسلوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) اهـ الترغيب والترهيب كتاب الحج ج... ص: 179 طبع دار إحياء التراث، بيروت – الباجوري-.
قال الخواص -رحمه الله تعالى-: "من علامات قبول حج العبد -وأنه خلع عليه خلعة الرضا عنه- أنه يرجع من الحج وهو متخلق بالأخلاق المحمدية، لا يكاد يقع في ذنب ولا يرى نفسه علا أحدًا من خلق الله، ولا يزاحم على شيء من أمور الدنيا حتى يموت، وعلامة عدم قبول حجه أن يرجع على ما كان عليه قبل الحج، كما أن من علامات مقته أن يرجع وهو يرى أن مثل حجه أولى بالقبول من حج غيره لما وقع فيه من الكمال في تأدية المناسك، وخروجه فيها من خلاف العلماء، لكن لا يدرك هذا المقت إلا أهل الكشف".
-بغية المسترشدين لباعلوي ص: 114، 115-.
وإن الحديث صريح في أن النساء لا يجب عليهن الجهاد مثل الرجال، أما إذا أردن إدراك فضيلة الجهاد فيقوم مقامه الحج المبرور.
ومحل ذلك: إذا لم تدع الحاجة إليهن، فإن دعت إليهن، بأن دخل الكفار المحاربون بلاد المسلمين فيكون واجبًا على كل مسلم ومسلمة قادر عليه، أما من لا يقوى على الجهاد لعذر شرعي فيحصل له بالحج ثواب المجاهدين إذا أخلص في عمله، فعن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((الحج جهاد كل ضعيف))
-رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه ورجاله ثقات-.

وبعد: فنسألك اللهم إيمانًا كاملًَا، ويقينًا صادقًا، ورزقًا واسعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وحلالًا طيبًا، وتوبة نصوحًا، وتوبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ومغفرة ورحمة بعد الموت، والعفو عند الحساب، والفوز بالجنة، والنجاة من النار برحمتك يا عزيز يا غفار واغفر لوالدينا ومشايخنا وكل من له حق علينا يا رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح