الخميس، 9 سبتمبر 2010

بعد رمضان.. ماذا أنا فاعل؟ "

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعه، وبعد. فيؤذن شهر رمضان على الرحيل، ويخشى لامس نفحاته وكراماته أن تهبط بعده حالته الإيمانية، أو أن يفقد بعضا من مكتسباته الروحانية، ويثور التساؤل: بعد رمضان.. ماذا أنا فاعل؟
يجيب الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عن هذا السؤال بكلمات ضافية، فيقول في وظائف شهر شوال:
  • في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال
  • وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة
  • وجوب الشكر على رمضان ونعمه
  • كن ربانيا ولا تكن رمضانيا
  • يا شبان التوبة لا ترجعوا للوراء

في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال

خرج مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». وقد اختلف في هذا الحديث، ثم في العمل به، فمنهم من صححه ومنهم من قال: هو موقوف، قاله ابن عيينة وغيره، وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده.
وأما العمل به فاستحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء، روي ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وطاوس والشعبي وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأنكر ذلك آخرون.
روي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة قال: "لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها"، ولعله إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها، وأنه لا يكتفى بصيام رمضان عنها في الوجوب، وظاهر كلامه يدل على هذا، وكرهها الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف، وعلل أصحابهما ذلك بمشابهة أهل الكتاب، يعنون في الزيادة في صيامه المفروض عليهم ما ليس منه، وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا: لا بأس به، وعللوا بأن الفضل قد حصل بفطر يوم العيد، حكى ذلك صاحب الكافي منهم، وكان ابن مهدي يكرهها ولا ينهى عنها، وكرهها أيضا مالك، وذكر في الموطأ أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة لو رأوا أحدا من أهل العلم يفعل ذلك، وقد قيل: إنه كان يصومها في نفسه، وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها؛ لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه.
وأما الذين استحبوا صيامها فاختلفوا في صيامها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستحب صيامها من أول الشهر متتابعة، وهو قول الشافعي وابن المبارك، وقد روي في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: «من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة فكأنما صام السنة» خرجه الطبراني وغيره من طرق ضعيفة، وروي موقوفا، وروي عن ابن عباس من قوله بمعناه بإسناد ضعيف أيضا.
والثاني: أنه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله، وهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.
والثالث: أنه لا يصام عقيب يوم الفطر، فإنها أيام أكل وشرب، ولكن يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهذا قول معمر وعبد الرزاق، ويروى عن عطاء حتى روي عنه أنه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه، ثم يصله بصيام تطوع، وأمر بالفصل بينهما، وهو قول شاذ، وأكثر العلماء على أنه لا يكره صيام ثاني يوم الفطر، وقد دل عليه حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لرجل: «إذا أفطرت فصم»، وقد ذكرناه في صيام آخر شعبان، وقد سرد طائفة من الصحابة والتابعين الصوم إلا يوم الفطر والأضحى، وقد روي عن أم سلمة أنها كانت تقول لأهلها: "من كان عليه رمضان فليصمه الغد من يوم الفطر، فمن صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان"، وفي إسناده ضعف.
وعن الشعبي قال: "لأن أصوم يوما بعد رمضان أحب إلي من أن أصوم الدهر كله". ويروى بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا: «من صام بعد الفطر يوما فكأنما صام السنة»، وبإسناد ضعيف عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا: «الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفارّ».
وأما صيام شوال كله:
ففي حديث رجل من قريش سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من صام رمضان وشوالا والأربعاء والخميس دخل الجنة»، خرجه الإمام أحمد والنسائي، وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث مسلم القرشي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عن صيام الدهر؟ فقال: «إن لأهلك عليك حقا، فصم رمضان والذي يليه وكل أربعاء وخميس، فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت». وخرج ابن ماجه بإسناد منقطع «أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صم شوالا»، فترك الأشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوالا حتى مات. وخرجه أبو يعلى الموصلي بإسناد متصل عن أسامة قال: «كنت أصوم شهرا من السنة فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أين أنت من شوال؟»، فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائما من شوال حتى يأتي على آخره، وصيام شوال كصيام شعبان؛ لأن كلا الشهرين حريم لشهر رمضان وهما يليانه، وقد ذكرنا في فضل صيام شعبان أن الأظهر أن صيامهما أفضل من صيام الأشهر الحرم، ولا خلاف في ذلك.
وإنما كان صيام رمضان وإتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء ذلك مفسرا من حديث ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة» يعني رمضان وستة أيام بعده، خرجه الإمام أحمد والنسائي وهذا لفظه، وابن حبان في صحيحه وصححه أبو حاتم الرازي، وقال الإمام أحمد: ليس في أحاديث الباب أصح منه، وتوقف فيه في رواية أخرى، ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهر رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين، وعلى هذا حمل بعضهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة». وقال: المراد كمال آخره سواء كان ثلاثين أو تسعا وعشرين، وأنه إذا أتبع بستة أيام من شوال فإنه يعدل صيام الدهر على كل حال، وكره إسحاق بن راهويه أن يقال لشهر رمضان: إنه ناقص وإن كان تسعا وعشرين لهذا المعنى.
فإن قال قائل: فلو صام هذه الستة الأيام من غير شوال يحصل له هذا الفضل، فكيف خص صيامها من شوال؟ قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضا، ذكر ذلك ابن المبارك، وذكر أنه في بعض الحديث حكاه عنه الترمذي في جامعه، ولعله أشار إلى ما روي عن أم سلمة -رضي الله عنها-: «أن من صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان».

وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:
- منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله كما سبق.
- ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجوه متعددة.
وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن يقول الرجل صمت رمضان كله أو قمته كله» قال الصحابي: فلا أدري أكره التزكية أم لا بد من غفلة؟
وكان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم؛ يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر، فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات، كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات في مثل كفارة القتل والوطء في رمضان والظهار.
- ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

وجوب الشكر على رمضان ونعمه
- ومنها: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب كما سبق ذكره، وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز، فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا».
وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقيب ذلك. كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائما، ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام. وكان وهب بن الورد يُسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه.
إذا أنت لم تزدد على كل نعمة لموليكها شكرا فلست بشاكر
كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر.. وهكذا أبدا فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر كما قيل:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر

قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى -عليه السلام- يوم الطور: يا رب إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن بلغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى الآن شكرتني.
فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجهه مسدود. قال كعب: "من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر رمضان ألا يعصي الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر عصى ربه، فصيامه عليه مردود".

كن ربانيا ولا تكن رمضانيا

- ومنها: أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيا. وهذا معنى الحديث المتقدم: «أن الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار» يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه؛ وذلك لأن كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعا. فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر، يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به.
وفي حديث خرجه الترمذي مرفوعا: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل» وفسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل، والعائد إلى الصيام سريعا بعد فراغ صيامه شبيه بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته، ثم عاد إليه في المعنى والله أعلم.
قيل لبشر: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها. وسئل الشبلي: أيما أفضل: رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا، ثم أنشد:
إذا كنت في حرب الهوى متجردا فكل أرض ثغر لي وطرسوس
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عمله ديمـة
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عمله ديمة، وسئلت عائشة -رضي الله عنها-: «هل كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يخص يوما من الأيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة». وقالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة»، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ثم قضاه في شوال، فاعتكف العشر الأول منه.
وسأل رجلا: هل صام من سرر شعبان شيئا؟ فقال: لا، فأمره أن يصوم إذا أفطر، يعني: يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال. وقد تقدم عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر، فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان، فليبدأ بقضائه في شوال، فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أولى من التطوع بصيام ست من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض: هل يجوز أن يتطوع قبله أم لا؟ وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء، فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال، فمن كان عليه قضاء من رمضان، ثم بدأ بصيام ست من شوال تطوعا لم يحصل له ثواب من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة أيام من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال، ومن بدأ بالقضاء في شوال ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ست من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنا؛ لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان.
عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت، ثم قرأ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].

يا شبان التوبة لا ترجعوا للوراء

هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير للآجال ومواقيت للأعمال، ثم تنقضي سريعا وتمضي جميعا، والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد، فسبحان من قلب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم؛ ليسبغ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم، لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام وآخرها شهر الصيام، أقبلت الأشهر الثلاثة أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه، فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات، فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه، وهو راج خائف.
المحب لا يمل من التقرب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.
ما للمحب سوى إرادة حبه إن المحب بكل بر يضرع
كل وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره، وكل ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة، فواأسفاه على زمان ضاع في غير طاعته، وواحسرتاه على وقت فات في غير خدمته:

من فاته أن يراك يوما فكل أوقاته فوات
وحيثما كنت من بلاد فلي إلى وجهك التفات
إليكم هجرتي وقصدي وأنتم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي فآنسوا مقلتي ولات

من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية.
ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها.
ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها، النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت.
سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور، ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة، ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذل، وغني قوم بالذنوب افتقر.

ترى الحي الأولى بانوا على العهد كما كانوا
أم الدهر بهم خانوا ودهـر المرء خـوان
إذا عـز بغير الله يـو مًا معـشر هانوا

يا شبان التوبة لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام، فالرضاع إنما يصلح للأطفال لا للرجال، ولكن لا بد من الصبر على مرارة الفطام، فإن صبرتم تعوضتم عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب، من ترك لله شيئا لم يجد فقده عوضه الله خيرا منه: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70]. وفي الحديث: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه من خوف الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه» خرجه الإمام أحمد وهذا الخطاب للشباب.
فأما الشيخ إذا عاود المعاصي بعد انقضاء رمضان فهو أقبح وأقبح؛ لأن الشباب يؤمل معاودة التوبة في آخر عمره، وهو مخاطر، فإن الموت قد يعاجله، وقد يطرقه بغتة، وأما الشيخ فقد شارف مركبه ساحل بحر المنون فماذا يؤمل؟!

نعى لك ظل الشباب المشيب ونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدا لداعي الفناء فكل الذي هو آت قريب
ألسنا نرى شهوات النفو س تفنى وتبقى علينا الذنوب
يخاف على نفسه من يتوب فكيف يكون حال من لا يتوب"

ا.هـ




--------------------------------------
المصدر: كتاب "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف" للحافظ ابن رجب الحنبلي.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح