الخميس، 4 نوفمبر 2010

الحج والعمرة دعوة الله المتجددة للإنسانية

الحج أحد أركان الإسلام، وعمده ومبانيه، عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين فيه أنزل الله عز وجل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } سورة المائدة: الآية 3.
فَأَعْظِمْ بعبادة، بأدائها يتم الكمال، ويساوي تاركها –تهاونًا- أهل الغي والضلال لحديث عليٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا)). -رواه الترمذي- ولأن الله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} آل عمران: 97.

والحج لغة: القصد.
واصطلاحًا: قصد التوجه إلى بيت الله الحرام بالأعمال المشروعة فرضًا وسنة.
مكانته في القرآن والسنة: للحج مكانة عظيمة في القرآن الكريم، فقد ورد ذكره في أكثر من موضع منها: أمر الله لإبراهيم الخليل –عليه السلام-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الحج: 27 - 28.
أما السنة فقد عنيت بهذا الركن والحث على أدائه، روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا)) -متفق عليه-.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)) -متفق عليه-، والحج المبرور: الذي لا يخالطه إثم.
ونلاحظ أيضًا مكانة الحج وأهميته من قوله سبحانه: { وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ } سورة التوبة: الآية 3، وفي هذا اليوم قال ابن عمر رضي الله عنهما: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر)) -أخرجه أبو داود-، وَخَرَّجَ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".
إذن يوم الحج الأكبر: هو يوم النحر، قال ابن أبي أوفى: "يوم النحر يوم الحج الأكبر؛ يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، وتحل فيه الحرم"، وهذا مذهب الإمام مالك –رضي الله عنه-؛ لأن يوم النحر فيه الحج كله، لأن الوقوف إنما هو في ليلته، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته.
وقال ابن سيرين: "يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وحجت معه فيه الأمم" -راجع تفسير القرطبي عند شرحه لهذه الآية الكريمة الثالثة من سورة التوبة، وكذلك تفسير ابن كثير-.

فوائد الحج:
يعد الحج إحدى الوسائل التي تتحقق فيها الفوائد الروحية، والأدبية، والاجتماعية، والاقتصادية، نفهم هذا من قول الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 27 – 28.

الدين والدنيا يلتقيان في الحج:
تأمل قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...} دينية، ودنيوية معًا، فالدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد، فإن كان الدين يمد الروح بالإيمان الصحيح والآداب، فإن أمور الدنيا تمده بأسباب البقاء ودواعي الارتقاء، فلو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق بنا المجال. -عفيف طبارة: روح الدين الإسلامي، ص: 260-.
"وإذا كان الإسلام دينًا يدعو الناس كافة إلى عبادة رب العالمين، فالحج هو الفريضة التي تتمثل فيها هذه الأخوة الإنسانية على تباعد الديار، واختلاف الشعوب والأجناس وهو في اصطلاح العرف الشائع بين الناس بمثابة صلة الرحم، وتبادل الزيارة بين أبناء الأسرة الواحدة يجمعها الملتقى في المكان الذي صدرت منه الدعوة إليها، وهو أجدر مكان في بقاع الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء". -العقاد: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص: 112-.
وفي الكتاب العزيز قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} البقرة: 149 – 150.
ومن ثم فقد شاءت حكمة الله "أن يوجه الأمة جمعاء إلى قبلة واحدة ترتبط فيها مساجد القارات الخمس بأول مسجد ظهر على الأرض!! وترتبط فيها الأمة الإسلامية بأبيها الأول إبراهيم –عليه السلام- لتعلن أنها بهذا الارتباط لا تشذ عن قواعد النبوات القديمة، وإنما الذي شذ هو الذي أشرك، وأفسد من المغضوب عليهم والضالين". -محمد الغزالي: هذا ديننا، ص: 135-.
فمن أجل هذه "الصلات التاريخية والروحية أوجب الله على الأمة الإسلامية أن ينبعث منها كل مستطيع كي يزور المسجد الحرام مرة واحدة في عمره... وفي حجة الوداع كان الخطاب الإنساني الذي ألقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفود الكثيفة التي اجتمعت معه، وهو خطاب لم تَعِ مسامع الوجود أرقى من مبادئه، ولا أشرف من مقاصده.. وهو السجل الصادق لحقوق الإنسان وحريات الأمم.. وينبغي أن يبقى الحج ملتقى المسلمين الأكبر، ومثابتهم العظمى، وأن يبقى زمانه ومكانه الموعد المضروب لاجتماع الموحدين القادمين من المشارق والمغارب يذكرون الله، ويرجمون الشيطان". -هذا ديننا، ص: 137 – 138-.
ويظل الحج دعوة الله المتجددة لكل بني الإنسان.

من أسرار الحج:
من أهم أسرار الحج: الفهم أي فهم موقع الحج من الدين، ثم الشوق إليه، ثم العزم عليه، ثم قطع العلائق المانعة منه، ثم شراء ثوب الإحرام، ثم شراء الزاد، ثم اكتراء الراحلة، ثم الخروج، ثم المسير، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية، ثم دخول مكة، فإذا تمت هذه الأفعال على الوجه الشرعي انكشف لكل حاج من أسرار الحج ما يقتضيه صفاء قلبه، وطهارة باطنه، وغزارة فهمه، واستقامة جوارحه.
وجلاء هذه الأمور كلها كما قال الإمام الغزالي أن:
الفهم: لا يتأتى إلا بالتنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات فيها، ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق، وانحازوا إلى قُلَل الجبال ...، وألزموا أنفسهم بالمجاهدات الشاقة طمعًا في الآخرة فأثنى الله عليهم في قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} المائدة: 82، فلما اندرس هذا الصنف من الخلق أرسل الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين، فجعل الحق سبحانه الحج جهادًا ورهبانية لهم، فَشَرَّفَ البيت العتيق بإضافته إلى الله تعالى.. يقصده الزوار من كل فج عميق.. شعثًا غُبْرًا متواضعين لرب البيت... ولما كانت حكمة الله تقتضي ربط نجاة الخلق بجعل أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامهم بيد الشرع فتكون أعمالهم على سنن الانقياد.. فإن الله سخر ما في الكون للإنسان وجعل الله الإنسان لعبادته، ومن ثم أمره بمجموعة من العبادات تزكية لنفسه.
الشوق: يأتي بعد الفهم بأن البيت بيت الله عز وجل.. فقاصده قاصد الله عز وجل وزائر له، فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشَوِّقُه أسباب اللقاء لا محالة.
العزم: على أنه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهًا إلى زيارة بيت الله عز وجل.. فليصحح مع نفسه العزم.. والإخلاص.
قطع العلائق: أي رد المظالم إلى أصحابها، والتوبة النصوح، فكل مظلمة تتعلق بتلابيبه تناديه قائلة: إلى أين تتجه؟ أتقصد بيت ملك الملوك، وأنت مضيع أمره في منزلك هذا؟ إن قبول زيارتك مرتبط برد المظالم، والتوبة من جميع المعاصي.
الزاد: يجب أن يكون من حلال فلا يحرص على استكثاره ويظن أن طول السفر يؤدي إلى الإقلال منه، وعليه أن يتذكر زاده إلى الآخرة، وأن الذي يحرص عليه زاد التقوى لقوله سبحانه: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة: 197.
الراحلة: ينبغي أن تكون من حلال، فإذا استوى عليها وجب شكر الله.. حيث سخرها له لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة، وليتذكر المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة، وهو ركوب غير مشكوك فيه.
ثوبي الإحرام: وهما: الإزار والرداء، يفيدان معنى التجرد، وفيهما تذكر لما سَيُلَفُّ فيه بعد الموت، فنحن إذًا أمام هيئتين مختلفتين: هيئة الحاج بملابسه وهي مغايرة لملابس الحياة العادية، وهيئة الإنسان بعد مفارقة هذه الحياة بزيه المختلف كلية.
الخروج من البلد: هجرة الأهل والوطن ومفارقتهما أمر ثقيل على النفس، فإذا توجه إلى الله فليكن حاضر القلب؛ لأنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له.. فليكن راجيًا القبول والرضا منه لقوله سبحانه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} النساء: 100.
ميقات الإحرام والتلبية: فيهما تذكر بنداء الخلق بنفخ الصور وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه، ومنقسمين إلى: مقربين وممقوتين، مقبولين ومردودين، مترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا؟
دخول مكة: عندها يكون قد انتهى عند الحرم الآمن، فإذا وقع نظره على البيت استحضر عظمته في قلبه، راجيًا أن يرزقه الله النظر إلى وجهه الكريم كما رزقه النظر إلى بيته العظيم..
الطواف بالبيت صلاة؛ فيلزم استحضار القلب بالتعظيم، والخوف، والرجاء والمحبة.. وأشرف الطواف طواف القلب بحضرة الربوبية، وكما أن الملائكة يطوفون حول البيت المعمور في السماء كذلك الإنس يطوفون حول بيت الله في الأرض، إنها إشارة إلى طاعة مَنْ في السماوات وَمَنْ في الأرض لله الواحد القهار.
الاستلام: أي استلام الحجر الأسود، فإذا وصلت إليه فاعلم أنك ممن يجدد بيعته مع الله عز وجل على طاعته، فلتكن عزيمتك مصرة على الوفاء ببيعتك.
السعي بين الصفا والمروة: فيه إشارة لمن يتردد في دار الملك جائيًا وذاهبًا غاديًا ورائحًا مرة بعد أخرى.. وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة، وليمثل الصفا بكفة الميزان، والمروة بكفة السيئات، معلقًا الفؤاد بين العذاب والغفران.
الوقوف بعرفة: ركن الحج الأكبر، هنا يتم الحج، وعلى المسلم أن يتذكر في هذا الزحام، واختلاط الأصوات، واختلاط الأجناس واللغات، واتباع الفرق والأئمة بالوقفة العامة للبشرية في عرصات القيامة، واجتماع الأمم مع أنبيائهم، واقتفاء كل أمة نبيها.. فإذا تذكرت ذلك فَأَلْزِمْ قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل؛ فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين.. فمن أعظم الذنوب أن يحضر الإنسان عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له.
رمي الجمار: مظهر من مظاهر الانقياد والطاعة والعبودية لله رب العالمين، وتشبهًا بأبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، قد يخطر لك خاطر هو أن الشيطان عرض له، ولم يعرض لك، إذا أحسست بهذا الشعور فاعلم أنه الشيطان فهو يريد أن تفتر همتك بأن ما تقوم به لا فائدة فيه، فإذا أردت طرده فعليك بتنفيذ شعيرة الرمي. -راجع للإمام الغزالي: إحياء علوم الدين، جـ1 ص:491 بتصرف واختصار-.

وأما العمرة لغة: فهي الزيارة.
واصطلاحها: زيارة مخصوصة لأفعال مخصوصة.
مكانتها: تظهر مكانة العمرة وأهميتها في القرآن والسنة، أما القرآن فقوله سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} البقرة: 196.
أما في السنة فقوله صلى الله عليه وسلم للسيدة أم هانئ رضي الله عنها: ((عمرة في رمضان تعدل حجة معي)) -راجع تفسير ابن كثير، جـ1 ص: 385 ط الحلبي-.
ولقد اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عُمَرٍ: وهذه هي:
عمرة الحديبية وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة.
عمرة القضاء وكانت في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة.
عمرة الجعرانة وكانت في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة.
وعمرته –صلى الله عليه وسلم- مع حجته التي أحرم بهما في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة. -المصدر نفسه-.
زيارة المدينة: على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، والمقصود زيارته صلى الله عليه وسلم، فمن فاتته رؤيته في الدنيا، فلا يبخل أن يزوره في مقامه صلى الله عليه وسلم.
ومن أدب الزيارة: الخشوع، وعدم رفع الصوت في مسجده والسلام عليه، وليعلم أن الصلاة والتسليم يصلان إليه صلى الله عليه وسلم في أي مكان يقالان ويتلفظ بهما لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى وكل بقبره مَلَكًا يبلغه سلام من سلم عليه من أمته)) أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ: ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)). -راجع الإحياء جـ1 ص: 491 هامش 1.
وحديث: ((من صلى عَلَيَّ مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا)) -أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو-.

وبعد: فهذا الركن دعوة، وتربية عملية، فإن منهج الإسلام في التربية أنه لا يكتفي أن يقول للمسلم: كن صالحًا. بل يقول له هذا، ويضع له مناهج عملية يتدرب عليها ويسلكها فيكون صالحًا حقيقة لا ادعاءً.
والحج من هذه المناهج العملية؛ إذ فيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية، وبشكل معين واضح يجتث جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فإن في الإنسان نزوعًا إلى الطغيان. -راجع لعبد الكريم زيدان: أصول الدعوة ص: 41-.
قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} العلق: 6 – 7.
إن هذا الركن بالإضافة إلى أركان الإسلام الأخرى التي بينتها السنة الشريفة له تأثير واضح في إصلاح الفرد والمجتمع، فيظهر سلوك الفرد الذي زكى نفسه، وزادت مراقبته لله سبحانه، كما يظهر سلوك المجتمع بتقرب أفراده إلى الله، وتمسكهم برسوله صلى الله عليه وسلم، فيكثر الخير ويقل الشر، وعندما تتسع دائرة هذه العبادات فتنتقل من مجمتع إلى مجتمع حتى تشمل العالم كله، يبرز هدف دعوة الإسلام في عمومها الشامل، وشمولها العام.
ومن ثم يظل الحج والعمرة دعوة الله المتجددة إلى البشرية في شتى بقاع الأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح