الخميس، 9 سبتمبر 2010

العيد ولمن يكون؟ للإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت.


حكمة الأعياد عند الناس.
الأعياد سنة فطرية جُبِلَ الناس عليها وعرفوها منذ القدم منذ عرفوا الاجتماع والتقاليد والذكريات، فكان لكل أمة أيام معلومة تُظهِر فيها زينتها وتعلن سرورها وتُسرِّي عن نفسها ما يصيبها من رهق الحياة وعنتها.
وعلى هذه السنة وجد النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار في المدينة بعد هجرته إليها يلعبون في يومين، ورثوا اتخاذهما عيدا عن الجاهلية، فلم ينكر أصل الفكرة، فأباح اتخاذ العيد تحصيلا لمزاياه القومية والاجتماعية والدينية، ولكنه استبدل بيومي الجاهلية يومين آخرين ارتبط بهما في تاريخ الإسلام -بل في تاريخ البشرية عامة- ما جعلهما غرة في جبين الدهر كله، وهما يوما الفطر والأضحى.

2- نعمتا التشريع وإكمال الدين:
فيوم الفطر يذكرنا بالنعمة العظمى نعمةِ إنزال القرآن في رمضان، تلك النعمة التي كانت أساس التشريع لبناء دولة الإنسانية الموحدة، دولة الهدى والرشاد، دولة الصفاء الروحي والاستقامة العظيمة والتحاكم إلى الرحم، دولة الحق والعدل والفضل، دولة العلم والحكمة والتعمير والبناء، وفي كلمة دولة العزة في الدنيا والسعادة في الآخرة.
أما يوم الأضحى فإنه يذكرنا بنعمة الإكمال والإتمام لهذا البناء كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

3- عيد الإسلام:
وإذا كانت الأمم الناهضة لا تعرف في تاريخها أعزَّ ولا أعظمَ من يومها الأول الذي وُضع فيه أساس بنائها، ويومها الثاني الذي تمَّ فيه صرح هذا البناء، فما أجدر اليومين بأن يكونا عيدين تنقش فيهما ذكرياتهما وآثارهما وإيحاءاتهما على صفحات القلوب، وأن يظهر ذلك كله على ملامح الوجوه وعذبات الألسنة وحركات الجوارح.

4- إيحاءات يوم الفطر:
وليوم الفطر إيحاءات بنعم أخرى فوق ما ذكرنا تلازمه في كل عام باعتبار وضعه الزمني:
أ- نعمة الحرية: فهو أول يوم بعد رمضان تعود فيه إلى المؤمن حريته الشخصية في مأكله ومشربه، بعد أن سلمها إلى مولاه خلال رمضان طائعا مختارا إيذانا بأنه لا يضحي بها إلا في سبيل ما هو أعز منها وهو رضوان الله ومغفرته، أما فيما عدا ذلك فدون سَلِّها خَرْطُ القَتَادِ.
ب- فرحتان: وهو كذلك أول يوم بعد رمضان يشعر فيه المؤمن بفرحتين عظيمتين لهما أكبر الأثر في حياته وقوته: فرحة القيام بالواجب، واجبِ الطاعة والامتثال لأمر الله، وفرحة الثقة بحسن الجزاء من الله، وهو ما يشير إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه».

5- مظاهر الفرح بالعيد:
لهذه الاعتبارات كلها جعل الله يوم الفطر عيدا للمسلمين فيه يتبادلون التهاني والتزاور، وفيه يتعاطفون ويتراحمون، وفيه يتجملون ويتزينون، وفيه يتمتعون بطيبات ما رزق الله، وفيه يوثقون بينهم عرى المحبة والإخاء، وحتى يتم كل هذا باسم الله وفي ظل رحمته جعل افتتاح هذا اليوم السعيد اجتماعا عاما للمسلمين يؤدون فيه جميعا على اختلاف طبقاتهم وفي صعيد واحد صلاة العيد، يكبرون فيها ويهللون ويشكرون الله على ما هداهم إلى العطف على إخوانهم الفقراء والمساكين وأرباب الحاجات، فأغنوهم عن السؤال في هذا اليوم، ووفروا عليهم هَمَّ العيش، فشاركوهم في الصلاة وبادلوهم التحية والمحبة والتهنئة والمودة، ومن ثم يجمع المسلم في يومه هذا بين اتصاله بربه عن طريق العبادة والاتصال بالناس عن طريق التعاون والتراحم والإخاء.

6- لفتة إلى رمضان:
وإذا كنا بالأمس القريب قد استقبلنا شهر الصيام وتلونا قول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. كما خطبنا الخطباء على المنابر، وحدثنا العلماء والكتَّاب في الصحف والإذاعة شهرًا كاملا عن مكانة الصوم في الإسلام، وعن أسراره وحكمته، وعن مثوبة الله للصائمين، وعما ينبغي أن يكون عليه الصائم حتى يفوز برضاء الله ومثوبته، وعن ثورة السماء على الباطل التي نزل بها القرآن، فزلزلت عروش الفساد، واهتزت صروح البغي والطغيان، وهكذا خلقت لنا تلك الخطب والأحاديث جوًّا روحيًّا كان من حقه أن يدفع بالمسلمين جميعا في ليلهم ونهارهم وفي سرهم وعلانيتهم إلى الصفاء والإخلاص وتطهير القلوب وصدق المراقبة وقوة العزيمة.
ولكن الواقع الذي نراه بأعيننا ونأسف له أشد الأسف ونحزن منه أشد الحزن أن هذا الجو الرباني المليء بذكر الله وبتلاوة كلام الله وبالإشارة إلى أحكام الله لم يتأثر به المسلمون كما يجب أن يكون؛ فقليل من المسلمين هم الذين أجابوا الدعوة وامتثلوا الأمر فصاموا، وقاموا، وراقبوا الله في صومهم، واتقَوه في قيامهم، فعصموا أنفسهم من الشهوات، وَسَمَوا بأرواحهم عن المدنسات، وطهروا قلوبهم من الآفات، وحفظوا جوارحهم من المعاصي والمخالفات.

7- لمن يكون العيد؟
فهؤلاء النفر وحدهم هم الجديرون أن يكون لهم العيد، وأن تتجه إليهم أحاديث العيد، وأن يقصدوا بالتهاني في أيام العيد، أما أولئك الذين عبثوا بالشخصية الإسلامية في ركن من أركان الدين، وشعيرة من شعائره المقدسة، وأطلقوا أنفسهم خلال شهر المراقبة على عادتها، تدبر المكائد وتنفث سموم الفتن، وتذيع الأراجيف، فيفرقون قلوبا متحدة، وصفوفا متراصة، ويزعزعون إيمانا قويا نقيا، ويشوهون جمالا وجلالا، ثم يضعون الأشواك والعقبات أمام المجاهدين الصادقين والعاملين المخلصين فليس العيد لهم أبدا في شيء من معانيه، فالعيد إنما يكون لمن صام رمضان وأدرك أنه بصومه قد أدَّى شكر الله على نعمته العظمى التي أنعم بها على عباده في مثل هذا الشهر، وهي نعمة إنزال القرآن، ثم جرد نفسه لإحقاق الحق وإقامة العدل وتوثيق عرى الإخاء، ثم كان بعد ذلك القدوة الحسنة والمثل الحي في الدعوة بالعمل إلى العمل، وبالإخلاص إلى الإخلاص، وبالانتظام إلى النظام، وبالجهاد إلى الجهاد، وبالبذل إلى البذل وهكذا يدعو فيعمل، ويقول فيفعل، هذا فقط هو الذي ينبغي أن يتجه إليه بحديث العيد، وهو وحده الذي يكون له العيد.

8- رجاء.
وإني لأرجو الله أن يهب لكل من أخلصوا في صيامهم وصدقوا في قيامهم وتوجهوا إلى الله بقلوبهم قوةً إيمانية يكافحون بها الإلحاد، ويحطمون رأس الفساد، بعد أن يحفظوا أنفسهم وإخوانهم من النزق والطيش والذل والعبودية لغير الله، فيكونون بذلك مُثُلا حية، وقوًى مخلصة تقوّم من شأن الآخرين، وتسدد خطاهم، وتأخذ بيدهم إلى الصراط المستقيم، وبذلك تتراص الصفوف وتتعانق القلوب، ويتوحد الاتجاه، وتتحقق الأهداف، وحينئذ يصدق معنى العيد، فتعم التهنئة، ويشمل الرضا والغفران.

9- دعاء.
كما أسأل الله بقلب يذوب من جلاله ثم يعود فيتماسك من جماله أن يجعل هذا العيد فاتحة عهد جديد، يعود فيه إلى الإسلام مجدُه وإلى المسلمين النصر والتمكين.

10- الإسلام والعلم والسلام:
استقبل فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر بمكتبه الأديبَ اليوغسلافيَّ مستر أندروفيتش الحائز على جائزة نوبل في الأدب، وبرفقته الدكتور عبد المحسن الخشاب ومستر بويتش الملحق الثقافي بسفارة يوغسلافيا في القاهرة، وقد تناول الحديث في هذه الزيارة كثيرا من الجوانب الإسلامية، وتقدير العلم والعلماء، ودعوة الإسلام إلى العلم والسلام.
وقال الأستاذ الأكبر: "إن الأزهر ليُسَرُّ بزيارة العلماء؛ لأنه يرى أن العلم أساس الحياة فقد خلق الله الإنسان بِدَاعِيَتَين: داعية العلم، وداعية عبادة الله وحده، فيسر له سبل العلم، وخلق له السمع والبصر والفؤاد وكل الحواس ليصل بها إلى العلم: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ونوه بفضل العلم في أول كلمة نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...}.
فعلَّم الإنسان في أرضه طبقات الأرض، وعلَّمه في سمائه طبقات السماء؛ ليستخرج منها كل ما يحقق السعادة للبشر والخير للإنسانية، ولهذا يدعونا ديننا إلى تكريم العلماء والأدباء؛ لأنهم دعاة الخير والمبشرون بالسلام، ولو فهم الناس كلمات الله في السلام والأمان لما خرج سيف من جرابه، ولما فجرت قنبلة لإبادة الأحياء.
وإن الأزهر -وهو الحريص على دين الله ومبادئ الإسلام- ليعمل ما وسعه العمل على نشر روح المحبة والسلام في جميع أنحاء العالم.
ومن أجل هذا نحييك ونرحب بك باعتبارك عالما وداعيا إلى الخير.

11- وحدة العقيدة.
واستقبل فضيلة الإمام الأكبر بمكتبه وفد جماعة الدعوة والتبليغ الباكستاني، ويضم عددًا من أساتذة مدرسة كاشفر للعلوم، وكلية التليفونات والحربية، وقد تحدث إليهم فضيلة الإمام الأكبر عن أثر التزاور في تقوية الروابط بين المسلمين، وتعاونهم في سبيل الحق والخير، وأثر علماء المسلمين الباكستانيين والهنود في خدمة الإسلام والدعوة إليه والتمسك بحبل الله، ثم قال: "إن من أعز أمانيَّ أن ألتقي بإخواني المسلمين في شتى أقطار الأرض، وبخاصة إخواني الباكستانيين الذين أرجو أن يشد الله بهم أزر المسلمين، وإن أعظم شيء يقوي الرابطة بين المسلمين هو أن يتزاوروا، ولقد كنتم أصحاب الفضل إذ بدأتم بالزيارة".
ثم قال فضيلته: "إن النداءات التي خاطب بها القرآن المؤمنين تلتقي كلها حول وحدة العقيدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، فالإسلام وحدة تجمع ولا تفرق، وتقوي ولا تضعف، وهذه رسالتي ووصيتي إلى إخواني الباكستانيين أحملكم أمانة تبليغها، وإن أخوة الإسلام التي تجمع بيننا جميعا دون أن يفرق بيننا اختلاف اللون أو الجنس أو اللغة لهي الأساس الذي يقوم عليه ديننا، وعلى هذا الأساس يجب أن تكون جهود المسلمين، ومنذ نشأة باكستان ونحن نؤمن بأنها ستكون سندا قويا للنهضة الإسلامية، وأنها ستعمل إلى جانب مصر لتنقية الدين من البدع والخرافات وإظهاره في جوهره النقي الأصيل".
وفي ختام المقابلة أهدى الوفد إلى فضيلة الإمام الأكبر الجزء الأول من كتاب "حياة الصحابة" للشيخ أحمد يوسف العالم الإسلامي الهندي.

تعاطي التدخين والنشوق والمضغة مفطر
أرسل السيد الأستاذ محمد نجومة -نظارة معارفها سبها فزان، ليبيا- خطابا إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر هذا نصه:
"بعد التحية، فقد سعدنا بالاستماع إلى حديثكم القيم المذاع بالراديو مساء يوم الثلاثاء 8 رمضان المبارك 1381هـ الموافق 13/ 2/ 1962م والذي أفدتم به أن كل شيء لا يدخل المعدة من المدخل الطبيعي للطعام والشراب وهو الفم -أفدتم أن كل هذا لا يعد مفطِّرًا، وبما أن بليَّة التبغ المنتشرة في البلاد تكاد تكون شبيهة بما ذكرتم، أحببت أن أتشرف بسؤال فضيلتكم عن حكم استعمال أنواع التبغ وهي عندنا بليبيا على ثلاثة:
1- التدخين: وهذا بطبيعة الحال طريقه القصبة الهوائية فالرئتان.
2- النشوق: وهو مسحوق التبغ ينشق به من الأنف فلا يتعداه.
3- المضغة: وهي قطعة من ورق التبغ تُلاكُ في الفم، ثم يطرح الريق إلى الخارج، وأظن أن هذه الطرق في الاستعمال لا تدخل المعدة.
فالرجاء من فضيلتكم إفادتنا من حيث أفادكم الله وهو ولي المحسنين".
وقد أجاب فضيلته على السيد محمد نجومة بخطاب هذا نصه:
"إجابة على استيضاحكم عن أثر التدخين ومضغه وتعاطي النشوق على الصوم، أفيدكم أنه بالرجوع إلى الأطباء والإخصائيين تبين أن هذه الأشياء الثلاثة تصل إلى المعدة عن طريق اللعاب، فالدخان حين تدخينه أو مضغه يثير اللعاب، ومن ثم يذوب فيه بعض أجزاء النيكوتين وهو المادة الفعالة في الدخان، ثم يحملها هذا اللعاب كما يحمل ما يتسرب إليه من أجزاء النشوق إلى المعدة عن طريق المريء، وإذا كان الأمر كذلك كان استعمال أيٍّ من هذه الأشياء الثلاثة خلال نهار رمضان مفطِّرًا.

وفقنا الله وإياكم إلى الفقه بأحكام الدين وتحري الصحيح منها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. محمود شلتوت"

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح