الخميس، 9 سبتمبر 2010

هذا يوم عيد الفطر. بقلم: جاد الحق علي جاد الحق - شيخ الأزهر




العيد في الإسلام يتفرد بما يُضْفَى عليه من سمات القداسة والعلو؛ لأنه تقرر لتحقيق هدف نبيل، فالأعياد في الإسلام تدور مع حركة الكون ومن ثَمَّ تمر بكافة الفصول.
ولما هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة وجد الأنصار يلعبون ويمرحون في يومين ورثوا عن أسلافهم الاحتفاء بهما، فقال لهم: ((قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى)).

وللأعياد في الإسلام مراسم هامة:
فيوم العيد يبدأ بذكر الله سبحانه وتعالى: بالتكبير والتهليل، ثم بصلاة العيد، وفي هذا وحدة العقيدة والعمل؛ لتتواصل الطاعات ولتجري على الألسنة عبارات الحمد لله والشكر له أن وهب المسلمين صوم شهر رمضان وأن أدّاه الصائمون إيمانا واحتسابا لله رب الناس، وفيه تأصيل وتجديد الصلة الاجتماعية بين المسلمين، فهم في تواصل وتعاون وإخاء ومحبة.
يستعد المسلمون ليوم العيد بلبس الجديد أو النظيف من الثياب، بعد أن يكونوا قد اغتسلوا وتطهروا وأخرجوا صدقة الفطر مظهرين السرور، يتبادلون عبارات المودة والتهاني، يتردد على ألسنتهم الدعاء بالقبول لهم ولإخوانهم المسلمين.
وهو يوم تُوصَل فيه الأرحام ويتزاور فيه الجيران والأقارب، ويوسع فيه على الأولاد والأقارب والمحتاجين كما هي سنة رسول رب العالمين -صلى الله عليه وسلم-.
وما أحوجنا نحن المسلمين -في هذا العصر- إلى أن نفهم أعيادنا فهمًا صحيحًا نستقبلها به، حتى تكون أيامنا سعيدة رشيدة عاملة تنبه في نفوسنا عزائم الأمور، ولا يكون أكبر همنا فيها تجديد الثياب وتوزيع الفراغ؛ إذ العيد هو المعنى الاجتماعي والإنساني الذي يكون في يومه لا اليوم نفسه.
العيد في الإسلام إشعار هذه الأمة بأن فيها القدرة على تغيير الأيام، لا شعورها بأن الأيام تتغير، إيمانًا بقول الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. وبذا يكون العيد يوما تحرص فيه الأمة على إبراز جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد لدى نفوس المجتمع، والكلمة الواحدة على ألسنة الجميع، وليس العيد في الإسلام إلا توجيه الأمة وتعليمها كيف تتسع روح الجوار وتمتد حتى يصير البلد الواحد من بلاد المسلمين وكأنه دار واحدة فيها كل عناصر وسمات الإخاء العملي، وتستعلن فضيلة الإخلاص ويتبادل الناس الهدايا وإن تباعدت منازلهم وأقدارهم، والعيد بهذا يكون مناسبة لإظهار الذاتية والخصائص الاجتماعية للأمة حتى تكون متميزة بطابعها الشعبي مميزة عن غيرها من الأمم الأخرى، تأكل وتلبس من عمل يدها معتزة بصناعاتها وبكافة منتجاتها، مستبصرة بمستقبلها، حفية بكبارها، رحيمة بصغارها، تعمل الصفات الإنسانية في جموعها عمل الحليف لحليفه لا عمل المنابذ لخصمه، فالعيد تَخلٍّ عن كل حقد وغل وحفيظة وتَحلٍّ بكل كمال ومودة.
فبالصوم تعالت النفوس فوق الشهوات والشبهات وصبرت وصابرت وثابرت حتى أكملت العدة واستبشرت باستكمال المدة، وتلك قاعدة هذا الدين -الإسلام- ألا يستسلم المسلم للوهم أو الوهن أو الضيق والحزن، وإنما يغالب المصاعب إذا واجهته حتى تنقشع عن ساحته ويحل الفرج واليسر.
لقد كان الصوم تدريبا على قوة العزيمة وحزم الإرادة، وذلك ربح عظيم يعود بالخير الوفير لو أننا استثمرناه في مستقبل الحياة، والعيد بهذا صوت القوة يهتف بالأمة أن هذا يوم الأفراح بعيدا عن الأتراح، ويوم النصر بعيدًا عما كان من القهر.
إن الرجاء في الله العلي الأعلى أن يرفع عن المسلمين ما نزل بهم من كربات ويجمع كلمتهم على الأخوة المتناصرة، ويأخذ بأيديهم إلى سبل الأمن والنجاة، فتشفى قلوبهم من الفرقة التي ضيعتهم وأغرت بهم أعداءهم.
إن على الأمة الإسلامية أن تذكر في هذا اليوم -يوم عيد الفطر- تلك الشعوب الإسلامية التي تكافح لاسترداد حقوقها المسلوبة، فتساندها وتمدها بما يعزز قوتها حتى تصل إلى غايتها، وأن ترعى أولئك الذين طردوا من ديارهم والذين أصابهم القحط، وليكونوا لهؤلاء وأولئك سندًا ومددًا بما يقيم الحياة ويعين على النجاة وفاءً بحقوق الأخوة.
نعم: ليذكر المسلمون -شعوبًا وحكومات- أولئك الذين أخرجوا من ديارهم وشردوا وعذبوا وأوذوا لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله وديننا الإسلام: في البوسنة والهرسك، في الهند، في بورما، في كشمير.
وليضموا صفوفهم وليجمعوا أمرهم وكلمتهم، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الرماح إذا تفرقت وتخاذلت تكسرت، وإن العدوان على أرض المسلمين وأهلهم واغتصاب نسائهم وتشريد أطفالهم إنذار من أولئك الذين أقدموا على هذه الأعمال الوحشية، إنهم ماضون في هذا الطريق اغتصابًا للأرض وللعِرض، وإن على المسلمين أن يصمدوا أمام هذه الهجمة الشرسة، وأن يذكروا أن حماية الدين والنفس والنسل والمال والعقل من ضرورات الإسلام، وأن الدفاع عنها كلا أو بعضا فرض حتم، وأن على الأمة الإسلامية أن تقف وقفة مع النفس، وأن تذكر ذلك المثل: "أُكلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض".
إن نكبة الأندلس تتكرر الآن مع المسلمين في بلاد البلقان، ومع المسلمين في الهند الذين تهدم دورهم ومساجدهم ويطاردون في بلادهم، وفي بورما، وفي بعض الجمهوريات الآسيوية التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي.
بل إن الاضطهاد يمتد إلى المقيمين في بعض البلاد الأوروبية وغيرها، الأمر الذي يجب أن ينبه المسلمين إلى أنهم الآن في دائرة الضوء، من أمم أخرى توافقت على الإضرار بالمسلمين ومنازلتهم؛ لشغلهم عن إصلاح شؤونهم وجمع كلمتهم، وامتد هذا التدخل في أمور المسلمين إلى نشر أسباب الاختلاف والتناحر من عرقية وقومية ومذهبية، مما ينذر بِشَرٍّ مستطير قد يحيق بهذه الأمة، وأن على العلماء والحكام والزعماء أن يغلقوا كل منافذ الشرور والخصام، وأن يعملوا على وأد كل فتنة في مهدها حتى تتمكن الأمة من اجتياز هذه المحنة وتخرج منها بسلام.
إن رمضان كان شهر عصمة واعتصام بحبل الله وموسم استشفاء جسدي ونفسي، نروض فيه أنفسنا لتتطبع على الخير وتزداد ونعالجها من الشرور والآثام، وليس هدف هذه العبادة أن يكون رمضان شهرًا يمضي وينقضي ثم ينقض المسلم ما بنى، وينفض يده وقلبه مما اعتاد فيه على الصفاء والنقاء وحب الخير للناس والسعي به وإليه، وإنما ينبغي أن نستصحب كل حسن من الفعال والأقوال إلى غيره من الشهور حتى يصير لحياتنا عمادًا ولأعمالنا عدة وعتادًا، وإن على هؤلاء الذين خرجوا من رمضان بزاد من التقوى للقلب والروح أن يحفظوا هذه الذخيرة لأنفسهم بضاعة رائجة، وللوطن وللأمة قوة عاملة؛ استفادة بالصبر والصوم والصلاة، وهؤلاء هم الذين يفرحون باستقبال يوم العيد باعتباره عبادة وشكرًا لله الذي قال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}. سورة يونس.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح