الثلاثاء، 20 أبريل 2010

الكتاب والميزان هما سر الحياة. لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد محمد المدني، من علماء كلية الشريعة بالأزهر الشريف

قال الله تعالى في سورة الشورى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ}. وقال في سورة الحديد: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
وهاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن شأن من شؤون الله تعالى في هذا الكون، لولاه ما استقر نظامه، ولا تمت عمارته، ولأدركه الفساد وطواه الفناء، ذلك هو سنة الله في إنزال الكتاب والميزان.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في معنى الميزان؛ فمنهم من فسره بالحقيقة اللغوية لهذا اللفظ، فذكر أن المراد به هو تلك الآلة التي تعرف بها مقادير الأشياء، ونسب هذا القول إلى الحسن والضحاك وقتادة، وقد رووا في تأييد ذلك أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام وقال: مر قومك يَزِنُوا به. كما رووا في شأن الحديد الذي جاء ذكره في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ما ورد من أن آدم نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والمقمعة، والمطرقة، والإبرة.
ولا يخفى أن هذا وقوف عند معاني الألفاظ المفردة وإهمال للمعنى التركيبي الذي جاء على المألوف في كتاب الله عز وجل، وفيما عرف من كلام العرب.
ومنهم من فسر الميزان بالعدل الذي شرعه الله وأمر به وجعله سببا في استقامة الأحوال وبقاء الملك واطمئنان كل ذي حق على حقه، وفي ذلك يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بالعدل قامت السموات والأرض». وهذا هو قول الحسين بن الفضل، ورجحه كثير من المفسرين.
ولا شك أن لكل من الميزان الذي هو آلة التقدير والمعادلة والميزان الذي هو العدل والقسطاس المستقيم شأنه في نظام الحياة وما تستقر عليه أحوال الناس، ولكن التعبير القرآني في هاتين الآيتين اللتين سقناهما يوحي بأن معنى آخر أجل من ذلك وأسمى وأبعد في نظام الكون أثرًا هو المراد؛ فالآية الأولى تقول: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} والكتاب -كما يقول العلماء-: جنس أريد به سائر الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله ليشرع لهم الدين ويبين لهم الحق ويأخذهم بالمنهج القويم الذي به يسعدون، ولا شك أن البشر ما كانوا يستطيعون أن يستقلوا بإدراك الخير والشر والحق والباطل والصلاح والفساد؛ لأن العقول تختلف، والأهواء تتضارب، والأزمان والبيئات تتفاوت، وقد يكون الخير في نظر قوم شرًّا في نظر آخرين، وقد يرى بعض الناس شيئًا من الأشياء حقا أو صلاحا، ويراه غيرهم باطلا أو فسادا، فلم يكن بد من هداية إلهية يقف أمامها العالم واثقًا مطمئنًا راضيًا لا يخالجه في صحتها شك، ولا يزلزله عنها تغير زمان أو مكان، أو تقلب حال بعد حال، فالمنة بإنزال الكتاب وإرسال الرسالات الإلهية إلى بني الإنسان منة عظمى؛ لأنها منة بتركيز الحياة على أسس ثابتة، ومقاييس عادلة، لولاها لظل بنو آدم في عماية من أمرهم، وتخبط في شؤونهم، وتداول بين المذاهب البشرية التي لا تسلم من الأغراض والأهواء والأخطاء.
وإذا كان الأمر كذلك كان من البعيد أن يذكر مع هذا المعنى الجليل والشأن الخطير شأن الميزان بمعنى آلة التقدير، وأن يسلط فعل "أنزل" على الميزان بهذا المعنى كما سلط على الكتاب، ومهما قال القائلون في فوائد الميزان ونفعه للناس في معاملاتهم وأخذهم وعطائهم وتحقيقه للعدل بينهم ونفيه للظلم والحيف، فإن ذلك لا يكفي لأن يقرنه الله بالكتب والرسالات الإلهية في الذكر، ويعبر عنهما جميعا بما يفيد أنهما منه صَدَرَا، وبتدبيره وعلمه كانا.
أما التفسير الثاني -وهو تفسير الميزان بالعدل- فإن كان المراد بالعدل التسوية بين الناس في الحقوق والواجبات ومنع الحيف والظلم، فذلك شأن عظيم وتشريع حكيم، له أثره في حياة الناس ومعيشتهم آمنين مطمئنين، ولكنه على ذلك معنى ضيق بجانب هذا التعبير القرآني؛ فالعدل شرعة أمر الله بها، وواجب على الناس اتباعها، كسائر ما تضمنه الكتاب من الشِّرَع والأحكام والمناهج، وليس يكفي أن نقول: عطف الخاص على العام أو نحو ذلك مما يلجأ إليه لتصحيح أصل الكلام، وتكلف الدفاع عن معنى معين، أو أن نقول كما قال أصحاب هذا القول أنفسهم بأن معنى الميزان على هذا التفسير هو القرآن، فكأنه قال: أنزل الكتب السماوية وأنزل القرآن بيانا لعظم شأنه واختصاصًا له بالذكر والتنويه على نحو ما قيل في عطف جبريل وميكال على الملائكة في قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}.
وإن كان المراد بالعدل أمرا أبعد من ذلك هو الذي ينبغي أن يفهم من الحديث الذي ساقوه، وهو العدل الإلهي الصادر من الله بمعنى معادلة الأشياء وإعطاء كل شيء خلقه، وتوفية كل مستحق ما استحقه، فذلك هو المعنى الصحيح الذي ينبغي أن تحمل عليه الآيتان ويفسر به الميزان.
بيان ذلك أن الميزان الذي أنزله الله هو التقدير المعلوم لكل شيء على حساب موافق للحكمة لا زيادة فيه ولا نقصان، وقد قامت السموات والأرض بهذا الميزان، فالسموات قد ضبط أمرها، وقدر شأنها بضابط إلهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء، وليس لأحد من الخلق فيه شأن، والأرض كذلك أنشأها الله، وهيأ أسباب الحياة فيها، وقدر فيها أقواتها، وأنبت فيها من كل شيء موزون، أي مقدر حسب الحكمة، ووفقا لحاجة سكانها، وكل ذلك بفعل الله وحده، ولو اختل شيء من ذلك واضطرب الميزان فيه لما بقيت الدنيا طرفة عين.
وإنما مثل هذه الدنيا من سمائها وأرضها وهوائها وبحارها وجميع ذراتها ما علمناه من أمرها وما خفي كمثل بناء متماسك له قوانين تضبطه، وموازين تحكمه، عليها بقاؤه، وباختلالها أو أحدها يكون اضطرابه ثم فناؤه. ولما كان هذا الميزان من صنع الله وليس لأحد فيه شأن قَل أو جل قال الله تعالى: {أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ}. ليفهمنا أن الكتاب والرسالات الإلهية أمر تقضي به حكمة الحكيم، ورحمة الرحيم، وهي منه صادرة، وإلى الناس نازلة، كذلك الميزان والتقدير الذي دبرت عليه الكائنات وقامت به الأرض والسموات هو منه وبه، ولولاه ما كانت الدنيا.
وكما يقال هذا في الآية الأولى يقال في الآية الثانية، وهو قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} فهي تتحدث عن نعمة الله في اصطفاء فريق من خلقه يعهد إليهم بالرسالة إلى الناس، ويهيئهم لهذه الرسالة بما يطبعهم عليه من الصفات العالية، ويؤيدهم بالبينات، ليعلم الناس صدقهم، ويؤمنوا بهم، وهو مع ذلك لم يتركهم لما منحهم من صفات وهيأهم عليه من طبائع شريفة، ولكنه أنزل مع إرسالهم الكتاب وأنزل الميزان. وقد يفسر الإنزال حين يعدَّى إلى الكتاب بمعنى الإيحاء، وحين يعدَّى إلى الميزان أو الحديد بمعنى التهيئة والإنشاء كما في قوله تعالى: {أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} ومهما يكن من شيء فقد جمع الله بين إنزال الكتاب وإنزال الميزان، فلا ينبغي أن نفهم الميزان على معنى يضيق عما أسلفنا من التفسير والبيان.
الكتاب والميزان إذن هما أساس الحياة، وفطرة الله التي فطر عليها هذا الخلق، وبرأ بها هذا الكون، وبعبارة أخرى: لا قوام للعالم إلا بالرسالات الإلهية التي جاد الله بها على خلقه هداية لهم وتعليما وأخذًا بأيديهم إلى السعادة والهناءة، كما لا قوام له إلا بهذا الميزان المنضبط والتقدير السليم المحكم الذي قدر الله به جميع ما خلق، وصان به الكون من الزوال والخلل والاضطراب، وقد يلتقي مع هذا المعنى قوله تعالى في آية أخرى: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} إذا فسر بأنه منح كل شيء في هذا الكون خواصه ومزاياه على تقدير حكيم، ووزن سليم؛ فللماء خصائصه بميزان وتقدير، وللهواء خصائصه بميزان وتقدير، وللجماد في مختلف أنواعه خصائصه، وللحيوان خصائصه، وللشمس وللقمر وللنجوم خصائصها... إلى غير ذلك مما خلق الله، ثم هدى الناس إلى الحق والخير والجمال بما بعث فيهم من رسل، وأنزل عليهم من كتاب.
أما بعد، فإن الكتاب أمر ونهي، وتحريم وتحليل، ووعظ وتذكير، وتربية للروح، وإرشاد إلى المثل الطيبة والأخلاق الفاضلة، وتنفير من الرذيلة، وحث على الفضيلة، والميزان هو مظهر الحكمة الإلهية والتدبير الرباني فيما نرى من غنى وفقر، أو صحة وسقم، أو ذكاء وغباء، أو جمال وقبح، أو سعادة وشقاء، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولكنه وزع الحظوظ، وقسم القسم، وخالف بين خلقه من الأشياء والأشخاص والأمكنة والأزمنة، ففضل ما شاء على ما شاء، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ولن يصلح أمر هذه الحياة إلا بالكتاب والميزان، فكل نظام من النظم البشرية يقوم على أساس الرضوخ لهما والاعتراف بهما والوقوف عند حدودهما والرضا بحكمهما، فهو نظام ناجح باقٍ؛ لأنه موافق للطبيعة والفطرة، غير معاند لسنن الله التي أقام عليها هذا الكون، وكل نظام يرفض هذين أو أحدهما ولا يرضى بهما أساسًا له، فيحاول أن يخرج على شرائع الله، وأن يتعدى حدود الله، أو يحاول أن يطغى في الميزان ويعدل بزعمه أمر الله -فهو نظام زائف مزلزَل لا بقاء له ولا حياة، ولن يستقر معه قرار الناس، ولو أيدته القوة، ودعا له الدعاة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح