الألفاظ أوعية المعاني، ولكل معنى لفظ يدل عليه، ويعبُر عن طريقه إلى الذهن، والألفاظ بما تحمل من المعاني ثروة بين الجميع على سواء، لا يَعِنُّ لمتكلم معنى يريد التعبير عنه إلا وفي ألفاظ اللغة ما يسعفه ويكفي لطلبته.
وقد كان ذلك مدعاة أن لا يفضُل كلام كلاما، أن لو كان الأمر على ذلك في الألفاظ المجتمعة كمثله في الألفاظ المفردة، لكن لما كان اجتماع الألفاظ مجالا لخصائص وزيادات تحدث في أصول المعاني، كان تفاضل الكلام بحسب تفاوته في اشتماله على هذه الخصائص والزيادات، فلا يزال الكلام يترقى بها إلى أن يبلغ حد الإعجاز أو ما يقرب منه، ولا يزال يسفل بفقدها إلى أن يلتحق عند البلغاء بأصوات العجماوات وإن كان صحيح الإعراب.
ولم يقتصر القرآن الكريم في طلاوته وبلوغه حد الإعجاز على أدائه المعاني بعبارات مشتملة على أعلى هذه الوجوه والخصائص المعروفة التي بها يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، بل إنه أتى في هذا الباب بشيء عجيب طريف لا يتأتى في غيره إلا متابعة له أو اقتباسا منه؛ ذلك هو تمكين المعنى بوضع الجملة وحس الكلمة، وهيئة التراكيب وأجراسها الصوتية، وفواصل الآيات ومقاطعها، حتى ليتناسب التعبير مع المعبر عنه، وتساعد الجمل والكلمات بوضعها وكيفياتها على تصوير المعاني وتجسيمها.
انظر مثلا إلى قوله تعالى في سورة الرحمن: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}. الطغيان في الميزان: الزيادة فيه، والإخسار له: النقص منه، وبين الزيادة فيه والنقص منه طريقة وسطى هي إقامته بالقسط.
الجملة الأولى نهي عن الطغيان، والجملة الأخيرة نهي عن الإخسار، والجملة الوسطى أمر بالقسط، وفي مجيئها وسطى في الوضع مع أمرها بالطريقة الوسطى موافقة الوضع للمعنى، ومحاذاة في صورة التعبير لصورة المعبر عنه، وقريب منه ما في سورة هود من قول شعيب لقومه: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} حيث وقعت جملة الأمر بالقسط في المكيال والميزان وسطى بين جملتي النهي عن النقص منه.
وانظر مثلا آخر: قول الله سبحانه في سورة الشورى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} كيف جاء لفظ الإناث والذكور على التنكير في سائر الألفاظ إلا في موضع واحد وقع فيه تعريف الذكور "بأل". قد يقال: إنها الفاصلة. نعم، ووراء الفاصلة سر آخر: حجر الأساس، وجيب الزاوية في هذا الوجود، هم الذكور: الرسالات، العلم، الملك، قيادة القافلة الإنسانية يدور الأمر في ذلك كله على كاهل الذكور. خلق الله آدم قبل حواء، الرجال قوامون على النساء، للذكر في الميراث مثل حظ الأنثيين.
لا بدع بعد ذلك أن يكون الذكور أعرف من الإناث، وأن يكون التعريف في هذا اللفظ خاصة للإشارة إلى ما ذكر من متعلقات مدلوله.
وانظر مثلا آخر: قول الله في سورة الأنعام الآية 99: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}، والآية 141 من السورة نفسها: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} لم يخرج العبارتين في الآيتين -وهما لمعنى واحد- على ألفاظ واحدة هي هي، ولكنه أخرجهما على ألفاظ متشابهة كأنها هي، فالألفاظ واحدة إلا ما كان في التركيب الأول من الاشتباه بدل التشابه، والاشتباه غير التشابه في التلفظ ونظام الحروف، لكنه عينه في الأصل والمعنى بدليل المقابلة بينهما، وهذه المغايرة اللفظية أوجدت شبها بين اللفظين في تركيب واحد، وشبها آخر بين التركيبين في الآيتين؛ فكانت الكلمات الدالة على تشابه الزيتون والرمان نفسها متشابهة؛ فكان ذلك من تصوير التعبير بصورة المعبر عنه، ومحاذاة في الصورة اللفظية للصورة المعنوية.
وانظر مثلا آخر: إلى الكلمات الأربع "اثَّاقَلْتُمْ" في قوله تعالى في سورة التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ}. و"أَنُلْزِمُكُمُوهَا" في قوله تعالى في سورة هود: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}. و"يَصْطَرِخُونَ" في قوله تعالى في سورة فاطر في أهل النار: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} و"بِمُصَيْطِرٍ" في قوله تعالى في سورة الغاشية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} كيف أن الكلمة الأولى بما فيها من إبدال وإدغام واجتلاب همز الوصل توصلا للنطق بالساكن وثقلها في النطق، بعد ذلك كله كانت أبرع وأبدع تصوير لهذا الثقل المراد تصويره، ثقل البطيء الذي عليه مثل الجبال من الكسل، فلا يخف لما يؤمر به. هذا التصوير الذي لم يكن ليكون لو كان التعبير على الأصل بقوله: "تثاقلتم".
وكيف أن الكلمة الثانية بكثرة حركة الضمة فيها(1) وتكرر بعض حروفها، كانت خير تصوير لما يكون من الثقل على الملزم بشيء هو له كاره؛ هذا التصوير الذي لم يكن ليكون لو كان التعبير بقوله: "أنلزمكم إياها" (2).
وكيف أن الكلمة الثالثة بغلظ جرسها، وقوة منطقها وحروفها كانت خير تصوير لقوة الصراخ المنبعث عن شدة الهول والفزع من أهل جهنم، هذا التصوير الذي لم يكن ليكون لو كان التعبير بقوله تعالى: "يصرخون فيها".
وكيف أن الكلمة الرابعة كسابقتها تصور بقوة جرسها وغلظ حروفها هيمنة المسيطر على المسيطر عليه؛ هذا التصوير الذي أعان عليه إبدال السين صادًا كما أبدلت تاء الافتعال في سابقتها طاءً، والطاء فيها من القوة والغلظ ما ليس في السين والتاء.
وانظر مثلا آخر: قوله سبحانه وتعالى في سورة النجم: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى* تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} فإن الكلمة الأخيرة في أصلها وحشية عسيرة ثقيلة على اللسان، لكن مجيئها هذا المجيء جعل لها من الروعة والرونق، ما جعل الرافعي(3) يقول فيها: "كانت غرابة اللفظ أشبه الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرت، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الثانية، وكان هذا التصوير أبلغ البلاغة، وخاصة في اللفظة العربية التي تمكنت في موضعها من الفاصلة، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى أسفل وإلى أعلى، وجمعت إلى ذلك كله غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية".
وقريب منه قوله تعالى في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، "فإن النحاة يقولون: إن "ما" زائدة أي في الإعراب، فيظن من لا بصر له أنها كذلك في النظم، ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لونا من التصوير لو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته؛ فإن المراد بالآية تصوير لين النبي لقومه، وأن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في "ما" وضعا لفظيا يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منها في بلاغة السياق، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها وهو لفظ "رحمة" مما يلفت النظر إلى تدبر المعنى، وينبه الفكر على قيمة الرحمة، وذلك كله طبيعي في بلاغة الآية كما ترى"(4).
وانظر مثلا آخر إلى القرآن كله نظرة إجمالية تتفحص فيها مدنيه تارة ومكيه أخرى، فإنك واجد أن لكل قبيل في أغلب أمره مسحةً تغلب عليه وظاهرة تنتظمه. فالمدني طويل السور طويل الآيات، هادئ الأسلوب رقيق العبارات، لين الفواصل والمقاطع، وذلك أنسب شيء بما يتضمنه من الأحكام الشرعية والقوانين الفقهية والمطارحات العلمية مع أهل الكتاب.
والمكي قصير السور، قصير الآيات، عنيف الأسلوب، قوي الفواصل والمقاطع، ألفاظه شديدة الجرس، سجعه قوي صاخب كأنه موج يهدر؛ وذلك أنسب شيء بما تضمنه من النذر القارعة، والزواجر الرادعة، والمواعظ الجامعة، التي يقتضيها حال أهل مكة، أهل العناد والجحود، وقساوة القلب، وجفاف الطبع.
ومن عجب أن اللفظ يكون واحدا في معنى واحد في قصة واحدة، فيرد في سورة البقرة المدنية على جهة التخفيف، ويرد في سورة "طه" المكية على جهة التشديد؛ فيقول تعالى في السورة الأولى قصة آدم: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، ويقول تعالى في السورة الثانية قصة آدم أيضا: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}.
وانظر مثلا آخر: هذه الفواصل(5) القرآنية التي تنوعت فيها واختلف فيها الصنيع بين السورة والأخرى، وبين آيات السورة الواحدة.
أما السورة الواحدة ذات الفاصلة الواحدة؛ فإنك تجدها وفاصلتها بمقطعها وجرسها الصوتي أنسب شيء بمعناها، وأسرع خطورا بالبال إذا ذكرت السورة، أو ذكر بعض آياتها، حتى لتنعقد في قرارة النفس الحافظة عملية من التداعي والارتباط بين السورة وفواصلها، بل بين سائر الآيات والفواصل فيها. هذه سورة الناس تقرؤها فتكاد تصور لك بجرسها وفاصلتها وتكرر حرف السين فيها، هذه الوسوسة التي سيقت السورة لتصويرها: وسوسة الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس(6).
وهذه سورة القمر تقرؤها فتعطيك بجرسها وفواصلها والتزام حرف الراء الساكنة فيها، ما تعطيك بمعانيها من تهديد أهل مكة وإنذارهم وقرع العصا لهم مرات ومرات(7).
أما السورة الواحدة ذات الفواصل المتنوعة في آياتها، فغالبا ما يكون هذا التنوع عند تنوع المعاني وانتقال الكلام من غرض إلى غرض، ومن طريقة إلى أخرى، كأنما يرمز بتغير الفاصلة إلى تغير ذلك. فهناك سور بدئت بقسم مقسم به ومقسم عليه، ولا يخفى ما بين الأخيرين من تنوع، غالبا ما تكون الفاصلة في المقسم به غيرها في المقسم عليه، لا سيما إذا كان في القسم طول والسورة أيضا طويلة، كما كان عليه الحال في السور: الذاريات، الطور، الصافات، المرسلات، النازعات، العاديات. أما إذا كان في القسم قصر أو كانت السورة قصيرة، فغالبا ما تكون الفاصلة في المقسم به وعليه واحدة، كما كان عليه الحال في السور: النجم، الضحى، الشمس، التين، العصر، البلد.
وهذه سورة "ص" تستمر فيها الفاصلة على وتيرة متشابهة حتى الآية 67، فتتغير فيها الفاصلة إلى وتيرة أخرى حتى ختام السورة، وفي هذا القدر الأخير يتمحض الحديث عن قصة آدم، وشيء قليل من التنبيه إلى ما في القرآن من حق وعظمة.
وهذه سورة "غافر" ترى فيها الفاصلة على وتيرة واحدة من الآية 24 إلى الآية 55، وترى هذه الآيات خاصة بالحديث عن رسالة موسى إلى فرعون وهامان وقارون، وما أجابوا به وما آل إليه أمرهم، وما قبل هذه الآيات وما بعدها من السورة غير متخصص لا في موضوعه ولا في فاصلته.
وهذه سورة نوح وإن كانت كلها في قصة نوح، إلا أنها من الآية الخامسة فيها إلى نهايتها خلص الكلام لحكاية رفع نوح الأمر إلى ربه، يشكو إليه قومه واستكبارهم، ويستنزل عليهم السخط والغضب، ويدعوه أن لا يذر على الأرض منهم ديارا، وإلا أضلوا عباده ولم يلدوا إلا فاجرًا كفارا، فكان كله ذا فاصلة واحدة، فيها قوة وشدة جرس مناسبة لحال غضبه على قومه.
وهذه سورة النازعات من الآية 5 إلى الآية 26 فاصلة تكاد تكون واحدة متميزة عما قبلها وبعدها في نفس السورة، كتميز الآيات نفسها بتخصيصها للحديث عن موسى وفرعون.
وهناك سور أخرى كثيرة، فيما ذكرته هنا مثال لها يحتذى، ومنوال ينسج عليه، وكفى.
---------------------------------
1 - الضمة أثقل الحركات.
2- ظاهر كلام النحاة أن الفصل والوصل في هذا الضمير جائزان على سواء.
3- إعجاز القرآن.
4- المرجع نفسه.
5- الفاصلة: كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع.
6- راجع كتاب التصوير الفني في القرآن للأستاذ سيد قطب.
7- راجع السور ذات الفاصلة الواحدة كالكوثر والإخلاص والفيل والشمس والقدر والفتح والمرسلات والجن.
وقد كان ذلك مدعاة أن لا يفضُل كلام كلاما، أن لو كان الأمر على ذلك في الألفاظ المجتمعة كمثله في الألفاظ المفردة، لكن لما كان اجتماع الألفاظ مجالا لخصائص وزيادات تحدث في أصول المعاني، كان تفاضل الكلام بحسب تفاوته في اشتماله على هذه الخصائص والزيادات، فلا يزال الكلام يترقى بها إلى أن يبلغ حد الإعجاز أو ما يقرب منه، ولا يزال يسفل بفقدها إلى أن يلتحق عند البلغاء بأصوات العجماوات وإن كان صحيح الإعراب.
ولم يقتصر القرآن الكريم في طلاوته وبلوغه حد الإعجاز على أدائه المعاني بعبارات مشتملة على أعلى هذه الوجوه والخصائص المعروفة التي بها يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، بل إنه أتى في هذا الباب بشيء عجيب طريف لا يتأتى في غيره إلا متابعة له أو اقتباسا منه؛ ذلك هو تمكين المعنى بوضع الجملة وحس الكلمة، وهيئة التراكيب وأجراسها الصوتية، وفواصل الآيات ومقاطعها، حتى ليتناسب التعبير مع المعبر عنه، وتساعد الجمل والكلمات بوضعها وكيفياتها على تصوير المعاني وتجسيمها.
انظر مثلا إلى قوله تعالى في سورة الرحمن: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}. الطغيان في الميزان: الزيادة فيه، والإخسار له: النقص منه، وبين الزيادة فيه والنقص منه طريقة وسطى هي إقامته بالقسط.
الجملة الأولى نهي عن الطغيان، والجملة الأخيرة نهي عن الإخسار، والجملة الوسطى أمر بالقسط، وفي مجيئها وسطى في الوضع مع أمرها بالطريقة الوسطى موافقة الوضع للمعنى، ومحاذاة في صورة التعبير لصورة المعبر عنه، وقريب منه ما في سورة هود من قول شعيب لقومه: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} حيث وقعت جملة الأمر بالقسط في المكيال والميزان وسطى بين جملتي النهي عن النقص منه.
وانظر مثلا آخر: قول الله سبحانه في سورة الشورى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} كيف جاء لفظ الإناث والذكور على التنكير في سائر الألفاظ إلا في موضع واحد وقع فيه تعريف الذكور "بأل". قد يقال: إنها الفاصلة. نعم، ووراء الفاصلة سر آخر: حجر الأساس، وجيب الزاوية في هذا الوجود، هم الذكور: الرسالات، العلم، الملك، قيادة القافلة الإنسانية يدور الأمر في ذلك كله على كاهل الذكور. خلق الله آدم قبل حواء، الرجال قوامون على النساء، للذكر في الميراث مثل حظ الأنثيين.
لا بدع بعد ذلك أن يكون الذكور أعرف من الإناث، وأن يكون التعريف في هذا اللفظ خاصة للإشارة إلى ما ذكر من متعلقات مدلوله.
وانظر مثلا آخر: قول الله في سورة الأنعام الآية 99: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}، والآية 141 من السورة نفسها: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} لم يخرج العبارتين في الآيتين -وهما لمعنى واحد- على ألفاظ واحدة هي هي، ولكنه أخرجهما على ألفاظ متشابهة كأنها هي، فالألفاظ واحدة إلا ما كان في التركيب الأول من الاشتباه بدل التشابه، والاشتباه غير التشابه في التلفظ ونظام الحروف، لكنه عينه في الأصل والمعنى بدليل المقابلة بينهما، وهذه المغايرة اللفظية أوجدت شبها بين اللفظين في تركيب واحد، وشبها آخر بين التركيبين في الآيتين؛ فكانت الكلمات الدالة على تشابه الزيتون والرمان نفسها متشابهة؛ فكان ذلك من تصوير التعبير بصورة المعبر عنه، ومحاذاة في الصورة اللفظية للصورة المعنوية.
وانظر مثلا آخر: إلى الكلمات الأربع "اثَّاقَلْتُمْ" في قوله تعالى في سورة التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ}. و"أَنُلْزِمُكُمُوهَا" في قوله تعالى في سورة هود: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}. و"يَصْطَرِخُونَ" في قوله تعالى في سورة فاطر في أهل النار: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} و"بِمُصَيْطِرٍ" في قوله تعالى في سورة الغاشية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} كيف أن الكلمة الأولى بما فيها من إبدال وإدغام واجتلاب همز الوصل توصلا للنطق بالساكن وثقلها في النطق، بعد ذلك كله كانت أبرع وأبدع تصوير لهذا الثقل المراد تصويره، ثقل البطيء الذي عليه مثل الجبال من الكسل، فلا يخف لما يؤمر به. هذا التصوير الذي لم يكن ليكون لو كان التعبير على الأصل بقوله: "تثاقلتم".
وكيف أن الكلمة الثانية بكثرة حركة الضمة فيها(1) وتكرر بعض حروفها، كانت خير تصوير لما يكون من الثقل على الملزم بشيء هو له كاره؛ هذا التصوير الذي لم يكن ليكون لو كان التعبير بقوله: "أنلزمكم إياها" (2).
وكيف أن الكلمة الثالثة بغلظ جرسها، وقوة منطقها وحروفها كانت خير تصوير لقوة الصراخ المنبعث عن شدة الهول والفزع من أهل جهنم، هذا التصوير الذي لم يكن ليكون لو كان التعبير بقوله تعالى: "يصرخون فيها".
وكيف أن الكلمة الرابعة كسابقتها تصور بقوة جرسها وغلظ حروفها هيمنة المسيطر على المسيطر عليه؛ هذا التصوير الذي أعان عليه إبدال السين صادًا كما أبدلت تاء الافتعال في سابقتها طاءً، والطاء فيها من القوة والغلظ ما ليس في السين والتاء.
وانظر مثلا آخر: قوله سبحانه وتعالى في سورة النجم: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى* تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} فإن الكلمة الأخيرة في أصلها وحشية عسيرة ثقيلة على اللسان، لكن مجيئها هذا المجيء جعل لها من الروعة والرونق، ما جعل الرافعي(3) يقول فيها: "كانت غرابة اللفظ أشبه الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرت، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الثانية، وكان هذا التصوير أبلغ البلاغة، وخاصة في اللفظة العربية التي تمكنت في موضعها من الفاصلة، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى أسفل وإلى أعلى، وجمعت إلى ذلك كله غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية".
وقريب منه قوله تعالى في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، "فإن النحاة يقولون: إن "ما" زائدة أي في الإعراب، فيظن من لا بصر له أنها كذلك في النظم، ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لونا من التصوير لو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته؛ فإن المراد بالآية تصوير لين النبي لقومه، وأن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في "ما" وضعا لفظيا يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منها في بلاغة السياق، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها وهو لفظ "رحمة" مما يلفت النظر إلى تدبر المعنى، وينبه الفكر على قيمة الرحمة، وذلك كله طبيعي في بلاغة الآية كما ترى"(4).
وانظر مثلا آخر إلى القرآن كله نظرة إجمالية تتفحص فيها مدنيه تارة ومكيه أخرى، فإنك واجد أن لكل قبيل في أغلب أمره مسحةً تغلب عليه وظاهرة تنتظمه. فالمدني طويل السور طويل الآيات، هادئ الأسلوب رقيق العبارات، لين الفواصل والمقاطع، وذلك أنسب شيء بما يتضمنه من الأحكام الشرعية والقوانين الفقهية والمطارحات العلمية مع أهل الكتاب.
والمكي قصير السور، قصير الآيات، عنيف الأسلوب، قوي الفواصل والمقاطع، ألفاظه شديدة الجرس، سجعه قوي صاخب كأنه موج يهدر؛ وذلك أنسب شيء بما تضمنه من النذر القارعة، والزواجر الرادعة، والمواعظ الجامعة، التي يقتضيها حال أهل مكة، أهل العناد والجحود، وقساوة القلب، وجفاف الطبع.
ومن عجب أن اللفظ يكون واحدا في معنى واحد في قصة واحدة، فيرد في سورة البقرة المدنية على جهة التخفيف، ويرد في سورة "طه" المكية على جهة التشديد؛ فيقول تعالى في السورة الأولى قصة آدم: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، ويقول تعالى في السورة الثانية قصة آدم أيضا: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}.
وانظر مثلا آخر: هذه الفواصل(5) القرآنية التي تنوعت فيها واختلف فيها الصنيع بين السورة والأخرى، وبين آيات السورة الواحدة.
أما السورة الواحدة ذات الفاصلة الواحدة؛ فإنك تجدها وفاصلتها بمقطعها وجرسها الصوتي أنسب شيء بمعناها، وأسرع خطورا بالبال إذا ذكرت السورة، أو ذكر بعض آياتها، حتى لتنعقد في قرارة النفس الحافظة عملية من التداعي والارتباط بين السورة وفواصلها، بل بين سائر الآيات والفواصل فيها. هذه سورة الناس تقرؤها فتكاد تصور لك بجرسها وفاصلتها وتكرر حرف السين فيها، هذه الوسوسة التي سيقت السورة لتصويرها: وسوسة الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس(6).
وهذه سورة القمر تقرؤها فتعطيك بجرسها وفواصلها والتزام حرف الراء الساكنة فيها، ما تعطيك بمعانيها من تهديد أهل مكة وإنذارهم وقرع العصا لهم مرات ومرات(7).
أما السورة الواحدة ذات الفواصل المتنوعة في آياتها، فغالبا ما يكون هذا التنوع عند تنوع المعاني وانتقال الكلام من غرض إلى غرض، ومن طريقة إلى أخرى، كأنما يرمز بتغير الفاصلة إلى تغير ذلك. فهناك سور بدئت بقسم مقسم به ومقسم عليه، ولا يخفى ما بين الأخيرين من تنوع، غالبا ما تكون الفاصلة في المقسم به غيرها في المقسم عليه، لا سيما إذا كان في القسم طول والسورة أيضا طويلة، كما كان عليه الحال في السور: الذاريات، الطور، الصافات، المرسلات، النازعات، العاديات. أما إذا كان في القسم قصر أو كانت السورة قصيرة، فغالبا ما تكون الفاصلة في المقسم به وعليه واحدة، كما كان عليه الحال في السور: النجم، الضحى، الشمس، التين، العصر، البلد.
وهذه سورة "ص" تستمر فيها الفاصلة على وتيرة متشابهة حتى الآية 67، فتتغير فيها الفاصلة إلى وتيرة أخرى حتى ختام السورة، وفي هذا القدر الأخير يتمحض الحديث عن قصة آدم، وشيء قليل من التنبيه إلى ما في القرآن من حق وعظمة.
وهذه سورة "غافر" ترى فيها الفاصلة على وتيرة واحدة من الآية 24 إلى الآية 55، وترى هذه الآيات خاصة بالحديث عن رسالة موسى إلى فرعون وهامان وقارون، وما أجابوا به وما آل إليه أمرهم، وما قبل هذه الآيات وما بعدها من السورة غير متخصص لا في موضوعه ولا في فاصلته.
وهذه سورة نوح وإن كانت كلها في قصة نوح، إلا أنها من الآية الخامسة فيها إلى نهايتها خلص الكلام لحكاية رفع نوح الأمر إلى ربه، يشكو إليه قومه واستكبارهم، ويستنزل عليهم السخط والغضب، ويدعوه أن لا يذر على الأرض منهم ديارا، وإلا أضلوا عباده ولم يلدوا إلا فاجرًا كفارا، فكان كله ذا فاصلة واحدة، فيها قوة وشدة جرس مناسبة لحال غضبه على قومه.
وهذه سورة النازعات من الآية 5 إلى الآية 26 فاصلة تكاد تكون واحدة متميزة عما قبلها وبعدها في نفس السورة، كتميز الآيات نفسها بتخصيصها للحديث عن موسى وفرعون.
وهناك سور أخرى كثيرة، فيما ذكرته هنا مثال لها يحتذى، ومنوال ينسج عليه، وكفى.
---------------------------------
1 - الضمة أثقل الحركات.
2- ظاهر كلام النحاة أن الفصل والوصل في هذا الضمير جائزان على سواء.
3- إعجاز القرآن.
4- المرجع نفسه.
5- الفاصلة: كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع.
6- راجع كتاب التصوير الفني في القرآن للأستاذ سيد قطب.
7- راجع السور ذات الفاصلة الواحدة كالكوثر والإخلاص والفيل والشمس والقدر والفتح والمرسلات والجن.
التعليقات: 0
Post a Comment