الثلاثاء، 20 أبريل 2010

منزلة السنة من الدين وضرورة العمل بها والإنكار على من ردها. لحضرة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي

الفصل الأول- المقياس الصحيح للحديث:
يقول بعض المؤلفين:
إن خير مقياس يقاس به الحديث وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي، ما روي عنه -عليه السلام- أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني».
وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر.

الفصل الثاني:
فلننظر في مقدار ما في هذا الحكم من صحة.
قال الإمام الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول" ص31:
"... وأما ما يروى من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن، فقال يحيى بن معين: إنه موضوع وضعته الزنادقة".
وقال الشافعي: "ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير" (صوابه: صغر أو كبر).
وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم: "قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله»" اهـ.
وجاء في كتاب جامع بيان العلم لابن عبد البر ج2 ص190:
"قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعني ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أنا موافق كتاب الله، وبه هداني الله».
وهذه الألفاظ لا تصح عنه -صلى الله عليه وسلم- عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه" اهـ.
وجاء في الرسالة للإمام الشافعي ص224.
"قال قائل: أفتجد حجة على من روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله»؟ فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر.
وهذه أيضا رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء" اهـ.
وجاء في الحاشية بقلم الأستاذ أحمد محمد شاكر:
"هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة كلها موضوع، أو بالغ الغاية في الضعف حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد".
قال في عون المعبود 4/ 329: "فأما ما رواه بعضهم أنه قال: «إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه ...» فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة".
ونقل العلامة الفتني في تذكرة الموضوعات ص28 عن الخطابي أنه قال أيضا: "وضعته الزنادقة".
ونقل هو والعجلوني في كشف الخفا 1/ 86 عن الصغاني أنه قال: "هو موضوع".
وقد كتب الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم، في هذا المعنى فصلا نفيسا جدا، في كتاب الأحكام 2/ 76 -82 وروى بعض ألفاظ هذا الحديث المكذوب، وأبان عن عللها فشفى. ومما قال فيه:
"ولو أن امرءًا قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند العجز؛ لأن ذلك أقل ما يقع عليه اسم الصلاة، ولا حد للأكثر في ذلك؛ وقائل هذا كافر، مشرك، حلال الدم والمال".
ثم قال: "ولو أن امرءًا لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط، أو يترك كل ما اختلفوا فيه، مما قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقا بإجماع الأمة. فهاتان المقدمتان توجبان بالضرورة الأخذ بالنقل" اهـ.

الفصل الثالث: نقض هذا المقياس:
قال الإمام الشوكاني في "إرشاد الفحول" ص31:
"وقد عارض حديث العرض قوم فقالوا: "وعرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فخالف؛ لأنا وجدنا في كتاب الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. 59/ الحشر: 7.
ووجدنا فيه أيضا: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 3/ آل عمران: 31. ووجدنا فيه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} 4/ النساء: 80" اهـ.

الفصل الرابع: فرض الله طاعة رسوله فيما سنه -صلى الله عليه وسلم-
قال الإمام الشافعي في الرسالة ص73: بيان فرض الله في كتابه اتباع نبيه:
قال الشافعي: "وضع اللهُ رسوله من دينه وفرضِه وكتابِه الموضعَ الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله عَلما لدينه بما افترض من طاعته وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال تبارك وتعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} 7/ الأعراف: 158 وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} 24/ النور: 62، فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تبع له، الإيمانَ بالله ثم برسوله، فلو آمن عبدٌ به ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمنَ برسوله معه؛ وهكذا سن رسول الله في كل من امتحنه للإيمان.
أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: «أتيت رسول الله بجارية، فقلت يا رسول الله، عليّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها»" اهـ.

الفصل الخامس: منزلة السنة من الدين:
قال ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله جزء ثان ص33 و34:
"وأما أصول العلم فالكتاب والسنة، وتنقسم السنة قسمين: أحدهما إجماع تنقله الكافة عن الكافة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصا من نصوص الله يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب؛ لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم.
والضرب الثاني من السنة، خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإِسناد، فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول: إنه يوجب العلم والعمل جميعا" اهـ.
جاء في إرشاد الفحول للإمام الشوكاني ص31:
قال في معنى كلمة السنة: "وأما معناها شرعا، أي في اصطلاح أهل الشرع، فهي قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله وتقريره. وتطلق بالمعنى العام على الواجب وغيره، في عرف أهل اللغة والحديث" اهـ.
وقال في استقلال السنة النبوية بالتشريع:
"البحث الثاني: اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن، في تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه»، أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن، وذلك كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وغير ذلك مما لم يأت عليه الحصر" اهـ.
وجاء في سنن أبي داود 39 كتاب السنة، باب لزوم السنة جزء رابع ص200
"حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أبو عمرو بن كثير بن دينار، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معديكرب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إلا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يُعقبهم بمثل قراه».
حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»" اهـ.
وجاء في جامع الترمذي 93 كتاب العلم 10 باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-. جزء ثان ص110:
"حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع وغيره رفعه قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر اللخمي، عن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حرم الله»" اهـ.
وجاء في سنن ابن ماجه: المقدمة 2- باب تعظيم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتغليظ على من عارضه. الجزء الأول ص5.
"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، حدثني الحسن بن جابر عن المقدام بن معديكرب الكندي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل ما حرم الله».
حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا سفيان بن عيينة في بيته أنا سألته عنه عن سالم أبي النضر، ثم مر في الحديث، قال أو زيد بن أسلم، عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» اهـ.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح