كان التيار الذي طبع النصف الأول من القرن التاسع عشر بطابعه ـ سواء أكان ذلك في الجانب الديني أم الأدبي ـ هو تيار تلك الحركة القوية التي دعيت في التاريخ باسم الحركة الرومانتيكية، والتي كانت إحدى نتائج الانقلاب الثوري الفرنسي، والتي امتد سلطانها إلى أكثر دول الغرب. ولما كان لا يعنينا الآن من هذه الحركة غير الدين من حيث علائقه بالعلم، فقد وجب أن نقصر حديثنا اليوم على ذلك، ومجموع القول في هذا الشأن هو أننا إذا تعقبنا الفِكَر الدينية في ذلك العصر ألفينا أن أسسها العامة في المحيط الثقافي تعتمد على مبادئ "جان جاك روسو" jean Jacques rousseau الذي يمكن أن يعتبر ضمن طلائع تلك الحركة الرومانتيكية ممن أعدوا القول لذلك الانقلاب كله وهيئوا النفوس لاستقباله، ويمكن أن نوجز أقوال "روسو" في الديانة بأنها إيمان نابع من داخل النفس، منبثق من شغاف القلب، منبجس من أعماق العواطف الإنسانية. وعلى جملة من القول يمكن حدُّ الدين على حسب قوله بأنه: مجموعة من المبادئ التي بلغ الشعور بوجودها أقصى أواجه وإن لم يكن من الممكن التدليل عليها بالبرهان العقلي، أو تأييدها بالحجة المنطقية القاطعة؛ لأنها لا تعدو كونها وَثَبَات روحانية غير معتمدة على المقدمات العقلية، ولم تنشئها تأملات نظرية، وموضع هذا الدين هو إرضاء حاجات القلب وقيادة السلوك الخلقي. ولا جرم أن هذه النظرة إلى الدين تجعله عاطفيًّا بحتًا وتنتهي به إلى الانفصال نهائيًّا عن العلم، بل تجعله ينطق بلغة غير لغة العلم، ويسير في الحياة على غير نهجه وبغير أسلوبه، وبهذا يستطيع كل منهما أن يتجه في طريقه ناميًا متطورًا اتجاه الخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان مهما امتدَّا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العاطفة قد استطاعت أن تساير الديانة المسيحية مسايرة تختلف مع مسايرة العقل الذي كثيرًا ما يبدو متعارضًا معها، وقد نشأ هذا التعارض من أن مظاهرها تخاطب القلوب والمشاعر أكثر من مخاطبة الفكر، وتعتمد على الحب والإيثار أكثر من اعتمادها على المتعقلات الفلسفية أو المدركات النظرية، ولا ريب أنها تنتزع -عن طريق هذه الاتصالات العاطفية- كثيرًا من النتائج الناجحة المثمرة، وأيا ما كان فإن آراء روسو في الدين والسياسة والأخلاق والتربية كانت -منذ أواخر القرن الثامن عشر- نقطة البدء التي صدرت عنها الأفكار الحديثة في أوربا كلها، بل كانت أساس النهضة الدينية الجديدة التي تبعث الحركة الرومانتيكية التي بعثت الدين من مرقده بعد تلك الصدمة العنيفة التي تلقاها من الثورة الفرنسية ثم حددت موقفه بإزاء العلم. ومجمل هذا الموقف إذ ذاك هو أن الدين لا يعتمد على العقل، بل على القلب، وأن له مبادئه وأسانيده ومنتجاته التي تفرض نفسها فرضًا على العقل باسم سلطان أعلى منه. ولقد انتقل التيار الثقافي في ذلك العهد -بل الحياة كلها- من جانب الفكر الذهني إلى جانب أولئك الذين كانوا -دون أن يأبهوا للعقل الحر ولا للعلم المستقل وأن يعبثوا بعقد صلة بينهم وبين الفلسفة- قد جعلوا يتركون الدين يمتد في حرية معتمدا على سلطاته الذاتية التي لا تعرف لم، ولا تعترف بكيف، وهي القلب والتقاليد والعقيدة، وكان عمل أولئك القوم يكاد يكون محصورًا في إنماء القوة الروحية وتفخيمها، ولكي نمثل لهذه الحركة يجب أن نشير إلى كاتبين من زعمائها أحدهما فرنسي، والآخر ألماني، فأما الأول فهو "شاتوبريان" CHATEAUBRIAND طليعة أدباء فرنسا الذين أيقظوا الحركة الدينية من سباتها واستعادوا لها صحتها التي أنهكتها الثورة، بل أوشكت أن تأتي عليها؛ وذلك لأن هذا اللون من الإيمان قد بدأ في فرنسا أدبيًّا قبل كل شيء، ولقد ظهرت طوالعه الأولى في كتاب "عبقرية المسيحية" le genie du christianisme تأليف "شاتوبريا". ومجمل القول في هذا السِّفْر أن مؤلفه -صادرًا عن مبدأ "جان جاك روسو" وهو سيادة سلطان العاطفة- قد عول على أن يبدل الحياتين الفردية والاجتماعية اللتين لم تكونا بعدُ قد أفاقتا من تلك الهزة القاسية التي أصابتهما بها الثورة الفرنسية فزلزلت كيانهما الديني وأن يدخل فيهما كل الطقوس والتقاليد الكاثوليكية في صورها العملية وأشكالها الواقعية. وليس هذا فحسب، بل إنه لم يَرَ في هذه الطقوس وتلك التقاليد إلا ظواهر ثانوية لا يؤيدها العقل فضلا عن أنها لا تدخل في نطاقه البتة، وأكثر من ذلك أنه اندفع في هذه السبيل إلى حد أن وضع تفاصيل هذه الظواهر الخارجية في مرتبة واحدة مع ما يحتويه الدين من المبادئ الخلقية السامية، واتخذ من النوعين كليهما الدليل على سماوية عنصره، ومن أسانيد ذلك عنده أن جميع هذه التفاصيل تتجه مباشرة إلى الخيال وتأسر القلب وتسحر الوجدان الإنساني وتواسيه وتهديه وتقويه وتنعشه وتحمسه، وبالإجمال تترك فيه أعمق الأثر. ومن العبارات التي وردت في مؤلفاته في هذا الشأن قوله: إن السبيل التي يجب اتباعها اليوم هي الاتجاه من المعلولات إلى عللها، والتدليل على أنه ليست المسيحية سامية لأنها من عند الله، بل إنها من عند الله لأنها سامية، وعلى أن ما يشتمل عليه الناقوس من شعر وجداني يتجه إلى الشعور مباشرة هو أقوى من حجج الأقيسة المنطقية؛ لأننا نشعر بالأول حيا في كوامن نفوسنا، بينما لا تكترث قلوبنا للثانية. ومن هذا يتبين المرء أن "شاتوبريان" شاعر حقا، وأنه لا يكترث أدنى اكتراث بالمعرفة ما دام أن عقيدته وتقاليده التي يعرض بذلك الأسلوب الفصيح البليغ نتائجها الخيرة الساحرة، وأنه سواء عليه أكانت هذه الثمار نتيجة من أصول موجودة وحقيقة أم كانت مجرد أخيلة عابثة قصدنا بها إرضاء رغباتنا وأحلامنا. ومهما يكن من شيء فإن التيار الذي كان يقتاد الحركة الرومانتيكية بفرعيها الديني والأدبي في أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر هو تيار تلك الآراء السالفة التي تتركز في أن العاطفة هي القاعدة الوحيدة، وأن الغاية التي يهدف إليها الإنسان الراقي هي أن يشعر بأنه يحيا، وأن يهب نفسه تماما للشعر والهوى أو شدة الانفعال والحماسة التي تهز النفس، وأن يفر من المجردات التي لا تعني إلا العقل المحض. وهنا ينبغي أن نسائل أشياع هذه المبادئ قائلين: ألا تخشون -إذا وهبتم أنفسكم للعواطف على هذا النحو- أن تضعوا أنفسكم على طرفي نقيض مع العلم؟ ولا ريب أن الجواب على هذا السؤال هو أن الرومانتيكي الأصيل يجهل أو يتجاهل هذه المشكلة، فبينما يشتغل العالم بالتحليل والتعليل والاستنباط، نراه هو يكتفي بأن يحيا ويؤمن ويحب، وأكثر من ذلك أنه هو يعود فيسأل بدوره دهشًا: كيف يجرؤ العلم أن يحاول أن يسلب منه أنيته؟ وأما ثاني هذين المفكرين فهو "إشلاييرماكير"( ) Scheleiermacher الألماني الذي سطع نجمه في أوائل القرن التاسع عشر والذي ثبت ذلك المبدأ الرومانتيكي في قلب الدين وإن كان في صورة أقرب إلى ما بعد الطبيعة منها إلى الأسلوب الأدبي الذي انتحاه "شاتوبريان"، وهاك مجمل آرائه مرسومة في عباراته. ليس في مكنة العقل ولا الإرادة نقلنا إلى المنطقة الدينية؛ لأن الدين ليس نوعًا من المعرفة الموضوعية ولا لونًا من القواعد الخلقية المقررة، وإنما هو حياة ومران، ولهذه الحياة منبعها الخاص في أعمق جانب من جوانب كينونتنا وهو العاطفة. وليس من الممكن الاتجاه إلى الدين صدورًا عن المعرفة بالدين، وبعبارة أوضح لا يمكن اتخاذ معرفة الدين أساسًا للتدين؛ لأن الدين أمر أولي ينطق به الشعور بادئ ذي بدء؛ ولأن المرء إذ يشعر بديا بالانفعال الديني هو يثني بالبحث عن وسيلة يشرح بها دخيلة نفسه، وينقب عن برهان يبرر به الشعور أمام عقله، ثم هو لا يكتفي بذلك، بل يحاول أن يوضح طبيعة حالته النفسية وأسبابها. وهكذا ينتهي بحثه وتأمله إلى العثور على ضالته المنشودة، وهي شعوره بالعلاقة المطلقة التي تصل المخلوق بالخالق وليست الحياة الدينية شيئًا آخر سوى إنماء هذا الشعور وإشعاعه، إذ هو الذي يثير الأفراد بهيئة لا يستطيعها العلم ولا تظفر بها الأخلاق، وهذا الشعور لا يمكن شرحه بوساطة الفكر، ولكن عن طريق الرموز التي هي وحدها القديرة على تقديم ذلك الشرح إلى الوجدان والتي تجعل نقل بيان الانفعالات الدينية إلى الغير أمرًا ممكنًا. على أن العلم نفسه لا يستطيع أن يضع أية عقبة في سبيل خلق الرموز الدينية المختلفة ولا في سبيل قبولها واعتناقها. ومجمل القول عند "إشلاييرماكير" هو أن الموجود أسمى من المعرفة وقبلها، وأن حياة النفس والعاطفة هي أسمى الحقائق، وأن كل ما يوجد من مظاهر هذه الحياة الروحية من قواعد وطقوس وتعبيرات وكائنات ومادة ليس له من قيمة إلا بمقدار ما يكون رمزًا لتلك الحقيقة التي هي أسمى من كل تعقل. بان من كل هذا أن العلائق بين العلم والدين كانت -في النصف الأول من القرن التاسع عشرـ إيضاحًا لثنائية كاملة، فكل من العلم والدين كان مستقلا عن الآخر في أهم النقط التي تميز كلا منهما على حدة، فكان العلم يبسط سلطانه على العقل، بينما يختص الدين العاطفة بخطوته، وبفضل هذا الاستقلال في السلطان كان من الممكن وجودهما في وجدان واحد دون منازعة ولا عداء، بل قل إنهما كانا على وئام، وعن طريق هذا الوئام نفسه كان لكل منهما جميع أنواع الأمن والاطمئنان والسلام والحرية. بيد أن هذه الهدنة في الواقع لم تدم إلى منتصف القرن التاسع عشر، إذ إن مواجهات جديدة لم تلبث أن نشأت بين العلم والدين، فكان من نتائجها تلك المعارك الحامية الوطيس التي سنراها فيما بعد. مصدرها: مجلة الأزهر، الجزء العاشر، في غرة شوال 1372، 11 يونيه 1953، المجلد الرابع والعشرون. |
التعليقات: 0
Post a Comment