الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

الأمم السعيدة والأمم الشقية لفضيلة الشيخ محمد عرفة



في الأرض أمم سعيدة وأمم شقية، أمم راقية وأمم منحطة، أمم لها العزة والسؤدد، وأمم لها الذلة والخزي، أمم تعيش فيما بينها كأنما تعيش في الفردوس سعادة ونعمة، وأمم كأنما تعيش في الجحيم شقاء وبؤسًا، أمم لم تدع خيرا من الخيرات إلا تمتعت به من كرامة وجاه، وأمم لم تدع شقاء إلا جلبته لنفسها وشقيت به، فما الذي جعل بعض هذه الأمم سعيدا وبعضها شقيا؟
إن الجواب عن هذا السؤال أنفس شيء في هذه الحياة؛ لأنه يعطي المرء المفتاح الذي تفتح به الأمة باب السعادة، والمفتاح الذي تغلق به باب الشقاء.
إن سعادة فرد واحد مرغوب فيها ومبحوث عنها، فكيف سعادة أمة بأكملها، وإن الأمر -وإن كان على ما ذكرت- تراه لا يؤبه به في الشرق ولا يفكَّر فيه، وترى الأدباء ورجال الاجتماع يعنون بما هو أقل من ذلك شأنا ولا يعنون بهذا الأمر الخطير.
إن أول واجب على رجال الاجتماع وعلى الأمة بأسرها أن تبحث عما به تسعد الأمم وتتبعه، وأن تبحث عما به تشقى الأمم وتجتنبه.
إن الأمة السعيدة أمة علمت أنها لم تتكون أمة إلا لتجلب كل خير لها وتدفع كل شر عنها، وأنه يجب أن يعمل كل واحد لخير المجموع ودفع الشر عن المجموع، وأنه يجب أن يشعر كل واحد أنه مدين لباقي الأمة بوجوده وعلمه ومنطقه وسعادته ورفاهيته، ولن تبلغ الأمة السعادة إلا إذا كانت العلاقة بين أفرادها علاقة عدالة، فتكون فيها عدالة في توزيع الثروات وعدالة في المعاملات وعدالة في الحقوق وعدالة في الواجبات.
تعلم ذلك علمًا لا يخالجه ريب يستولي على نفوسها، وتتصرف جوارحها على مقتضى هذا العلم فتروض نفسها على أن تعترف لذوي الحقوق بحقهم ويؤدي كل [واحد منها] ما وجب عليه للغير.
أما الأمم الشقية فهي أمم جاهلة لم تعلم هذا العلم، بل ربما اعتقدت أو اعتقد الأقوياء فيها أنها لم تتكون أمة ولم تجتمع في هذه البقعة من الأرض إلا ليستغل قويها ضعيفها، ويستعبد عزيزها ذليلها، وما وجدت عامتهم إلا لتخدم خاصتهم، فنشأ عن هذا الاعتقاد أن تكون العلاقة بينهم علاقة ظلم واغتصاب، فالمسألة مسألة قوة، فمن قدر أن يحظى بخيرات الأمة فعل، ومن قدر أن يستخدم الغير فعل، ومن قدر أن يبني سعادته على شقاء الآخرين وبكائهم فعل.
من هذه المعرفة ومن هذه الجهالة تنشأ سعادة الأمة وشقاؤها، فمن هذه المعرفة ينشأ العدل والتعاون والمحبة وهي أساس كل سعادة، ومن هذه الجهالة ينشأ الظلم والتخاذل والبغض وهي أسباب كل شقاء.
يرى الفرد في الأمم العالمة أنه مدين لأمته بوجوده وجميع الخيرات التي هو فيها فيحبها ويربط مصيره بمصيرها، ويجهل الفرد في الأمم الجاهلة ذلك فلا يرى لأمته حقا ولا يرى عليه واجبا لها، فلا يعمل لخيرها ولا يسعى في نفعها، يرى الدهماءُ والعامة في الأمم العالمة أنهم مغمورون بنعمة الخاصة؛ فقد بنوا لهم المستشفيات والمدارس، وأن الدولة تعولهم إذا عجزوا وتداويهم إذا مرضوا فيحبون خاصتهم ويتعلقون بدولتهم، ويرى الدهماء والعامة في الأمم الجاهلة أن كبراءهم لم يفيدوهم وأنهم يحلبونهم ويهزلونهم وأنهم مغموطو الحق، مهضومون في أمتهم فيحقدون على كبرائهم ويضمرون الشر لدولتهم، وتكون الأمة معسكرين معسكرًا ظالمًا ومعسكرًا مظلوما، فأما الأول فيزداد في الظلم ليخمد أنفاس الآخرين، وأما الثاني فيجتهد لينجو من ظلم الأول، ويتبع ذلك ما يكون بين الجميع من كراهية وبغض وظلم وتدابر وانتقام وفوضى مما يوجب الفساد والشقاء.
المسألة إذن مسألة علم وجهل وتربية على الحق والإنصاف، يبلغ من جهل كبراء الأمم الجاهلة أنهم يعتقدون أنهم إذا ظلموا ضعفاءهم وقهروهم على مصالحهم استتب لهم العيش وأنه يمكن أن تعيش الأمة على أن يستغل أقوياؤها ضعفاءها.
ويبلغ من علم الأمة العالمة أن تنظر إلى أبعد من ذلك، وترى في حجب المستقبل أنه لا يمكن أن تعيش أمة على هذا النمط، وأنه إذا سلط بعض الأمة على بعض فأذلوهم واستعبدوهم أفقدوهم الحمية والعزة، فإذا غزا الأمةَ عدوٌّ أجنبي هرع كبراء الأمة الظالمون إلى بقية الأمة المظلومين فاستنصروهم فلم يجدوا عندهم غناء، وكيف يجدون عندهم غناء وهم أذلوهم فأفقدوهم الحمية وسلبوهم العزة والقوة الغضبية، وهذه هي الدروع التي تتقي بها أمةٌ إغارةَ أمة، وتنتصر بها دولة على دولة، أيظنون أنهم يكسرون شوكتهم اليوم ويسلبونهم أسلحتهم ثم يدفعون بهم عدوًّا مغيرًا، إن من ذل لك ذل لغيرك، والعبد لا يعرف الكر، وإنما يعرف الحلب والصر.
يعلمون ذلك كله فلا يلحون على أمتهم بالظلم، وإنما يعاملونهم بالعدل ليستبقوا عزتهم ونخوتهم وحميتهم، فإذا جاء الجد وأغار عليهم مغير وجدوا منهم أسودًا غاضبة وليوثًا كاسرة يدفعون عن الحمى ويذودون عن الحرية، هذا مبلغ العلم، وهذا مبلغ الجهل.
وما قوة المسلمين في أول دولة الإسلام إلا من هذا العلم، وما ضعفهم أخيرًا إلا من هذا الجهل، هذا الجهل الذي ذكرناه هو الذي أفقد المسلمين عزتهم وحميتهم في هذا العصر، فصاروا غرض كل صائد وفريسة كل مفترس ونهب كل مغير.
كان الخلفاء الراشدون لأممهم كالأب الشفيق على أبنائه يعولهم صغارًا ويدخر لهم كبارًا، وكان كالراعي الشفيق على غنمه ينأى بهم عن موارد الهلكة ويرتاد لهم الخصب.
ولقد قال بعض الرعية لعمر بن الخطاب: والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا وجد في اعوجاجا قومني بسيفه.
حمدًا لله على ذلك؛ لأن هذا دليل على أن في الأمة الحمية والغضب والقوة والشجاعة في الحق، والأمة إذا كان فيها ذلك لم تهن ولم تضعف، وقد غضب على عمرو بن العاص حين ضرب ابن القبطي، وقال له: متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، غضب وحنق؛ لأنه خاف أن يلحوا عليهم بالظلم فيستعبدوهم ويذلوهم فيسلبوهم العزة والأنفة والحمية والغضب وهي عدد الأمة في هذا الوجود.
ولقد بلغ من حمية العرب وأنفتهم أن معاوية ذكر الأحنف بن قيس بمقامه مع علي في حرب صفين فقال: والله يا أمير المؤمنين إن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، وإن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، وإنك إن تدنُ من الحرب شبرا دنونا منها ذراعا، وإن تدنُ منها ذراعا دنونا منها باعا، ثم خرج مغضبا فقال يزيد لأبيه: لِمَ تحلم على هذا العربي الجلف؟ فقال: يا بني إنه أبو مائة وأخو مائة وعم مائة إذا غضب غضبوا لغضبته لا يسألونه لماذا غضب.
ثم جاء بعد ذلك خلفاء ظلمة وأمراء جائرون فألحوا على الأمة بالظلم حتى أذلوها وأفقدوها الشعور بالكرامة ووجدوا في سبيل ذلك عنتًا وشدة، وقاومتهم الأمة مقاومة عظيمة ولكنهم انتصروا أخيرًا، انتصروا بالأمة عليها.
ولقد بلغ من إذلال الأمة أن يقول الحجاج على المنبر: والله يا أهل الشقاق ومعدن النفاق إني لأرى رؤوسًا أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني لأرى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى؛ فلا يجد من ينتصر لكرامته أو يرد هذا الجبار عن جبروته.
ازداد الولاة ظلمًا وعسفًا، وازدادت الأمة ضعفًا وخسفًا، وما زالوا بهم يفقدونهم عزتهم ونخوتهم ويفسدون نفوسهم إلى أن صارت الأمم الإسلامية مباحة لكل طامع، لا تدفع عن نفسها ولا تغني عن بلادها، ولقد خرج عليها "هولاكو، وجنكيز خان" فملكوا معظم البلاد الإسلامية في زمن وجيز كأنما كانا في رياضة لا في فتح واستعمار، وما ذاك إلا لأن القوى الحقيقية التي يدفع بها الأسد عن عرينه والطير عن وكره والكلب عن جاره والإنسان عن وطنه قد أفقدهم إياها هؤلاء الظلمة، فصاروا أكلة كل آكل وطعمة كل جائع، وغبرت الأيام، وتلك سنة الولاة الظالمين والرعية المظلومين، إلى أن جاءت العصور الحاضرة فأغارت أوروبة على الشرق فوجدت حمى مباحًا لا حام ولا راع.
من ذلك يعلم أن مصائبنا منا وداءنا فينا، وصدق الله إذ يقول: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.
ولن نرقى ونسعد إلا إذا أخذنا بأسباب الرقي والسعادة ونبذنا أسباب الشقاء والانحطاط {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

مصدرها: مجلة الأزهر، الجزء العاشر في غرة شوال 1372، 11 يونيه 1953 المجلد الرابع والعشرون.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح