أصل معنى "الإنسان" هذا الجنس البشري الذي يعمر الأرض، وفي تعريف المناطقة "الحيوان الناطق". وقد أطلقت كلمة "الإنسان" في القرآن الكريم على هذا المعنى الأصلي وعلى معان أُخَر بينها وبين المعنى الأصلي مناسبة، وإن كان إطلاقها على غير المعنى الأصلي في بعض الآيات ليس نصا وإنما يحتمله بعض التفاسير. وسأذكر هنا أنواعا من معنى الإنسان في القرآن وصلتُ إليها بعد استقراء هذه الكلمة في جميع الآيات، واستعنت على ذلك بقراءة كتب التفسير المختلفة وبعض الكتب التي كتبت في معاني القرآن. 1- قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} يجوز أن يراد بالإنسان في هذه الآية الجنس البشري كله، ويكون الحين الذي لم يكن فيه شيئا مذكورا هو مدة الحمل، ولكن هذا المعنى لا ينطبق على آدم أبي البشر عليه السلام. لأنه لم تكن له مدة حمل. ويجوز أن يراد بالإنسان آدم عليه السلام، والحين الذي لم يكن فيه شيئا مذكورا هو المدة التي كان فيها صورة من الطين قبل أن ينفخ الله فيه الروح، ويكون إطلاق لفظ الإنسان عليه مجازا علاقته الكلية إذ أطلق الكل وأريد به الجزء، ولما كان آدم أبا البشر وأصله جميعا فكأنه الجنس كله. و"هَلْ" في الآية معناها قد. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة المؤمنون: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} ومثلها أيضا قوله تعالى في سورة الرحمن: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} ولكن إطلاق الإنسان في هاتين الآيتين على آدم حقيقة، وعلى آدم وبنيه مجاز علاقته الجزئية؛ لأن آدم جزء من الجنس، وصح إطلاق اسم الجنس كله عليه؛ لأنه أصله فكأنه جميعه، والذي يدعونا إلى اعتبار المجاز أن بني آدم لم يخلقوا من صلصال وإنما خلقوا من نطفة، وآدم وحده هو الذي خلق من الصلصال ومن سلالة الطين. 2- قال تعالى في سورة ق: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. المراد بالإنسان في هذه الآية الجنس كله، أو آدم عليه السلام. ولكن إرادة الجنس أرجح. 3- قال تعالى في سورة الدهر: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} المراد بالإنسان في هذه الآية أولاد آدم، لأنهم المخلوقون من النطفة. 4- قال تعالى في سورة التين: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} المراد بالإنسان في هذه الآية الجنس كله، وقيل الوليد بن المغيرة، وقيل كل كافر، ومعنى أسفل سافلين أرذل العمر على الأول، وعلى الأخيرين النار. ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الزمر: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} المراد بالإنسان الجنس كله، وقيل الوليد بن المغيرة أو هشام بن المغيرة أو كل كافر. 5- قال تعالى في سورة العاديات: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} المراد بالإنسان في هذه الآية الجنس كله فإن من طبيعة الإنسان جحد نعمة الله عليه، وعدم توفيتها حقها من الشكر، وهو شهيد على نفسه بذلك، وقيل المراد بالإنسان الكافر؛ لأنه يجحد نعمة الله عليه فيكفر به ولا يعبده ويعبد غيره، ويصرف إليه الشكر، والله أولى بعبادته وشكره، وقيل قرط بن عبد الله. 6- قال تعالى في سورة العلق: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} المراد بالإنسان الجنس كله، أو أبو جهل بن هشام، فإن من طبيعة الإنسان الطغيان والاستكبار عندما يستغني بالمال والجاه عن غيره، وكذلك أبو جهل لما وجد نفسه غنيا ذا جاه طغى واستكبر وأراد أن يكون السيد الذي لا ينازعه أحد في رياسة قريش، وحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم حربا مريرة، ولكن الله خذله وقتله، وهو قاهر الطغاة مذل المستكبرين، وروي أنها نزلت في أبي جهل حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فأمره الله بالصلاة في المسجد، وأن يقرأ باسم ربه الذي خلق. 7- قال تعالى في سورة الإسراء: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} المراد بالإنسان الجنس كله؛ لأن من عادة الإنسان أن يدعو لنفسه بالخير إذا كان راضيا، فإذا ضجر دعا على نفسه بالشر؛ لأنه عجول لا يصبر على الشر، ويستعجل دائما الخير، ورُبَّ شرٍ أنفع من خير، ولكن الإنسان من طبعه إيثار العاجلة على الآجلة، وقد أحسن الشاعر وصفَ النفس الإنسانية بقوله: إني لأرجو منك خيرا عاجلا والنفس مولعة بحب العاجل وقيل المراد بالآية النضر بن الحارث. 8- قال تعالى في سورة الحشر: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} المراد بالإنسان الجنس كله، فإن الشيطان يغوي الناس جميعا بالكفر، فمن كفر منهم قال له: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. أو المراد بعض الجنس، وهم الذين استجابوا لإغواء الشيطان فكفروا بربهم وقيل: المراد شخص واحد من الجنس هو برصيصا العابد الذي كان في أيام الفترة، وله قصة تناقلها بعض المفسرين. 9- قال تعالى في سورة المعارج: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ }. الآيات. المراد بالإنسان هنا الجنس كله؛ لأن من طبيعته الهلع والجزع والضجر وعدم الصبر إذا مسه الشر، ومن طبعه الحرص والشح ومنع أصحاب الحقوق حقوقهم، ولكن الله هذب هذه الطبيعة بما أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم من الحث على الصبر وبيان جزائه العظيم والحث على الاستهانة بالدنيا في سبيل الله، وإعطاء كل ذي حق حقه سواء كان دينا أو أجر عمل أو زكاة مال أو غير ذلك، ولذا استثنى الله المتأدبين بأدب القرآن من هذا الحكم فقال تعالى: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} الآيات، وقيل المراد الأخنس بن شريق. 10- قال تعالى في سورة الانفطار: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} قيل المراد بالإنسان في الآية الجنس كله، فإن من طبيعته الطمع في رحمة الله والاغترار بما أتاه من نعمه، وما أفاض عليه من كرمه، فينفق صحته وماله في معصية ربه، وكان الأجدر به أن ينظر إلى نفسه، ويتأمل في صورته وما وهبه الله من قوة في الجسم وحسن في الصورة، فيشكر على ذلك بالتقوى ويتقرب بالطاعات، وقيل المراد بعض الجنس وهم الكفار الذين اغتروا بفضل الله وكرمه عليهم فنسوه وعبدوا غيره وحاربوا رسله، وكان الواجب عليهم عبادته وطاعته ومساعدة رسله على نشر دعوتهم وتبليغ رسالتهم، وقيل المراد أسيد بن خلف أو الوليد بن المغيرة أو أبي بن خلف. 11- قال تعالى في سورة البلد: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} الكبد: المكابدة. قيل المراد بالإنسان في هذه الآية الجنس كله، فقد خلقه الله وجعله ملازما للشدة والبأس والتعب، وسلط عليه نفسه، وأمره بمقاومتها، وأرسل عليه المصائب في الدنيا يبتليه بها، ثم بعد ذلك يقاسي أهوال الآخرة من الحساب والعقاب على ما اقترف من السيئات، ولخوفه وهمه يوم القيامة أشد مما لاقى في حياته كلها. وقيل المراد بالإنسان كلدة بن أسيد. 12- قال تعالى في سورة الفرقان: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} قيل المراد بالإنسان الجنس كله، فإن الشيطان يغوي الإنسان ثم يخذله بعد أن يطيعه ويتبرأ منه. وقيل المراد بالإنسان الكافر؛ لأنه أحب الإنسان إلى الشيطان ومع ذلك فهو يخذله ويتبرأ منه يوم القيامة، ويقول كما حدث الله على لسانه {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}. وقيل المراد عقبة بن أبي معيط، وكان قد أسلم فرده عن الإسلام أبي بن خلف، وعلى ذلك فهو المراد بفلان في قوله تعالى: {لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} وعلى التفسيرين الأولين يكون المراد بفلان كل شخص يتخذه الكافر أو العاصي خليلا يخضع له في مفارقة الكفر والمعصية. 13- قال تعالى في سورة القيامة: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}. قيل المراد بالإنسان الجنس كله لأن الإنسان يعظم عنده بحسب تفكيره الضيق جمع عظامه بعد بلاها، وعودته حيا كما كان، وقيل المراد عدي بن ربيعة الذي أنكر البعث وقال: أبعد أن أموت وأصير ترابا يعيدني الله ويحاسبني؟ هذا حديث خرافة. وقيل المراد كل كافر ينكر البعث، ولا يؤمن بقدرة الله على إعادة الخلق. 14- قال تعالى في سورة يس: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} الآيات. وقيل المراد بالإنسان في هذه الآيات العاص بن وائل أو أبي بن خلف الجمحي على الخلاف في ذلك، روي أنه أنكر البعث واستعظمه على الله، وزعم أن الإنسان بعد أن تبلى عظامه لا يحيا. وأخذ عظما رميما ففتته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: أترى يحيي الله هذا بعد ما بَلِيَ ورَمَّ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: ((نعم ويدخلك النار)). وقد رد الله تعالى عليه في الآيات أبلغ رد فقال تعالى: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} وقال: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }. ويجوز أن يراد بالإنسان الكفار الذين ينكرون البعث ويقولون: كيف يحيي الله الناس بعد موتهم. وينبغي أن يلحظ أن لفظ الإنسان إذا استعمل في الجنس كله فهو حقيقة، وإذا استعمل في بعض الجنس فهو مجاز وتختلف علاقات المجاز باختلاف الاستعمال كما سبق بيانه في بعض الآيات. مصدرها: مجلة الأزهر، الجزء التاسع، القاهرة في غرة رمضان 1373، 4 مايو 1954، المجلد الخامس والعشرون. من علوم القرآن |
التعليقات: 0
Post a Comment