س: ندخل المسجد لأداء الصلاة جماعة، فنجد أحيانًا بعض الناس لا يصلي وراء إمام المسجد، ثم ينتظر حتى ينتهي الإمام من صلاته، ثم يقيم هو جماعة أخرى بحجة أن الإمام مبتدع، فما مدى جواز هذا الفعل؟ الجواب: بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد..، فالصلاة ركن من أركان الإسلام، فرضها الله عز وجل على المسلمين، وقد بَيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية أدائها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(1). وأداء الصلاة في جماعة أفضل من أدائها منفردًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»(2)، وصلاة الجماعة تحتاج إلى إمام يُؤْتَمُّ به، والإمامة هي: ارتباط صلاة المصلي بِمُصَل آخر، بشروط بيَّنَها الشَّرْع، وقد وضع العلماء شروطًا يجب أن تتوافر لمن يؤم الناس في الصلاة، وهي معروفة في كتب الفقه، فإذا توفرت هذه الشروط كان أهلا لـها. وينبغي علينا أن نحدد بعض المفاهيم الأساسية المهمة، وهي: تحديد معنى البدعة، وبيان أنه لا خلاف بين المسلمين في المسائل القطعية.
أولا: تحديد مفهوم البدعة: البِدْعةُ في اللغة: كلُّ مُحْدَثةٍ، وقال أَبو عَدْنان: المبتَدِع الذي يأْتي أَمْرًا على شبه لم يكن ابتدأَه إِياه. والبِدْعةُ في الشرع: هناك مسلكان للعلماء في تعريف البدعة في الشرع: المسلك الأول: وهو مسلك العز بن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة، وقسمها إلى أحكام حيث قال: «فعل ما لم يُعهدْ في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك؛ أن تُعرضَ البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة»(3). والمسلك الثاني: جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة، والمندوبة، والمباحة والمكروهة بدعًا كما فعل العِز؛ وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على الْـمُحَرَّمَةِ، وممن ذهب إلى ذلك ابن رجب الحنبلي-رحمه الله- ويوضح هذا المعنى فيقول: «والمراد بالبدعة: ما أُحْدِثَ مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة»(4). وفي الحقيقة فإن المسلكين اتفقا على أن البدعة المذمومة شرعًا- التي يأثم فاعلها- هي التي ليس لها أصل في الشريعة يدل عليها؛ وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»(5). وكان على هذا الفهم الواضح الصريح أئمة الفقهاء وعلماء الأمة المتبوعون.
ثانيًا: لا خلاف بين المسلمين في المسائل القطعية: إن هوية الإسلام لا يختلف عليها أحد، وهي المعلوم من الدين بالضرورة، والمسائل التي أجمعت عليها الأمة سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا، وهي حقيقة هذا الدين، وما دون ذلك من أمور اجتهادية يجوز للمسلم أن يَتبعَ فيها أيًّا من المذاهب طالـما أن أصحابـها علماء، لهم حق الاجتهاد والنظر في الدليل، وليس هناك اعتبار لاجتهاد من لم تتوافر فيه شروط الاجتهاد، وهذا يعني أنه لا يجوز لأحد أن يتهم المخالف له في أمر فيه خلاف بين العلماء بالابتداع، والضلال، والفسق في مسائل قَبِلهَا العلماء في كل عصر من عصور الأمة، ولا يجرؤ أحدهم أن يضلل هؤلاء العلماء الأكابر، وإنما أقصى ما يمكن له فعله؛ هو أن يخالف مذهبًا ويتبع مذهبًا آخر، وهذا ليس فيه تفريقٌ للأمة، أما إصرار أحدهم على أن مذهبه هو الحق، وما دونه باطل فيلزم منه التنازع والاختلاف والشقاق. وقال ابن قدامة: «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مَهَّدَ بـهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة»(6). هكذا فَهِمَ العلماء مبدأ الاختلاف ومغزاه ولم يُفَسِّق أحدهما الآخر ولا يُبَدِّعه من أجل أنه اجتهد، حتى ولو أخطأ في هذا الاجتهاد، قال الحافظ الذهبي: «ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدَّعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة»(7). وبعد إيضاح هذه المفاهيم الأساسية، نقول: إن هذا الشخص قد حكم على الإمام بالابتداع وهو لم يعرف عنه أي شيء مطلقًا، إلا أنه قد حكم عليه بناء على صورته وظاهره، وبنى حكمه عليه بأنه مبتدع من أجل أنه حليق اللحية أو لم يقصر ثوبه، أو غير ذلك من الأمور التي يحكم بـها على الشخص من خلال النظر إليه ..
فمثلا في مسألة إطلاق اللحية : اختلف الفقهاء بشأن دلالة الأمر الوارد بإطلاق اللحية وإعفائها في أكثر من حديث نبوي؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب»(8). فهل هذا الأمر للوجوب أو للندب؟ فذهب جمهور الفقهاء أنه للوجوب، وذهب الشافعية إلى أنه للندب، وقد كثرت نصوص علماء المذهب الشافعي في تقرير هذا الحكم عندهم. قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله ما نصه: «(فرع) ذكروا هنا في اللحية ونحوها خصالًا مكروهة؛ منها: نتفها، وحلقها، وكذا الحاجبان»(9). وأكد ذلك الكلام الإمام ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج، حيث قال: «قوله: (أو يحرم كان خلاف المعتمد) قال في شرح العباب: فائدة: قال الشيخان: يُكْرَهُ حلق اللحية»(10). وقد جاء القول بكراهة حلق اللحية عن غير الشافعية، من هؤلاء الإمام القاضي عياض رحمه الله صاحب كتاب الشفاء، وأحد أئمة المالكية؛ حيث قال: «يكره حلقها وقصها وتحريقها»(11). فتبين بـهذا أن مسألة حلق اللحية فيها خلافٌ معتبر بين العلماء، ومَنْ حلقها فليس بآثم على مذهب الشافعية الذين اعتبروا إطلاقها سنة. وعليه فلا يُبَدَّع الشخص من أجل أنه حلق لحيته؛ لأنه فعل مكروه على مذهب الشافعية.
وكذلك مسألة تقصير الثوب: فإطالة الثوب وجره على الأرض في ذاتها ليست حرامًا؛ وإنما حرمت؛ لما تدل عليه من الكِبْرِ، ودلالة جر الثوب على الكِبْرِ، كانت موجودة في عادة القوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك اتَّفق العلماء على حرمة الكِبْرِ والخيلاء سواء ارتبط بالثوب أو لم يرتبط به، واختلفوا في حكم إسبال الثوب؛ فإذا كان بكبر وخيلاء، فَيحْرم من أجل الخيلاء، وإن لم يكن كذلك فلا يحرم. وارتبط الإسبال بالخيلاء شرعًا؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «من جرَّ ثوبه خيلاء؛ لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء»(12). قال البهوتي: «(فإن أسبل ثوبه لحاجة، كستر ساق قبيح من غير خيلاء أبيح)، قال أحمد في رواية حنبل: جرُّ الإزار، وإسبال الرِّداء في الصلاة، إذا لم يُرد الخيلاء فلا بأس»(13). فإسبال الثوب لغير الخيلاء، لا شيء فيه ولا بأس به؛ كما قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: والحرمة هي للخيلاء والكبر، حتى وإن لم تقترن بالإسبال، فهذا هو الأوجه وقد تغيرت العادات، وليس من عادة المتكبرين في زماننا إسبال الثوب، فإسباله في هذا الزمن لا يمكن أن يكون فيه مشابـهة للمتكبرين. وأخيرًا فإن ما ذكرناه من نصوص العلماء بيَّن لنا، أن حلق اللحية وعدم تقصير الثوب من المسائل الخلافية في الفقه الإسلامي، التي يجوز للمسلم الأخذ فيها بأي رأي من أقوال العلماء، ولا يجوز تصنيف الناس واتـهامهم بالفسق والبدعة؛ لأنـهم اتخذوا رأيًا يخالف الرأي الذي تبناه هؤلاء وأخذوا به، وإطلاق أحكام الفسق والتبديع على الناس بـهذه الطريقة تؤدي إلى إيقاع الفرقة بين المسلمين، وهو جرمٌ عظيم أعاذنا الله تعالى منه. وعليه فلا ينبغي ترك الصلاة وراء من فعل شيئًا من ذلك بحجة أن هذه الأشياء بدع، وإنما هي مسائل خلافية لا يجوز أن تتشرذم الأمة وتفترق بسببها، ولا يجوز أن يفتن الناس بـها، وقد أمرنا الله بالجماعة، ونـهانا عن الفُرقةِ، فنسأل الله أن يوحِّد قلوب المسلمين وكلمتهم. والله تعالى أعلى وأعلم.
الهوامش: ----------------- (1) أخرجه البخاري، كتاب الآذان، حديث رقم (634)، وكتاب الأدب، حديث رقم (6079). (2) أخرجه البخاري، كتاب الآذان، حديث رقم (648)، ومسلم، كتاب المساجد، حديث رقم (1509). (3) قواعد الأحكام في مصالح الآنام، للعز بن عبد السلام، ج2 ص 204. (4) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ص 266. (5) أخرجه مسلم في صحيحه، ج2 ص 592، وأحمد في مسنده، ج3 ص 310. (6) المغني لابن قدامة 1/29. (7) سير أعلام النبلاء 14/40. (8) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2209، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 222. (9) تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن حجر الـهيتمي، ج 9 ص 375، 376. (10) حاشية تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن قاسم العبادي، ج 9 ص 375، 376. (11) نقل ذلك الحافظ العراقي في كتابه طرح التثريب ج2 ص83، والإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ج1 ص 143. (12) أخرجه البخاري في صحيحه، ج3 ص1340،واللفظ له، ومسلم في صحيحه، ج3 ص1650، مختصرًا. (13) كشاف القناع، للبهوتي، ج1 ص 276.
قائمة المصادر والمراجع: -------------------------- 1- الآداب الشرعية لابن مفلح، محمد بن مفلح المقدسي، دار عالم الكتب. 2- تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، طبعة سنة 1357هـ/ 1938م. 3- جامع العلوم والحكم، لابن رجب، دار المعرفة- بيروت، الطبعة الأولى سنة 1408هـ. 4- جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، المكتبة السلفية. 5- حاشية تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن قاسم العبادي، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، طبعة سنة 1357هـ/ 1938م. 6- سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايـماز الذهبي، مؤسسة الرسالة. 7- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير. 8- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار إحياء التراث العربي. 9- طرح التثريب، عبد الرحيم بن الحسين العراقي، دار إحياء الكتب العربية. 10- قواعد الأحكام في مصالح الآنام، للعز بن عبد السلام، مكتبة الكليات الأزهرية. 11- كشاف القناع، للبهوتي، دار الكتب العلمية. 12- المغني لابن قدامة، دار إحياء التراث العربي. 13- نيل الأوطار، محمد بن علي الشوكاني، دار الحديث.
المصدر: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية. |
التعليقات: 0
Post a Comment