الإسلام لا يصادم العلم ولا يقف حجر عثرة في طريقه، بل إن الإسلام حث على التعلم، وإعمال الفكر والنظر في الكون، واستخلاص النظريات الكونية التي تفيد الإنسان، يقول الله تعالى: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}([1])، ويقول سبحانه:{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ}([2]).
وعلم الفلك من العلوم التي دعا القرآن إلى معرفتها وتعلمها؛ لدراسة الظواهر الكونية، ومعرفة أسرارها، من ذلك قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}([3])، وقوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}([4]).
ولقد عرف المسلمون علم الفلك، وتمكنوا من جميع معادلاته، ووظفوه لخدمة دينهم، فقاموا بحساب الفجر، والشروق، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وأصبح المؤذن يؤذن بعد أن ينظر في ورقة مكتوب فيها مواقيت الصلاة طبقًا للحسابات الفلكية، وترك المسلمون الاسترشاد بوضع عود في الأرض والنظر إلى ظله، وقد يحتاج الإنسان وضع العود والنظر إلى ظله في حالة فقده للساعة أو لعدم علمه بمواقيت الصلاة، فالشرع جاء بالميسور والمتاح لكل الخلق؛ لأنه دين عالمي ودين رب العالمين، فليس تحديد مواقيت الصلاة والصوم بالحسابات الفلكية مخالفة للمنهج النبوي، والغريب أننا لا نجد خلافًا في قضية الصلاة، والخلاف يشتد في قضية الصوم رغم أن الصلاة أهم من الصوم.
أما ما يخص صوم رمضان فالرؤية البصرية للهلال هي الأصل في إثبات أوائل الشهور العربية كافة، بما فيها رمضان؛ لقوله تعالى:{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}([5])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»([6]).
ولا شك أن الهلال ظاهرة كونية ثابتة لا خلاف حول إمكان رؤيتها بالعين المجردة إذا تحققت شروط الرؤية البصرية، فضلًا عن إمكان تحقق الرؤية بالوسائل العلمية المؤكدة التي تم الإجماع عليها، وأصبحت الآن معلومة عند أهل الاختصاص، وقد عرفها المسلمون وغيرهم؛ لأن ميلاد الهلال حقيقة علمية يقينية بالإجماع عند علماء الفلك والحساب وليست ظنية.
وقد سئل الشيخ السبكي رحمه الله فيمن شهد برؤية الهلال منفردًا بشهادته واقتضى الحساب تكذيبه، فأجاب بكلام طويل الشاهد منه قوله: «ههنا صورة أخرى، وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته، ويدرك ذلك بمقدمات قطعية، ويكون في غاية القرب من الشمس، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًّا؛ لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجه عدم قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًّا وعقلاً وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان، استحال القبول شرعًا لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات»([7]).
لذا نرى أن الأولى الأخذ بالحسابات الفلكية؛ حيث إنها أصبحت خاضعة لعلوم تجريبية قطعية مما يجعل الأخذ بها يفيد القطع -كما مر- أما رؤية الشهود البصرية بالعين المجردة فهي مظنونة؛ لاحتمال وجود عوائق تحول دون رؤية الهلال بالرؤية البصرية مما يقدم الأخذ بالحسابات الفلكية عند التعارض، والله تعالى أعلى وأعلم.
--------------------------------------
([1]) يونس: 101.
([2]) العنكبوت: 20.
([3]) الإسراء: 12.
([4]) يس: 38: 40.
([5]) البقرة: 185.
([6]) أخرجه أحمد في مسنده ج1 ص221، والبخاري في صحيحه ج2 ص674، ومسلم في صحيحه ج2 ص762.
([7]) فتاوى السبكي، لتقي الدين السبكي ج1 ص209.
وعلم الفلك من العلوم التي دعا القرآن إلى معرفتها وتعلمها؛ لدراسة الظواهر الكونية، ومعرفة أسرارها، من ذلك قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}([3])، وقوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}([4]).
ولقد عرف المسلمون علم الفلك، وتمكنوا من جميع معادلاته، ووظفوه لخدمة دينهم، فقاموا بحساب الفجر، والشروق، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وأصبح المؤذن يؤذن بعد أن ينظر في ورقة مكتوب فيها مواقيت الصلاة طبقًا للحسابات الفلكية، وترك المسلمون الاسترشاد بوضع عود في الأرض والنظر إلى ظله، وقد يحتاج الإنسان وضع العود والنظر إلى ظله في حالة فقده للساعة أو لعدم علمه بمواقيت الصلاة، فالشرع جاء بالميسور والمتاح لكل الخلق؛ لأنه دين عالمي ودين رب العالمين، فليس تحديد مواقيت الصلاة والصوم بالحسابات الفلكية مخالفة للمنهج النبوي، والغريب أننا لا نجد خلافًا في قضية الصلاة، والخلاف يشتد في قضية الصوم رغم أن الصلاة أهم من الصوم.
أما ما يخص صوم رمضان فالرؤية البصرية للهلال هي الأصل في إثبات أوائل الشهور العربية كافة، بما فيها رمضان؛ لقوله تعالى:{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}([5])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»([6]).
ولا شك أن الهلال ظاهرة كونية ثابتة لا خلاف حول إمكان رؤيتها بالعين المجردة إذا تحققت شروط الرؤية البصرية، فضلًا عن إمكان تحقق الرؤية بالوسائل العلمية المؤكدة التي تم الإجماع عليها، وأصبحت الآن معلومة عند أهل الاختصاص، وقد عرفها المسلمون وغيرهم؛ لأن ميلاد الهلال حقيقة علمية يقينية بالإجماع عند علماء الفلك والحساب وليست ظنية.
وقد سئل الشيخ السبكي رحمه الله فيمن شهد برؤية الهلال منفردًا بشهادته واقتضى الحساب تكذيبه، فأجاب بكلام طويل الشاهد منه قوله: «ههنا صورة أخرى، وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته، ويدرك ذلك بمقدمات قطعية، ويكون في غاية القرب من الشمس، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًّا؛ لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجه عدم قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًّا وعقلاً وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان، استحال القبول شرعًا لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات»([7]).
لذا نرى أن الأولى الأخذ بالحسابات الفلكية؛ حيث إنها أصبحت خاضعة لعلوم تجريبية قطعية مما يجعل الأخذ بها يفيد القطع -كما مر- أما رؤية الشهود البصرية بالعين المجردة فهي مظنونة؛ لاحتمال وجود عوائق تحول دون رؤية الهلال بالرؤية البصرية مما يقدم الأخذ بالحسابات الفلكية عند التعارض، والله تعالى أعلى وأعلم.
--------------------------------------
([1]) يونس: 101.
([2]) العنكبوت: 20.
([3]) الإسراء: 12.
([4]) يس: 38: 40.
([5]) البقرة: 185.
([6]) أخرجه أحمد في مسنده ج1 ص221، والبخاري في صحيحه ج2 ص674، ومسلم في صحيحه ج2 ص762.
([7]) فتاوى السبكي، لتقي الدين السبكي ج1 ص209.
التعليقات: 0
Post a Comment