الخميس، 9 سبتمبر 2010

الأعياد في الإسلام.


الأعياد في الإسلام. بقلم أ.د/ محمد سيد أحمد المسير- أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين- جامعة الأزهر.


أ- حكمة الأعياد:
ارتبطت الأعياد في الإسلام بمواقف مشهودة وعبادات جليلة، فهناك عيدان سنويان هما عيد الفطر ويرتبط بشهر رمضان المبارك، وعيد الأضحى ويرتبط بمناسك الحج المقدسة، وهناك يوم أسبوعي يشبه العيد يلتقي فيه المسلمون على صلاة جامعة وتوجيه راشد هو يوم الجمعة. وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن أنس قال: ((قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر)).
وهكذا يتسامى المسلمون بالأعياد، ويربطونها بالعبادة، ويتحقق فيها البعد الروحي العميق، ويكون لها من العموم والشمول ما يجعل الناسَ جميعا يشاركون في تحقيقها، ويستشعرون آثارها المباركة، ويعيشون أحداثها كلما دار الزمن وتجدد العيد، فليست الأعياد في الإسلام ذكريات مضت أو مواقف خاصة لكبراء وزعماء، بل كل مسلم له بالعيد صلة وواقع متجدد على مدى الحياة.
وإظهار السرور في العيدين مندوب، وذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده، وترويح البدن وبسط النفس بما ليس محظورا ولا شاغلا عن الطاعة من أدب العيد.
وتحكي عائشة رضي الله عنها -كما في صحيح مسلم- قالت: ((جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر إليهم)).
أي إن الرسول الكريم دعا زوجه السيدة عائشة لمشاهدة لعب الحبشة بحرابهم في المسجد على قريب من هيئة الرقص.
فمعنى "يزفنون" يرقصون، وكانت عائشة حريصة على هذه المشاهدة حتى قالت في رواية أخرى: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية، فاقدروا قدر الجارية العربية الحديثة السن)).
والمعنى أنها لحداثة سنها تحب اللعب والنظر إلى اللاعبين حبًّا بليغًا، وتحرص عليه ما أمكنها، ولا تمل منه إلا بعذر من تطويل.
ومما يؤكد هذا الإقرار من رسول الله ما ورد في رواية مسلم قال: ((بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له عليه الصلاة والسلام: دعهم يا عمر)).

ب- تكبيرات العيد:
هذا، ويختص العيد في الإسلام بالتكبير من كل المسلمين رجالا ونساء وأطفالا، ففي عيد الفطر من ليلة العيد إلى أن يدخل الإمام في صلاة العيد، وسواء في ذلك المساجد والمنازل والأسواق وغيرها، وإليه الإشارة بقوله تعالى في آيات الصيام: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]؛ لأن العبادة العامة يستحب الإعلان عنها وشكر الله عقب أدائها، حتى الصلاة اليومية قال الله تعالى عنها: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] وقال جل شأنه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40].
ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.
وقال ابن عباس كما في صحيح البخاري: "كنت أعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير". وفي رواية: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن تكبيرات عيد الأضحى تستمر عقب الصلوات الفرائض إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق.
ولأهمية هذا التكبير كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب لصلاة العيد من طريق ويرجع من آخر؛ حتى تتردد بين جنبات الكون تكبيرات المسلمين، والأفضل أن يتناول المسلم شيئا قبل خروجه لعيد الفطر؛ ليقطع أثر الصوم، وفي الحديث المتفق عليه: ((كان صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات)). والأمر يختلف في عيد الأضحى، فلا يأكل شيئا قبل الصلاة حتى يعود منها ويأكل من أضحيته التي يذبحها بعد عودته؛ احتفالا بهذا اليوم المشهود وتوسعة على المسلمين.

ج- صلاة العيد:
من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشارك المسلمون جميعا في حضور صلاة العيد حتى ولو لم يؤد البعض الصلاة لعذر شرعي، وتحدثنا أم عطية كما في الصحيح قالت: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين)).
والعواتق: جمع عاتق وهي الفتاة التي لم تتزوج. وذوات الخدور: هن السيدات المتزوجات.
ويصف لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه صلاة العيد مع الرسول الكريم فيقول -كما في مسلم-: ((شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكَّرَهُن فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم. فقامت امرأة من واسطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير. فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن)).
وصلاة العيد ركعتان، يُكبر في الأولى سبعا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام، وتجوز جماعة، وعلى انفراد، ووقتها هو وقت صلاة الضحى.
ويخطب الإمام بعدهما خطبتين، يكبر -ندبا- في افتتاح الخطبة الأولى تسعا، ويكبر في افتتاح الثانية سبعا، ويجوز الاكتفاء بالحمد لله، وليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة.

د- بهجة العيد:
في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله عنه، فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعهما، ولما غفل غمزتهما فخرجتا)).
نحن هنا أمام موقف من مواقف بيت النبوة: لقد دخل الرسول بيته يوم العيد فوجد زوجه أم المؤمنين عائشة تستمع لغناء جاريتين تغنيان بإنشاد شعر قيل يوم بعاث، وهو اسم حصن للأوس وقعت الحرب عنده بينهم وبين الخزرج، واستمرت المعركة بين ساخنة وباردة مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام فألف الله بينهم ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات للحديث أنه كان مع الجاريتين دُفٌّ كما في مسلم أو دُفَّان كما في النسائي.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لم ينكره على عائشة، بل اضطجع وحول وجهه؛ لأن مقامه يجل عن الإصغاء لذلك، وبعد فترة دخل الصديق فانتهر ابنته؛ لتقريرها الغناء في حضرة الرسول الكريم، وظن أنه صلى الله عليه وسلم نائم فقال: أمزمارة الشيطان عند رسول الله؟!
والمزمارة والمزمار مشتق من الزمير وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وأضافها للشيطان لأنها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى.
هنا أقبل عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال له: دعهما، أي الجاريتين. وفي رواية "دعها" أي عائشة، ثم بين له الحكمة فقال: يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا. أي إنه يوم سرور شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا القدر من اللهو المباح.
وقريب من هذا المعنى ما جاء في الصحيح أيضا ((أن عائشة رضي الله عنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، ما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو)).
وفي رواية: ((فهلا بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قالت عائشة: ماذا تقول؟ قال عليه الصلاة والسلام: تقول:

أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم
ولولا الحنظة السمرا ء ما سمنت فتاياكم

وفي رواية أخرى:

ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمرا ء ما سمنت عذاراكم

ومن الأمثلة التي يسوقها المحدثون على رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته ما جاء في الصحيح ((أنه كان للرسول الكريم حادٍ حسن الصوت يقال له "أنجشة"، وكان يسوق إبلا عليها نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدو وينشد شيئا من القريض والرجز وما فيه تشبيب، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أنجشة، رويدك رفقًا بالقوارير)).
فسمى النساء "قوارير" لضعف عزائمهن، تشبيهًا بقارورة الزجاج، لضعفها وسرعة انكسارها. والمعنى: أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمن أن يفتنهن ويقع في قلوبهم حداؤه، فأمر بالكف عن ذلك.
وقد اختلف العلماء في حكم الغناء ما بين محل ومحرم. وخلاصة القول في هذا المجال أن الغناء بمعنى الصوت الحسن لرجل أو امرأة من المباحات في الأصل، ومن اللهو البريء، وبحيث يظل في حدود القدر المعقول، ولكن حرمته تكمن في فحش القول أو إثارة الغرائز أو إظهار المفاتن أو مصاحبة خمر ومجون أو إسراف بحيث يتخذه ديدنه ويقصر عليه أكثر أوقاته.
ويسوق الإمام الغزالي في إحيائه تشبيها على إباحة القليل من الغناء دون الكثير، فيقول: واستحسان ذلك فيما بين تضاعيف الجد كاستحسان الخال -هو النقطة السوداء على صفحة الخد- ولو استوعبت الخيلان الوجه لشوهته، فما أقبح ذلك، فيعود الحسن قبحا بسبب الكثرة، فما كل حسن يحسن كثيره، ولا كل مباح يباح كثيره.
هذا، وليكن معلوما أن واقع الغناء المعاصر قائم على الدنس والابتذال، وهو معول هدم للقيم، وتفتيت لبناء المجتمع بوسائل الرقص الفاضح، والغناء الماجن، والصور العارية، والتمثيل المحموم، وهذا ما لا يمكن أن يقره العقل الراشد، فضلا عن الدين الخالد.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح