الخميس، 8 أبريل 2010

الأخلاق..الأخلاق للشيخ/ محمد أبو زهرة

1

- في مصر محنة خلقية وقى الله المسلمين شرها؛ فإن ألسنة الخير قد صمتت، وألسنة الشر قد نطقت؛ وذلك شر ما تُبتلى به الأمم، وأشد ما تصاب به الجماعات، وهو الذي يذهب بوحدتها، ويفك عُرَى الاجتماع فيها. وإننا نرى اليوم شَدًّا وجذبًا بين الأخلاق الفاضلة تريد البقاء، والأخلاق الشريرة تريد عوامل الفناء؛ فإنه لا فناء لأمة أكثر من أن تسودها الرذيلة، ولا بقاء لأمة إلا بالأخلاق الفاضلة؛ وإنه مهما تكن أسباب القوة المادية متوافرة، وأعْداد الأمة متكاثرة، فإن تفكك الأخلاق يهدم كل قائم، ويأتي كل قاعدة من بنيانها، وكل دعامة من أساسها، وقد كثرت في ذلك العبر، وقلَّ المعتبر. وأوربا التي يريدون أن يهدموا أخلاقنا بالاقتداء بها في كل شيء، بل بتقليدها في الشر وترك الخير، فيها الاعتبار للمتعظ، وبيان عقبى الشر للمستبصر. ألم نستمع إلى المارشال بيتان قائد فرنسا الأول، وكبير كبرائها وهو يقول غداة انهزامها وخرورها راكعة أمام الألمان؟ لقد قال الشيخ الفرنسي: إن الذي هزم فرنسا أنها تسلحت بالحديد والنار، ولم تتسلح بالأخلاق الفاضلة!
ولقد قال حقا، ونطق صدقا؛ فإنه في الوقت الذي كانت كتائب الألمان تتسلل إلى أرض فرنسا، بل كانت جحافلهم تدك حصونها دكًّا، وتخسف بأرضها خسفا، كان رئيس وزرائها مع إحدى خلائله.

2- قد استمعنا إلى هذا عن فرنسا، وقرأنا أخبارها، واستقرينا أحوالها، وكل هذا كان مصداقا لما قال كبيرها؛ ولكن الكتّاب الذين يريدون أن يحلل المجتمع المصري من كل قيد من قيود الفضيلة تعمَى أبصارهم وبصائرهم فيدَّعون أن ما عليه فرنسا هو الأخلاق الفاضلة، وما في مصر من حياء وعفة هو الرذيلة. ألم تقرأ إحدى الصحف الصباحية في رمضان المعظم، وتُمعن فيما تقرأ، فإنك إن قرأت وأمعنت ستجد كاتبا قد بلغ أرذل العمر، يقول: إن فرنسا بها الفضيلة، ومصر بها الرذيلة، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} "شِنْشنة أعْرِفُها من أخزم" فتلك سمومه ينفثها منذ أكثر من أربعين سنة، يصمت فلا تسمع له ركزا عندما تشتد صيحة الحق، ويصيح ويعلو صوته عندما لا يجد من يرد كيده في نحره، ويكشف نفاقه في كل قول يقوله وكل عمل يعمله. وإنه ليبلغ به النفاق مرة أن يكتب للإنجليز -ومصر تنازعهم أرضها شبرًا شبرا- يكتب إليهم مستعدا لأن يفرق بين عنصري الأمة، وهو بالأمس قد عجز عن ذلك التفريق، فهو اليوم يحاول التمزيق ببث روح الاستهانة بالمقوِّمات الخلقية للأمم الشرقية والفضائل التي نمت تحت نور الشمس المشرق وضوئها الوضَّاح.

3- إن الأمر الذي يخشاه الذين يريدون للأخلاق العلو، ولا يريدون للرذيلة ظهورًا، هو أن يذهب الحياء؛ فإن الحياء خير كله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لا حياء فيه لا خير فيه، والحياء سياج الفضيلة، ودرعها الحصين، وظلها الظليل. ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ».
والحياء هو موضع هجوم الذين يريدون هدم الفضيلة، فقد عرفوه حصنها، وهم يريدون أن يُفْتَح الطريق أمام الشر بكل ذرائعه فلا بد أن يزيلوا حصنه وأن يقتحموا بابه لتَتَورَّد منه جحافل الآثام. ألم تر الصحف تسود الصفحات كل يوم بأخبار الأعراض المهتوكة تذكر قصتها وتطنب فيها، وتبدي القول فيها وتعيد، ثم تجيء الأخرى فتصنع فيها كالأولى، فإذا لامهم لائم قالوا: تلك الحياة، وماذا يضر إعلانها، وماذا يفيد سترها!! هكذا يقولون، وعليهم إثم ذلك القول! هل يصح إعلان كل حقائق الحياة! أيجوز للرجل والمرأة أن يسيرا في الطريق عراة كما خلقهما خالق آدم وحواء؟ إن ذلك لا يجوز في شريعة من شرائع السماء، وإن الفطرة الإنسانية تناقضه وتعارضه. فهذا آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما فأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة. ولكن ما لنا نخاطب هؤلاء الناس بلغة الفطرة والمنطق والشرع! أليس لهم إخوان يسمَّون وجوديين ينشرون مذهب العري في أوربا!

4- إن إعلان الجرائم يشجِّع على الجرائم، وإعلان الفحشاء يُشيع الفحشاء، ولقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} وقال صلى الله عليه وسلم «إن من أبعد الناس منازل يوم القيامة المجاهرين. قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ذلك الذي يعمل عملا بالليل، وقد ستره الله عليه، فيصبح يقول: فعلت كذا وكذا يكشف ستر الله».
إن الفاحشة المعلنة ثلاث فواحش مزدوجة: فاحشة الارتكاب، وفاحشة الإعلان، وإيذاء الفضلاء ممن لهم صلة بمن ارتكبوا إذا كانت صلة قريبة أو بعيدة، وقانون السماء، ومنطق العقلاء يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
وإن الإسلام وكل النظم الفاضلة تعمل على تكوين رأي عام فاضل لا تظهر فيه إلا الفضائل، وتختفي الرذائل؛ فإن ميزان التفرقة بين الرأي العام الفاضل، والرأي العام غير الفاضل، هو أن الأول تختفي فيه الرذيلة فلا تظهر، وإن كانت ترتكب في أستار الظلام، وتلتحف بلحافه، أما الثاني فالرذيلة تسير فيه ظاهرة مكشوفة بينة.
ولقد كانت الحدود التي وضعها الإسلام عقوبة لبعض الجرائم تتجه إلى منعها من الظهور ليكون الرأي العام فاضلًا، لا تظهر فيه رُذَالات الأخلاق. ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر فهو في سِتْرِ الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحَدَّ».

5- إنه لا بد أن يحمى المجتمع من ظهور الرذيلة والإجرام مختالا فخورا، يستمتع الأشرار بسماعها، ويتسلى الأغرار بالإنصات إليها. ولقد وجدنا الذين بيدهم معالجة الجرائم ووضْع دواء لأدوائها يكشفون عن أسبابها، فيرون أن المجاهرة بها، واستماع الأغرار لأخبارها، من أسباب ارتكابها. وهذا ما كتبه أحد القضاة في جريدة الأهرام تحت عنوان: "ما قل ودل"، ننشره كما نشر ليعتبر الذين يريدون حماية الأخلاق، والذي يُفرض فيهم أنهم يعملون على حمايتها، وهذا نصه:
"بصفتي عضوًا بغرفة الاتهام التي نظرت قضية المتهم عادل أحمد النزهي الذي قتل زوجته (حادث قتيل الحقيبة) لاحظت من مطالعة أوراق الدعوى أن المتهم قام بارتكاب جريمته وإخفاء معالمها بطريقة هي صورة طبق الأصل من الطريقة التي سمعناها في تمثيلية "راحت مع التيار" التي قامت الإذاعة بإذاعتها. لهذا أقول: إنه من المؤسف حقا أن نجد الإذاعة المصرية دائبة في الفترة الأخيرة على إذاعة تمثيليات إجرامية من شأنها أن تعلِّم الكافة بطريقة شبه عملية أصول فن الإجرام، وتنفيذ الجرائم، وإخفاء معالمها بدلا من أن تسعى من جانبها إلى المحافظة على الأمن العام ومنع الجرائم، وأن تُبعد عن الأذهان فكرة الجريمة. ألا يجدر بالإذاعة بعد ذلك أن تكف عن إذاعة مثل هذه التمثيليات بعد أن ظهر نتيجة تقديمها!".

6- هذا كلام القضاء الذي نيط به معالجة تلك الآفات الاجتماعية بالزواجر القانونية وأبواب التعزير التي سنها قانون العقوبات. ولنترك ذلك إلى موضوع آخر قد كثر القول فيه، وخاض فيه الناس، وهو الخاص باختلاط الرجل والمرأة، وبروزهما في المجتمعات؛ وإنا بلا شك نجد الاختلاط يتكاثر ويتزايد، ونجد الشر معه يتزايد، وأخبار النساء اللائي يتركن أزواجهن والارتماء في أحضان أصدقاء الأسرة تُرَدِّدُها الألسنة التي لا تتورع عن كشف الأستار وتتقصى السقطات لإعلانها.
ولسنا نتكلم في الاختلاط أهو حلال أم حرام، وبروز المرأة من خدرها أهو جائز أم غير جائز، ولكنا نتحدث عن أعْراض الداء التي ظهرت مع الاختلاط الذي كثر وتفشى في الجماعة، أهو من مجرد ظهور المرأة في المجتمعات ومحادثتها الرجال، أم لأمر آخر صاحَب هذا الاختلاط؟
إنه من الإنصاف أن نقول: إن بروز المرأة إلى ميدان العمل ليس جديدًا في مصر؛ بل إنه ظاهر في قرى مصر من قديم؛ فالمرأة المصرية من قبل أن ينطق قاسم أمين وإخوانه وأتباعه بما نطق به كانت تزامل زوجها في الحقل وتعمل معه ولكن في خفرٍ وفي حياء، وفي أدب وتصوُّن، لا تخلو برجل من الرجال، ولا تنفرد بالحديث معه، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلونَّ رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما». وحيثما كانت الخلوة كانت الفتنة، وكانت وساوس الشيطان؛ ولذلك لم يكن مع هذا البروز من جانب المرأة ومحادثة الرجال مع ما اتسمت به المرأة الشرقية من حياء أي خطر اجتماعي أو أي آفة اجتماعية للبراءة التامة والعفة الكاملة والحياء الحاجز والحصن الحصين من العادات والتقاليد الموروثة والكرامة والشرف.

7- ولكن ظهر الفساد عند البروز في حواضر القطر ومدائنه بين المتحضرات، فلا بد أن يكون السبب غير مجرد البروز ومحادثة الرجال، إنما السبب هو أن تخرج المرأة بزينتها على الرجال، ولا تمتنع من أن تخلو في مجالسها بأحدهم؛ ثم ما يصحب ذلك من مراقصات ومصاحبات في لهو بريء وغير بريء وهكذا. فإن ذلك موضع الداء، وكان خروجًا صريحًا عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن خلوة الرجل بالمرأة، وكانت له النتائج الخطيرة الآثمة التي توقعها النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل الشيطان عمله في هذه العلاقة.
إن تلك الخلوات الآثمة هي إذًا التي تفرخ فيها الرذيلة، وهي التي يحتضن الشيطان أفراخها في كن الظلام وتحت ستاره.

8- لم يكن بد من التقاء الطالبات بالطلبة في دور العلم، وقد رأى الغيورون على الأخلاق من أساتذة أن يحاجزوا بين أبنائهم وبين هذه الخلوات، حرصًا على النفوس من أن يدخل الشيطان فيها؛ ولقد شدد أحد أساتذة الجامعة في منع هذه الخلوات في كليته ليصون سمعة الفتى والفتاة، وليحافظ على الحياء الشرقي وعلى ما امتازت به الفتاة الشرقية من حرص على سمعتها وعلى عرضها وشرفها، وما أتى ذلك الأستاذ بما صنع أمرًا إدًّا، وأدرك طلبته معاني حرصه وسلامة مقصده، فأطاعوه طيبة نفوسهم، قارة عيونهم، وكان التلاقي علميا بينهم وبين أخواتهم من غير ما يثير الريبة، أو يخدش السمعة، أو يجعل للشيطان سبيلا بين النفوس.
ولكن ما إن صنع الأستاذ ذلك حتى تناولته الصحف، وتصدى له أستاذ آخر يلقي أحاديث دينية في الإذاعة، ويفسر القرآن الكريم، ويقدم به تلاوته، يقول: "لا نريد أن نعيد عهد الحريم"! وأي حريم هذا؟ أإذا قال أستاذ مخلص لتلاميذه: يا بني "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وقال مقال الرسول «لا يخلون رجل بامرأة». أيكون هذا دعوة إلى الحريم، ولماذا لا نَدْعُو إلى الحريم كل امرأة متزوجة أخذًا بقوله تعالى لنساء النبي: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.

9- هذا قول أستاذ، وذلك قول أستاذ، وإنا قد تركنا القول في خلق النفاق الذي شاع وذاع، وملأ البقاع والأصقاع، ولعلنا نعود إليه في مقال آخر؛ ولذلك لا نتعرض له الآن، ونكتفي بما يتعرض له أبناؤنا من فتن قد أحاطت بهم؛ صحف تتلو أخبار الهوى وانتهاك الأعراض، وأخبار الإجرام والمجرمين، وإذاعات تذيع روايات تمثيلية فيها إرشاد إلى طريق الإجرام، وخلوات تدعو إلى الفتنة، ويدخل الشيطان نفثاته فيه، ومجاهرة بالعصيان في كل مكان، حتى إن الفضيلة تختفي، والرذيلة تعلو برأسها مثبتة وجودها، وكلما قلنا للناس: لا تجهروا، قالوا: في أوربا كذا. وها نحن أولاء قد وضعنا أيدينا على نتائج ما كان في أوربا؛ لقد وجدنا أن خلوات الطالبات بالطلبة في إحدى جامعات إنجلترا قد أدى إلى منكرات نعوذ بالله منها، ونحمد الله أننا لا نتصور أن يقع مثيلها في جامعاتنا، فلا يزال ضوء الشرق المشرق مانعا من هذه الآثام، قاتلا لهذه الجراثيم.
إن أكواخا تقام هناك لأجل الرذيلة وحدها بين الطلبة والطالبات، والمشروبات التي تؤدي إلى الفجور تشرب، وتسمى المشروبات السحرية، وهكذا مما فيه عبرة لأولي الأبصار، ولكن أين الاعتبار!

10- وإن إنجلترا التي تحرص نظمها على أن يكون الرأي فيها فاضلا تتخاذل الفضيلة فيها حتى يخشى على الأحداث من ظهورها.
وهذا أحد اللوردات يصيح في مجلس اللوردات كما جاء في الأخبار الجديدة قائلا: "إنا لنقرأ صباح مساء في الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية أنباء جرائم وحشية مروعة، أبطالها من الأحداث الذين ما زالوا في سن التحصيل والدراسة، وهذا أمر شائن يمس كبرياءنا القومي في الصميم" ثم يقول: "ولا جدال أيضا في أن نسبة الجرائم التي تكشف عن الانحلال الجنسي أعلى اليوم من مثيلتها منذ جيل أو جيلين؛ أما إحصائيات الطلاق وانهيار الأسر فهذه في زيادة مطردة مع الأسف الشديد حتى ليبدو أن الاستقرار العائلي في إنجلترا هو الشذوذ، وأن الانفصال الزوجي هو الظاهرة المألوفة".
ثم يقول أنطق الله لسانه بالحق: "والأدهى من ذلك كله أن الموبقات التي حدثنا التاريخ أن أبناء سادوم (بلدة قوم لوط المذكورة في التوراة والقرآن) كانوا غارقين فيها إلى أذقانهم وكانت سببًا مباشرًا في القضاء عليهم أخذت تشيع في مجتمعنا الإنجليزي".
ثم يقول عن الكنيسة وسلطانها: "إنها لم تعد لها سيطرتها القديمة، وقد طرحها الناس جانبًا".
هذه نتائج الخلوات الآثمة عندهم، وإعلان الجرائم في الصحف عندهم، فهل لنا أن نعتبر بغيرنا؟

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح