لا أجد شيئًا في هذه الحياة طيب الذكر، حسن السيرة، طاهر الذيل، كثير النفع قليل الضرر، جميل الوجه، سامي النفس، وهو مع ذلك يلاقي من ظلم الناس وشرهم، وبغضهم له، وكراهيتهم لوجهه الجميل، ونفورهم من روحه السامية ككلمة الحق؛ كل يدعي وصلها ويزعم أنه متيم في هواها، يحبها ويؤثرها ويمجدها ويقدسها، فإذا وقفت في سبيل أغراضه، أو اعترضت طريق مطامعه وأهوائه كرهها أشد الكراهية، ومقتها أشد المقت، ولا ينسى في هذا الوقت نفسه أن يشيد بحبه للحق، وخضوعه له وإيمانه به.
والناس -إلا أقلهم- يعيشون بعيدا عن هذا الوجه الجميل، وهذا العبير الحبيب؛ لأن أكثر أغراضهم وميولهم وأهوائهم -وعليها يعيشون- لا تتفق والحق، ولا يجمعها معه طريق وهم يخوضون الباطل إلى أغراضهم خوضا لا يبالون أين وقعوا.
والمحبوب عندهم الأثير لديهم هو الذي لا تجري كلمة الحق على لسانه، ولا يخطر معناها الجميل في قلبه، فهو إذا قدس أعمالهم، وآمن بمواهبهم، واخترع لهم المحامد والمكارم وتكذب وافترى، وزين كل عمل يعملونه، وحارب كل رأي يحاربونه، إذا كان كذلك فهو الظريف اللطيف المهذب، أما إذا كان يسير على نهج قويم؛ ويجري في قوله وفعله على خط مستقيم فلا يصف الليل في السرار بأنه يسطع بدره، ويشع نوره؛ ولا ينكر على شمس الصيف نارها ونورها ولا يقول في الشيء إلا ما فيه، ولا يعطيه من الثناء أكثر مما يستحق؛ إذا كان كذلك فهو ثقيل الظل، سيئ الخلق، ضعيف التربية فاسد الذوق، يجب أن يطرح قوله، وأن تجتنب معاشرته، وأن يكاد له عند من يملكون أن يبطشوا به؛ حتى يستقيم على الجادة، ويعرف كيف يحترم الناس، ويحسن الأدب معهم.
وإذا كنت ممن يحبون الإنصاف، ويؤثرون العدل، ويؤمنون بالأخلاق الفاضلة، فجعلت تنافح عن هذا الرجل، وتجادل دونه، وتبرر عمله، وتشد أزره، رموك بالهوى والغرض، والمساعدة على إفساد الأخلاق، ثم قالوا لك: الناس كلهم كذلك فلماذا يشذ هو؟ أهو وحده الذي يغار على الحق ويعرف قدر العدالة، وما دام الزمن يسير على رأسه، فلماذا يحاول هو أن يسيره على رجليه، وإذا كان الناس يعبدون عجلا فلماذا لا يقدم له الطعام مع المقدمين؟ ولا ينسون أن يقولوا لك: يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ... وهكذا.
وقد تجد رجلا عيبة جهل، ومستنقع فساد وإفساد، قد اتخذ الادعاء والتدجيل طريقا للشهرة، يدعو الناس فيؤمن به كثير منهم؛ ويسخرهم في أغراضه، فيلبون بإيمان عجيب، فإذا جمعك وإياه مجلس لا يبالي بك مهما كنت خبيرًا بشؤون الحياة، عارفا بأغراض النفوس، مسلحا بأنواع العلوم والمعارف، ويبدأ يدجل ويشعوذ، ويزعم لنفسه الفضائل؛ ويحيطها بهالة من النور والقداسة، فإذا ضاق صدرك ونفد صبرك، وقلت له: يا هذا! نحن في عصر النور والمعرفة ومثل هذا الأسلوب إن جاز على بسطاء العقول فلا يجوز أمام المثقفين العارفين، إذا قلت ذلك لا تشعر إلا وأنت مرفوع على الأيدي، ملقى على قارعة الطريق! ومن عجب أن بعض الذين حصلوا قدرًا من العلم لا يزال يجهل الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى احترام الناس وإكبارهم.
ترى الواحد من هؤلاء لا يكاد يعترف بغير ما يقوله هو، فإذا ناقشته في مسألة علمية، أو جادلته في ظاهرة اجتماعية فالقول قوله، والحق ما ينطق به لسانه، ومهما برهنت له على خطئه، ومهما سقت من الحجج على وجهة نظرك فإنك لست بمزحزحه عن موقفه، وكيف يخضع لرأيك، أو يعترف بأن الحق معك وهو عند نفسه أعلم الأولين والآخرين.
وربما أدهشك وأنت تسمعه يجادل أن ينحرف عن الحق، والحق كفلق الصباح، وأن يتمسك بالباطل، والباطل يصيح به أنه الباطل، وترجع إلى نفسك وتسائلها، كيف يقف هذا الرجل مع علمه وفضله، مثل هذا الموقف المخجل؟! ولكنك تذكر لساعتك قصة ذلك الرجل الذي كان يسير مع أحد أصحابه فرأيا حيوانا بعيدًا عنهما، فقال صاحبه: هذه إوزة، وقال الرجل: بل هي عنزة. وتجادلا طويلا، وكل منهما يصر على قوله، حتى وصلا إلى الحيوان فهاجه الصاحب فطارت الإوزة، فالتفت إلى الرجل قائلا: أصدقت أنها إوزة؟ وظن أنه بذلك ألزمه الحجة، وأوقفه على الدليل، ولكن الرجل قال في برود ظاهر: عنزة ولو طارت!
وهكذا شأن هذا الصنف من الناس لا تطمع فيهم أن يرجعوا إلى الحق، ولو جهدت جهدك، وحملت نفسك ما لا تطيق في سبيل إقناعهم.
على أن هذا التمسك بالباطل لا يعود عليهم بفائدة، بل بالعكس يجلب عليهم احتقار المنصفين وسخريتهم، ولعل أعجب ما في الأمر أنهم يتمسكون بالباطل، وهم على يقين من أن مجادلهم يدرك كل الإدراك أنهم يتمسكون بباطل، ولا يخالجه أدنى شك في أنهم يخضعون لشهوة المراء، وحب الغلب، ولو في الظاهر.
ويظهر أن هذا الصنف من الناس قديم الميلاد، وُجد في كل عصر، عاش فيه علماء لم يطلبوا العلم لله، ولم يؤمنوا بأن فوق كل ذي علم عليم، وأن الحق أحق أن يتبع، ولذلك نجد الإمام الجليل أبا حامد الغزالي -رحمه الله تعالى- يحدثنا عن هذا الصنف، وهو يتحدث عن شروط المناظرة النافعة المفيدة التي هي من شأن العلماء العاملين فيقول: "أن يكون -يريد المناظر- في طلب الحق، كناشد ضالة، لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه مُعينًا لا خصما، ويشكره إذا عرفه الخطأ، وأظهر له الحق، ومناظر زماننا يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، ويخجل، ويجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته ويذم من أفحمه طول عمره".
أليس هذا الصنف جديرًا بأن تكرهه، وأن تحتقره، وتسخر منه ما وسعتك الكراهة والاحتقار والسخرية؟! ثم أليست هذه الكراهة تزداد إذا علمت أن هذا المناهض للحق هو ممن يفخرون بنصرة الحق والذب عنه؟!
لقد قال حكيم العرب أكثم بن صيفي: إن قول الحق لم يترك لي صديقًا.
ومن قبله قال فيلسوف اليونان لصاحبه: أنت صديقي، والحق صديقي، ولكن الحق أحب إليَّ منك.
التعليقات: 0
Post a Comment