الجمعة، 16 أكتوبر 2009

سمعنا ممن دخل في الدين الإسلامي أنه انبهر به، فبأي شيء بهر الإسلام العقول ؟ وما أسباب ذلك الانبهار ؟

بهر جمال الإسلام العقول، وانفتحت له القلوب بأخلاقياته السامية ،التي لا يملك غير المسلم إلا أن يحترمها إن لم ينجذب لها بمجرد أن يراها سلوكًا لأتباعه بعد أن كانت وحيًّا وتأديبًا ربانيًّا . فالإسلام هو دين الرحمة ودين السلام ودين البِرِّ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « المؤمن هين لين جواد سمح له خلق حسن»([1]). فبالأخلاق الكريمة، وبوفاء العهود، وبصدق الحديث، وبالإنصاف، وبشهادة الحق بهر الإسلام عقول البشر، فدخلوا فيه أفواجًا، والحمد لله رب العالمين.
ولأن منهج الإسلام كان تطبيقًا عمليًّا لأسماء الله الحسنى، وللوحي الشريف المتمثل في كتاب الله تعالى وسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ مما كوَّن المسلم الذي يصلح في الأرض من خلال ما ترسخ لديه من نموذج معرفي يتعامل به مع الكون.
فأجاب المسلم بموجب عقيدته على السؤال الكلي الأول : من أين نحن ؟ وهو سؤال متعلق بالماضي، ولكنه نشأ من حيرة الإنسان وجهله الحسي بنشأته ومبتداه، كالطفل الصغير يسأل من أين أتيت ؟ إنه لا يتذكر يوم ولادته، ولم تكن عنده القدرة على ذلك، قال تعالى : {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً }([2])، فأجاب المسلم بناء على إيمانه : أن الله خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو خالق كل شيء. { الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ }([3]).
والمسلم يؤمن بالتوحيد ليس فقط توحيد الإله، بل توحيد شمل كل شيء في بنائه العقائدي، فنبيه صلى الله عليه وسلم واحد؛ لأنه خاتم قال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }([4])، وكتابه واحد؛ ولذلك حفظه من التحريف والتخريف وجعله واحدا لا تعدد له، قال سبحانه : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }([5])، والأمة واحدة قال تعالى: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }([6])، والقبلة واحدة، قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }([7])، والرسالة واحدة عبر الزمان، قال سبحانه : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }([8]).
والتوحيد بهذا المعنى الذي اشتمل على الأشياء والأشخاص وتعدى الزمان والمكان، لابد أن يؤثِّر في عقل المسلم المعاصر، وأن يكون أساسا لفهمه للحياة، ولتعامله مع الأكوان خاصة الإنسان.
والمسلم يؤمن بأن الله لم يدع الخلق بلا تكليف، فهناك شرائع وكتب ووحي، قال سبحانه وتعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }([9])، ولكنه جعل الإسلام هذا اسم الديانة التي يرضاها عبر التاريخ من لدن آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ }([10]).
وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }([11])، وقال عز وجل : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً }([12]).
وقضية التكليف تجيب أو ينبغي أن تجيب على السؤال الثاني : ماذا نفعل هنا ؟ وأسس هذا التكليف ثلاثة : أولها : عبادة الله ، تلك العبادة التي يجب أن تُنشئ إنسان العمارة والحضارة .قال سبحانه وتعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ }([13]). وثانيها: عمارة الأرض، وذلك بنشاط التعمير والامتناع عن نشاط التدمير. قال تعالى : { هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا }([14])، أي طلب منكم عمارها، وقال سبحانه : {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ }([15]).وثالثها : تزكية النفس. قال عز من قائل : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }([16]).
ويؤمن المسلم أيضاَ أن هناك يومًا آخر للحساب - الثواب أو العقاب - قال سبحانه وتعالى:{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ }([17]).
وهذا الإيمان يؤثِّر في سلوك المؤمن بالإحجام والإقدام، فتراه يقدم على شيء فيه مشقة أو فوات لذة إذا رأى أن ذلك يقربه من الجنة ويترتب عليه الثواب، وتراه يمتنع عن شيء فيه لذة ويحجم عنه؛ لأنه يراه يقرب إلى النار، وهذا مرتبط بقضية الإيمان بالله والإيمان بالتكليف. ويؤثِّر هذا الإيمان أيضاً على الحياة، ويجب أن يؤثِّر عليها بصورة إيجابية وإلا تحول الخوف والرجاء أسبابا لإعاقة الحياة، وفي الحقيقة إن الله شرعها لحماية الحياة، ولدفعها، فإذا كانت تصرفاتنا قد حولتها إلى عائق للحياة كان ذلك ضد مقصود الشرع الشريف.
هذه الأسئلة الثلاثة الكبرى أنشأت مجموعة من المكونات العقلية التي أسست شخصية المسلم، والتي نرجو أن يعود إليها المسلمون على وجهها التي أنزلها الله من أجله، وأن يفهموا مراد الله من وحيه.
ويؤمن المسلم بالمطلق لأنه آمن بأن الله لا نهائي ولا محدود، والإيمان باللانهائي واللا محدود أتى من إيمانه بأسمائه وصفاته، فأسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة تمثل الهيكل التربوي للمسلم، قال سبحانه وتعالى : { وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا }([18])، والأسماء التي وصف الله بها نفسه في كتابه أكثر من 150 اسمًا، وفي السنة تزيد على 160 اسمًا ومجموعهما 220 اسمًا بعد حذف المكرر، وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن الرحيم، والعفو الغفور. وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، والشديد المحال. وصفات كمال : كالأول والآخر ،والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب، قال تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }([19])، وقال سبحانه : {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }([20]).
والمؤمن يرى أن الإنسان مكرم، وأنه ليس مجرد جزء من الكون، قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }([21]).
فالإنسان كائن فريد في هذا الكون؛ لأنه حامل للأمانة، قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }([22]).
ويرى المؤمن أن الإنسان سيد في هذا الكون، فيسير في عبادة الله سير السيد، وليس سير الجمادات : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }([23]).
ويعتقد المؤمن أن للزمان والمكان والأشخاص والأحوال حرمة، فيراعيها في التعامل معها، فتراه يقدس ليلة القدر ،قال تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ }([24])، وقال سبحانه : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}([25])، ويقدس الكعبة، قال تعالى : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }([26])، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَا أَطْيَبَكِ! وَأَطْيَبَ رِيحَكِ! مَا أَعْظَمَكِ! وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ: مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلاَّ خَيْرًا »([27])، ويقدس المصحف، قال تعالى : { لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ }([28])، وينزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة عظيمة، قال سبحانه وتعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً }([29])، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}([30]).
وهذا النموذج المعرفي ينبغي أن يكون منطلقًا للتقويم، ومعيارًا لقبول ما هنالك من أفكار البشر وتوجهاتهم، ومبدءًا لتجديد الخطاب الذي يتوافق مع إدراك الواقع بعوالمه المختلفة.
بهذا النموذج المعرفي، وبهذا الإنسان الذي كونه الله بشرعه، وبهذا السلوك بهر الإسلام العقول والقلوب؛ لأنه دين رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.

الهوامش:

([1]) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ج2 ص 215، والطبراني في الكبير، ج10 ص 231.
([2]) الكهف : 51.
([3]) الرحمن : 1 : 3.
([4]) الأحزاب : 40.
([5]) الحجر : 9.
([6]) الأنبياء : 92.
([7]) البقرة : 144.
([8]) الحج : 78.
([9]) المائدة : 48.
([10]) آل عمران : 19.
([11]) آل عمران : 85.
([12]) المائدة : 3.
([13]) الذاريات : 56 : 58.
([14]) هود : 61.
([15]) هود : 85.
([16]) الشمس : 7 : 10.
([17]) الزلزلة : 7 ، 8.
([18]) الأعراف : 180.
([19]) المائدة : 8.
([20]) البقرة : 109، 110.
([21]) الإسراء : 70.
([22]) الأحزاب : 72.
([23]) الجاثية : 13.
([24]) القدر : 1.
([25]) الدخان : 3.
([26]) آل عمران : 96.
([27]) رواه ابن ماجه في سننه، ج2 ص 1297.
([28]) الواقعة : 79.
([29]) النور : 63.
([30]) الحجرات : 2.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح