| يعتقد كثير من أهل العلم أنه ممن وردت فيه الآيات والأحاديث اغترارا بما معه من شهادة ما أنزل الله بها من سلطان، أو تصنيف في الفقه أو النحو أو البلاغة أو الأصول أو نحو ذلك، جاهلا أن ما افتخر به من ذلك قد يوجد في غير المسلمين؛ وهاهي ذي كتب مدارسهم التي ألفها آباؤهم وعلماؤهم يشهد لها الناظر، ويعترف بفضلها المنصف، وما تسمعه عن مستشرقي أوروبا أعجب وأغرب؛ فهم شركاؤك فيما علمت، فلا بد أن يكونوا شركاءك في خاصة ذلك العلم، وإلا وجد الشيء بدون خاصته وهو محال؛ فإذا يجب أن يكون سر تفضيل العالم والثناء عليه من الله ورسوله راجعا إلى شيء آخر، وأن تكون هذه العلوم التي ترفّعنا بها على الجهلاء، وامتلأنا بها عجبا وكبرا وغرورا، وزالت بها سلامة فطرتنا وطهارة قلوبنا بما أورثتنا من الصفات المهلكة، ونخشى أن نكون ممن قال الله فيهم: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} -أشبه شيء بالصنائع التي يتعلمها المسلم واليهودي والنصراني، ولا يرجع بها الفاسق عن فسقه، ولا يتميز بها عن بني نوعه إلا على قدر ما يتميز العالم بصنعة من الصنائع عن الجاهل بها. نعم، يجب أن يكون سر التفضيل أمرا وراء ذلك كله، وهو الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، وجعل خشية الله خاصة من خواصهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وكان مجلسٌ واحدٌ من مجالس العلم خيرا من عبادة ستين سنة، ذلك العلم الذي يبلغ بك تلك الغاية، ويحلك تلك المنزلة الرفيعة، ومن أجله احترمك الجهلاء، وعظمك الكبراء، معتقدين أنك عرفت ما لم يعرفوه، ووصلت إلى ما لم يصلوا إليه، والقلوب الإنسانية تحس بشرف العلم الأعلى ومكانة ذويه، وتجل الروحانيين الربانيين إجلالها للملائكة المقربين، وتنظر إليهم نظر أهل الأرض لأهل السماء على موجب ذلك الإحساس الذي لا يكاد يخلو منه إنسان فيه روح الإنسانية. ذلك العلم يجل عن أن يكون هو العلم بأحكام الفاعل والمفعول، والتصغير والتكسير، والمسند والمسند إليه، والحقيقة والجصاز، وتناقض الموجهات، وأحكام المختلعات، وفروع الطلاق، والبيع والجنايات... إلى آخر ما اشرأبت به الأعناق، وعظم فيه السباق، وتبجحت به النفوس، وارتفعت به الرؤوس؛ بل يجب أن يكون هو العلم بجلال الله تعالى وعظمته وبديع آياته وعظيم أسراره في خلقه، مع معرفة خفايا النفوس ودقائق مكرها وتلبيسها، وكثرة دسائسها، وسرعة طيرانها نحو شهواتها، فتراهم يتهمونها في كل شيء ويعاملونها معاملة العدو المحتال، باحثين وراءها في كل ما تشير به، خائفين من أن يكون لها فيه هوى دفين وشهوة خفية، مجاهدين لها ما عاشوا، ذائقين لقوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}، قائلين: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))، ((أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك))، وَجِلِين من أن يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، فكانوا ممن عرفوا نفوسهم فعرفوا ربهم، فامتثلوا قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، فعزلوها عن منصب الرياسة فتخلصوا من غوائلها كلها، فلم يتحركوا إلا لله، ولم يسكنوا إلا لله، ولم ينطقوا إلا لله، ولم يسكتوا إلا لله، متحققين أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم، فصبروا على بلائه، وشكروا على نعمائه، بل رضوا بقضائه، وسارعوا إلى رضائه، فلم يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضى وقدر، بل سلموا له تسليما، شأن العبد الصادق في العبودية مع مولاه، فَرِقِين أن يندرجوا في سلك من قال الله فيهم: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوه}، سائرين في الدنيا على قدم الأنبياء، يتجرعون في سبيل الحق شدة الأذى، كاظمين غيظهم، صابرين على ما أصابهم، بل عافين عن الناس محسنين إليهم، مشفقين عليهم، على نهج من قال الله تعالى في وصفه الكريم: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}، زاهدين في الدنيا، راغبين في الآخرة، مقبلين على الله تعالى بكُلِّيتهم، داعين إليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، عالمين أنها محل المحن ودار الفتن، فلا يحبونها إلا على نحو ما رسم الشرع لهم، مشفقين من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، مستبصرين فيها بما بَصَّرَهم سيدُهم، موقنين بما وعدهم من نعيم وملك عظيم، عالمين أنها سريعة الفناء وَشِيكة الانقضاء، يرون قريبا ما يراه الناس بعيدا. أرى الموت يغتال النفوس ولا أرى بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}، مُقْتَفِين أثر من قيل له: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}، وَاصِلِين إلى روح قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}، {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ}، محبين للمرشد الأعظم والنبي الأكرم الذي هداهم الصراط المستقيم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور محبة تزيد على محبة الوالد لولده والولد لوالده، مُتَحَقِّقِين بما جاء في حديث البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))، وما ورد في حديث البخاري أيضا: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به))، فوصلوا بذلك إلى روح اليقين حتى صارت مظان ثوابه ومواقع مرضاته تعالى مما تنشرح له صدورهم، وتلتذ به نفوسهم، عالمين أنهم لا يبلغون درجة الكمال، وينتفي عنهم الحرج والمشقة، ويصلون إلى محل الأمن، إلا إذا تخلل ذلك جميع أجزائهم، ورسخ في كل ذرَّاتهم، فيميلون إليه ميلا طبيعيا يتقاضى منهم المسارعة إليه والعكوف عليه؛ إذ هو محل الأنس، وحضرة القدس، مُجْتَلِين في تلك الحضرات من عرائس الجمال الإلهي ما يفوق كل نعيم، ويُحتقر معه كل لذة سواه، حتى قال قائلهم: "نحن في لذة لو علمها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف"، فكادوا يهيمون بما يشاهدون من سبحات هذا الجمال، ويذوبون عندما يوغلون في سرادقات ذلك الجلال، مدهوشين مما يذوقونه في تلك الحضرات من مناجاة وإلهامات وملاطفات وأنوار وأسرار، فكانوا من قوم: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، يتيهون على ملوك الدنيا استغناء وعزة، على حين أنهم يتواضعون للفقراء ويخضعون للضعفاء، ولكن أبى لهم مقامهم الذي يعرفونه من أنفسهم، وعزتهم التي يحسون بها من أعماق قلوبهم أن يتواضعوا لأهل العظمة والكبرياء، وقد قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}... إلى آخر ما يطول شرحه ولا يمكننا الآن أن نأتي عليه. وبالجملة فقد اتصفوا بكل فضيلة، وتخلصوا من كل رذيلة، وأدركوا من شريف الأحوال ورفيع المقامات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فكانوا بذلك ورثة الرسل، وقادة الأمم، ودواء العلل، وكواكب الظلمات، وسرج المشكلات، بهم تنحل العقد، وتنفرج الكرب، (وراثةً نبويةً، وخلافةً إلهيةً)؛ ولذلك كانوا مرجع الأمراء والكبراء، حتى قال القائل قديما: إن الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر تحكم العلماء وقد قالوا: إن الأمة تفسد بفساد الأمراء، والأمراء يفسدون بفساد العلماء، فانظر أين أنت من تلك المقامات، وإلى أي حد وصلت من البعد عن تلك الصفات أيها المتبجح بعلمك، المترفع على بني نوعك، الغافل عن كون الإنسان لا يزال متعلما طالبا من العلم ما يكون وراء ما علم، وكلما ازداد منه ريًّا ازداد عطشا، وكلما زاد فضله بان له جهله، وقد قال تعالى لأعلم العلماء وأعظم العظماء: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، وقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، وقال: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. وإن العالم حقا ليستحي من الله أن يتبجح بعلمه، وهو يعلم أنه جعله محل الضعف والجهل والنقص والغفلة والنسيان، ويرى أن العلم أمامه متسع الفجاج، متلاطم الأمواج، وهو بساحله يرجو أن يتطاير عليه من بحره رشاش ينقع به مزيد غلته، ويشفي به بعض علته، وإن لم يعرف ذلك فهو من الجهلاء لا من العلماء. انظر إلى ذلك كله ثم قل لي بعيشك هل أحببت النبي -صلى الله عليه وسلم- حبا وجدانيا يزيد على محبتك للناس أجمعين؟ وهل صار هواك تبعا لما جاء به؟ بل هل سعيت إلى ذلك سعيه يوما من الأيام، وآلمك من أجله ضميرك، وعاتبتك عليه نفسك؟ أم هل أحسست بحب الله تعالى من أعماق قلبك حبا يُهون عليك قضاءَه ويخفف عنك بلاءَه؟ أم هل صدقت في بيع نفسك لله تعالى وقد جعل ذلك من صفات المؤمنين فضلا عن العلماء منهم، فخلصت أعمالك من الأغراض والشوائب حتى صارت كلها لله، فلم تتكالب على أمورك الشخصية، ولم تتهالك على شهواتك النفسية، ولم تذل لأهل الدنيا ذل العبيد، ولم تنافق لهم نفاق صغار النفوس لئام الطباع؟ وهل ذقت لعزة المؤمنين طعما، أو عرفت لها معنى؟ وهل أنت ممن قال الله فيهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، أو ممن قال فيهم: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}؟ وهل أنت ممن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ وهل أنت ممن يقول لأخيه عندما يقابله: "اجلس بنا ساعة نؤمن" كما كان يقول ذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعضهم لبعض؟ وهل أنت ممن {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}؟ وهل وهل... إلخ؟ أم أنت ممن أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وقد أحاط به الشره، واستبعده حب الدنيا، فليس يهمه إلا شيء يعود عليه، ودرهم يصل إليه، ففاتته عزة العلماء، وثروة الأغنياء، فهو لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهو بالجهلاء أشبه منه بالعلماء؟ نعم، يوشك أن تكون من العلماء الذين قال فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أول من تسعر به النار يوم القيامة عالم لم يعمل بعلمه، فيطيف به أهل النار فيقولون له: ما لك وقد كنت تأمرنا وتنهانا؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه))، كما يوشك أن تكون ممن قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}، وقد أوحى الله إلى بعض أنبيائه: "قل لعلماء السوء: ألسنتكم أحلى من العسل، وقلوبكم أمر من الصبر، فبي يستهزؤون وإياي يخادعون! فوعزتي وجلالي لأتيحن لهم من الفتنة ما يدع الحليم حيران"، وفي الأثر: "لا تجالسوا من العلماء إلا من يأخذ بكم عن محبة الدنيا إلى محبة الله، وعن الكبر إلى التواضع، وعن التباغض إلى التحابب"، ولا قَدْر للدنيا حتى تبيع بها السعادة الأبدية، وقد قال بعض الملوك عندما حضرته الوفاة: "كنت أظن أني ملكت كل شيء فإذا كل شيء لا شيء". وقال بعض الحكماء: "أعظم الناس ندامة صانع المعروف عند من لا يشكر، وعالم فرط في علمه فلم يعمل به حتى حضره الموت". وقد سقت لك ذلك عسى أن يحرك مني ومنك شوقا إلى العمل بالعلم، وندما على ذلك العمر العزيز، وخوفا من أن يخاطبنا الله عز وجل يوم القيامة بقوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، ورجاء أن نكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا:
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||
التعليقات: 0
Post a Comment