السبت، 31 أكتوبر 2009

ذكر قصص الأنبياء في القرآن لفضيلة الشيخ يوسف الدجوي من هيئة كبار العلماء

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}.
يقول تعالى: إنه يقص علينا قصص الأنبياء وما كان منهم وما حصل لهم لنعتبر بما فيها من حكم جليلة، وفوائد رفيعة، وتعليمات إلهية، وإرشادات ربانية، تنير لنا طريق الهدى ومنهاج السعادة في الدارين، بحيث تكون للناس نبراسا يستضيؤون به في كلتا الحياتين، وقد قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، أي لا يخافون من أمر مستقبل ولا يحزنون على أمر فائت.
فطوبى لمن يتلو القرآن حق تلاوته، ويتدبر ما فيه حق تدبره، ولا يهذه(1) هذّ الشعر أو ينثره نثر الدقل، فمثل هذا نصيبه منه قليل، وحظه من معين علمه ضئيل، وإن للقرآن ظهرا وبطنا، وقد اغترف من بحاره العلماء كل على قدر ما آتاه الله، وما أكثر ما استخرج الحكماء الربانيون من أسراره ما ابتهج به علماء الاجتماع، ودهش له أساتذة علم النفس وأساطين علم الأخلاق، ولا غرو فهو الكتاب الذي لا تخلق جدته، ولا تنقضي عجائبه، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، وهو الصراط المستقيم الذي ارتفع به سلف الأمة إلى أوج العز والفخار، فكانوا أرفع الأمم على الإطلاق، وأعزها على الإطلاق، بما أفادهم من تعاليم أورثتهم عزة الملوك وطهارة الملائكة {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، فكانوا يخشون الله ولا يخشون أحدا سواه، مطهرين من أدناس الدنايا التي تسقط الأمم وتذل الشعوب، متحابين فيما بينهم على مقتضى ما رسم لهم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فما أشبهم بأهل الجنة في الجنة، نزع ما في صدورهم من غِلٍّ، قائلين دائما: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، مشفقين من أنفسهم، عالمين أنها أمارة بالسوء، ذاكرين قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.
وقد أخبرنا عَزَّ وَجَلَّ أن الناس مختلفون جد الاختلاف في فهم القرآن على حسب استعداهم، والإمداد على قدر الاستعداد، فقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}، وقال: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}، وإن من النفوس ما لا تعرف إلا الشر ولا تفهم إلا الشر، فهي تَقْلِب كل شيء إليه، كالإناء الخبيث الذي اِتُّخِذَ من معدن خبيث، فإنه يقلب كل ما يوضع فيه من الماء الصافي إلى طبعه الخبيث، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
ولنقص عليك شيئا مما تضمنته قصة آدم -عليه السلام- مما ستعلم أنه يكفل سعادة الدنيا والآخرة لمن عرفه وتمسك بما فيه، وكأن الله يشير إلى ذلك بقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}، فجعل ذلك لأرباب العقول السليمة لا لغيرهم، ثم نتلو عليك بعد ذلك بعض ما تضمنته قصة يوسف -عليه السلام- من حكم جليلة وأسرار نبيلة، فنقول وبالله التوفيق:

ما يؤخذ من قصة آدم -عليه السلام- من الفوائد والإشارات على طريق الإيجاز:
1- يؤخذ من إعلامكم أيها العقلاء بتلك القصة وجعل الله إياكم خلفاء في الأرض أن الله تعالى ما عرفكم أنكم خلفاء عنه إلا لتعرفوا ما فيكم من الاستعداد العظيم؛ حتى تعملوا بمقتضى تلك الخلافة، فتهيؤوا أنفسكم لهذا المنصب الشريف، وتحكموا بالعدل فلا تفسدوا في الأرض، ولا تسفكوا الدماء، فإن ذلك كان مظنونا فيكم، ومترقبا منكم، فلا تحققوا ذلك الظن.
2- يؤخذ من عَرْض الله تعالى على الملائكة ما يريد أن يُحْدِثَه في الأرض، وما كان منهم معه تعالى من المحاورة والمقاولة أن من الحكمة استخراج ما هو كامن في النفوس حتى لا يكون فيها اعتراض ولا منازعة خفية، وهو ضرب من سياسة الحاكم مع المحكومين، وفن من فنون تربيتهم وإصلاحهم.
3- يؤخذ من محاورة آدم -عليه السلام- مع الملائكة وعرض الأشياء عليهم وسؤالهم عنها سؤالا يُعَرِّفُهُمْ أن دعواهم تفوقهم على من عداهم من المخلوقات دعوى غير صحيحة -أنه لا بد من البرهنة على الدعوى ولو كانت من أكبر كبير، حتى تتمَلَّكَ العقولَ بالحق لا بالاستبداد الذي تبقى الشبهة فيه كالنار خلل الرماد: يوشك أن يكون له ضرام.
4- يؤخذ من كونه تعالى علم آدم الأسماء ولم يعلمها الملائكة أننا معشر بني آدم مستعدون لما هو أعلى من متناول الملائكة، وليعلم أن الْمَلَك ليس له إلا وجهة واحدة، فليس مستعدا إلا لأن يكون مظهرا لبعض آثار الأسماء الإلهية، أما الإنسان فهو مستعد لأن يكون مجلى لجميع الآثار وظهور جميع الأسرار، فهو صالح للمتقابلات ومستعد لجميع المتضادات، فهو أعلى المظاهر التي تتجلى فيها آثار الأسماء الإلهية، وأنوار الصفات الربانية، وما من شيء في هذه العوالم السفلية والعلوية على اختلاف أنواعها واتساع أصنافها إلا وفيك نموذج منه، ولسان فصيح يعبر عنه، وما ينسب للإمام علي -كرم الله تعالى وجهه- قوله:
دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
ولهذا شرح طويل لا يمكننا أن نأتي عليه اليوم.
5- نستنبط من قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} أنه ينبغي لمن يريد إقامة الحجة على خصمه أن يأتي له بما يفيده اليقين بحيث تمتلئ به نفسه، حتى يصل الأمر عنده إلى حد المحسوس الذي لا مرية فيه.
6- يؤخذ من قوله تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} أنه يجب الاعتذار لصاحب الحق، ويتحتم الشكر لصاحب النعمة، فإنهم ما سجدوا لآدم -عليه السلام- إلا شكرا لتعليمه إياهم ما لم يعلموا، واعترافا بفضله عليهم وارتفاع مقامه على مقامهم.
7- يؤخذ من قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} أن الكبر أساس المفاسد كلها، وموجب لاقتراف ما يستلزم الهلاك الأبدي، ويُفَوِّت أعظم السعادات، ويجلب أكبر الآفات، ويجر صاحبه إلى رد الحق مهما كان قائله، ويبين أن الرجوع إلى القياس والأنظار العقلية كقول إبليس: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قد يكون سببا للضلال، وموجبا لغاية الخبال، والواجب ترك ذلك مع من يجب طاعته والتسليم له، وأن ذلك لم ينشأ إلا من عدم الاعتراف لله تعالى بالحكمة والعظمة وسعة العلم، فضلا عن كونه قادحا في المحبة التي تقتضي الإذعان وعدم السؤال.
8- ويؤخذ من قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أن فيك غريزة من الحرص لا تدع شيئا إلا أتت عليه، فإما أن تُنْسِيَكَ أو تُطْغِيَكَ، مع بيان أن الشيطان لا يتمكن منك إلا بواسطتها، فيتحتم ملاحظتها، وتقويم اعوجاجها، والاحتراس منها.
9- يؤخذ من محاورة الشيطان لآدم وحواء واحتياله عليهما بقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}، ولم يكفه ذلك القول حتى أقسم لهما عليه إنه لمن الناصحين، يؤخذ من ذلك كله أن لكم عدوا لا يألو جهدا في الكيد لكم، والاحتيال عليكم، حتى تهلكوا كما هلك، وقد أقسم ليغوينكم أجمعين، وليأتينكم من بين أيدكم ومن خلفكم، وعن أيمانكم وعن شمائلكم {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، ولذلك كله ختم الله كتابه العزيز بالاستعاذة من ذلك العدو المبين الذي يؤثر فيك من حيث لا تشعر، ويأتيك من حيث لا تعلم، ويعرف موضع الضعف منك، فأمرك أن تستعيذ بربك الملك العظيم، والإله الذي هو فوق الملوك، من شر ذلك الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس، فإن من وُقِيَ شره فقد وُقِيَ الشر كله ونال الخير كله.
ولعل نفسك التي بين جنبيك أول من يدخل في الموسوس من الناس، أو هي المرادة منهم، فإنها أعدى أعدائك، وما أرسل الأنبياء جميعا إلا لتخليص الناس من شر النفس والشيطان، فهذا هو الغاية القصوى من جميع الشرائع، والغرض الأسمى من كل ما جاء به الأنبياء، فالخلوص منهما هو السعادة الكبرى لمن فاز به في الدنيا والآخرة، فكأنه تعالى أرشدك في آخر كتابه إلى فذلكة ما في القرآن كله، وخلاصة ما تضمنته آياته، فهو النتيجة المختصرة، والغاية التي ليس وراءها غاية، وهو الحقيقة التي ترمي إليها جميع العلوم، والزبدة التي تمخضت عنها جميع الفهوم، فهي نتيجة تغنيك عما امتلأت به كتب الأولين والآخرين من علم العلماء وحكمة الحكماء.
هذا ولعله يرشدك إلى أن المراد من الناس قبل كل شيء هو نفسك التي بين جنبيك، أو أنها تدخل في الناس دخولا أَوَّلِيًّا أن الوسوسة تعتمد الخفاء، وليس أخفى من وسوسة النفوس في الصدور، أما تأثير شياطين الأنس فلا ننكره، ولكنه بعيد عن معنى الوسوسة بُعْدًا ما، وإن كان مما يصل إلى القلوب في لطف وخفاء، وقد جرت المناسبة لهذا، ولعله مفيد في الموضوع أو غير بعيد منه.
10- بيان أن من اقترف ذنبا فله طريق إلى الخلاص منه بالتوبة، والإرشاد إلى ما تُدَاوُونَ به أنفسكم مما عسى أن يكون منكم بمقتضى تلك الغريزة، وأن الحكمة في أن تتداركوا الخطأ الذي ربما وقعتم فيه بموجب الجِبِلَّة البشرية، لا في أن تستسلموا لليأس من روح الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون.
11- بيان أن الانتباه بعد الخطأ واليقظة بعد الغفلة ربما كان سببا في بلوغ الدرجات العلا والترقي الباهر، فإن آدم بعد ما كان منه أَدَامَ الملاحظة لجلال ربه والاحتراس من عدوه، ومراقبته نفسه، بعد ما عرف أن هناك عقوباتٍ مقررةً وسننا لا تتبدل، عرف بها من كمال الإلهية وجلالها وحكمتها وعظمتها ما لم يكن يعلمه قبل، شأن من تربى في النعمة التي لا يتأتى أن تكون معها المعرفة الصحيحة، ولا الرجولة التامة، ولا الصبر والثبات، ولا التطلع إلى الكمال، ولا معرفة وجه المخرج من المضايق، فالتجربة والمحنة والبلية أكبر المعلمين وأعظم المؤدبين، ومن لم تهذبه نيران الامتحان لا يثبت أمام حوادث الحدثان، بل يندرج في سلك النساء والصبيان.
12- بيان أن السعادة والفوز والفلاح والأمن من الخوف ليس له إلا طريق واحد {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، واتباع الناس والنفس يضل عن سبيل الله، فإن الإنسان ظلوم جهول {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، فإنهم إنما يتبعون الظن، والأنبياء أعلم، والله أرحم وأحكم {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}.
13- ويؤخذ من القصة بعد ذلك أن من السنن الإلهية الامتحان، وهو ضرب من ضروب الترقية، وفيه أيضا إزالة طغيان النفس التي ترجع بصاحبها إلى غاية النقص بعد غاية الكمال.
وبعد فلتعلم أن الأخلاق الذميمة كلها ترجع إلى الكبر، والحسد، والحرص، وسنفصل ذلك، وهذه الثلاثة التي هي جماع الشرور، وأصول المفاسد، ومثار الشقاء والبلاء، مأخوذة من هذه القصة -قصة آدم عليه السلام- فكأن الحق سبحانه وتعالى يكررها عليك المرة بعد المرة تحريرا لك من هذه الخصال الذميمة، وتذكيرا إياك بما ينشأ عنها. أما الحرص الداخل في تكوينك، الآخذ بمجامع قلبك، وهو في أصل جبلتك وعنصر من عناصر طينتك، فقد نبهك عليه كي تحذره حذرك الأفاعي، بما قص عليكم من كونه أباح لآدم الجنة كلها إلا شجرة واحدة، فأبى عليه حرصه الغريزي وتكوينه البشري أن يدعها ويستغني عنها بكل ما عداها، وأما الكبر والحسد وما ترتب عليهما من الطرد الأبدي واللعن السرمدي لإبليس، فقد بَيَّنَهُمَا بما قص علينا من قول إبليس: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا}، وقوله:{أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} إلى آخر ما جاء في القصة مما يبين حسده البالغ، وكبره الذي رد به أمر الله وطعن في حكمته، فأصبح من الكافرين، واستوجب اللعنة إلى يوم الدين.
ويلتحق بذلك ما ذكره الله في قصة ابني آدم الذين قتل أحدهما الآخر إجابة لداعي الحسد، وامتثالا لغريزة الحرص الذين هما سبب كل بلاء، وأساس كل شقاء. ولنفصل لك ما يتفرع عن تلك الخصال الثلاث من شعبها الكثيرة التي أتت على سعادة الدنيا والآخرة، ولولاها لكان الناس في سرور وحبور في هذه الحياة وتلك الحياة، ولعلك لا تستطيل القول فنقول: إن الأخلاق الرديئة جميعها ترجع إلى ثلاثة أصول: الكبر، والحرص، والحسد، فهذه الخصال الثلاث أمهات جميع الخبائث والمعاصي، وبيان ذلك أن الكبر من آثاره التي تنشأ عنه عجب المرء برأي نفسه، والأنفة عن قبول الحق، وترك الإقرار به، والتعدي على الغير، والظلم والجور عند القدرة، وترك الإنصاف في المعاملة، والتهاون في الواجبات، والإعراض عن أداء الحقوق، والقحة وصلابة الوجه في دفع الحق، والفحش والسفاهة في الخطاب، والجدال واللجاج في الخصومات، والنزق في العشرة، والحدة والبطش في التصرف، واحتقار الناس والاستطالة عليهم، والافتخار بما يزعمه من المواهب، والإنكار لفضل من فُضِّلَ عليه، والبغي والعدوان وما شابه ذلك. هذه فروع الكبر ولوازمه.
أما الحرص وهو الخصلة الثانية، فمن آثاره التي تترتب عليه الطمع الكاذب، وشدة الرغبة، والطلب الحثيث، والعجلة في السعي، وتعب البدن، وعناء النفس، وكد الروح في الجمع والادخار، والاستكثار والاحتكار من خوف الفقر، والبخل والمنع والشح، والغش والمكر في المعاملة، واللؤم، وما يتبعها من الشؤم والخذلان، وقلة الانتفاع بالموجود، والحرمان من المدخر، والمضايقة في المعاملة، والمناقشة في الحساب، وسوء الظن بالأمين، والتهمة للثقات المؤتمنين، والخيانة في الأمانة، وطلب الحرام، وهتك الحرم، وارتكاب الفحشاء، والكذب، وكثرة الحيل في البيع والشراء، وقلة النصيحة، واليمين الكاذبة، وأقاويل الزور في أسباب الخصومات، والعداوة الناشئة من التعدي في الحدود، وما شاكلها من الخصال المذمومة، والأخلاق الرديئة، والأعمال السيئة. هذه فروع الحرص ونتائجه.
أما الخصلة الثالثة وهي الحسد، فمن آثاره الحقد والغل والدغل، وهذه تدعو إلى المكاشفة بالعداوة والبغضاء، والبغي والغضب، والتعدي والعدوان، وقساوة القلب وقلة الرحمة، والفظاظة والغلظة، والطعن واللغو والفحشاء، وطالما كانت هذه الخصال سببا للخصومة والشر والحرب والقتال إن أمكن جهرا، وإلا كان بالحيل والخداع والغدر والخيانة والسعاية، والغيبة والنميمة، والزور والبهتان والكذب والمداهنة والنفاق والرياء، وتشتيت الشمل وقطيعة الرحم، والبعد من الإخوان، ومفارقة الأليف، وخراب الديار، ووحشة الوحدة، والحزن والغم، وألم القلب وهموم النفس وعذاب الأرواح، وتنغيص العيش، وسوء المنقلب، وخسران الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من ذلك كله.
وبعد فنقول لك: ذكر علماء الأخلاق أن القوى التي هي منشأ الخير والشر ثلاثة: وهي القوة الغضبيَّة، والقوة الشهويَّة، والقوة العقلية، فأشير إلى القوة الغضبيَّة بما كان من إبليس، وإلى القوة الشهويَّة بما كان من آدم في قربان الشجرة، وإلى القوة العقلية بما كان من رجوعه إلى الله وتوبته، إلى آخر ما أوجب له الاصطفاء والارتقاء، ويلتحق بذلك تعليمه الأسماء كلها.
أليس من أعجب العجب أن تشتمل هذه القصة على علم الأخلاق بحذافيره، إذ هو راجع بكل فروعه إلى هذه القوى الثلاثة كما هو معروف. ولنقتصر اليوم على هذا.



----------------------
(1) الهذ والهذاذ بضم الهاء سرعة القراءة والدقل الرديء من التمر أو النخل الذي لا يعرف له جنس وأصل هذا ما ورد في حديث ابن مسعود وحذيفة في القراءة: "هذًّا كهذ الشعر ونثرا كنثر الدقل" أي: كما يتساقط الرطب اليابس من العذق إذا هُزِّ.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح