الخميس، 22 أكتوبر 2009

الإجماع - إمكانه وحجيته


يتردد كثيرا على ألسنة بعض الناس أن من ادعى الإجماع فهو كاذب وينسبون ذلك إلى الإمام أحمد بن حنبل ، ويذهبون بناء على ذلك إلى أن الإجماع ليس بحجة ، ولا يمكن وقوعه أصلا ، فما الصحيح من كل ذلك ؟
الجواب
يطلق الإجماع لغةً بالاشتراك على معنيين:
1- العَزْم على الأمْر والإحْكَام عليه؛ قال تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} [يونس: 71]، أي: اعزموا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ"([1])، أي: لم يعزم.
2- الاتِّفاق، يقال: "أجْمَعُوا على كذا"، أي: اتَّفَقُوا عليه([2]).
واصطلاحا: هو اتِّفاقُ مجتهدِ الأمَّةِ بعد وفاة نبيِّها محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في عصرٍ علَى أيِّ أمْرٍ كَانَ([3]).
وللإجماع أهمية كبيرة فى الشريعة الإسلامية ، حتى قال إمام الحرمين : "الإجماع عصام الشريعة وعمادها ، وإليه استنادها"([4]) ، إذ هو الضابط لهوية دين الإسلام، فهو يحافظ على ما اتفق عليه المسلمون من الثوابت التي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، وتنبع الحاجة إليه من الحاجة إلى قطع دابر التحريف في الدين بتحويل الظني إلي قطعي لا يقبل المفاصلة([5]).
ومعنى حجية الإجماع: أنه يجبُ على كل مكلَّف الأخْذُ به، والعملُ بموجَبه، واعتقادُ أن الحكم المجمَع عليه حقٌّ لا يجوز مخالفته، ولا إعادة للاجتهاد في مستنده.
وفَهْمُ تلك الحجية يتوقَّف على أمور هي:
أولا: إمكان وقوع الإجماع.
ثانيًا: إمكان العِلْم به من المجتهدين أنفسهم إذا وَقَعَ منهم.
ثالثًا: إمكان نَقْلِه إلي مَن يَحتج به بطريق السماع والرواية نَقْلا صحيحًا، وكل ذلك لأنه لا استدلال بالمستحيل ولا بالمجهول.
والإجماع قسمان: 1- إجماع الخاصة . 2- إجماع العامة .
1- إجماع الخاصة:
والمراد بـ"الخاصة": المجتهدون وحدهم.
والأكثرون من علماء الأمة قد ذهبوا إلى إمكان الأمور الثلاثة السابق ذكرها، وإلى أن الإجماع حجة، والأقلون منهم قد نفوا حجيته.
وقد استدلوا على حجية الإجماع بآيات من كتاب الله، وأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما استدلوا بالمعقول([6]).
والدليل العقلي المستند على استقراء الكتاب والسنة بجملتها أقوى في هذا الشأن من الاستدلال بالأدلة التفصيلية الجزئية، وهو أن الإجماع واقع بالفعل ، والوقوع أكبر أدلة الإمكان ، وممكن العلم به، والحاجة إليه ضرورة دينية.
أما أنه واقع بالفعل فذلك يظهر من اتفاق جميع المسلمين مجتهدين وعوامهم - المسمى بـ"إجماع العامة" كما سيأتي بيانه - على وجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، والزكاة، نحوها، فالإجماع واقع بالفعل ، وهذا أكبر دليل على إمكانه .
والعلم به، ونقله إلينا واقعان بالفعل ، فدل على أنهما ممكنان أيضا، والاتفاق على أحكام ما يجعل هذه الأحكام متيقنة، معلومة من الدين بالضرورة، باقية إلى يوم القيامة قطعا.
ولا مجال للقول بأن النصوص الواردة فيها هي التي أفادتنا العلم بها وبدوامها؛ وذلك لأن هذه النصوص ظنية الدلالة ومحتملة النسخ ، فأتى الإجماع فرفع ظنية الدلالة ونفى احتمال النسخ .
وإذا كان حصول هذا الاتفاق (إجماع العامة) ، والعلم به، ونقله إلينا أمورا ممكنة، فبالأولى يمكن ذلك كله في اتفاق المجتهدين - وهو "إجماع الخاصة" - وحدهم على حكم شرعي؛ وذلك لأنه إذا أمكن ذلك للأمة قاطبة، وهم أكثر عددا، بل عددهم غير محصور- كان ذلك أولى بالنسبة للمجتهدين وحدهم لقلتهم.
ولأنه قد أمكن ذلك فيهم (أي: المجتهدين)، وهم في ضمن الكل (أي: الأمة قاطبة)، ولمعرفتهم بأعيانهم التي تسهل معرفة آرائهم- أثبت وقوع إجماع الخاصة المتنازع فيه، والقطع به، فإنا نقطع بأن أئمة الصحابة والتابعين قد أجمعوا على تقديم القاطع على المظنون، وما ذلك القطع إلا بثبوته عنهم، ونقله إلينا، ويلزم من الوقوع الإمكان بلا خلاف([7]).

والنافون لحجية إجماع الخاصة فريقان:
الفريق الأول: نفى الحجية فقط.
الفريق الثاني: نفى إمكان الأمور الثلاثة معًا (وهى نفى الإمكان والحجية والنقل) ، وقالوا باستحالة الإجماع.
- فالفريق الأول وهو مَن أنكر الحجية ولم ينكر الإمكان ، فمنهم: النظام([8])، والشيعة الإمامية، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر من المعتزلة، كما ذكر أبو جعفر الطوسي في "العدة"، والخوارج كما ذكره البيضاوي. وقال ابن الحاجب: بعض الخوارج، ومثله في مسلم الثبوت([9]).
وأما الشيعة: فالمفهوم مما قاله أبو جعفر الطوسي في كتابه "عدة الأصول" أنهم يقرون بالإجماع ما دام فيه إمامهم، وحيث إن أئمتهم من المجتهدين عندنا فسيتفقون معنا في مدة أئمتهم الاثنا عشر، وسيختلفون فيما بعد ذلك حيث إن الإمام المعصوم عندهم محجوب عنا بغيابه في السرداب على زعمهم، وأما غير الإمامية: كالزيدية فمع الجمهور في إثبات الإجماع([10]).
- أما الفريق الثاني القائل باستحالة الإجماع، ونفي إمكان الأمور الثلاثة المتقدمة فهو فريق غير معين على وجه التحديد ، ولم يتعرض لذكره بالتفصيل وتسمية القائلين بهذا المذهب من حكوه كالغزاليّ والآمديّ، والبيضاويّ، وابن السبكيّ([11]). وقال ابن الحاجب في المختصر: "إنه النظام وبعض الروافض"([12]). ولعله يقصد ببعض الروافض غلاتهم([13]).
2- إجماع العامة:
وهو الإجماع على ما هو ضروري في الدين، فلا نزاع في حجيته، ولا فيما تتوقَّف عليه هذه الحجية، وهو ما يسمى بـ"إجماع العامَّة" كما نُقِل عن الشافعي رضي الله عنه، وهو الإجماع الذي أجمعت عليه الأمَّةُ قاطبةً، مجتهدوها وعوامها.
وقد اتفق المسلمون على وقوع هذا الإجماع، وعِلْم المجتهدين به، وصحَّة نَقْلِه للأمة فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وذلك كإجماعهم على وجوب الصلاة والزكاة، وعلى أن الصلوات المفروضة خمس في اليوم والليلة، إلى غير ذلك من كلِّ أمْرٍ يَكْفُر جاحدُه، أو المتردِّدُ في ثبوته، حتى لو كان مستندُ الإجماع ظنيًّا في ثبوته، أو في دلالته.
- والدليل على إمكان وقوع إجماع العامة ، وإمكان العلم به، وإمكان نقله هو الحصول الفعلي الذي نراه جليًّا في كثير من الأحكام الشرعية، بل في أكثر مسائل الشرع الأصلية.
فأجمعتِ الأمَّةُ على أن شهر الصيام هو رمضان، وعلى أن الكعبة هي القبلة، وعلى أنه لا يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع نسوة، وإلى حل البيع، والإجارة، وحرمة الغِيبة، والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، وأكل الخنزير، وأجمعت على فرض الحجاب على النساء، وعلى حِفْظ العقل، والنَّفس، والعِرْض والدين، والمال، إلى غير ذلك من الكثير الذي لا يجوز مخالفتُه بحالٍ([14]).
- والمعلوم من الدين بالضرورة لا يستوي الناسُ كلُّهم في إدراكه والعِلْم به على حدٍّ سواء؛ بل قد يختلف الناس في تحصيله، فأحكام الإيلاء والظهار قد يجهلها كثيرُ من المسلمين مع أنها من المعلوم من الدين بالضرورة عند العلماء.
- وإن من الأحكام ما قد يخفى على بعض طلبة العلم، كعقوبة اعتزال النساء في قصة المخلفين في غزوة تبوك([15])، فإنها لا تجوز لإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أمْرٌ خاصٌّ برسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجماع، لا يجوز لحاكم من بعده أن يستدل به، فيفعله كنوعِ تعزيرٍ على مَن أخْطَأ نفسَ الخطأ.
- وفائدة الإجماع : بهذه الصفة السابقة أنه ينفي ظنيَّةَ الدليل، ويصبح الدليلُ بعده قطعيًّا لا يجوز النظرُ فيه نظرًا يخالف ذلك الإجماع ، ومن أمثلة نفي الإجماع لظنية الدليل، وجعله قطعيًّا:
1- الإجماع على أن الوضوء سابق على الصلاة مع إيهام النص في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:]، حيث أجمعتِ الأمَّةُ على أن الوضوء قبل الصلاة، وأن المراد من الآية: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم.
قال الإمام الرازي: "اعلم أن المراد بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} ليس المراد نفس القيام، ويدل عليه وجهان:
الأول: أنه لو كان المراد بذلك لَزِم تأخيرُ الوضوء عن الصلاة، وأنه باطل بالإجماع.
الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لو غَسَلَ الأعضاء قبل الصلاة قاعدًا، أو مضطجعًا لكان قد خرج عن العهدة.
بل المراد منه: إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة، وأردتم ذلك.
وهذا وإن كان مجازًا إلا أنه مشهور متعارف، ويدل عليه: أن الإرادةَ الجازمةَ سببٌ لحصول الفعل، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور"([16]).
فيكون معنى قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُم إلَى الصَّلاةِ} إذا أردتم أداءَ الصلاة والاشتغالَ بإقامتها، فلا يجوز لأحد من الناس أن يقوم بتحليلٍ لغويٍّ يتوصَّل به إلى حكمٍ يُخالف ذلك المجمعَ عليه.
فيقول مثلا: إن كلمة (قمتم) فعل ماض، والفاء في (فاغسلوا) للتعقيب، فالوضوء بعد الصلاة؛ بل إن قائل ذلك يكفر لمخالفته الإجماع([17]).
2- وكذلك الإجماع على حرمة الخمر، ولم يرد لفظُ التحريم في القرآن، بل ورد قوله تعالى في شأن الخمر: {فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة:90] التي أجمعتِ الأمَّةُ على أنها للتحريم، فلا يجوز أن يحملها أحدُهم على الإرشاد، أو الكراهة، لعدم استعمال لفظ "تحريم" مثلا.
يقول الإمام القرطبي: "قوله تعالى {فَاجْتَنِبُوهُ} يريد: أبعدوه، واجعلوه ناحية، فَأَمَرَ اللهُ تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث، وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر.
ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نَزَلَ، وورد التحريمُ في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى {قُلْ لا أَجِدُ} [الأنعام: 145] وغيرها من الآي خبرا، وفي الخمر نهيًا، وزجرًا، وهو أقوى التحريم وأوكده.
روي عن ابن عباس أنه قال: "لما نَزَلَ تَحْريمُ الخَمْرِ، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمرُ وجُعِلت عدلا للشرك". يعني: أنه قَرَنَها بذبح الأنصاب، وذلك شِرْكٌ ثم عَلَّق: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فعلَّق الفلاحَ بالأمْر، وذلك يدلُّ على تأكيد الوجوب، والله أعلم"([18]).
حجية الإجماع قطعية:
لقد أطلق القطعية على حجية الإجماع إمامُ الأصوليين الإمام الشافعي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والخطيب البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وابن بَرهان، والغزالي، والدَّبوسي.
بل نَقَلَ غيرُ واحد إجماعَ القائلين بحجية الإجماع على أنه قطعي، ومنهم الرازي مع أنه خالف ذلك، ونسبه الأصفهاني إلى الأكثرين([19]).
قال ابن النجار: "(وهو) أي: الإجماع (حجَّةٌ قاطِعةٌ بالشَّرْعِ) أي: بدليل الشرع كونه حجة قاطعة. وهذا مذهب الأئمة الأعلام, منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين. وقال الآمدي والرازي: هو حجة ظنية لا قطعية"([20]).
وقال الإمام القرافي: "فالإجماع قطعي، وأصله قطعي، لكن بعض مدركه ليس قطعيًّا، وذلك لا يقدح في أن المجموع يفيد القطع، ولا في أن المطلوب قطعي.
سلمنا أن المدرك ظني، لكن لا يلزم أن المدلول لا يكون قطعيًّا، كما تقدم بيانه في أن الحكم معلوم، والظن واقع في طريقه، ويثبت هنالك أن المبني على الشك معلوم، فضلا عن المبني على الظن"([21]).
كما أجاب القرافي جوابًا حسنًا طويلا على اعتراض المعترض على حجية الإجماع بقوله: "إن الفقهاء أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر ولا يفسق، إذا كان ذلك الإنكار لتأويل، ثم يقولون: الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفة كافر".
فقال القرافى مجيبا على هذا الاعتراض : "الإجماع قطعي لأجل دلالة كل عموم، لا بالنظر إلى ذلك العموم وحده، بل جميع أصول الفقه قطعية، ومدرك القطع فيها يَحصل لمن حَصَلَ له الاستقراءُ التامُّ في نصوص الشريعة وأقضية الصحابة في فتاويهم ومناظراتهم، والاطلاع على كثرة واردات السنة في أعيان تلك المسائل، فيحصل القطع حينئذٍ، أما بمجرد آية أو خبر فلا، فهذا هو معنى قول العلماء: "مسائل أصول الفقه قطعية"، وليس من الممكن أن يوضع في كتاب جميع تلك الأمور التي تحصل العلم، كما أنا نقطع بسخاء حاتم، وبشجاعة عليّ؛ لكثرة الاستقراء لأخبارهما، ولو أنا لم نجد إلا كتابًا سطرت فيه حكايات كثيرة عنهما لم يحصل لنا القطع، فوضع العلماء في كتب أصول الفقه أصول المدارك دون نهاياتها تنبيهًا عليه، وحينئذ يتجه قولهم: إن مخالف الإجماع يكفر لمخالفته القطعي، ومخالف العموم لا يكفر لمخالفته الظني، وليس في ذلك ترجيح الفرع على الأصل؛ لأن أصل الإجماع في التحقيق: إنما هو ذلك المجموع الذي أشرنا إليه، ولو خالف أحد ذلك المجموع كفرناه وسوينا بين الفرع والأصل، بل نكفره بذلك الأصل القطعي بطريق الأولى، لكونه أصلا قطعيًّا.
وإذا لم نكفره بمخالفة عموم واحد نكون قد رجحنا الفرع على بعض أصله، ولا غرو في ذلك حينئذٍ، فتأمل ذلك، فإن المصنف - يقصد الإمام الرازي - قد أكثر التشنيع في هذا المقام، وأداه صعوبة هذا الموضوع إلى أن قال: الإجماع ظني، وهو خلاف إجماع مَن تَقَدَّمَه - كما حكاه هو هاهنا - وما سببه إلا عدم النظر في هذا البحث، فتأمله تخلص من الضوائق إن شاء الله تعالى"([22]).
قول الإمام أحمد "مَن ادعى الإجماع فهو كاذب"
- اشتهر هذا القول عن الإمام أحمد وها هي بعض المصادر التي وردت فيها هذه العبارة المنقولة عن الإمام أحمد، منها:
1- "المسودة" لآل تيمية، وقد ورد فيها: "وقد أطلق القول في رواية عبد الله فقال: من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا إذا لم يبلغه"([23]).
2- "التحبير شرح التحرير" للمرداوي، قال فيه: "مَن ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم"([24]).
3- وروى ابن حزم بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع هو الكذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ولم ينته إليه، فيقول: لا نعلم الناس اختلفوا، هذا دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، ولم يبلغني ذلك"([25]).
- وقد ذكر العلماء عدة احتمالات للمراد من عبارة الإمام أحمد:
أ- يحتمل أن يكون كلامه في إنكار أصل الإجماع، وهذا الاحتمال مردود؛ لأنه مناف للآيات والأحاديث التي استدل بها العلماء على حجية الإجماع، فهو أحد المصادر التشريعية المعتمدة عند جمهور العلماء، بل يجب علينا أن نعتقد أنه لا يذهب مذهب المخالفين للجمهور، فإن الإمام أحمد من الذين استدلوا بالإجماع على بعض المسائل الفقهية، وكذلك فإن أتباع الإمام من الحنابلة كتبهم مملوءة بعبارات تؤكِّد اتفاقهم على حجية الإجماع، ومن ذلك:
قول ابن قدامة المقدسي: "الإجماع حجة قاطعة عند الجمهور"([26]).
وقول ابن تيمية: "الإجماع متصور وهو حجة قاطعة"([27]).
وقول ابن اللحام: "وهو - أي: الإجماع - حجة قاطعة"([28]). وكذلك قد سبق النقل عن ابن النجار فيما يؤيد هذا المعنى.
وقد ورد عن الإمام أحمد الاعتماد على الإجماع في إثبات أحكام بعض المسائل الفقهية، مثال ذلك:
1- ابتداء وقت التكبير في عيد الأضحى، قال الشيخ البهوتي: "(يكبِّر من صلاة فجر يوم عرفة، إن كان محلا) ... وقيل لأحمد: بأي حديث تذهب في ذلك، قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود"([29]).
2- الاستماع والإنصات للقرآن، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] قال ابن قدامة: "قال أحمد في رواية أبي داود: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة"([30]).
ب- أو يحتمل أن يكون كلامه في حق مَن ينقل إجماعَ المجتهدين من أهل عصره بعد اتساع رقعة الإسلام وانتشار المجتهدين في الأقطار البعيدة جدا، فإنه لا يمكن العلم به ولا نقله في مثل هذه الحالة.
وهذا الاحتمال لا ينافي صحة نقل الإجماع في العصور السابقة على عصر الإمام أحمد.
ج- ويحتمل أنه قد أراد به مَن ينقل إجماع غير الصحابة، فيكون قد ذهب إلى أن الإجماع مختص بعصر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كما هو مذهب الظاهرية.
وهذا الاحتمال مردود؛ لأن الأدلة التي استند إليها علماء الأصول في إثبات حجية الإجماع متناولة بعمومها لأهل كل عصر، عصر الصحابة وعصر التابعين وهكذا، فيكون قصر الإجماع على عصر الصحابة فقط تخصيص بلا مخصص، وهذا لا يصح، فإن أهل الحق في كل عصر، وليس فقط في عصر الصحابة([31]).
د- وفي ضوء ما تقدم فالصحيح أن نحمل قول الإمام أحمد على أنه قاله في حق مَن ليس له معرفة بخلاف السلف، أو قاله على جهة الورع؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قاله في "الإجماع السكوتي" فلا يقال فيه "أجمعوا"؛ لاحتمال أن الساكت مخالف، ولكن يقال فيه: "قال فلان، ولا نعلم له مخالفا"، أو قاله للإنكار على المعتزلة الذين يدَّعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين، فكلامه للتنفير من دعوى الإجماع من غير حجة وبرهان، وهذا الاحتمال الأخير هو ما رجَّحه العلامة ابن رجب([32])، فلا ينبغي ادعاء الإجماع لمن ليس من أهل الشأن، ولا تقبل دعوى حصول الإجماع أو حكايته إلا ممن كان خبيرا بأقوال المجتهدين.
المصادر والمراجع
- إتحاف ذوي البصائر شرح روضة الناظر، د. عبد الكريم النملة، الرياض : دار العاصمة للنشر والتوزيع، ط1، 1417هـ- 1996م.
- الإبهاج شرح المنهاج، ابن السبكي، تحقيق وتعليق: د. شعبان محمد إسماعيل، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1401هـ- 1981م.
- الإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، القاهرة: دار الرسالة، منشورات علاء سرحان، ط1، 1424هـ-2002م.
- الإحكام في أصول الإحكام، علي بن محمد الآمدي، علق عليه الشيخ: عبد الرزاق عفيفي، الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط1، 1424هـ- 2003م.
- التحبير شرح التحرير، علاء الدين المرداوي الحنبلي، دراسة وتحقيق: د. عبد الرحمن الجبرين، ود. عوض بن محمد القرني، د. أحمد بن محمد السراح، الرياض: مكتبة الرشد، ط1، 1421هـ- 2000م.
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، شارك في التحقيق: محمد رضوان عرقسوسي، وماهر حبوش، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1427هـ- 2006م.
- الطريق إلى التراث الإسلامي، أ.د. علي جمعة محمد، مفتي الديار المصرية، القاهرة : نهضة مصر، ط3، يناير 2007م.
- القاموس المحيط، للفيروزابادي، بيروت : مؤسسة الرسالة.
- المحصول في علم أصول الفقه، فخر الدين الرازي، تحقيق د. طه جابر فياض علواني، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- المحلى، ابن حزم، تحقيق: الشيخ: أحمد محمد شاكر، القاهرة : الطبعة المنيرية.
- المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ابن اللحام البعلي، تحقيق : د. محمد مظهر بقا، مكة المكرمة: جامعة الملك عبد العزيز.
- المسودة، تتابع على تصنيفه ثلاثة من أئمة آل تيمية، جمعها وبيضها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الحراني الدمشقي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: مطبعة المدني.
- تحقيق مذهب الإمام أحمد في الإجماع، الأردن : مجلة أبحاث اليرموك ، مج (19) .
- حقيقة الإجماع وحجيته، الشيخ: عبد الغني عبد الخالق، مخطوط بمكتبة المؤلف.
- سنن أبي داود، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت : دار الفكر.
- سنن الترمذي، تحقيق: الشيخ: أحمد محمد شاكر، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- سنن الدارمي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع العلمي، بيروت : دار الكتاب العربي، ط 1 ، 1407هـ.
- سنن النسائي، تحقيق: الشيخ: عبد الفتاح أبو غدة ، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، ط2، 1406هـ- 1986م.
- شرح الإمام جلال الدين المحلي على جمع الجوامع ، مع حاشية الشيخ حسن العطار، بيروت : دار الكتب العلمية.
- شرح الكوكب المنير، محمد الفتوحي الحنبلي المعروف بـ"ابن النجار"، تحقيق: د. محمد الزحيلي، ود. نزيه حماد، الرياض : مكتبة العبيكان، 1413هـ- 1993م.
- شرح مختصر المنتهى الأصولي، عضد الدين الإيجي، ومعه عدة حواش : سعد الدين التفتازاني، والشريف الجرجاني، والفناري، وأبي الفضل الجيزاوي، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، ط1، 1424هـ- 2004م.
- صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري، مصر: المطبعة الأميرية، ط1، 1322هـ.
- كشاف القناع، محمد الفتوحي الحنبلي المعروف بـ"ابن النجار"، بيروت: دار الكتب العلمية.
- مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، بيروت: دار الفكر، ط1، 1401هـ- 1981م.
- نفائس الأصول، شهاب الدين القرافي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، مكة المكرمة: نزار مصطفى الباز، ط1، 1413هـ - 1995م.
- نهاية السول شرح منهاج الأصول، جمال الدين الإسنوي، ومعه حاشية محمد بخيت المطيعي، بيروت : عالم الكتب، مصورة على الطبعة السلفية.
الهوامش:

([1]) أخرجه أبو داود في كتاب «الصوم» باب «النية في الصيام» حديث (2454)، وقال: "وَقَفَهُ علَى حَفْصَةَ معمرٌ والزبيديُّ وابنُ عُيَيْنَة ويونسُ الأيلي كلُّهم عن الزهريِّ"، والترمذي في كتاب «الصوم» باب «ما جاء لا صيام لمن لم يعزم النية من الليل» حديث (730).
وورد الحديث بلفظة (يُبَيِّت) بدل (يجمع) فيما أخرجه النسائي في كتاب «الصيام» باب «ذكر اختلاف القائلين لخبر حفصة» حديث (2331)، والدارمي في كتاب «الصوم» باب «من لم يجمع الصيام من الليل» حديث (1698).
([2]) انظر: القاموس المحيط، الفيروزابادي، مادة (ج م ع)، والمحصول، الرازي، (4/19)، والإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، (1/261).
([3]) انظر: شرح جمع الجوامع، جلال الدين المحلي، (2/209).
([4]) انظر: البرهان ، لإمام الحرمين ، (1/679 ، فقرة 627) .
([5]) انظر: الطريق إلى التراث الإسلامي، د. علي جمعة، ص (126).
([6]) انظر بخصوص أدلة حجية الإجماع: البرهان ، إمام الحرمين ، (1/675 – 682) . المحصول، الرازي، (4/35)، والإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، (1/261)، ونهاية السول، جمال الدين الإسنوي، (3/248).
([7]) انظر: حقيقة الإجماع وحجيته، الشيخ: عبد الغني عبد الخالق، ص (12)، والإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، ص (78- 79).
([8]) قال ابن السبكي في الإبهاج عن النظام المعتزلى : "كان يُظْهِر الاعتزالَ، وهو الذي يُنْسَب إليه الفرقةُ النظَّاميةُ من المعتزلة لكنه كان زنديقًا، وإنما أنْكَر الإجماعَ لقصده الطعنَ في الشريعة، وكذلك أنْكَر الخبرَ المتواترَ مع خروج رواته عن حدِّ الحصر. هذا مع قوله بأن خبر الواحد قد يفيد العلم، فاعْجَبْ لهذا الخذلان. وأنْكَر القياسَ كما سيأتي، وكل ذلك زندقة، وله كتاب نصر التثليث على التوحيد، وإنما أظهر الاعتزال؛ خوفًا من سيف الشرع وله فضائح عديدة، وأكثرُها طعنٌ في الشريعة المطهرة" ، انظر: الإبهاج شرح المنهاج، ابن السبكي، (2/393).
([9]) انظر: نهاية السول، جمال الدين الإسنوي، ص (3/245)، وشرح المختصر، عضد الدين الإيجي، (2/319)، وفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، عبد العلي محمد الأنصاري، (2/262) وعدة الأصول، الطوسي، (2/601) نقلا عن الإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة ص (31)، وحقيقة الإجماع وحجيته، الشيخ: عبد الغني عبد الخالق، ص (15).
([10]) انظر: الإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، ص (33).
([11]) انظر: حقيقة الإجماع وحجيته، الشيخ: عبد الغني عبد الخالق، ص (12).
([12]) انظر: شرح المختصر، عضد الدين الإيجي، (2/316).
([13])انظر: الإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، ص (33).
([14]) انظر: الإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، ص (35).
([15]) الحديث أخرجه مسلم في كتاب «التوبة» باب «حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه» حديث (2769).
([16]) تفسير مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، (11/153).
([17]) انظر: الإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، ص (27).
([18]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، (8/160).
([19]) انظر: المحصول، الرازي، (4/298)، والإجماع عند الأصوليين، د. علي جمعة، ص (36).
([20]) شرح الكوكب المنير، البهوتي، ص (226).
([21]) نفائس الأصول شرح المحصول، القرافي، (6/2770).
([22]) نفائس الأصول شرح المحصول، القرافي، (6/2583).
([23]) المسودة في أصول الفقه، آل تيمية، ص (315).
([24]) (4/1526).
([25]) المحلى، ابن جزم، (10/422).
([26]) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر، د. عبد الكريم النملة، (4/18).
([27]) المسودة، آل تيمية، ص (315).
([28]) المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ابن اللحام، ص (74).
([29])كشاف القناع، البهوتي، (2/58).
([30]) انظر: المغني، ابن قدامة، (1/330).
([31]) انظر: تحقيق مذهب الإمام أحمد في الإجماع، مجلة أبحاث اليرموك (مج 19، ص 1367).
([32]) نقله عنه العلامة المرداوي في التحبير شرح التحرير (4/1528)، وانظر: حقيقة الإجماع وحجيته، الشيخ: عبد الغني عبد الخالق، ص (23).

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح