1- ما حكم أداء الصلوات الخمس عبر مكبرات الصوت؟
2- ما حكم تشغيل البث الإذاعي للقرآن الكريم والتواشيح عبر مكبرات الصوت بصوت مرتفع جدًّا قبل أذان الفجر بساعة تقريبًا؟
الـجـــواب
أمانة الفتوى بدار الافتاء المصريه
أولا وثانيًا: الإسلام دين سماحة وعدل وإنصاف وذوق وأدب ورحمة، ومع أنه هو دين الحق الذي لا يقبل اللهُ تعالى من أحد من المكلَّفين غيره: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} فهو لا يقهر أحدًا على الدخول فيه، ولا يُرْغِمُ أحدًا على الاستماع إليه قسرًا: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}، {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، ولذلك فإن على المسلمين أن ينشروا شعائره بطريقة تناسب المبادئ والمُثُل التي يدعو إليها، ولا يجوز للمسلم أن يكون فتنةً للناس أو حجابًا بين الخلق والخالق تحت شعار الدعوة إلى الله تعالى؛ بإسماع الناس المواعظ والآيات قهرًا رغم أنوفهم، وإزعاجهم في بيوتهم وأعمالهم، ومزاحمتهم في أوقات راحتهم وانشغالاتهم، بل الأمر متروك لكل مكلف بما يناسب وقته وقدراته واستعدادته، فلا ينبغي استعمال مكبرات الصوت وسماعات المساجد في النَّيل مِن راحة الناس في ليل أو نهار تحت دعوى التذكير، وتحت زعم قدسية المادة المذاعة وحقِّيّتها؛ فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]، وروى أحمد وابن ماجه والطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ))، ويقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُون مِن لِسانِه ويَدِه)) رواه مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه.
وكان من هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقيم الشعائر مع مراعاة المشاعر، فكان شديد الحرص على مصالح الخلق ومراعاة مشاعر الناس وأوقات راحتهم، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنِّي لأَقُومُ في الصَّلاةِ أُرِيدُ أَن أُطَوِّلَ فيها، فَأَسمَعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ، فأَتَجَوَّزُ في صَلاتِي؛ كَراهِيةَ أَن أَشُقَّ على أُمِّهِ)) رواه البخاري وغيره من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
وروى البخاري ومسلم في صحيحَيهما ((أَنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رضي الله عنه كانَ يُصَلِّي مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُم يَأتِي قَومَه فيُصَلِّي بهم الصَّلاةَ، فقَرَأَ بهم البَقَرةَ، فتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلاةً خَفِيفةً، فبَلَغَ ذلك مُعاذًا فقال: إنّه مُنافِقٌ، فبَلَغَ ذلك الرَّجُلَ فأَتى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ إنّا قَومٌ نَعمَلُ بأَيدِينا، ونَسقِي بنَواضِحِنا، وإنّ مُعاذًا صَلّى بنا البارِحةَ فقَرَأَ البَقَرةَ، فتَجَوَّزتُ، فزَعَمَ أَنِّي مُنافِقٌ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: يا مُعاذُ، أَفَتّانٌ أنتَ! -ثَلاثًا- اقرَأْ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ونَحوَها)).
وَرَوَيَا أيضًا عن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصارِيِّ رضي الله تعالى عنه قال: ((قال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، لا أَكادُ أُدرِكُ الصَّلاةَ مِمّا يُطَوِّلُ بنا فُلانٌ، فما رَأَيتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم في مَوعِظةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِن يَومِئِذٍ فقال: أيّها النّاسُ، إنّ منكم مُنَفِّرِينَ، فمَن صَلّى بالنّاسِ فليُخَفِّف؛ فإنّ فيهم المَرِيضَ والضَّعِيفَ وذا الحاجةِ)).
فهذه النصوص وغيرها تمنع من أذى الخَلق، وتراعي مشاعرهم في إسماعهم شعائر الإسلام، وتُرَهِّب مِن التَّعَدِّي عليهم بالقول أو الفعل.
وإذا كان العدوان والظلم واقعَين على الجيران فإن الذنبَ يكون أعظم، والجُرمَ يصير أَشنَع؛ للنصوص المتكاثرة في الوصية بالجار؛ كقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، وقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((واللهِ لا يُؤمِنُ، واللهِ لا يُؤمِنُ، واللهِ لا يُؤمِنُ، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي لا يَأمَنُ جارُه بَوائِقَه)).
ورَفعُ الصوت بهذه المكبِّرات بالتواشيح قبل أذان الفجر فيه أذًى بليغ للخلق وعدوان شديد على الناس وإقضاضٌ لمضاجعهم، والله أعلم بأحوالهم: فمنهم المريض الذي تزيد اليقظةُ ألمه، ومنهم الأُمُّ التي سهرت طوال ليلها لينام أطفالُها، فإذا أرادت الهُجُوعَ هجمت عليها هذه الأصوات لتمنعها راحتَها، ومنهم صاحب العمل الذي يشقى طوال يومه أو ليله ولا يجد فرصة للراحة من عناء العمل إلا في ذلك الوقت، وهكذا يجمع هؤلاء الآثام ومظالم الخلق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولا يشفع في ذلك أن هذه الأصوات العالية مُحَمّلةٌ بالتواشيح والمدائح الطيبة المشروعة في نفسها؛ فإن المسلم مأمور بمراعاة مشاعر إخوانه ومنهيٌّ عن إزعاجهم في أوقات راحتهم، وفعل هذا حرام شرعًا، ولا يبرر لصاحبه أنه يريد الخير؛ فإن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، ومراعاة راحة الناس وترك إزعاجهم واجبٌ شرعيٌّ، والمسلم مأمور بألا يستعدي الخلق على الدين حتى لو كان ذلك بشيء من الدين؛ فالله تعالى نهى عن سب آلهة المشركين -مع أن ذلك حقٌّ في نفسه، بل هو مظهر من مظاهر البراءة من الكفر- حتى لا يُجرِّئهم ذلك على سب الله سبحانه وتعالى وتقدَّس، فكيف برفع الصوت بهذه التواشيح -المباحة في نفسها- واستخدامها لإقلاق راحة الناس وإسخاطهم عليها؟!
ثم إن الله سبحانه وتعالى قد سمَّى ما قبل الفجر "وقتَ عورة"؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58]، وفي هذا توجيهٌ ربّانيٌّ بمراعاة أحوال الخلق واعتبار مشاعرهم خاصّةً في هذا الوقت، وقد يكون الأمر بالنسبة لإذاعة الصلوات الخمس أقلَّ ضررًا وأيسر شأنًا من إذاعة التواشيح قبل الفجر، لكن لَمّا رأى ولي الأمر منع إذاعة الصلوات الخمس في مكبِّرات الصوت الخارجية صارت مخالفة ذلك افتياتًا على ولي الأمر؛ لأن له حق تقييد المباح، فكيف إذا كان في ذلك نوعُ أذًى للخلق وإزعاج للناس!
كما أن رفع الصوت بهذه الطريقة مُؤذٍ للمصلين في المساجد والبيوت ومحالِّ العمل المجاورة، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110]، وفي الحديث الذي رواه النسائي في الكبرى وغيرُه عن أبي حازم التَّمّار عن البَياضِيّ رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد عَلَت أصواتُهم بالقراءة فقال: ((إنّ المَُصَلِّيَ يُناجِي رَبَّه، فليَنظُر ماذا يُناجِيه به، ولا يَجهَر بعضُكم على بعضٍ في القرآنِ)).
والله سبحانه وتعالى أعلم.
تصنيفات اسلامية
- القرآن الكريم (1)
- تراجم وسير (38)
- رقائق (9)
- شبهات والرد عليها (42)
- فتاوى هامة (67)
- كتب دينية (4)
- مسائل تتعلق بمبادئ الفقه والمسائل الخلافية (26)
- مسائل عامة عن الإسلام والعقيدة (34)
- مقالات العلماء (66)
- ميديا اسلامية (2)
آراء وتحليلات وخواطر
مواضيع مختارة من المدونة
- اوهام الكهف والجنس والسوق والمسرح .
- هل الاسلام انتشر بالسيف ؟
- حول قطع يد السارق
- حقائق حول القرآن الكريم ( جمع القرآن )
- استعمال أسلحة الدمار الشامل ضد الدول غير المسلمة
- لماذا جعل الإسلام ميراث المرأة نصف ميراث الرجل؟
- لماذا تعددت زوجات رسول الإسلام؟
- الاختلاف الفقهي ومتى يجوز الإنكار؟
- ضرب المرأة فى الاسلام
- الداعية والعالم والخلط بينهم
- هل يوجد تناقض فى القرآن
- هل القرآن يغني عن السنة ؟
- ما حكم إطلاق اللحية ؟
- ما حكم إسبال الثوب ؟
الاثنين، 17 مايو 2010
حكم بث التواشيح عبر مكبرات الصوت
Labels :
فتاوى هامة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ادخل بريدك ليصلك كل جديد
المشاركات الشائعة
-
ضرب المرأة فى الاسلام ورد ضرب النساء في القرآن في موضع واحد في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي ت...
التعليقات: 0
Post a Comment