لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد يوسف الشيخ من علماء كلية أصول الدين
فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ لا يجنحون إلى شيء ولا يرجحون أمرا إلا وقد قام عندهم مرجحات ما جنحوا إليه، واقتنعوا بمسوغات ما رجح عندهم، لا تجد إنسانا مميزا يعتقد شيئا أو يأتي أمرا إلا وقد امتلأت نفسه بعلل ودوافع تبرر له ما اعتقد وتدفعه إلى ما عمل؛ وهذا ما يسمونه في علم النفس بغريزة التعليل.
هذه الغريزة يستتبعها في الإنسان غرائز أخرى؛ فقد شاءت حكمة الله تعالى أن يهب الإنسان قوة التفكير والإرادة، فلا مناص إذًا من غريزة التعليل.
هذه الغريزة عامة شاملة تصاحب كل إنسان مميز وتلازمه؛ كما تشهدها في الجامعات ودور العلم تراها بين السوقة تسيطر عليهم في شؤونهم ومعاوضاتهم؛ كما تراها في هذا الجيل تسمع بها في الجيل الأول: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}: اقتنع بأن العدوان إثم وظلم وموضع مقت الله تعالى وغضبه ومآله النار، فامتنع كنتيجة لهذا التفكير أن يبسط إلى أخيه يد الإِثم والعدوان.
تتمثل هذه الغريزة في ربط المقاصد بمباديها، وإناطة المعلومات بعللها. هذا المظهر العملي لغريزة التعليل يتناول جانبين: جانبي المادة والصورة فيما يقع فيه التعليل. فالعلل التي تدعم بها حكما من الأحكام لا بد أن تكون عللا لذلك الحكم في نفس الأمر، ولا يمكن أن تنتج الأثر المنشود إلا وقد نسقت تنسيقا خاصا؛ وهاهنا في الجانبين يعرض للإنسان الخطأ والتعثر فيظن الشيء علة وما هو بعلة، وقد يسوق العلة على وجه لا ينتج المطلوب.
غريزة التعليل في الإنسان هي الأساس الذي ترتكز عليه شؤونه وتصرفاته، ليس ذلك في شؤون الفرد فحسب، بل تسيطر على شؤون الفرد والجماعة والأمة وحياة البشر جميعا. فالخطأ في التفكير قد يجر إلى كوارث عالمية، وما مشاكل البشر في هذه الحياة إلا نتيجة لسوء التفكير والتعليل.
وما نراه في جيلنا هذا من المحن وألوان البلاء التي تتناول البشرية جمعاء ليس إلا نتيجة محتومة للخطأ في التفكير وسوء التعليل.
اقتنع قادة الفكر في مختلف العصور بخطر هذه الغريزة في الإنسان وما تنتجه من خير عميم إذا هي استقامت، وما تجر إليه من شر مستطير إذا هي انحرفت، فأخذوا يضعون لها القوانين التي تنير أمامها السبيل، وتتميز عندها المسالك المستقيمة عن المسالك الملتوية؛ تلك القوانين هي ما يسمونه بالمنطق.
فالمنطق: مجموع القوانين التي تنظم التفكير البشري، وتحدد السبل التي تنتهي به إلى أهدافه المختلفة.
انتهج الله سبحانه شرعة التعليل في الوحي والرسالة إلى عباده، فأقنعهم بالمعجزات بأن صاحبها نبيه وسفيره، فوجب الاقتناع بما يحدّث به عن الله تعالى.
لم يقف الإسلام في التعليل عند الإِقناع الإجمالي بالوحي والرسالة، بل تناول قضاياه تفصيلا، وأحاط كل قضية بما يدعمها من الحجة والبرهان؛ فقد بلغ التفكير البشري في عصر الإسلام شبابه وعنفوانه، وأضحى يتحمل الإقناع التفصيلي.
هذا الإِقناع وذلك التعليل الذي سلكه القرآن في هداية الناس لم يكن ليحتاج منهم إلا لمجرد الفطرة السليمة وقد تنزهت عن الجحود والاستكبار.
وهذه نماذج من الإقناع القرآني نتلوه عليك:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا...}.
{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ* تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ* وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ* وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ* رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}.
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}
{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}.
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ}.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ}
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}.
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ}.
{لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}.
{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
{وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}
{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}
{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}
ترى في هذا الإرشاد القرآني ألوانا من الحجة تملأ الفطرة الطاهرة من الجحود والإباء إيمانا بما دعا إليه، ويقينا بما طلب الإيمان به، يستوي في ذلك ذكي الناس وغبيهم، عالمهم وجاهلهم، فيلسوفهم وعاميهم.
استمر التعويل في الإقناع الإسلامي على سلامة الفطرة دون ما حاجة إلى قوانين النظر وقواعد المنطق، عصر النبي والخلفاء الراشدين من بعده صلوات الله تعالى عليهم أجمعين؛ فقد امتازت العقيدة الإسلامية في هذه الحقبة بالبساطة يفهمها الناس، واضحة محددة، يواتيها دليلها كما هدى الكتاب المبين في سهولة ووضوح.
فالله تعالى عالم، معناه لا يغيب عنه شيء، ولا يجهل شيئا، ودليله واضح كما أرشد إليه الكتاب {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}، وما جاء في القرآن من المتشابه يفوضون فيه الأمر إليه تعالى مع تنزيهه عما يوهمه ظاهر اللفظ.
لم ينعم الناس بهذه البساطة وذلك الوضوح في عقائدهم زمنا طويلا؛ بل اكتنفها الغموض والتعقيد نتيجة ما بحث النظار وتعمقوا، كما ترى في قولهم: عالم بذاته أو بصفة زائدة على ذاته، وهل السمع والبصر عين العلم بالمسموع والمبصر أم إدراك آخر غير العلم بهما؟ وهكذا أثار البحث كثيرا من الخلافات فتشعبت المسائل، وتعددت المذاهب، وليس في القرآن ما يحسم هذا النزاع، فإنه لا يحفل بأمثال هذه الخلافات، بل جاء للناس كافة يدعوهم إلى عقائد بسيطة محددة، واضحة لا تخفى على غبيهم، وأرشد إلى الحجة على هذه العقائد في بساطتها، فاضطر كل فريق من المتخالفين أن يطلب البينة على رأيه من معين آخر.
في هذا الطور من حياة العقيدة الإسلامية كالطور الأول، لم يتخذ المسلمون المنطق سبيلا إلى مطالبهم، ولا سلاحا شرعوه فيما بينهم، فلم يكن قد شاع عندهم، وإن يك قد تسلل إلى ديارهم.
توجّس المسلمون أول الأمر خيفة من المنطق، وتحاشوا الاشتغال به، وحرمه كثير منهم إشفاقا على عقائدهم؛ فقد كان مملوءا بالتطبيق والأمثلة الفلسفية التي تخاصم العقيدة، إلا أنهم رأوا أنفسهم بعدُ مضطرين إلى الاستعانة به لاعتبارات شتى.
فأولا: تبين المسلمون أن المنطق آلة يسبر بها غور الأدلة وما شاكلها من الحدود والمعرفات لتمييز صحيحها من فاسدها، وأنه ميزان يحتكم إليه في سائر الأبحاث والمبادئ، كما يحتكم إليه الفيلسوف يصح أن يحتكم إليه المتكلم والأصولي والفقيه وسائر الباحثين؛ وأما ما فيه من النظريات الفلسفية وما شاكلها فإنما هي مجرد أمثلة للإيضاح، لا يجب التزامها، فإن التمثيل والإيضاح لا يجب أن يكون من مادة بعينها.
وثانيا: شاع المنطق في البيئة الإسلامية بحكم الفتح الإسلامي، فقد غزا المسلمون بلادا وأمما كثيرة كالهند وفارس والعراق ومصر والشام والمغرب والأندلس، وقد كانت هذه البلاد مملوءة بالحضارة المختلفة يونانية وفارسية وهندية، وكان الميزان الذي يحتكمون إليه في بحوثهم هو المنطق وقوانينه، فاحتكم إليه المسلمون كميزان توزن به المعلومات أيا كان لونها.
وثالثا: خاصم الإسلامَ كثيرٌ من الأديان والملل كاليهودية والنصرانية والدهرية ومذاهب البراهمة والفارسيين وكثير من النظريات الفلسفية، وكانت هذه الخصومات متسلحة بالمنطق وقوانينه، فاضطر المسلمون إلى دراسة هذه المذاهب ومناقشتها دفاعا عن دينهم وعقائدهم، ولا مفر لهم آنئذٍ أن يدرسوا المنطق كي يحاربوا خصومهم بنفس سلاحهم، ويحتكموا وإياهم إلى ميزان حاز ثقة الجميع؛ وهذا ما تميز به كلام المتأخرين من علماء التوحيد كما تراه في كتب الرازي والغزالي والبيضاوي والآمدي والعضد والسعد؛ فقد خلطوا علم الكلام بكثير من الفلسفيات والطبيعيات والرياضيات مما يظن أنه يمس شيئا من الإسلام وأصوله، وأجهدوا أنفسهم في نقده وإبطاله على قانون المنطق، فنرى في أساليبهم القياس الحملي والشرطي والاستثنائي، ومقدمة صغرى وكبرى، ومنع الصغرى أو الكبرى أو الاستثنائية، ومنع التقريب، إلى آخر ما نسمع به في المنطق واصطلاحاته، حتى لقد توغل كثير من المتكلمين فصدروا كتبهم بجملة قيمة من قوانين المنطق كالطوالع والمواقف، حتى إن الغزالي يفرض في مقدمات كتابه "تهافت الفلاسفة" على القارئ أن يدرس المنطق أولا.
فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ لا يجنحون إلى شيء ولا يرجحون أمرا إلا وقد قام عندهم مرجحات ما جنحوا إليه، واقتنعوا بمسوغات ما رجح عندهم، لا تجد إنسانا مميزا يعتقد شيئا أو يأتي أمرا إلا وقد امتلأت نفسه بعلل ودوافع تبرر له ما اعتقد وتدفعه إلى ما عمل؛ وهذا ما يسمونه في علم النفس بغريزة التعليل.
هذه الغريزة يستتبعها في الإنسان غرائز أخرى؛ فقد شاءت حكمة الله تعالى أن يهب الإنسان قوة التفكير والإرادة، فلا مناص إذًا من غريزة التعليل.
هذه الغريزة عامة شاملة تصاحب كل إنسان مميز وتلازمه؛ كما تشهدها في الجامعات ودور العلم تراها بين السوقة تسيطر عليهم في شؤونهم ومعاوضاتهم؛ كما تراها في هذا الجيل تسمع بها في الجيل الأول: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}: اقتنع بأن العدوان إثم وظلم وموضع مقت الله تعالى وغضبه ومآله النار، فامتنع كنتيجة لهذا التفكير أن يبسط إلى أخيه يد الإِثم والعدوان.
تتمثل هذه الغريزة في ربط المقاصد بمباديها، وإناطة المعلومات بعللها. هذا المظهر العملي لغريزة التعليل يتناول جانبين: جانبي المادة والصورة فيما يقع فيه التعليل. فالعلل التي تدعم بها حكما من الأحكام لا بد أن تكون عللا لذلك الحكم في نفس الأمر، ولا يمكن أن تنتج الأثر المنشود إلا وقد نسقت تنسيقا خاصا؛ وهاهنا في الجانبين يعرض للإنسان الخطأ والتعثر فيظن الشيء علة وما هو بعلة، وقد يسوق العلة على وجه لا ينتج المطلوب.
غريزة التعليل في الإنسان هي الأساس الذي ترتكز عليه شؤونه وتصرفاته، ليس ذلك في شؤون الفرد فحسب، بل تسيطر على شؤون الفرد والجماعة والأمة وحياة البشر جميعا. فالخطأ في التفكير قد يجر إلى كوارث عالمية، وما مشاكل البشر في هذه الحياة إلا نتيجة لسوء التفكير والتعليل.
وما نراه في جيلنا هذا من المحن وألوان البلاء التي تتناول البشرية جمعاء ليس إلا نتيجة محتومة للخطأ في التفكير وسوء التعليل.
اقتنع قادة الفكر في مختلف العصور بخطر هذه الغريزة في الإنسان وما تنتجه من خير عميم إذا هي استقامت، وما تجر إليه من شر مستطير إذا هي انحرفت، فأخذوا يضعون لها القوانين التي تنير أمامها السبيل، وتتميز عندها المسالك المستقيمة عن المسالك الملتوية؛ تلك القوانين هي ما يسمونه بالمنطق.
فالمنطق: مجموع القوانين التي تنظم التفكير البشري، وتحدد السبل التي تنتهي به إلى أهدافه المختلفة.
انتهج الله سبحانه شرعة التعليل في الوحي والرسالة إلى عباده، فأقنعهم بالمعجزات بأن صاحبها نبيه وسفيره، فوجب الاقتناع بما يحدّث به عن الله تعالى.
لم يقف الإسلام في التعليل عند الإِقناع الإجمالي بالوحي والرسالة، بل تناول قضاياه تفصيلا، وأحاط كل قضية بما يدعمها من الحجة والبرهان؛ فقد بلغ التفكير البشري في عصر الإسلام شبابه وعنفوانه، وأضحى يتحمل الإقناع التفصيلي.
هذا الإِقناع وذلك التعليل الذي سلكه القرآن في هداية الناس لم يكن ليحتاج منهم إلا لمجرد الفطرة السليمة وقد تنزهت عن الجحود والاستكبار.
وهذه نماذج من الإقناع القرآني نتلوه عليك:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا...}.
{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ* تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ* وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ* وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ* رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}.
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}
{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}.
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ}.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ}
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}.
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ}.
{لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}.
{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
{وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}
{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}
{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}
ترى في هذا الإرشاد القرآني ألوانا من الحجة تملأ الفطرة الطاهرة من الجحود والإباء إيمانا بما دعا إليه، ويقينا بما طلب الإيمان به، يستوي في ذلك ذكي الناس وغبيهم، عالمهم وجاهلهم، فيلسوفهم وعاميهم.
استمر التعويل في الإقناع الإسلامي على سلامة الفطرة دون ما حاجة إلى قوانين النظر وقواعد المنطق، عصر النبي والخلفاء الراشدين من بعده صلوات الله تعالى عليهم أجمعين؛ فقد امتازت العقيدة الإسلامية في هذه الحقبة بالبساطة يفهمها الناس، واضحة محددة، يواتيها دليلها كما هدى الكتاب المبين في سهولة ووضوح.
فالله تعالى عالم، معناه لا يغيب عنه شيء، ولا يجهل شيئا، ودليله واضح كما أرشد إليه الكتاب {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}، وما جاء في القرآن من المتشابه يفوضون فيه الأمر إليه تعالى مع تنزيهه عما يوهمه ظاهر اللفظ.
لم ينعم الناس بهذه البساطة وذلك الوضوح في عقائدهم زمنا طويلا؛ بل اكتنفها الغموض والتعقيد نتيجة ما بحث النظار وتعمقوا، كما ترى في قولهم: عالم بذاته أو بصفة زائدة على ذاته، وهل السمع والبصر عين العلم بالمسموع والمبصر أم إدراك آخر غير العلم بهما؟ وهكذا أثار البحث كثيرا من الخلافات فتشعبت المسائل، وتعددت المذاهب، وليس في القرآن ما يحسم هذا النزاع، فإنه لا يحفل بأمثال هذه الخلافات، بل جاء للناس كافة يدعوهم إلى عقائد بسيطة محددة، واضحة لا تخفى على غبيهم، وأرشد إلى الحجة على هذه العقائد في بساطتها، فاضطر كل فريق من المتخالفين أن يطلب البينة على رأيه من معين آخر.
في هذا الطور من حياة العقيدة الإسلامية كالطور الأول، لم يتخذ المسلمون المنطق سبيلا إلى مطالبهم، ولا سلاحا شرعوه فيما بينهم، فلم يكن قد شاع عندهم، وإن يك قد تسلل إلى ديارهم.
توجّس المسلمون أول الأمر خيفة من المنطق، وتحاشوا الاشتغال به، وحرمه كثير منهم إشفاقا على عقائدهم؛ فقد كان مملوءا بالتطبيق والأمثلة الفلسفية التي تخاصم العقيدة، إلا أنهم رأوا أنفسهم بعدُ مضطرين إلى الاستعانة به لاعتبارات شتى.
فأولا: تبين المسلمون أن المنطق آلة يسبر بها غور الأدلة وما شاكلها من الحدود والمعرفات لتمييز صحيحها من فاسدها، وأنه ميزان يحتكم إليه في سائر الأبحاث والمبادئ، كما يحتكم إليه الفيلسوف يصح أن يحتكم إليه المتكلم والأصولي والفقيه وسائر الباحثين؛ وأما ما فيه من النظريات الفلسفية وما شاكلها فإنما هي مجرد أمثلة للإيضاح، لا يجب التزامها، فإن التمثيل والإيضاح لا يجب أن يكون من مادة بعينها.
وثانيا: شاع المنطق في البيئة الإسلامية بحكم الفتح الإسلامي، فقد غزا المسلمون بلادا وأمما كثيرة كالهند وفارس والعراق ومصر والشام والمغرب والأندلس، وقد كانت هذه البلاد مملوءة بالحضارة المختلفة يونانية وفارسية وهندية، وكان الميزان الذي يحتكمون إليه في بحوثهم هو المنطق وقوانينه، فاحتكم إليه المسلمون كميزان توزن به المعلومات أيا كان لونها.
وثالثا: خاصم الإسلامَ كثيرٌ من الأديان والملل كاليهودية والنصرانية والدهرية ومذاهب البراهمة والفارسيين وكثير من النظريات الفلسفية، وكانت هذه الخصومات متسلحة بالمنطق وقوانينه، فاضطر المسلمون إلى دراسة هذه المذاهب ومناقشتها دفاعا عن دينهم وعقائدهم، ولا مفر لهم آنئذٍ أن يدرسوا المنطق كي يحاربوا خصومهم بنفس سلاحهم، ويحتكموا وإياهم إلى ميزان حاز ثقة الجميع؛ وهذا ما تميز به كلام المتأخرين من علماء التوحيد كما تراه في كتب الرازي والغزالي والبيضاوي والآمدي والعضد والسعد؛ فقد خلطوا علم الكلام بكثير من الفلسفيات والطبيعيات والرياضيات مما يظن أنه يمس شيئا من الإسلام وأصوله، وأجهدوا أنفسهم في نقده وإبطاله على قانون المنطق، فنرى في أساليبهم القياس الحملي والشرطي والاستثنائي، ومقدمة صغرى وكبرى، ومنع الصغرى أو الكبرى أو الاستثنائية، ومنع التقريب، إلى آخر ما نسمع به في المنطق واصطلاحاته، حتى لقد توغل كثير من المتكلمين فصدروا كتبهم بجملة قيمة من قوانين المنطق كالطوالع والمواقف، حتى إن الغزالي يفرض في مقدمات كتابه "تهافت الفلاسفة" على القارئ أن يدرس المنطق أولا.
التعليقات: 0
Post a Comment