الثلاثاء، 20 أبريل 2010

العدل والمودّة والتسامح. لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة

- تلك هي العلائق القوية التي تربط المجتمع وآحاده، فالعدل ميزان الأمور، لا يستقيم شيء في هذا الوجود إلا به، فلا بخس لجماعة، ولا طغيان لأخرى، وإنه إن ثقل الميزان في جانب، وخف في آخر اضطربت الأمور، وانحل رباط المجتمع، وانتثر عقده، ثم لا يجتمع من بعده أبدا، إلا إذا استقام الميزان من غير إثقال وتطفيف وبخس؛ ولذلك أوجب الله تعالى العدل في كل صوره وأحواله، وغايته الكبرى ألا يطغى فريق على فريق، فلا تطغى طائفة على طائفة والنبي صلى الله عليه وسلم حكى عن ربه أنه قال: «يا عبادي إني كتبت العدل على نفسي فلا تظالموا». وكان العدل شريعة النبيين المبعوثين من لدن آدم إلى خاتم النبيين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
فالعدل ميزان هذا الوجود وقوامه ورباطه، وكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ينادي بالعدل في كل أموره؛ لأن العدل هو الذي تستقيم به الأمور، وتضبط به العلاقات، ويعيش به ابن الأرض آمنا مطمئنا، وهو رباط الجماعات الإنسانية، وأساس العلاقات الدولية، ولذلك يقول الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} فالعدالة هي الحكم الذي يوثق ما بين الناس، لا فرق في ذلك بين عدو وولي، ولا قريب أو بعيد، ومهما يكن البغض الشديد مستحكما، فالعدالة هي الحاكمة، وهي فيصل ما بين المعاملة السليمة المستقيمة والمعاملة السقيمة.
2- وليس العدل مقصورا على الحكم بين الناس، بل إنه يشمل هذا النوع، وهو موضع طلب بشدة في الشرائع السماوية كلها، فقد قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}.
ويشمل كل المعاملات الإنسانية من اقتصادية واجتماعية ودولية، فالعلاقات الإنسانية كلها ينظمها العدل حتى إن القَوْلَ ينظمه العدل، فكل قول لا يكون حقا يعد ظلما، بل إن خلجات القلوب تكون مستقيمة إذا كانت عادلة بالقدر الممكن، بل إن التمنيات النفسية يدخلها العدل، فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وإن هذا أول خطوات الاستقامة النفسية فإن الاعوجاج النفسي والعملي، يبتدئ خَطُّهُ من التمني، فالمستقيم في عمله تبتدئ استقامته من نظرات قلبه، فإن كان ينظر إلى نفسه على أنها واحدة في مجموع لها من الحقوق مثل ما لغيرها من غير مجاوزة ولا شطط، فإنه يكون عادلا نَزِها في معاملاته بالناس، وإن كان منحرف النفس تسيطر عليه الأثرة وحب الذات من غير نظر إلى حقوق الغير، فإنه حينئذ يكون التردي في الظلم ابتداء، وتكون نتيجته التدابر في الجماعة والتنابذ انتهاء، وتقطع الأسباب الرابطة بين الجماعة.
ولذلك يقسم بعض العلماء العدالة إلى ثلاث شعب: شعبة العدالة القانونية، بأن يكون القانون المطبق على الجماعة والناس واحدا، فلا يكون للضعفاء قانون، وللأقوياء قانون، ولا يطبق القانون الواحد تطبيقين، بحيث يكون التطبيق مشددا على طائفة من الناس، ومتراخيا في عقوباته مع طائفة أخرى، كما كان الحال عند الرومان وعند بعض الناس في هذا الزمان، فيكون التطبيق على الجُنْدِ إذا أثموا في حق الناس خفيفا، ويكون على المحكومين من الرعايا شديدا، ويكون الرؤساء موضع عفو من العقاب، والضعفاء موضع تشديد فيه، بل يكون الناس في القانون على سواء لا فضل لأحد في الرذائل، إنما الفضل في الفضائل، وقد ضرب صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك أحسن الأمثال وبيَّن أن التفاوت في الأحكام القضائية والمعاملات القانونية معول هدم الأمم، فقد تشفع إليه بعض ذوي المحبة عنده في حد من حدود الله تعالى، وهو حد السرقة، فوقف عليه السلام خطيبا، وقال: «ما بال أقوام يتشفعون في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف قطعوه، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وهكذا يقيم محمد الميزان المستقيم لا اعوجاج فيه.
وقد يقول قائل كيف يُسوَى الفاضل بغير الفاضل في حكم القضاء، والنبي عليه السلام قال في الصحيح المروي عنه: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». ونحن نقول إن الحديث وارد في العثرات التي لا تبلغ حد الجرائم، فالمراد العثرات التي لا يكون فيها اعتداء على حق من حقوق العباد، ولا حق من حقوق الله تعالى، وهي حق المجتمع الذي يعيش في جو من الفضائل والأمن والسلام حيث لا اعتداء، بل أمن وسلام، وإن الجريمة من ذوي الهيئات تفسد في الناس أكثر مما تفسد جريمة من ليست لهم وجاهة في الناس، وليسوا من ذوي الهيئات، ولذا قرر القرآن أن العقوبة على الضعفاء أقل من العقوبة على غيرهم، فلقد قرر القرآن أن زنى الحرة يوجب حدا كاملا، وزنى الأمة يوجب نصف حد الحرة؛ لأن العقوبة تتبع الجريمة صغرا وكبرا، والجريمة من الكبير كبيرة، ومن الصغير صغيرة؛ لأن الجريمة هوان، وحيثما هانت النفس سهلت الجريمة، والضعفاء ليسوا موضع اقتداء، فلا تشيع الجريمة بين الناس إذا كانت منهم، وتشيع بين الناس إذا كانت من الكبراء والسادة، فهم الذين يُضِلُّون الشعوب إذا انحرفوا، ويشيعون الفاحشة إن فعلوها، لأن ذوي النفوس المريضة مولعون دائما بتقليد الأقوياء، لا بتقليد الضعفاء. وتعجبني في هذا المقام كلمة لرجل الفضيلة والقانون سعد زغلول، إذ يقول: "إننا نتفاضل فيما بيننا، ولكنا أمام القانون سواء، فالفضيلة من الفاضل، لا تسوغ الرذيلة منه".
3- والشعبة الثانية من شعب العدالة هي العدالة الاجتماعية بأن يُمَكَّن كل إنسان من أن يعمل، وأن يكون كل عمل له ثمرته إن قليلا فعلى قدره، وإن كثيرا فكثيرة، وأن تهيأ الفرص لأن يعمل كل ذي طاقة بمقدار طاقته ويكون ما يوسد من عمل بمقدار الطاقة التي تكون عند العامل، فلا توسد الأعمال الرئيسية لمن ليس عنده كفاية لها وقدرة عليها، فإن ذلك فساد لا صلاح معه، بل كل يُعطَى من الأعمال مقدار طاقته، حتى لا تضطرب الحال، وتضيع الآمال، ويكون شر المآل.
ومن العدالة الاجتماعية معاونة الضعفاء الذين يعجزون عن العمل، وقد كفل الإسلام لهم حقوقهم، ففرض على بيت المال أن يسد حاجات الضعفاء، على أن يصل إليهم رزق يكفيهم وأهلهم بالمعروف فيوفر لهم الطعام الذي يكفيهم والمأوى الذي يؤويهم، واللباس الذي يكسوهم، على أن يكون كل ذلك مناسبا لما يليق بالإنسان من مطعم وملبس ومسكن من غير تقتير عليهم ولا تضييق يجعل معيشتهم ضنكا وحياتهم متاعب أو فيها ذل وإرهاق.
وقد فهم بعض الناس وكثير ما هم أن العدالة الاجتماعية توجب مساواة الناس جميعا في الرزق، بحيث يتساوى الخامل والعامل، والمجد والكسِل، وذو العقل الأريب المستمر المنتج، ومن لم يؤت كفاية في العقل والأدب، وإن ذلك ليس من العدالة في شيء، بل هو الظلم المخرب، فإنه لا يتساوى الذين يعملون والذين لا يعملون، ولا يستوي المحسن مع المسيء، ولقد قال تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} وإن ذلك تعليم للإنسان لكيلا يضيع أجر من يحسن العمل، ولو سوى بين من يحسن ومن لا يحسن، لكان ذلك تَضْييعًا للإحسان، ومخالفة لما حث عليه الديان الذي يتساوى عنده كل من خلق، وقد جعل سبحانه ما بين خلقه من تفاوت بالعمل المثمر المنتج لكي يكون عمران هذه الأرض، وتتحقق خلافة ابن آدم فيها.
وإن النظام العادل أن يُعطى كل إنسان ثمرات عمله، إن كان قليلا فعلى قدره، وإن كان كثيرا فعلى قدر كثرته، وإن ثمرات العمل المثمر والكسب الطيب يكون ملكا لمن أنتجه، فلا يحرم عامل من ثمرات عمله قليلا كان أو كثيرا، أما إذا كان طريق الكسب غير حلال فإن ثمراته لا تكون لصاحبه.
والفرق بين الكسب الطيب والكسب الخبيث هو مقدار النفع في العمل، فإن كان طريق الكسب من شأنه أن يزيد ثروة الأمة وثمراتُه فيها نفع لها فإنه يكون كسبا طيبا، يستحق من قام به كل خيراته، ولا يضار فيه قليلا أو كثيرا، ولا يحارب لكثرته ويعان إذا كان قليلا، وإن كان طريق الكسب لا نفع فيه للكافة، ولا ينمي موارد البلاد، ويزيدها كالكسب بالفائدة أو الاحتكار، فإنه لا يكون كسبا طيبا، بل يكون كسبا خبيثا، ويمنع صاحبه من ثمراته، ولولي الأمر أن يأخذه، ويضيفه إلى بيت مال المسلمين من غير تعويض.
4- والشعبة الثالثة من شعب العدالة هي العدالة الدولية، وأساس هذه العدالة المعاملة بالمثل مع التمسك بالفضيلة، وهذا هو المبدأ الأساسي في تلك العدالة، ومصدرها السامي هو قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ونجد النص الكريم يتضمن أمرين:
أولهما: مقابلة الاعتداء بمثله كفا للشر، ومنعا للأذى، ودفعا للفساد في الأرض، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
والأمر الثاني: أنه في مقاومة الشر لا يصح لمن يدفعه أن يقع فيما ينافي الفضيلة ولو كان العدو يرْتَع في الرذائل، فإذا كان العدو ينتهك حرمات النساء لا يصح أن ينتهك جيش الله حرمتهن، وإذا كان العدو يقتل الذرية لا يصح لجيش الفضيلة أن يقتل الذرية، ولا يقتل من لا يقاتل.
وإن العدالة في الحروب توجب ألا يكون القتال خارج المعسكرات، أو ما يكون في حكم المعسكرات مما يكون فيه المعدات، وأدوات الحرب، ولا تتجاوز ذلك إلى الآمنين في أرضهم، فليست الحرب حرب شعوب، بل هي حرب جيوش، ولقد نادينا بذلك مرارا، ولكنها صرخات في واد، ذهبت من غير سميع في وسط ضجات القول في السلاح، وما يدبره الناس من ذرائع الفناء ووسائل الدماء، وجعل الأرض عاليها سافلها.
5- والمودة والإحسان إلى الناس قرين العدل، أو ما يعاونه، فإذا كان العدل هو الميزان لهذا الوجود فالمودة هي الصلة التي تربط بين الناس، ولذلك قرن سبحانه الأمر بالإحسان بالأمر بالعدل، فقال تعالت كلماته: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإذا كان العدل قوام النظام، وميزان الاجتماع فالمودة هي الصلة الرابطة بين الآحاد التي يتضافرون بها ويستمسكون بأواصرها، وهل سلك النظام الذي يجمع خرزاته ويمنعها من أن تنثر.
والمجتمعات الفاضلة تتواصل بالمحبة الجامعة التي تربط القلوب وتوثق فيما بين النفوس؛ فلا تتناثر وتتبعثر وتكون أوزاعا متفرقة، وقد وصف الله المؤمنين بأن الأخوة هي التي تربطهم، والمحبة هي التي تجمعهم، وقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وقال في أوصافهم أيضا: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}.
والمودة والرحمة، كما يدل هذا النص لهما فائدتان، ثانيتهما ثمرة للأولى، والأولى: هي توثيق الصلات، والربط برباط من المودة لا تنفصم، والثانية: وهي الثمرة أن المجتمع يزيد وينمو، فإن الحقد يفني الجموع، ويضعف قوتها. وشح النفوس الذي هو نقيض المودة يوجد التنابذ والتدابر، ومعهما ضعف الأمم وفناؤها.
وإن القرآن يصف المؤمنين بأنهم أهل الإيثار وليسوا أهل الأثرة، وقد قال تعالى في أوصافهم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} وقال تعالى أيضا: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وقال سبحانه في أوصاف المؤمن: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا...}.
وإن المودة ليست مطلوبة في الإسلام بين الأمة الواحدة، بل إنها مطلوبة بين الجماعات إلا إذا كان قتال وقد قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
وإنما ينهى الله عن موادة الذين يحادون الله ورسوله، وذلك بالحرب يشنونها، ومقاومة دعوة التوحيد، ولذا قال سبحانه وتعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ}.
6- والتسامح قرين العدل والمودة في بناء الجماعات الإنسانية، وقد حث الإسلام على العفو، وحرض عليه، فقد قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} والتسامح هو الدفع بالتي هي أحسن كما قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. ويقوله سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ولقد حث النبي عليه السلام على العفو في غير مذلة، فقد قال عليه السلام: «ما نقص من مال صدقة، وما زاد عبد بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله». وإن العفو والتسامح إنما يكونان في موضع القدرة على الانتقام، وأخذ الظالم، وإنما التسامح إنما يكون محمودا إذا كان فيه طب القلوب، ومنع تأريث العداوات، والإغراء والبغضاء، فإذا كان إغراء للظالم بظلمه، واستمراره على غيه، فإنه يكون استسلاما للشر، واستخذاء للأشرار، وما كان التسامح إلا لإعلاء الفضيلة فإن أدى إلى خفضها، كانت أحرى بالصيانة والحياطة، ويكون التسامح في هذه الحال هوانا أو كالهوان، ولا بد للفضيلة من قوة تحميها.
وإن التسامح في طبيعته حماية للعدالة وبقاء على المودة، فإن من يتسامح في بعض حقه، ويؤثر العفو على النزاع فإنما ينبعث ذلك في نفسه عن محافظة على حق الغير، حتى لا يقع في شطط أو مجاوزة للحد، ومن ينزل عن بعض ما يحكم به له بمقتضى الشرع يفعل ذلك ليحمي المودة، ولكيلا يُرْمِض النفوس، ولكيلا يكون ما بينه وبين غيره تحفزا يثير الضغائن، وحقدا يحرك الدفائن، ولقد كان عليه السلام يأمر بالقصاص إن كان جريمة توجبه، ولكن بعد الحكم به يدعو من له القصاص إلى العفو، لكيلا يكون العفو عن ضعف، بل يكون والعافي عن الناس في يده سيف العقاب، أعطاه الشرع إياه، ومَكَّنَه منه الرسول عليه السلام، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.
7- هذه دعائم قيام الجماعة: عدل يستقيم به النظام، فإنه لا يطب القلوب إلا العدل، يدرع به الحاكم ويطمئن إليه المحكوم، ويعمل في ظله العامل. ويخضع لحكمه البر والفاجر، ويستمتع بسلطانه من استقام ويرعوي بعدالته من ينحرف، ومودة تصل القلوب وتربط النفوس، وتأخذ بيد الضعيف، وتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتعين المتوادين على نوائب الدهر، وتخفف كوارث الآحاد، وتحمي الجماعة من الانهيار وعفو وتسامح لمنع العداوات التي تؤرث النيران المتأججة في القلوب، ولإزالة الإِحَن التي تحركها الخصومات وتثيرها العداوة.
وذلك كله ليكون المجتمع قائما على ارتباط القلوب، وإنه يناقض المودة الحقد والحسد وإثارة البغضاء بين المتصلين بالمادة أو بالعمل، فإنه لا يذهب بقوة الأمة إلا إثارة الأحقاد والضغائن، وإنه إذا كانت الأحقاد تنظم العلاقات بين الطوائف والجماعات، فلن يستقيم الأمر لحاكم إلا بقوة الضغط والإرهاق، إذ تتربص كل طائفة بالأخرى الدوائر، ويصبح كل امرئ في هم دائم، إذ يدفعه حقده إلى أن يتمنى ما في يده غيره، وبذلك يشقى، ويكون سببا في شقاء من يحقد عليه.
وإن خير ما نختم به كلامنا هو ما رواه أبو ذر الغفاري عما أمره به حبيبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقد روى عبد الله بن الصامت أن أبا ذر قال: «أمرني خليلي صلى الله تعالى عليه وسلم: بسبع: أمرني بحب المساكين والدنوِّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم، وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش». فلا حول ولا قوة إلا بك فإنك أنت الحق، وأنت على كل شيء قدير.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح