الأحد، 31 يناير 2010

اللغة العربية رابطة الشعوب الإسلامية



محاضرة ألقاها حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ: محمد سعيد العرفي
في نادي جمعية الهداية الإسلامية
أيها السادة:
جاءت الشريعة الإسلامية عامة شاملة، فلم تَخُصَّ بنور هدايتها أمة دون أخرى، ولا دعت شعبا دون شعب، ولا كانت لإقليم دون آخر؛ فإذن ليست هي مقيدة في موطن ولا محصورة في بلد، وإنما وطنها الكرة الأرضية بأسرها. وهذا معنى قوله تعالى لنبيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. 107: الأنبياء.
ومما لا نزاع فيه أن هذا الوطن الواسع مشتمل على أمم كثيرة ولغات مختلفة وقبائل متعددة وأقاليم متباينة وبلدان متسعة وأرجاء شاسعة، فلا بد لهؤلاء طبعا من لغة تجمع هذا المتفرق وتقرب هذا المتباعد وتسهل التفاهم مع جماعات يدينون بدين واحد ويؤمنون بعقيدة واحدة ويصدقون بكتاب واحد يتبعون رسولا واحدا؛ حيث إن معرفة لغات المسلمين كافة ليست بالأمر الهين أو بالشيء السهل، بل تكاد تكون غير مقدور عليها؛ نظرًا لعمر الإنسان القصير؛ إذ لا يفي بتعلم تلك اللغات كلها بإتقان وإحاطة وإجادة. فاختار الشارع لهم لغة واحدة يتعارفون بها ويتفاهمون، هي لغة عاصمة ذلك الوطن العظيم، اللغة العربية.
اختارها لما تشتمل عليه من البلاغة والفصاحة التي لا توجد في غيرها من اللغات بمقدار تفاوتها ووصولها إلى حد الإعجاز؛ ولما فيها من التعبير عن الشعور الإنساني والأمور الذوقية والدقائق النفسانية والحقائق المعنوية بصورة بذَّت غيرها من اللغات فضلا عن إمكان مجاراتها أو مضاهاتها أو مزاحمتها في ميدان هذه الفضيلة.
اللغة العربية هي الجامعة بين أنواع التعبير من شدة وسهولة وقسوة ولين وإيجاز وإطناب واختصار وإسهاب، بحيث يقدر العالم بها على التفنن في أسلوبه حسب ما يقتضيه الحال من وعد ووعيد، وبشارة وإنذار، وزجر والتماس، وأمر ودعاء، وطلب ورجاء، ووعظ وتشويق، وجد وهزل، وبكاء وضحك، وتنبه وغفلة، وذكر ونسيان، وصراحة وكناية، وقصص وحِكَم، وغير ذلك.
يظن من لا معرفة له باللغة العربية أنها مشتملة على كثير من المترادفات حقيقة فتمشدق بالنقد الباطل، وتمحك بالاعتراض الفاسد مع أنه لو درى الصواب لعَلِمَ أنها خلو عن ذلك كله، وإنما هو تباين دقيق أفقده مرور الأيام وعدم التدوين مكانته تلك، ولم يزل أثر ذلك الفرق الدقيق مشاهدًا في بعض الكلمات عند البدو الذين لا زالت في لغتهم بقية حافظت على مادة الكلمة وإن فسد الشكل وتطورت اللهجة وإعراب الألفاظ.
والسبب في ذلك أن معاجم اللغة لم تشتمل إلا على النزر اليسير من اللغة العربية حيث إن علماءها لم يفكروا في جمع الكلمات إلا بعد ما دب الفساد في اللغة، حتى إن أول كتاب بلَغَنَا أنه أُلِّف في اللغة هو كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي اليحمدي المتوفى سنة 174، ولكن هذا لم يبق لدينا منه إلا تقليده كتاب الجمهرة لابن دريد الأزدي المتوفى سنة 321 الذي قال فيه عصريه نفطويه الأزدي النحوي المتوفى 323:
ابن دريد بقره وفيه عي وشره
ويدَّعي من حمقه وضع كتاب الجمهره
هو كتاب العين إلا أنه قد غيره
على أن الجمهرة كان لها من الندور سهم وافر إلى أن أكملت الهند طبعها في هذا العام، ثم لم يصلنا من كتب العرب الخُلَّص الأقدمين شيء، بل الموجود بِيَدِنَا معظمه تأليف الموالي والأعاجم؛ لاعتنائهم بالتدوين بعد أن كانوا سبب فساده كما نقل صاحب العقد الفريد عن أبي عبيدة اللغوي المتوفى سنة 209 قال: "مر عبد الله بن الأهتم بقوم من الموالي يتذاكرون اللحن، فقال: لئن أصلحتموه إنكم أول من أفسده" اهـ.
ولذلك انقسم أبناء يعرب اليوم إلى فريقين:
- فريق يناصر العربية الفصحى ويعطف عليها، ولكنه يعتبرها محصورة في الموجود المطبوع من كتب اللغة كالصحاح واللسان والمصباح والقاموس، فكل كلمة لا وجود لها في تلك الكتب فإنها غير عربية، يجب أن تهجر وتلغى، ويقف عند الوارد حتى إنه لو صحت المادة لا يبيح الاشتقاق منها على حسب قواعد الصرف العامة، ولا يرضى باستعمال اللفظ في موقع آخر، وهذا رأي يحفظ لنا البقية الباقية من هجمات الأعداء المتألبين على اللغة العربية، ولكنه يفتح لهم مجال الطعن وإباحة القول بأن اللغة العربية لا تتسع للفنون الحديثة والصنائع والأدوات، في حين أنها اتسعت لكلام رب العالمين.
- وفريق آخر يعاكسه تماما فهو يريد مسخ اللغة العربية وجعلها ألعوبة بيد خصومها كي يتمزق شملها فتصبح عبارة عن مجموعات لغات أعجمية، وكتلة رطانة. وبعبارة أصح: إن هذا الفريق لهادم لبناء اللغة العربية إذا ما كثر أنصاره ومروجوه -لا قدر الله تعالى-.
وأصوب الآراء عندي ما كان عن اعتدال وتوسط، فلا يضيع القديم ولا يتقاعس عن إفساح مجال للآلات والأدوات والعلوم الحديثة بتقريبها أو باستعمال ما صيره الدهر من المترادفات.
هذه اللغة العربية القيِّمة جعلها الله اللسان العام للذين يدينون بالشرع الإسلامي ويتبعون محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم؛ لذلك أوجب الله تعلم جزء منها على جميع المسلمين، وهذا يَدُلُّك على أن لها مكانة سليمة عند الشارع، فقد اهتم بها إلى هذه الدرجة حيث افترض قراءة القرآن في الصلوات، ومعلوم أن القرآن لا يصح أن يقرأ بغير اللغة العربية، كما أن مما لا يجهله أحد أن كل مسلم عاقل بالغ تجب عليه الصلاة لا فرق بين ذكر وأنثى وسواء أكان حرا أم عبدا.
فإذا تعلم المسلم مقدارًا من القرآن فإن ذلك يسوقه إلى تعلم القرآن كله، فمعرفة اللغة تُعلِّم الأحكامَ الإلهية وخطاب الله تعالى له بالأوامر والنواهي؛ لأن هذا هو المقصود من قراءة القرآن، ولذلك عاب الله على من أغفل تدبر آياته فقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ}. 68 - المؤمنون. بل إن الله تعالى حث على التدبر حيث جعله سببا لنزول القرآن بقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. 29- ص.
ومما لا نزاع فيه أن تدبر قول أو فهمه يقتضي معرفة تلك اللغة التي صدر فيها الأمر، فهذا معناه وجوب تعلم اللغة العربية نطقًا ولفظًا ومعنى وفهمًا، وما ذاك إلا لأن لغة القرآن هي اللغة الجامعة بين الشعوب الإسلامية والمقرِّبة بينهم في التفاهم والتخاطب؛ لما قلنا إن الدين الإسلامي جاء لدعوة جميع الخلق لا فرق بين شعب وآخر ولا بين عنصر وغيره، وإن في الدعوة إليه والدخول فيه والاستفادة من مزاياه السامية يتساوى الأبيض والأسود، كما يتساوى في أحكامه العادلة أبناؤه وأعداؤه؛ لذلك ألزم الداخلين فيه تعلم اللغة العربية والنطق بها في أعز الأماكن وأشرفها وهو الوقوف بين يدي الله تعالى لأداء العبودية، ولم يتقبل عبادته -ما دام قادرًا على النطق والتعلم- إلا بقراءة كلامه تعالى الذي كان برهانا ساطعا على شرف اللغة العربية التي اتسعت له.
وإنما جعل الله للمسلمين لغة واحدة عامة -مع عدم إجبارهم على ترك لغتهم الأصلية طبعا- كي يتحقق الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)). فلأجل الوصول إلى هذا المقام الشريف الذي كان أعظم سبب لنجاح الإسلام وتفوق المسلمين على غيرهم من الأمم وإخضاعهم كلَّ شعب قام في سبيل الدعوة الإسلامية عقبةً أو مُخَاصِمًا؛ فإن من اللازم أن يكون لذلك الجسد لغة خاصة تكون سبب تقارب تلك الأعضاء في التفكير، وتوحيد المسعى إذا ما أبعد بينهما المكان أو اللغة أو غير ذلك.
أدرك أعداء الإسلام حكمة وجوب قراءة القرآن في الصلاة وهي ما قلناه إن اللغة العربية لغة الإسلام كلهم، فأرادوا أن يضاهوها بعملهم هذا الذي أظهروه أخيرا وهو إيجاد لغة عامة للبشر أجمع، وسموها لغة "الإسبرانتو" يزعمون أنهم يريدون تقريب التفاهم بين الشعوب الإنسانية، ولكن من عرف مبادئها يفهم أن المطلب عبارة عن إحياء اللغة اللاتينية القديمة التي كانوا يسمونها لغة العلوم؛ لأنها لغة دينية مسيحية، وجعلوا العنوان لغة البشر كي يوجهوا المسلمين إلى الاهتمام بها وبذل العناية فيها علما منهم أن للغة تأثيرا كبيرا في الانقلابات الفردية وغيرها ولا سيما إذا أتقنها الشخص أكثر من لغته الأصلية، فإن إعجابه بها لا يلبث أن يكون سبب اندماجه فيها بسرعة إذا لم يقف في سبيله مرشدون يهْدُونه ويبينون له الغث من السمين والخطأ من الصواب.
لكن هذه الفكرة فكرة لغة الإسبرانتو لم ترُجْ حتى الآن ولا ندري بعد ذلك حيث أصبح الفاتيكان دولة رسمية دينية معترفا بها من جميع الحكومات يرأسها البابا أكبر رئيس ديني مسيحي في الزمن الذي ألغيت فيه الخلافة الإسلامية من وجه الكرة الأرضية.
ولما كان المسلمون منذ قرون عديدة لا يفتئون في رقدة عظيمة استفاد من ذلك أعداؤهم فهاجموا أقوى الروابط وهي اللغة العربية، وألفوا لذلك جبهتين حربيتين: الأولى ترجمة القرآن العظيم، والثانية الاستعاضة عن اللغة العربية الفصحى باللغة العامية، وكلا الرأيين يدعو إليه أعداء الإسلام ويعلنونه على لسان زنديق يُظهِر الإسلام أو مغفل لا يدري مِنَ الدين إلا أنه مسلم، أو حفظ بعض أحكام سطحية ولم يفقه حكمة التشريع ولم يتشرب بروح الدين أصلا، وما ذاك إلا لعلمهم بأن أمثال هذه الدسائس لا تروج إلا بواسطة مدعي الإسلام وهو بريء منهم. وهذا ثابت باعتراف المبشرين أنفسهم، فقد نشرت جريدة المؤيد المصرية في 11 جمادى الأولى سنة 1330 بعدد 6664 ترجمة عن مجلة العالم الإسلامي الفرنسية من بعض مقالاتها تحت عنوان "الغارة على العالم الإسلامي" أن المبشرين أذاعوا خلاصة مؤتمر مصر التبشيري المسيحي الذي انعقد في 4 إبريل سنة 1906 في دار عرابي باشا في باب اللوق بكتابهم العالم الإسلامي اليوم فمن أقوالهم:
"ثالثا: تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها.
رابعا: ينبغي للمبشرين أن لا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة؛ إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء، وأن تنصير أمثال كامل في بيروت وعماد الدين في الهند وميرزا إبراهيم في تبريز وأعمالا أخرى من هذا القبيل من شأنها أن تولد مجهودات جديدة يجب علينا أن نحمد بسببها نعمة الله علينا" اهـ.
هذا جزء من قراراتهم قبل أربع وعشرين سنة يوم كانت للإسلام سطوة ومنعة، فلا بد أنهم الآن قد نشطت قواهم وازدادت أعمالهم اتساعًا وانتشارًا، فإذا كانوا أوجدوا طبقة من المسلمين في ذلك اليوم فمَنْ يدري الآن ماذا أوجدوا وعملوا؟ حيث يجوز أنهم الآن قد استطاعوا أن يدسوا دسائس على لسان أشخاص مشهورين، قد يظن البعض فيهم الصلاح ويتبرك بهم وبالتماس دعواتهم وبتقبيل أيديهم وهم أعداء الإسلام الألداء ويخدعون أبناءه بالانتماء إليه والاتصاف بالعلم وإظهار الصلاح والتقوى.
ولا يرد على الذهن أن هذا يؤثر على المؤمن فيلتبس عليه الصالح بالطالح، كلا فإن عندنا مقياسًا جيدًا وميزانًا لا يخطئ وهو أن الشارع بيَّن لنا الأحكام، وحَدَّ لنا الحدود، فمن تجاوز ذلك بنفسه أو شوق إلى نقضه أو دعا إلى مخالفته أو حث الغير على تعدي ذلك الحد وانتهاك حرمته أو حسّنه في عين أحد فإنه عدو للإسلام في ثياب أبنائه المخلصين.
فدعوى ترجمة القرآن من هذا القبيل بلا شك ولا نزاع، فإنه لو كان جائزًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان أن يترجم القرآن بالفارسية وبلالا بالحبشية وصهيبا بالرومية، ولكنه كتب إلى كسرى وقيصر والمقوقِس الكتب باللغة العربية مع وجود من يحسن لغاتهم وإنَّ كُتُبَه كانت إنذارًا لهم ليسلموا ويعبدوا الله وحده فهي دينية محضة.
نعم إن أعداء الدين الإسلامي يعلمون أن القرآن متعبَّد بتلاوته معجز للبشر، تحدى به الله تعالى الناس ثلاث مرات: به كله ثم بعَشرِ سور ثم بسورة من مثله، فما وسعهم إلا العجز في زمن نضوج اللغة العربية وبلوغها أوج الكمال، فالطعن الموجه إلى اللغة العربية في عصرنا هذا هو طعن في الدين الإسلامي تحت شعارها بدافع العداوة والبغضاء لذلك تجد أعداء الإسلام اليوم يتفننون في تحسين طرقهم المُهلِكة ليُعَّمُوا على الناس ما يريدون من وراء ذلك من الفساد والإفساد، فإذا فحصت كل داع لترجمة القرآن العظيم تجده مدفوعا من جمعية عدوة للدين الإسلامي مباشرة أو بواسطة أو وسائط قد اتخذته تلك الجمعية آلة لإظهار فكرتها الخبيثة.
فمن ذلك قولهم: إن ترجمة القرآن فيها منافع كي يطلع الناس على روح هذا الدين وتعاليمه، فلا يبقى محصورًا في الشعب العربي وحده. لا أدري متى انحصر الدين الإسلامي في شعب كما يزعمون، وهذه الملايين الكثيرة من شعوب مختلفة وعناصر متعددة قد دخلت في الدين الإسلامي قبل أن تختلق فكرة ترجمة القرآن.
من المعلوم أن الترجمان يعبر عن فكر المترجم له فهل في استطاعة أحد من البشر أن يقول إن هذا المعنى هو مراد الله تعالى؟ وإذا كان الله تعالى قد تحدى العالم بأن يأتوا بسورة من مثل القرآن وعجزوا عن ذلك، أفليس من يعجز عن إتيان مثل تركيبه وفصاحته هو أشد عجزًا وأبين ضعفا ممن يبغي الإتيان بمعناه كاملا وفق علم الله تعالى وإرادته؟!
إن القرآن العظيم صالح لكل عصر، وإنك لتجد المفسرين يوردون وجوهًا كثيرة لمعنى الآية الواحدة، ولا شك أن تلك الوجوه لا تناقض تعاليم الدين الإسلامي الأساسية، فهل في استطاعة المترجم أن يقول إن هذا الوجه هو الذي أراده الله تعالى من بين هذه الوجوه؟ فإن قال: نعم، فمن أين له الترجيح؟ لأنه بلا مرجح حتما، وإن قال: لا، فإما أن يختار تلك الوجوه كلها فيخرج عن الترجمة ويسمى تفسيرًا، وإما أن يتحير فيظهر العجز وهذا هو المطلوب.
والفرق بين التفسير والترجمة أن التفسير يحفظ الأصل ويبقي ذلك الأصل مرجعا للمفسرين الآخرين، فيكون التفسير بمثابة شرح له، وأما الترجمة فإنها تستعاض عن الأصل فتصبح أصلا مستقلا مستغنِيًا عن الأول، ويكون المقصود منها أن يصيب القرآن ما أصاب التوراة والإنجيل حيث بالترجمة قد صار المجاز حقيقة والمتشابه محكمًا، فكان ذلك سبب ضلال أمم كثيرة.
إن الله سبحانه وتعالى جعل الدين الإسلامي سمحًا وسهلا رحمة بعباده، ففرض علينا فرائض فلا نضيعها وحرم أشياء فلا ننتهكها، وَحَدَّ حدودًا فلا نتجاوزها، وهذه هي أصول الدين الإسلامي وضرورياته التي لا يحصل فيها نزاع ولا خلاف إلا بين الضالين.
وأبهم أشياء رحمة بنا يجتهد كل منا فيها على حسب وسعه -إن كان الاجتهاد في مقدروه-، فالمصيب له أجران: أجر السعي وأجر الإصابة، والمخطئ له أجر واحد هو أجر الاجتهاد لأنه بذل ما في وسعه، ومن هنا يزول الاعتراض على إعطاء الآية الواحدة عدة معان.
إذن تبين لنا أن من يطلب الترجمة عن حسن نية يريد الحجر على عباد الله تعالى بإلزامهم اتباع حكم واحد والمرور من طريق واحد مع أن الله تعالى قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. 78- الحج. ولو أراد الله تعيين ذلك الحكم لعينه كما عين غيره؛ لأنه كوسيلة وهو لم يلزمنا إلا بالوصول إلى المقصود وهو الامتثال والطاعة والتقوى، وأما الطريق فقد قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} 16- التغابن. فالتقوى حسب الاستطاعة وسيلة، والسمع والطاعة المطلب والمقصد.
أما الشعوب التي لا تعرف اللغة العربية فإن دعوتها إلى الهداية تكون بإعلان مبادئ الدين الإسلامي وتعاليمه بأي لغة كانت حتى إذا قَبِلَها الكل أو البعض ورضي بها فعليه أن يتعلم اللغة العربية الجامعة بينه وبين إخوانه المسلمين كي يدرك بنفسه معاني القرآن الكريم ويجد لذة التدبر وينال أجره، وإلا فإن انكماشه في بلده واقتصاره على لغته وعدم تفاهمه مع أبناء دينه بُعْدٌ عن الإسلام بل مناقض لدعامته الأساسية التي هي الاجتماع الظاهر في الصلوات بالجماعة خمس مرات في اليوم الواحد وفي الجمعة والعيدين والحج.
فمن المؤكد أن مسألة ترجمة القرآن والقول بها لا يراد منه إلا هدم الدين الإسلامي من طريق التفريق؛ لأن اللغة العربية هي التي تجمع كلمة المسلمين في الأقطار كافة ويتفاهمون بها، وإني معتقد أنه لا يبحث في جواز الترجمة إلا زنديق مارق أو أحمق أرعن مخدوع أو مأجور.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح