الفِراسة بكسر الفاء: إدراك بواطن الأمور، وتعرّف الأشياء من طريق الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية.
والفراسة علم وإن لبس ثوب الظن، ويقين في صورة تخمين، وشعاعة من العين تستشف ما وراء العين، وطرف من الظن يكشف جملة الظن، وخيال يبعث صدقًا، وتوسم يعود حقًّا؛ ثم هي وراء هذا نفحة من الغيب، وقبس من نور الله، يؤتاه ذو الألمعية الصادقة، ويحظى به صاحب القلب الذكي والذهن المصفى.
والفراسة للعقل مثل أعلى، فهي أجلى مظاهره وأظهر مجاليه، وإذا صح أن لكل شيء إرهاصًا، فإرهاص العقل وإعجازه أن يكون متفرسًا صائب الفراسة لا يعتريه طيش ولا يعتوره نبو.
والأصل في علم الفراسة القياس والتجربة، وقد عرفها المصريون القدامى، وعالجها اليونان، فكتب فيها أبقراط وأرسطو، وجاء بعدهما غالينوس الطبيب في القرن الثاني للميلاد، فكتب فيها فصولا مستفيضة، وتوافر العلماء بعد ذلك على الاشتغال بالفراسة والزيادة في فصولها وأبوابها، حتى صارت علمًا ذا قواعد ثابتة، وضوابط مدعمة الأساس.
أما هي عند العرب في جاهليتهم فلم تكن علمًا ذا ضوابط وحدود، ولا صناعة ذات آلة وأداة، ولم تكن كذلك ميزة خاصة بعربي دون عربي، يهدى إليه نجدي ويحرم منه تهامي، بل الفراسة عندهم لطيفة من لطائف الذهن، وشعاعة من نور القريحة، يشتركون فيها جميعا، لما اختصت به أذهانهم من الحدة، وامتازت به قرائحهم من التوقد بسبب ما وهبتهم إياه طبيعة بلادهم الصافية، وروح حياتهم الوادعة، فكانت قوة ألمعيتهم وصدق حدسهم تجعل البعيد قريبًا، والغائب شاهدًا، والمجهول معلومًا، وهم سواسية في ذلك كله، لا فرق بين مدره القوم وراعي الشاء وذات الخباء، فلا عجب إذا قلنا إننا إذ نذكر الفراسة عند العرب إنما نذكر الماء في إنائه، والطير في سمائه، والدرة في صدفتها، ولم لا؟ أليست الفراسة عقلا مرهفًا وفهمًا شفافًا؟ وهل كان العرب إلا على أبلغ ما يكون من حدة الذكاء وقوة الإصابة؟ فكانوا يفطنون للرمزة والدقيقة، وكانت الإشارة الخفية تقوم لديهم مقام الإبانة المطلقة، ولهم في ذلك لطائف هي مضرب الأمثال ومعجزة الأجيال، ونحن نضع بين يدي القارئ الكريم مثالا بارعًا في هذا ليكون رمزًا لما قلنا ودليلا على ما بيّنا:
قيل إنه لما أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق توالت آيات التبشير ببعثته واستفاض حديث رسالته، فمن تلويح به في التوراة إلى تلميح إليه في الإنجيل، إلى أحبار يستفتحون على الناس برجل يأتي فارقًا بين الحق والباطل، إلى كهنة تتذاكر صفاته وتخوض في نعوته، إلى شعراء يدور على ألسنتهم ما توحي به بصائرهم من أن لله أمرًا هو بالغه، ومن هؤلاء أكثم بن صيفي وهو رجل من أشراف العرب وزعماء القبائل كبير العقل ثاقب النظر أُوتي الحكمة وَمُنِحَ إصابة الظن ... جاء إلى الحج فزار أبا طالب، وكان بجواره رسول الله وهو في ذلك الوقت غلام، فأخذ أكثم يتأمل النبي ويتوسمه، ثم قال: يا ابن عبد المطلب، ما تظنون بهذا الفتى؟ قال أبو طالب: إنا لنحسن الظن به، وإنه لحيي جريء وفيٌّ سخي، قال أكثم: غير ما تقول أريد يا ابن عبد المطلب، قال أبو طالب: نعم، إنه لذو شدة ولين ومجلس ركين ومفصل مبين، قال أكثم: غير ما تقول أريد، قال أبو طالب: نعم، إنا لنتيمن بمشهده ونتعرف البركة فيما لمس بيده، قال أكثم: لكني أقول غير هذا يا ابن عبد المطلب، قال أبو طالب: قل يا أكثم، فإنك نقاب غيب وجلاء ريب! قال أكثم: أخلق بابن أخيك هذا أن يضرب العرب قامطة بيد خامطة ورجل لايطة، ثم ينعق بهم إلى مرتع مريع وورد وتشريع، فمن اخروَّط إليه هداه، ومن احرورف عنه أرداه! ... قال أبو طالب: إن عندنا لزورًا من ذلك -أي طرفا منه-.
أما الفراسة في أحضان النبوة وبين يدي الوحي فكبيرة الخطر عظيمة الأثر، ولنبدأ بفراسة عمر بن الخطاب فإنها واسعة الأفق بعيدة العمق فياضة المعين، أكسبتها شجاعته قوة ووهبتها جرأته صلابة، فكانت الحق الذي لا يمارى فيه والصراط السوي الذي لا اعوجاج يعتريه، وكثيرًا ما رأيناه بفراسته يوافق الكتاب الحكيم ويساير بظنه السنة النبوية الشريفة، وتكشف فكرته الوقادة عن آي من التوراة، وإنا لنتلو على سمعك طرفًا من كل ذلك نحسب أن فيه طلبتنا وأن فيه الغناء:
وقعت الحرب بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين قريش في بدر ورجحت كفة المؤمنين فحالفهم الظفر وواتاهم النصر، وأُتِيَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبعين أسيرًا فيهم عمه العباس وابن عمه عقيل بن أبي طالب، وغيرهم من أشراف قريش فاستشار النبي أصحابه فيهم، واشتجر الخلاف بينهم أيقتلونهم أم يأخذون منهم الفداء ويخلون سبيلهم؟
اختلفت وجهة الرأي فيما بينهم، وكل يرى أن رأيه هو الصواب الذي ليس فيه مراء، والكل مبرأ عن الغرض، بعيد عن نزعات الشهوات، لا يقصد باجتهاده إلا وجه الله، ولا يبتغي بفكرته إلا الوصول إلى الحق، فأبو بكر في عسكر من المسلمين يقول: يا رسول الله، هؤلاء قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم، ويخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا، فخذ منهم الفداء يقوَّ به أصحابك على الجهاد وخل سبيلهم.
وعمر في عسكر آخر يقول: يا رسول الله، اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، قاتلوك وأخرجوك من ديارك، والله أغناك عن الفداء، مكن عمك حمزة من أخيه العباس فليضرب عنقه، ومكن عليًّا كذلك من أخيه عقيل، ومكني أنا من قريبي فلان فإن في ذلك عزة الإسلام وإعلاء كلمة الله. فيقول الرسول: إن الله ليلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حيث يقول: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ومثلك يا عمر مثل نوح قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}.
ثم خير أصحابه في الأخذ بأحد الرأيين فاختاروا رأي أبي بكر وأخذوا الفداء، فنزل القرآن مؤيدًا لرأي عمر معززًا لاجتهاده حيث يقول: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، ودخل عمر بعد ذلك على الرسول فوجده وأبا بكر يبكيان لما في الآية من قسوة العتاب، ثم قال النبي: «لو نزل عذاب من السماء لما نجا إلا عمر وسعد بن معاذ».
«ومر النبي -عليه الصلاة والسلام- بجوار الكعبة فأخذ بيد عمر، وقال: هذا يا عمر مقام إبراهيم، ذلك المكان الميمون الذي وقف فيه وهو يرفع القواعد من البيت ويقيم دعائم الكعبة، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى يا رسول الله؟ فقال النبي: إني لم أومر بذلك، فما غربت الشمس حتى نزل جبريل بالآية الكريمة: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}».
وكانت الخمر حلالا في مبدأ الإسلام نزل فيها: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}، فقال عمر ومعه نفر من المسلمين: يا رسول الله، أفتنا في الخمر فإنها مضيعة للمال مذهبة للعقل، فنزل القرآن في ذلك: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم جرى القرآن في تحريمها على سنة التدرج في التشريع، فنزل قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فكانوا يجتنبون شربها في أوقات الصلاة، إلى أن نزلت آخر آية في النص على تحريمها وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}، فقال عمر: قد انتهينا يا رب، قد انتهينا يا رب!.
وكان عبد الله بن أُبَي رأس المنافقين، وكم مني المسلمون منه بخطوب جسام، فلما مَرِض مَرَض الموت أرسل ابنه عبد الله وكان من خيرة المؤمنين؛ ليدعو الرسول إليه ليستغفر له، فلما دخل الرسول عليه، قال له: لقد أهلكك حب اليهود، فقال: يا رسول الله، بعثت إليك لتستغفر لي لا لتؤنبني، فإني في وقت أنا أحوج فيه إلى الرحمة من العتاب والتأنيب، وطلب ابن أبي من الرسول أن يصلي عليه وأن يكفنه في ثوبه الذي يلي جسده الشريف، فقبل الرسول طلبه مرضاة لابنه عبد الله وتطييبًا لخاطره، فلما مات قام الرسول ليصلي عليه فجذبه عمر وذكَّره بما كان يفعله مع المؤمنين من الشرور، فتبسم رسول الله ولكنه صلى على ابن أبي وشيعه وقام على قبره قليلا ثم انصرف، وما لبث إلا يسيرًا حتى نزل قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}، فما صلى النبي بعد ذلك على منافق ولا وقف على قبره.
ويرى عمر -رضي الله عنه- أم المؤمنين سودة بنت زمعة تسير لحاجة لها في بعض الليالي، فيقول: عرفناك يا سودة، ثم يغدو في الصباح إلى الرسول، فيقول: يا رسول الله، احجب نساءك فإنهن يراهن البر والفاجر، فينزل قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، فانظر إلى دقة هذا الموقف، وما يتجاذب الإنسان فيه من ميول وعواطف، ولكنه عمر ذو النفس الكبيرة لم يبال أن يقول كلمة الحق ولو كانت فيما يتعلق بشخص الرسول في أخص أموره ما دام سليم الغرض مبرأ الاتجاه.
وها هو ذا عمر يعالج مشكلة اجتماعية خطيرة لها مكانتها في صيانة الأعراض وحفظ الكرامات، فقد أرسل إليه المصطفى في يوم من الأيام مدلج بن عمرو الأنصاري وهو غلام يطلب منه الذهاب إلى رسول الله وكان ذلك في وقت الظهيرة، فدخل هذا الغلام على عمر من غير استئذان فوجده نائما وقد انكشف ثوبه، فقال عمر: لوددت أن الله نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق مع الغلام إلى الرسول فوجد آية الاستئذان قد نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ}.
أما موافقة عمر للسنة الشريفة ففي الأذان الشرعي، فإنه رأى في المنام الملَك يؤذن بين السماء والأرض، فلما غدا إلى الرسول وأخبره الخبر، قال له الرسول: «سبقك الوحي يا عمر».
ووافق عمر في بعض كلامه ما في التوراة؛ فإنه قال: "ويل لمالك الأرض من مالك السماء، إلا من حاسب نفسه"، فأخبره كعب الأحبار بأن هذه الجملة بنصها في التوراة، فسجد لله شكرًا.
ولم لا يكون عمر كذلك، وقد قال الرسول فيه: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، «ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه شرب لبنا، وأعطى الباقي لعمر، فقيل: بم أولته؟ قال: العلم»، «ورأى الرسول أناسًا وعليهم قمص إلى ثديهم، وبعضهم دون الثدي، ورأى عمر يلبس ثوبا فضفاضًا يجرر أذياله، فقيل: بم أولته يا رسول الله؟ فقال: أولته بالدين»، فأخلق بمن اجتمع له العلم والدين أن يكون ملهمًا صادق الفراسة، يرى بنور الله، ويجري الحق على لسانه بتوفيق الله.
كلمة بليغة
وفد عبد العزيز بن زرارة على معاوية وهو سيد أهل الكوفة، فلما قابله قال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أهز ذوائب الرحال إليك، إذ لم أجد معولا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأَسِمُ المجاهل بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، والمجهد يعذر، وإذ بلغتك فقطني -أي فحسبي-، فحياه معاوية، وخرج عبد العزيز مع يزيد إلى الصائفة فمات فيها، فلما بلغ ذلك معاوية قال لأبيه: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب، فقال يا أمير المؤمنين، هو ابني أو ابنك، فأجابه: هو ابنك، فقال: للموت ما تلد الوالدة.
التعليقات: 0
Post a Comment