اليد العليا لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ إبراهيم علي أبو الخشب المدرس بكلية الشريعة
من حِكَم النبوة الخالدة، وروائعها الشاردة، وآياتها البينات، وعظاتها البالغات، وفصاحتها العالية، وبراعتها السامية، قوله صلى الله عليه وسلم فيما يوقظ به القلوب النائمة، والأفكار الواجمة، لتسلك السنن السوي والصراط المستقيم: "اليد العليا خير من اليد السفلى". وكثير من الناس ربما مروا بهذه الجملة فلم يلفتهم منها سوى أنها كلمات تسجد لها جبابرة العقول، وأساطين البيان، وهو أسلوب لا يتأبى على من ألهمه الله الحكمة وفصل الخطاب، وَأَدَّبَهُ ربه فأحسن تأديبه، وتحدى به البشر كما تحدى بكتابه القوى والقدر، ولئن كان هنالك بعد الذي نزل به الروح الأمين من آيات، أو وراء سحره من معجزات، فهي تلك التي "يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي وإن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله، وإن لم يكن لها منها دليل فقد كانت هي من دليله، محكمة الفصول حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول حتى ليس فيها كلمة مفضولة" وأنماطه في الحديث، ومنهجه في الكلام لا يخرج عن كونه بيانًا في الذروة، وتعبيرًا في أسمى مراتب السمو، إلا أنه إذا كان ترغيبًا أو ترهيبًا، ووعدًا أو وعيدًا، وإغراءً أو تحذيرًا، كان له طنين ودوي وصخب وعجيج، وروعة تقتاد مجامع القلوب، وتمتلك أزمة الأفئدة.
ولكن هل يلمحون المعنى مثلما ينطقون بالمبنى؟ وهل يستشفون مغزاه ويفهمون مرماه؟ أكبر الظن أن يقول قائلهم إنه حث على التصدق على الفقراء وامتداد يد المعونة إلى المحتاجين، وتفريج كربة المكروبين، والمسح بأصابع العطف والإحسان على قلوب المكدودين من البائسين والمعوزين.
والغنيُّ إذا تصور تعاليه بالإعطاء وتساميه بالبذل، وترفعه بكونه صاحب المنة، دفع عفو ما ينفق عن طيب خاطر، وراحة ضمير، ولأنه قد أحضرت الأنفس الشح، والناس ليسوا كلهم سواء في الإحساس بضرورة المجتمع، يعيشون فيه، ويتبادلون وأفراده المصالح، وكان مما لا بد منه أن يخاطبوا هذا الخطاب الذي يرقق من قسوة قلوبهم وغلظة أفئدتهم، وجفوة طباعهم، وتحجر عواطفهم، وهكذا يبلغ الحال بالتصوير الطلي، من رياضته للشامس، وتذليله للنافر، وتسكينه من جماح الصعب الأرِن، ولا حرج على فضل الله الذي صنع رسوله على عينه أن يؤديه بجوامع الكلم، ورائع الحكم. وإذا كان المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وإذا كان المجتمع هو الفرد الدائر -كما يقولون- وإذا كان العضو من الجسد يضر بالجسد كله حين لا توافيه المقادير بما يقوم به من زاد وشراب وهواء، فكذلك الفقير المعدم إذا لم تَتَّفِق له ما تمس إليه ضرورة بقائه في الحياة من مؤن وحاجات.
والتعاون والبذل والتصدق والمعروف بين الناس ضرورة اجتماعية أكثر منها شيئًا آخر؛ ولذا جاء في الحديث: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعل في فِيِّ امرأتك». إلا أن بعض المتفلسفين يرى أن الدين الذي يحض على الصدقة ويأمر بالإحسان إلى الفقراء يغري بالكسل، ويشجع على البطالة، ويسوق أهله إلى التواكل، وهو إلى جانب هذا يستذل الأفراد بما يريقون من ماء وجوههم في السؤال، وسقوط همتهم بالاستجداء، وهو ما يتنافى مع القضية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
وفي الحق أن الإسلام لا يرضى بالخنوع، ولا يستسيغ الذلة، ولا يغري بإهدار الكرامة، وسقوط الهمة، ولا يحب لأهله أن يختاروا الدون من الخطط، والخسف من الأمور، والبخس في القيم والأقدار {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. والبر بالفقراء، والبذل للبائس الملهوف، والتصدق على أرباب الحاجات أشبه بحلال كالحرام، ومباح كالمحظور، وهو صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون بكلمة "عليا وسفلى" يلوح إلى تنفير هؤلاء الذين تقعد بهم عزائمهم، وتنوء بهم أقدارهم، وتسقط بهم قواهم، فلا يصيرون بالجد والعمل، والسعي والاكتساب، والدأب والتحصيل في مستوى المعطي لا الآخذ، والباذل لا المستجدي، وفي عليا الدرجات لا في الحضيض من المكانات، «ولأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب فيبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». وصح عند الفقهاء أنهم يكرهون أن يأخذ الفقير أكثر من حاجته... ويمدح الله سبحانه وتعالى المترفعين عن الطلب، المتسامين عن مد أيديهم للأخذ، إذ يقول: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}، وَيُعَلِّم الرسول أمته -جزاه الله عنها خير الجزاء- العفة والزهد، وطرح هذا المتاع الزائل فيما يقول: «ليس الغنَى عن كثرة العرض، إنما الغنَى غنى النفس» وكذلك فيما يقول: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها».
ولا يقولن قائل: إني أدعو إلى مذهب جديد في التربية الاجتماعية، والنظم العمرانية، فهذا هو ما يدعو إليه صميم الدين؛ لأنه لم يرشد المتصدق إلى الإخفاء بحيث لا تعلم شِماله ما تنفق يمينه، ولا يقول: { قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} إلا وهو معترف بما ينال العافي من ذلة، ويلحقه من خزي:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله عوضًا ولو نال الغنى بسؤال
وَخَيْرٌ كل الخير للشعب الذي يسمو للنهوض، ويتطلع للمجد، أن يوجه المتعطل إلى العمل، والمعوز إلى طريق الكسب، والمريض إلى الصحة، والجاهل إلى العلم، حتى لا يصبح فيه عضو أشل، ولا فرد منبوذ، والأخذ بيد المجتمع نحو الرقي أحسن من الأخذ بيد الفرد نحو سد العوز، ودفع الفاقة؛ ولذلك فإننا حين نحارب في الأمة الأعداء الثلاثة "الجهل والفقر والمرض" نكون قد عالجنا الأدواء من أصولها، واجتثثنا العلة من جذورها.. وهذا هو الأحرى فيما أعتقد، خصوصا وقد اكتشف كثير من الناقدين أن معظم المتسولين يظهرون الفقر وهم أغنياء، ويطلبون وهم غير محتاجين، ويتخذون السؤال صناعة، ونحن أمام هذا الاشتباه الذي صيرنا لا نستطيع التمييز بين المحترف المقترف، وبين اللهيف الأسيف، لنا العذر إذا لم نجب الصريخ، ونلبِّ دعوة الداعي. هدانا الله بهديه، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه!!
من حِكَم النبوة الخالدة، وروائعها الشاردة، وآياتها البينات، وعظاتها البالغات، وفصاحتها العالية، وبراعتها السامية، قوله صلى الله عليه وسلم فيما يوقظ به القلوب النائمة، والأفكار الواجمة، لتسلك السنن السوي والصراط المستقيم: "اليد العليا خير من اليد السفلى". وكثير من الناس ربما مروا بهذه الجملة فلم يلفتهم منها سوى أنها كلمات تسجد لها جبابرة العقول، وأساطين البيان، وهو أسلوب لا يتأبى على من ألهمه الله الحكمة وفصل الخطاب، وَأَدَّبَهُ ربه فأحسن تأديبه، وتحدى به البشر كما تحدى بكتابه القوى والقدر، ولئن كان هنالك بعد الذي نزل به الروح الأمين من آيات، أو وراء سحره من معجزات، فهي تلك التي "يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي وإن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله، وإن لم يكن لها منها دليل فقد كانت هي من دليله، محكمة الفصول حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول حتى ليس فيها كلمة مفضولة" وأنماطه في الحديث، ومنهجه في الكلام لا يخرج عن كونه بيانًا في الذروة، وتعبيرًا في أسمى مراتب السمو، إلا أنه إذا كان ترغيبًا أو ترهيبًا، ووعدًا أو وعيدًا، وإغراءً أو تحذيرًا، كان له طنين ودوي وصخب وعجيج، وروعة تقتاد مجامع القلوب، وتمتلك أزمة الأفئدة.
ولكن هل يلمحون المعنى مثلما ينطقون بالمبنى؟ وهل يستشفون مغزاه ويفهمون مرماه؟ أكبر الظن أن يقول قائلهم إنه حث على التصدق على الفقراء وامتداد يد المعونة إلى المحتاجين، وتفريج كربة المكروبين، والمسح بأصابع العطف والإحسان على قلوب المكدودين من البائسين والمعوزين.
والغنيُّ إذا تصور تعاليه بالإعطاء وتساميه بالبذل، وترفعه بكونه صاحب المنة، دفع عفو ما ينفق عن طيب خاطر، وراحة ضمير، ولأنه قد أحضرت الأنفس الشح، والناس ليسوا كلهم سواء في الإحساس بضرورة المجتمع، يعيشون فيه، ويتبادلون وأفراده المصالح، وكان مما لا بد منه أن يخاطبوا هذا الخطاب الذي يرقق من قسوة قلوبهم وغلظة أفئدتهم، وجفوة طباعهم، وتحجر عواطفهم، وهكذا يبلغ الحال بالتصوير الطلي، من رياضته للشامس، وتذليله للنافر، وتسكينه من جماح الصعب الأرِن، ولا حرج على فضل الله الذي صنع رسوله على عينه أن يؤديه بجوامع الكلم، ورائع الحكم. وإذا كان المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وإذا كان المجتمع هو الفرد الدائر -كما يقولون- وإذا كان العضو من الجسد يضر بالجسد كله حين لا توافيه المقادير بما يقوم به من زاد وشراب وهواء، فكذلك الفقير المعدم إذا لم تَتَّفِق له ما تمس إليه ضرورة بقائه في الحياة من مؤن وحاجات.
والتعاون والبذل والتصدق والمعروف بين الناس ضرورة اجتماعية أكثر منها شيئًا آخر؛ ولذا جاء في الحديث: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعل في فِيِّ امرأتك». إلا أن بعض المتفلسفين يرى أن الدين الذي يحض على الصدقة ويأمر بالإحسان إلى الفقراء يغري بالكسل، ويشجع على البطالة، ويسوق أهله إلى التواكل، وهو إلى جانب هذا يستذل الأفراد بما يريقون من ماء وجوههم في السؤال، وسقوط همتهم بالاستجداء، وهو ما يتنافى مع القضية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
وفي الحق أن الإسلام لا يرضى بالخنوع، ولا يستسيغ الذلة، ولا يغري بإهدار الكرامة، وسقوط الهمة، ولا يحب لأهله أن يختاروا الدون من الخطط، والخسف من الأمور، والبخس في القيم والأقدار {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. والبر بالفقراء، والبذل للبائس الملهوف، والتصدق على أرباب الحاجات أشبه بحلال كالحرام، ومباح كالمحظور، وهو صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون بكلمة "عليا وسفلى" يلوح إلى تنفير هؤلاء الذين تقعد بهم عزائمهم، وتنوء بهم أقدارهم، وتسقط بهم قواهم، فلا يصيرون بالجد والعمل، والسعي والاكتساب، والدأب والتحصيل في مستوى المعطي لا الآخذ، والباذل لا المستجدي، وفي عليا الدرجات لا في الحضيض من المكانات، «ولأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب فيبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». وصح عند الفقهاء أنهم يكرهون أن يأخذ الفقير أكثر من حاجته... ويمدح الله سبحانه وتعالى المترفعين عن الطلب، المتسامين عن مد أيديهم للأخذ، إذ يقول: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}، وَيُعَلِّم الرسول أمته -جزاه الله عنها خير الجزاء- العفة والزهد، وطرح هذا المتاع الزائل فيما يقول: «ليس الغنَى عن كثرة العرض، إنما الغنَى غنى النفس» وكذلك فيما يقول: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها».
ولا يقولن قائل: إني أدعو إلى مذهب جديد في التربية الاجتماعية، والنظم العمرانية، فهذا هو ما يدعو إليه صميم الدين؛ لأنه لم يرشد المتصدق إلى الإخفاء بحيث لا تعلم شِماله ما تنفق يمينه، ولا يقول: { قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} إلا وهو معترف بما ينال العافي من ذلة، ويلحقه من خزي:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله عوضًا ولو نال الغنى بسؤال
وَخَيْرٌ كل الخير للشعب الذي يسمو للنهوض، ويتطلع للمجد، أن يوجه المتعطل إلى العمل، والمعوز إلى طريق الكسب، والمريض إلى الصحة، والجاهل إلى العلم، حتى لا يصبح فيه عضو أشل، ولا فرد منبوذ، والأخذ بيد المجتمع نحو الرقي أحسن من الأخذ بيد الفرد نحو سد العوز، ودفع الفاقة؛ ولذلك فإننا حين نحارب في الأمة الأعداء الثلاثة "الجهل والفقر والمرض" نكون قد عالجنا الأدواء من أصولها، واجتثثنا العلة من جذورها.. وهذا هو الأحرى فيما أعتقد، خصوصا وقد اكتشف كثير من الناقدين أن معظم المتسولين يظهرون الفقر وهم أغنياء، ويطلبون وهم غير محتاجين، ويتخذون السؤال صناعة، ونحن أمام هذا الاشتباه الذي صيرنا لا نستطيع التمييز بين المحترف المقترف، وبين اللهيف الأسيف، لنا العذر إذا لم نجب الصريخ، ونلبِّ دعوة الداعي. هدانا الله بهديه، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه!!
التعليقات: 0
Post a Comment