السبت، 17 أكتوبر 2009

ما هي حقيقة الإيمان باليوم الآخر ؟


اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة لقيام الناس فيه من موتهم لله رب العالمين، يحاسبهم على أعمالهم، قال تعالى في الحديث عن المطففين مذكرًا إياهم بذلك اليوم : { أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ }([1])، وهو يوم عظيم أقسم ربنا سبحانه وتعالى به ،فقال : {I لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ }([2])، وهو يوم يجمع الله فيه عظام الموتى، ثم يكسوها لحمًا مرة أخرى، فتعود الأجساد كما كانت في الدنيا، ثم يلقي الله في تلك الأجساد الأرواح، فإذا هم قيام ينظرون، قال تعالى : { أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }([3])، وقد جعل الله لهذا اليوم العظيم علامات فقال تعالى : { فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ * وَخَسَفَ القَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ }([4]).
وفي علامات هذا اليوم، يقول ربنا سبحانه وتعالى : { إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ }([5]). وقال سبحانه في علامات هذا اليوم ومظاهره: { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ }([6]).
فينبغي على المؤمن أن يعتقد أن هناك يومًا آخر، وهو يوم القيامة ،يبعث الله فيه من يموت قال تعالى : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ }([7])، ويحاسبه على ما كان له من عمل، وأن المؤمن يجب أن يُشفق من هذا اليوم، ويتقي شره وعذابه بأن يعمل الصالحات، يقول تعالى : { وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }([8]).
ويجب عليه كذلك أن يؤمن بكل ما جاء من أخبار عن هذا اليوم وما يحدث فيه من أهوال، قال تعالى : { وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }([9]).
والمؤمن كذلك يؤمن بما يتعلق بيوم القيامة من غيبيات، فيؤمن بالجنة دار النعيم، ويؤمن بالنار دار الجحيم، ويؤمن بالحساب، ويؤمن بالبعث، وقبل ذلك يؤمن بالبرزخ ،قال تعالى : { وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }([10])، والقبر وما فيه من نعيم وعذاب، قال سبحانه: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواًّ وَعَشِياًّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ }([11])، والنار المذكورة في الآية هي نار يعذب بها آل فرعون في حياة البرزخ قبل يوم القيامة ؛بدليل إضافة قوله تعالى بعد ذلك {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا...}([12])، وروى كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من عذاب القبر ،من ذلك ما ثبت عن السيدة عائشة رضي الله عنها ؛أنها قالت : دخلت على عجوزان من عُجُز يهود المدينة ،فقالتا لي : إن أهل القبور يعذبون فى قبورهم، فكذبتهما ،ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا. ودخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : له يا رسول الله، إن عجوزين .. وذكرت له، فقال : «صدقتا ،إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها» . فما رأيته بعد فى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر([13]).
فينبغي على المسلم أن يؤمن أن عذاب القبر ونعيمه ؛حق نطق به الوحي الشريف، كما ينبغي للمسلم ألا يشغل باله بكيفية هذا العذاب وأشكاله، فلكل عالم قوانين تحكمه، ونحن في عالم الحياة الدنيا لا نستطيع أن نتخيل أو نتوقع القوانين التي تحكم العوالم الأخرى كعالم الأرواح، وعالم الجن مثلاً.
وقد اختلف العلماء في نعيم القبر وعذابه في الحياة البرزخية، هل يقع على الروح فقط أم على الجسد أم على كليهما ؟ فذهب ابن هبيرة والغزالي إلى أن التنعيم والتعذيب إنما هو على الروح وحدها. وقال جمهور أهل السنة والجماعة من المتكلمين والفقهاء : هو على الروح والجسد. قال النووي : النعيم والعذاب للجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه، وذهب ابن جرير إلى أن الميت يعذب في قبره من غير أن ترد الروح إليه، ويحس بالألم وإن كان غير حي.
هذا ما يجب على المسلم اعتقاده إجمالاً في قضية الإيمان باليوم الآخر ومتعلقاته، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) المطففين، 4 : 6.
([2]) القيامة : 1.
([3]) القيامة : 3.
([4]) القيامة : 7 : 10.
([5]) الانشقاق : 1 : 5.
([6]) التكوير : 1 : 13.
([7]) المؤمنون : 16.
([8]) البقرة : 281.
([9]) الأنبياء : 47.
([10]) المؤمنون : 100.
([11]) غافر : 46.
([12]) غافر : 46.
([13]) أخرجه أحمد في مسنده، ج6 ص 44، والبخاري في صحيحه، ج5 ص 2341، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 411.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح