الخميس، 1 أكتوبر 2009

الإسلام والبيئة



الإسلام والبيئة




يهتم العالم بالبيئة خاصة في عام 2008م، حيث جعلوه عام البيئة العالمي، وبدأت التجمعات والندوات والمؤتمرات ونشاط جمعيات المجتمع المدني تنشط هذا العام حول هذا الموضوع، وفرض موضوع البيئة نفسه على قائمة الاهتمامات، وكثر السؤال عن إمكانية الاستغاثة بمبادئ الأديان لحل مشكلات البيئة والتعامل مع قضاياها، ومبادئ الإسلام وأحكامه ثرية جدا في هذا الموضوع؛ من حيث الرؤية الكلية، ومن حيث الأحكام الفرعية، ومن حيث منظومة القيم الأخلاقية.
أولاً: الرؤية الكلية:

يرى المسلم طبقا للقرآن الكريم أن هذا الكون الذي حولنا وخلقنا الله فيه يسبح، جمادُه ونباتُه وحيوانُه، فمن العرش إلى الفرش يذكر ربه، قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، وقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ} [الصف: 1].
ويرى المسلم أن هذا الكون يسجد لله، قال تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ} [النحل: 49].
ويرى المسلم أن هذا الكون مُسخَّر لخدمته بما يستحق الحمد والشكر لله رب العالمين، قال
تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].
يرى المسلم أنه يحب هذا الكون وهذا الكون يحبه، فهو حبيب ومحبوب فيه، وفي الحديث الشريف: «هَذَا
أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (رواه البخاري ومسلم) زاد الطبراني في روايته: «جَبَلٌ مِن جِبالِ الجنَّةِ» (الطبراني في معجمه الكبير)، وقد أتى هذا الحديث رغم الهزيمة الطارئة للمسلمين عند هذا الجبل ليؤكد عدم التشاؤم ويجعل هذا أصلاً كليًّا في التعامل مع هذا الكون وعناصره، وأن ربط الأحداث المؤلمة بأي تأويل فاسد يقدح بهذا الأصل الشريف، ولقد أجرى الله سبحانه وتعالى ترسيخا لهذا المعنى في قلوب المسلمين معجزات على يدي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؛ منها: تسبيح الحصى بين يديه، وحنين الجذع عندما فارقه.
ويرى المسلم أن هذا الكون يتفاعل مع الإنسان، قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} [الدخان: 29]، وقال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72]، وقال: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، وفي الحديث عندما اهتز جبل حِرَاء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اُثْبُتْ حِرَاءُ؛ فإنه ليس عليك إلاّ نبيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ» (أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وأحمد).
ويرى المسلم أن هذا الكون هو مائدة الرحمن، ويجب على الضيف أن يتأدب عند مائدة مضيفه، ومن لم يتأدب فهو خاطئ ومخطئ، قال تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29].
ثانيًا: ضوابط الأحكام الفرعية:
الرحمة؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت امرأةٌ النارَ في هرة حبَسَتْها؛ لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (رواه البخاري ومسلم).
التعمير؛ قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (مسند الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري ومسلم).
عدم الإسراف؛ قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، ومَرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ!» فقال: أفي الوضُوءِ إسرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهرٍ جَارٍ» (ابن ماجه في سننه).
عدم الإفساد؛ قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85]، وقال سبحانه: {وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].
النهي عن الضرر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمَ: «لا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (مسند الإمام مالك). وأضاف الأستاذ عبد الفتاح أبو غُدَّة في تحقيقه لرسالة المسترشدين للحارث المحاسبي بابًا في آداب الإسلام قال فيه: "إذا دخلت دارك أو خرجت منها، فلا تدفع الباب دفعًا عنيفًا، أو تدعه ينغلق بشدة وعنف؛ فإن هذا مناف للطف الإسلام الذي تتشرف بالانتساب إليه، بل أغلقه بيدك إغلاقًا رقيقًا، ولعلك سمعت ما روته عائشة رضي الله عنها من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم)."
التوازن البيئي؛ قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «لولا أن الكلاب أُمَّةٌ مِن الأمم أكرهُ أن أُفنِيَها لأمرتُ بقتلها» (السنن الكبرى للبيهقي)، وأمر أصحابه بدفن قتلى المشركين يوم بدر في القليب (ابن إسحاق في السيرة والإمام أحمد في المسند).
ثالثًا: منظومة القيم الأخلاقية:
يؤخذ مما سبق منظومةٌ للقيم الأخلاقية في التعامل مع البيئة؛ تتمثل أولاً في الرحمة، وثانيًا في الحب، وثالثًا في الاقتصاد وعدم الإسراف، ورابعًا في حسن النية، ويَضبِط كلَّ هذه القِيَم التي يطول الحديث عنها عبادةُ الله الواحد الأحد والإيمانُ بوجوده والإخلاصُ له سبحانه وتعالى رجاءَ ثوابِه وتصديقَ موعودِه، منظومة مبنية على «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ؛ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ» (أبو داود والترمذي)، ومبنية على أنه لنا «في كلِّ ذاتِ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ» (رواه البخاري ومسلم)، ومبينة على «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزَع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم).


التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح