السبت، 31 أكتوبر 2009

الإسراء والمعراج لفضيلة الشيخ يوسف الدجوي من هيئة كبار العلماء


حضرة صاحب الفضيلة أستاذنا الكبير الشيخ الدجوي.
السلام عليكم ورحمة الله. وبعد..، فعندنا فريق من أساتذة المدارس ينكرون المعراج ويقولون: إن ذلك غير ممكن. والمتدين منهم الأقرب إلى الاعتدال يقول: إن الإسراء بالروح دون الجسد.
فنرجو من فضيلتكم تحقيق الموضوع بالبراهين المقنعة حتى ينقطع الجدال والمراء. وها نحن أولاء في انتظار ما يدبجه يراعك البليغ وبيانك الواسع، كما هي عادتك.
واقبل فائق احترامي وإجلالي لشخصك المحبوب.
عبد الرحمن محمد
أستاذ بمدرسة شبين

الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه.
إن الناس اليوم يقدسون عقولهم، ويسيرون وراء ما يمليه عليهم علمهم القاصر ونظرهم الضعيف، وكل من سار وراء عقله ووزن كل ما جاء عن الرسول بميزان فكره فقلما يؤمن إيمانًا صحيحًا. وإذا راقك منه ما يشقشق به في بعض الأحيان لم تلبث أن يسوءك منه ما يهذي به في وقت آخر، ولا غرو فالجهل حليف الإنسان، والضعف لازم من لوازم البشرية، وقصور العلم من صفاتها الذاتية وأعراضها اللازمة. وكل من لم يصدق إلا بما وصل إليه عقله وبلغته حدود علمه، فليس مؤمنًا بالرسول على الحقيقة، وإنما هو مؤمن بعقله (لا بالرسول).
وما جاءت الرسل إلا لتخبرنا عما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه العقول التي لا تستمد معلوماتها إلا من المحسوسات، وما تنتزعه منها من المعقولات الثانية مما هو راجع إليها ومتوقف عليها، ومقدورات الله لا نهاية لها، وعوالمه لا حد لها؛ ولكل عَالمَ ناموس يخصه.
ومن الغلط البين الحكم على عَالمَ من العَوالم بأحكام عَالمَ آخر. وإذا كنا نرى من بعض أنواع الحيوان ما لا يعيش إلا في الماء، ومن بعضها ما لو مكث في البحر لمات، ومن بعضها ما يقتله الكربون كالإنسان، ومنها ما يقتله الأكسوجين ككثير من الحيوانات الدنيا (ولعلنا كنا لا نصدق بذلك قياسًا على أنفسنا لولا مشاهدتنا إياه) فكيف بما لم تقف له على عين ولا أثر من العَوالم الأخرى التي تحس والتي لا تحس؟
وإني لأعجب لهم كيف يتبجحون هذا التبجح ويحكمون في كل شيء بالأحكام الجازمة اعتمادًا على بضعة نواميس وصلوا إلى ظواهرها من نواميس هذا الكون التي لا يحصيها إلا الله ولا يدري كنهها غير مبدعها الذي لا حد لقدرته ولا نهاية لعلمه؟!
وليت شعري بعد ذلك كله أي عقل نحكِّمه فيما ورد عن الشارع: أهو عقل الأفراد أو عقل الجماعات؟ وما هو الضابط إذا اختلفت العقول؟! وليس هناك نوع من الأنواع وقع التفاوت فيما بين أفراده مثل نوع الإنسان الذي هو مظهر المتناقضات ومجمع العجائب والغرائب! وقد خاطب الله الخلق جميعًا بقوله: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلا قَلِيلا}[الإسراء:85].
ويقول في حق الإنسان: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا}[الأحزاب:72]. ولقد نرى في تخبطه وتناقضه وارتباكه في أحواله واضطرابه في أعماله الدليل الساطع على أنه مخلوق من الطيش والجهالة والعجز والقصور. فعلام ذلك الكبرياء وهو من الضعف بحيث يرثى له ويشفق عليه؟!
الموضوع:
لا يستند هؤلاء المنكرون إلا إلى الاستبعاد العقلي، وقياس الشاهد على الغائب، وإرجاع ما لم يعلموا إلى ما علموا؛ والجاهل لا يعرف قدر نفسه ولا قدر العلم؛ ويعتقد أن كل ما خرج عن دائرة علمه فهو في دائرة العدم {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}[يونس:39].
ومن الغريب الذي يؤسف له أنهم إذا سمعوا أن بعض الأوربيين يريد الوصول إلى القمر ويفكر في إعداد العدة لذلك لم يتحرك منهم ساكن؛ بل ربما انتصروا لما سمعوا وقالوا: إن العلم يلد العجائب والاكتشاف يأتي بالغرائب. ولكن إذا سمعوا أن الرسول عرج به إلى السماء قامت قيامتهم، وهدرت شقاشقهم، وظهر كل ما في نفوسهم الضعيفة من خبث وإلحاد. وسنتكلم معهم بما يخضعون له إذا سمعوه عن ساداتهم الأوربيين -الذين لم يعلموا علمهم ولا أحسنوا تقليدهم-:
أما الكلام في الموضوع من الجهة النقلية فأظن أنه لا يعنيهم كثيرًا، ولا يقنعهم لا كثيرًا ولا قليلا. ومع هذا فنقول فيه كلمة موجزة من أجل الفريق الثاني الذي ينتسب للعلم ولا يمكنه الخروج عن الكتاب والسنة، ولكنه يؤول ويحرف اغترارًا ببعض الروايات، إجابة لنزعة عنده وعقيدة لديه لا تبعد كثيرًا عن عقيدة الماديين، وإن كان مذبذبًا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فنقول:
إن من قال: إن الإسراء بالروح تمسك ببعض روايات مطعون فيها، كالرواية عن عائشة التي ردها الحفاظ وقالوا: إنها غير صحيحة من وجوه عديدة لا نطيل بها؛ وكرواية شريك بن أبي نمر التي طعن فيها الحفاظ بما يطول شرحه. وليس الغرض إلا أن نشير إلى ذلك إشارة خفيفة يعرفها ذلك الفريق من إخواننا المتفيهقين من الشيوخ. والعالم كل العالم من لا يتأثر بكل ما رآه أو يتشوش بكل ما رواه، بل العالم كل العالم من يعرف المقبول والمردود، والضعيف والصحيح، ومن يجمع بين الروايات المختلفة إذا أمكن الجمع، أو يرجح الراجح ويسقط المرجوح إذا تعذر التوفيق.
وما أدري كيف يقبل الذوق السليم أن الإسراء كان بالروح بعد ما يقول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الإسراء:1]! فها أنت ذا ترى الآية الكريمة قد افتتحت بـ{سُبْحَانَ} المشعر باستعظام ما كان من الأمر والتعجيب منه لجلالته؛ وهو لا يصح موقعه ولا يتناسب وبلاغة القرآن الحكيم إلا إذا كان ذلك أمرًا غير معهود ولا مقدور لأحد من البشر.
ولو كان هذا الإسراء بالروح فقط لم يكن ثمة ما يقتضي هذا الاستعظام وذلك التعجيب، إذ لا خطورة في إراءة النبي صلى الله عليه وسلم آيات ربه في منامه، فإن هذا أمر عادي يجوز أن يقع لكل أحد، بل قد يرى الإنسان في منامه رب العزة الذي هو أكبر من كل شيء؛ وإنما يظهر وجه الاستعظام والتعجيب لو قلنا: إن ذلك الإسراء كان بالجسد والروح، كما هو ظاهر لكل ذي فطرة طاهرة وعقل سليم.
ثم تراه يقول: {أَسْرَى} وهو لا يقال في النوم كما قال القاضي عياض؛ لأن ما يقع في النوم إنما هو تخييل وضرب مثل لا غير، ولا يحسن أن يعبر عن ذلك بأنه أسرى به، وإنما يحسن ذلك إذا أسرى به ليلا سيرًا حسيًّا على ما هو المعهود المعروف.
ثم يقول: {بِعَبْدِهِ} وهو نص قاطع في الموضوع؛ لأن العبد لا يطلق فيما تعرفه العرب إلا على الشخص بجملته المكون من الروح والجسد؛ ولم يعهد في لغة العرب إطلاقه على الروح فقط؛ فهم لا يعرفون من العبد إلا الشخص المحسوس المنظور، كما في قوله تعالى: { أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى}[العلق:9، 10] وقوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}[الجن:19] إلى غير ذلك.
ثم يقول: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}[الإسراء:1] ويقول في سورة النجم: { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى* عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى}[النجم:12-18].
ولا شك عند من له ذوق سليم أن هذه الآيات الكريمة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به إلى بيت المقدس، وأنه عرج به إلى السموات العلا بجسمه وروحه، وأنه رأى جبريل عند سدرة المنتهى، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى.
وإني أستحلفك بعلمك وذوقك وإنصافك أن تنظر معي لقوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} ثم قل لي بعد ذلك ماذا ترى؟! أفيسهل عليك أن تسلم أن المراء والجدال كانا في رؤية منامية؟! وهل يكون في رؤية الروح وحدها في المنام جحود ومجادلة؟ وهل لذلك وقع عند القائل أو السماع حتى تذكر فيه تلك الآيات، وتحصل به تلك الحركات والمجادلات، وينوه بشأنه في القرآن هذا التنويه العظيم؟ وهل عهد مثل ذلك في الرؤى المنامية؟ وهل ينكرون على أنفسهم ذلك حتى ينكروه عليه صلى الله عليه وسلم.
لا شك أن مناكرتهم ومجادلتهم ما كانت إلا لعلمهم أنه يَدَّعي أن ذلك كان يقظة لا منامًا؛ فهذا هو محل الاستبعاد والاستنكار، فإنه غير معهود لديهم، ولا من متناول قدرتهم.
أما منامات الأرواح فيجوز أن تقع لكل أحد حتى المشركين أنفسهم. وهل ينكر الله عليهم إنكارهم بقوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} ويقرعهم على مجادلتهم بالباطل، ويقسم على أن صاحبهم ما ضل وما غوى، ويقول: إنه رأى ولا يليق أن تماروه فيما رآه، هل يكون كل ذلك لرؤيا منامية؟ وهل يقول: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى} وينوه بأمر هذه الرؤية ويقول: إنها عند سدرة المنتهى ويجعلها مرة أخرى لرؤيا منام؟
وهل يقول المنكر: إن رؤية جبريل في المرة الأولى التي جاءت في الحديث الصحيح حين رآه صلى الله عليه وسلم بحراء على صورته التي خلقه الله عليها قد سد الأفق، هل يقولون: إن ذلك كان منامًا أيضًا، أم يفرقون بينهما والقرآن لم يفرق وجعل الرؤية في المرة الأخرى عند سدرة المنتهى كالرؤية الأولى في الأرض بلا فرق؟
فهل يقال ذلك إذا كانت إحدى الرؤيتين في المنام والأخرى في اليقظة؟ وهل يحسن أن تجعل الضمير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} لروح النبي دون جسده وتغاير بينه وبين ما قبله وما بعده من الضمائر العائدة على شخصه صلى الله عليه وسلم لا على روحه فقط؟ وهل يسهل عليك أن تقول: إنها رؤيا منامية مع قوله تعالى: {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} وهل يقال ذلك في أحلام النائمين؟ اللهم إن ذلك لا يقال إلا في أوهام الواهمين.
وهل يقال في الرؤيا المنامية: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}[الإسراء:60]؟ ومتى كانت رؤيا المنام فتنة لأحد؟ فإن كل إنسان يرى بروحه من الكون ما شاء الله أن يرى، فما وجه الافتتان وما معناه؟
وأما التشبث بلفظ الرؤيا دون الرؤية فقد ردَّه أهل اللغة واستشهدوا عليه:
ورؤياك أحلى في الجفون من الغمض
على أنه جاء في القصة ما هو قاطع في الموضوع: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بذلك هاج هائجهم وقامت قيامتهم، فمنهم الواضع يده على رأسه تعجبًا، ومنهم المصفق، ومنهم القائل له: لقد كان أمرك أَمَمًا (أي قريبًا) قبل هذا. حتى ورد أنه ارتد بعض من دخل في الإسلام. فهل ترى - أيدك الله- أن ذلك كله كان من أجل رؤيا منامية؟
بل في القصة ما هو أكثر من هذا، وهو أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن عيرهم التي كان فيها تجارتهم، فأجابهم صلى الله عليه وسلم بأنه مر بها، وقد ندَّ منها بعير فانكسر، وأنه مر بعير أخرى قد ضلوا ناقة لهم، وكان معهم قدح من الماء فشربه صلى الله عليه وسلم. وقد سألوهم عندما قدموا مكة فصدقوا ذلك كله. وفي القصة أكثر من هذا. فهل ترى أن الروح شربت الماء من القدح؟ وهل يمكننا أن نقبل أنهم يسألونه عن عيرهم وعن بيت المقدس وأبوابه وكل ما يتعلق به إذا كانت الرؤيا منامية؟ وأي علاقة بين رؤيا المنام وبين عيرهم التي تجيء من الشام، وقد رأى لهم عدة قوافل من تجارهم وأخبرهم عنها؟
ولا نزال نقول: أي معنى لقصة قدح ماء إذا كانت الرؤيا منامية؟ وأظن أن هذا القدر كاف للمنصف. ولو شئنا لأطلنا.

الفريق الأول الذي يتمسك بالشبه العقلية:
يقول هذا الفريق: إنه يستحيل العروج إلى السماء؛ لأن بيننا وبينها كرة نارية كما قرره الفلاسفة الأقدمون. ونقول له: إن ذلك خيال لم يقم عليه برهان؛ والفلاسفة العصريون ينفون ذلك بتاتًا.
فهذا كاف في إسقاط ذلك الزعم وستسمع عن ذلك جوابًا آخر مشتركًا دافعًا للشبه كلها.
ويقول العصريون في استحالة ذلك: إن الهواء يرتفع عن الأرض مقدار بضعة آلاف من الأمتار، فإذا وصل الإنسان إلى ذلك الحد لم يمكنه أن يعيش، لأنه لا يجد من الهواء ما يتنفس به، فلا بد أن يموت، وقد وصلوا بطياراتهم إلى ما يقرب من ذلك فخرج الدم منهم بهيئة منكرة لفقد الضغط الجوي.
ونقول في دفع هذه الشبهة: إن ذلك مُسلَّم ولا نماري فيه؛ ولكن هناك قوانين أخرى لا يعرفها الماديون، ومحال أن يصل إليها الطبيعيون: ذلك أن الأرواح الإنسانية من عَالمَ آخر لا تسري عليه قوانين هذا العَالمَ؛ فإذا غلبت على الإنسان روحانيته كان الحكم للروح لا للجسد، فكان السائد عليه هو النواميس الروحانية لا الجسمانية؛ ومتى ساد سلطان الروح سلطان البدن كان الحكم للروح لا للبدن، فيمكنه أن يطوي المسافات البعيدة في لحظة قصيرة، ويمكنه أن يرى المغيبات على حد محدود، ويمكنه أن يخترق الجدران ويقتحم المهالك من غير أن يحصل له ضرر أو يلحقه ألم. ومن هنا جاءت كرامات الأولياء. وإذا كنا نصدق بذلك في الجن، وأرواح النوع الإنساني أعظم لطافة وأقوى نفوذًا وأشد قربًا من الملأ الأعلى، فلماذا نستبعد ذلك في خواص البشر الذين غلبت عليهم الروحانية حتى صاروا كأنهم من الملأ الأعلى، وبذلك تنخرق لهم العادات ولا تحكم عليهم نواميس المادة؟

براهين عصرية على ذلك:
وما لنا نذكر كرامات الأولياء أو معجزات الأنبياء وبعض العصريين لا يقتنعون بذلك، ولعلهم يعدونه من الخرافات والترهات؟ فلنسق لك ما هو أقرب إلى إقناعهم وأليق باستعدادهم، فنقول:
قد ثبت ثبوتًا لا شك فيه أن المنوم تنويمًا مغناطيسيًّا يسأل عما في البلاد البعيدة فيجيب عنها بأجوبة صحيحة، فهل يمكن تعليل ذلك بالتعاليل المادية؟
وقد قالوا: إن المنوِّم (بصيغة اسم الفاعل) إذا أمر المنوَّم (بصيغة اسم المفعول) أن يخوض النار وأفهمه أنها ليست نارًا، خاضها ولم تؤثر فيه؛ لأنه تحت سلطان الروح فله حكمها، والأرواح لا تؤثر فيها النيران ولا تحكم عليها هذه النواميس (وسلطان الروح فوق سلطان المادة).
وقد قالوا: إنهم جاءوا للمنوَّم بالنوشادر المركز الذي إذا شمه أحد مات لوقته فلم يؤثر فيه أدنى تأثير، فقام بعض الأطباء وقال: إن ذلك غش وخداع. فأخذ النوشادر المركز وشمه فخرَّ ميتًا. وأعاجيب التنويم المغناطيسي أصبحت لمس اليد ورأي العين. وسرها ما ذكرنا من أن سلطان الروح فوق سلطان المادة.
وإذا ثبت هذا فلتعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عند العروج كان على غاية ما يكون من الروحانية، بل كانت روحانيته إذ ذاك فوق روحانية جبريل عليه السلام، ولذلك ورد أن جبريل تأخر عنه بعد سدرة المنتهى وقال له: لو تقدمت أنملة لاحترقت.
فإذا وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الحد الذي يتخلخل فيه الهواء أو ينقطع بالكلية، وقد غلبت عليه الروحانية من كل جهاته، لم يكن لذلك تأثير فيه ولا ضرر عليه لما قررناه.
ويمكننا أن نستشهد على ذلك بما أصبح معروفًا لا ينكر، وهو أن بعض الهنود يوضع في صندوق باختياره أو يدفن في موضع من الأرض عشرين يومًا وثلاثين يومًا وأكثر من ذلك، ثم يخرج ويعمل له ما يرجعه إلى حسه ولا تفارقه الحياة مع أنه كان لا يتنفس أصلا في تلك المدة. فكيف ينكر مثل ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الروحانيين وأفضل الخلق أجمعين؟!
وهذا تنزل يقتضيه الحال وقوانين الجدال، وإلا فلست أدري كيف يقيسون عالم الملكوت على عالم الملك، وأحكام الأرواح على أحكام الأشباح، مع أنهم لم يتقنوا علومهم المادية، وكثيرًا ما تخبطوا فيها فنقضوا ما أبرموا. وهو شأن هذا النوع الضعيف منذ خلقه الله إلى أن تقوم الساعة!
ولقد أقام العَالمَ ثمانية عشر قرنًا يدين بنظرية (بطليموس) صاحب كتاب (الماجسطي) في الأرض والشمس ودورتها، وغير ذلك من النظريات الفلكية، حتى جاء دور الانقلاب العلمي في القرن السادس عشر ونادى العلامتان (كوبرنيق) و(كبلر) الألمانيان والبحَّاثة (غاليلي) الإيطالي بعكس نظرية السابقين، وأثبتوا فرضا مخالفًا لفروضهم؛ ثم جاء (إينشتين) في عصرنا هذا فرد عليهم وقلب نظرياتهم رأسًا على عقب. ولا ندري ماذا يجيئ به الغد. وقد بين ذلك رئيس وزراء إنجلترا المسيو بلفور منذ زمان بعيد حين رأس مجمع ترقي العلوم البريطانية بمدرسة كمبرج في شهر أغسطس سنة 1904م وأطال في ذلك حتى قضى به على معرفة كنه المادة، وأن منتهى علمها مبتدأ جهلها، كما يقول الشاعر العربي:
كأن الحب دائرة بقلبي فحيث الابتداء الانتهاء

الخلاصة:
والخلاصة أن الإسراء لو كان منامًا لما كانت فيه آية معجزة، ولا استبعده الكفار ولا كذبوه فيه، ولا ارتدَّ به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر.
ويؤكد ذلك مجيئ جبريل له بالبراق، وخبر المعراج، واستفتاح السماء فيقال: ومن معك؟ فيقول محمد؛ ولقائه الأنبياء فيها وترحيبهم به، وخطبهم في بيت المقدس ورده عليهم، وصلاتهم وراءه، وتعيين محل كل واحد منهم والإخبار عنه بخبر خاص؛ وحديث فرض الصلاة ومراجعة موسى في ذلك، وقوله: "ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام" وأنه وصل إلى سدرة المنتهى. إلى غير ذلك مما جاء في القصة.
وهل عهد مثل ذلك في رؤيا المنام؟ وهل يقال في رؤيا المنام: {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} أو ينوه بشأنها هذا التنويه كله؟ وهل يحسن أن يكون فرض الصلاة وهي عمود الإسلام في المنام على حين أن غيرها كان في اليقظة؟!
ولست أفهم إلا أن هذا إنكار لقدرة الله، وإذا فتش عن إيمان ذلك المنكر وجد ضعيفًا، به خلل وفيه دخل. وما أدري ماذا يصنع في مثل قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ (أي عرش بلقيس) قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:40] وقوله: { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة:73] وقوله: { فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا}[البقرة:260] إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات؟ وإن الإيمان بذلك كله سهل لدى من يعتقد أن الله على كل شيء قدير، وأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا.

ولنرجع للموضوع فنقول بالاختصار:
لو كان منامًا لم يكن فيه آية، مع أن الله يقول: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى}[النجم:18] ، ولو كان المعراج في النوم عند عائشة رضي الله عنها كما يزعمه بعضهم لما أنكرت رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه. فهي لم تنكرها إلا لفهمها أن ذلك كان يقظة لا منامًا؛ لأن رؤية المنام لا تنكر من عائشة ولا من غيرها.
وبعد: فقد عرج به صلى الله عليه وسلم ليستبين بذلك العروج أن مقامه فوق مقامات الأنبياء، حيث ارتفع عليهم جميعًا حتى سمع صريف الأقلام، وكانت مناجاته فوق السموات العلى على غير ميعاد ولا رياضة سابقة لكمال استعداده صلى الله عليه وسلم، ليعلم ما بينه وبين غيره من الفرق في التقريب والاصطفاء.
وكأن العلو الحسي مستتبع للعلو المعنوي، فكلما ارتقى في درجات السموات وما فوقها كان يرتقي في درجات الروحانية والاستغراق في جلال الله وعظمته. ولا غرو فالأماكن لها خصائص ومميزات. وانظر إلى الكعبة وما اختصت به من الرفعة والتعظيم ونزول الرحمات والبركات حتى استحقت أن تُسمَّى بيت الله وحرم الله.
ولتعلم أن قصة الإسراء والمعراج قد وردت عن كثير من الصحابة، عد منهم في المواهب اللدنية ستة وعشرين. ولنقهر القلم على الوقوف عند هذا الحد ففيه مقنع وكفاية لمن أراد الله هدايته.
أسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، بمنه وكرمه.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح