السبت، 31 أكتوبر 2009

الحث على العمل وقوة العزيمة لفضيلة الشيخ إبراهيم الجبالي

بسم الله الرحمن الرحيم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)). أخرجه مسلم.
نعم، علو الهمة من الإيمان، والكدح في العمل مع الاستعانة بالله من أيمن نعم الرحمن على الإنسان، لقد نرى قوما يزعمون أن معنى التوكل على الله الجنوح إلى الكسل والرضا بالقعود في الزوايا، منصرفة قلوبهم إلى الأماني، عاجزة هممهم عن الأعمال، ولكنَّ أجسامهم قادرة على نقل الجبال، فهؤلاء قد سلك الشيطان من نفوسهم مسلكا جعلهم منقادين له مطيعين لأوامره، وهو يوسوس لابن آدم من الشر بما يرى أنه ناجح معه فيه، موافق لرغباته في الاستماع إليه، فإذا أتى واحدا من ناحية تزيين الشهوات، جاء آخر من قبل تحبيذ التعدي والاستطالة، وصور له الفخر كل الفخر في الإيذاء، وجعل له ذلك مصدر العلاء، ويجيء لثالث فيصور له السعادة في التكالب على الدنيا وإحرازها من أي طريق: حل أو حرم، عدل أو ظلم. ويجيء لرابع فيزهده فيها وينفره عنها، ويرضيه أن يكون عالة على أبنائها يعولونه وهو قادر، ويطعمونه وهو أهل لأن يطعم العشرات لو أراد وعمل. ومتى رأى إبليس اللعين انقياد الإنسان إليه بأي أسلوب، بادر إلى تزيينه وتصويره له بصورة الخير، وذلك أخطر ما يدخل به على الناس.
لقد يقتحم ابن آدم شيئا من أعمال الشر عالما أنه شر، ولكنه ينقاد في ذلك لحركة شهوية أو ثورة غضبية، فيستغفر الله من ذنبه وقتا ويثوب إلى رشده، فيكون ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم، ولكن الويل كل الويل لمن عميت بصيرتهم، واستحكمت شقاوتهم، فزعموا الشر خيرا والخير شرا، والنفع ضرا والضر نفعا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
نعم، قد وردت أحاديث كثيرة، وآثار شهيرة، ترغب في الزهد والقناعة، وتنفر من التكالب في الدنيا، ولكن ليس معنى ذلك أن يكف المرء عن العمل المفيد المنتج الموسع لدائرة العمران، واستخراج ما بث الله في هذا الكون من خيرات وثمرات بطريق الزراعة والصناعة وما أشبههما، وإنما معناه أن يكون مقتصدا في الطلب، فلا يضيع دينه في تحصيل دنياه، ولا يجلب دنياه من حيث حرم الله، ولا يكون في سعيه وكده ظالما باغيا، ولا جبارا طاغيا، وأن يكون في استمتاعه بما أنعم الله عليه معتدلا، فلا يكون مقترفا للحرام، ولا مسرفا في تناول الحلال. هذا هو المذموم في أمر الدنيا، أما السعي لتحصيلها من وجوه حلها وأداء ما فرض الله على عباده الذين أنعم عليهم بنعمها، والاستمتاع بالطيبات من رزقها، فلم يقل بذمه ولا تحريمه أحد {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.
ترى العاجز النكس الضعيف النفس، قد ركن إلى القعود والكسل، ورضي بمسامرة الأماني وغرور والأمل، امتلأ قلبه من حب الدنيا والتطلع لملاذها، وذابت نفسه حسرات على إحراز القليل والكثير من خيراتها، ولكنه ضعفت همته وصغرت نفسه، فجعل نفسه عالة على غيره، يتطلع لما في الأيدي، ويتردد على الأبواب، ويقعد على الأعتاب، ويتمرغ في التراب، عمد إلى التجول للتسول، وأصبح وأمسى يذرع الأرض شرقا وغربا، يقاطع المارة فيعطلهم عن مقاصدهم، ويزعج بصيحاته المنكرة أولئك الوادعين ليستريحوا بعد أداء أعمالهم، لا يكل ولا يمل، ولو صرف بعض هذا الجهد في عمل نافع لدر عليه ما يصون ماء وجهه، ولقد يبتكر أحدهم من ضروب الحيل والتغرير ما يحتاج إلى فضل ذكاء لو صرفه في النافع لأفاد واستفاد، فهم يصرفون من الجهد العقلي والبدني ما لو وفقوا في صرفه لكان خيرا لهم وللأمة جميعا، ولكنهم رضوا بهذه الصناعة الممقوتة، وانخدع لهم ذوو القلوب السليمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
إن للعبادة حدودا، لا بل إن من العبادة السعي في تحصيل الرزق من الوجه الحلال. وقد جاء: ((من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهمة بطلب المعيشة)). وقد ورد عن عمر رضي الله عنه "أن جماعة أثنوا في مجلسه على رجل بأنه مستغرق كل أوقاته في العبادة، وقالوا: إنه خير منا كلنا، فقال لهم: فمن يعوله؟ فقالوا: كلنا نعوله، فقال: كلكم خير منه"، وروي أيضا أنه قال: "لا يقعدن أحدكم في بيته ويقول: اللهم ارزقني. فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، ولكن اعملوا". وانظر إن شئت إلى قوله تعالى: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وقوله جل وعلا: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}، وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}.
وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث ترغب في الكسب والتعفف عن مسألة الناس- منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)). ومنها أحاديث يقوي بعضها بعضا، مثل ((التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء)). حسنه الترمذي، ((أحل ما أكل العبد كسب الصانع إذا نصح)) حديث حسن، ((من طلب الدنيا حلالا تعففا عن المسألة وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر)). ((إن الله يحب المؤمن المحترف)). وهذان الحديثان وإن ضعف إسنادهما فإن في غيرهما ما يشهد لهما مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه)). حديث صحيح. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من فتح على نفسه بابا من السؤال فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر)). رواه الترمذي بالمعنى وقال: حسن صحيح.
كل هذا وما في معناه يدلنا على أن روح الدين روح عمل لا روح كسل، وروح إعطاء للمحتاج العاجز لا روح استعطاء من القوي الكسول. ولا تحسبن من هؤلاء القعدة طائفة الهداة والمرشدين الذين نصبوا أنفسهم إلى إرشاد العباد لما فيه مصلحة المعاش والمعاد، وأخذوا على عهدتهم معالجة النفوس والأرواح، وتنقية القلوب من أدران الفجور والشرور، فهؤلاء مهمتهم في إسعاد البشر من أشق المهمات وأحقها بعظيم التقدير، ولقد رخص للعاجز الضعيف أن يأخذ ممن آتاه الله من فضله حسب حاجته لا بمقدار ما يجمع ثروة ويعيش في بلهنية، ومع هذا الترخيص، ومع أن الضعف أمر قهري غالبا، جاء هذا الحديث الذي معنا يبين فضل المؤمن القوي على المؤمن الضعيف مع جبر خاطره بقوله صلى الله عليه وسلم : ((وفي كل خير))، فلا حيلة له فيما أصابه من ضعف. وكيف لا يكون فيه خير وقد تحلى بحلية الإيمان الذي هو أساس كل خير، وقد أرشد صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يحتال ويعمل ما في وسعه ويبذل كل جهده، مستعينا بالله وقوته على الوصول لما يريده، فإنه ليس معنى القوي أنه قوي العضلات متين البنية فحسب، لا بل هذا وإن دخل في القوة دخولا ما فإن أساس القوة قوة الرأي، قوة العزيمة، قوة الهمة، قوة تصريف الأمور، هذه معادن القوة في الإنسان، أما قوة العضلات ومتانة البنية فهي قوة حيوانية محضة، فالقوي هو من يعمل رأيه الصائب بفكرة صحيحة، ثم يصمم عزيمته على إنفاذ ما يريده، ثم يحرك همته بنشاط حتى يصل إلى ما يبتغي، فإذا اعترضه ما ليس له في حساب تصرف في أموره تصرفا حكيما حتى يزيل ما يعترضه من عقبات. هذا هو الحرص الذي أرشد إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)). فكلمة "احرص" حث على الدأب في العمل، وحفز الهمة، وصدق النية، وليس هذا هو الحرص المنهي عنه، فذلك هو التكالب ونسيان النفس ما يجب عليها في سبيل الوصول إلى بغيتها، وفرق ما بين الأمرين. وبعد، فهل قوة الأمة تكون إلا بقوة أفرادها؟
وقوله: ((واستعن بالله)) هذا إرشاد إلى معنى التوكل على الله، وأنه يكون مع السعي والعمل لا مع التواني والكسل، روي عن عمر أنه مر على جماعة قعود فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: "بل أنتم المتأكلون إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل". ولقد صدق عمر رضي الله عنه، فإن المرء أكثر ما يملك من استنبات الحب أن يحرث أرضه ويلقي حبه ويتعهد ذلك بالتنظيف والري وما أشبههما، أما أن ذلك الحب ينبت أو لا ينبت فأمره موكول إلى الله، وهنا يجيء التوكل فيما لا يد للإنسان في تحصيله ولا قدرة له على إيجاده، بل هو من محض آثار القادر المختار، أَمَا قرأت قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} هذا هو السر في قوله صلى الله عليه وسلم: ((واستعن بالله)) بعد قوله: ((احرص على ما ينفعك)).
ولا يفوتنك التنبه إلى أن الحرص على النافع يتناول كلا من أعمال الدنيا وأعمال الآخرة، وأن الاستعانة بالله متناولة كذلك لكليهما، فليس كل عمل بمؤت ثمره ما لم يصحبه المعونة والتوفيق الإلهيان، فكم من عمل في الدنيا خانه التوفيق فأصبح وبالا على صاحبه، وعاد عليه بخسران لم يكن في حسابه، ومن هذا جاء قولهم: أول ما يجني على المرء اجتهاده. وكم من عمل من أعمال الآخرة لحقه الخذلان فكان موجبا للخسران، وآفات النفس ومسالك الشيطان لا يكاد يسلم منهما إنسان، إلا من عصمه الرحمن، وهل يشك أحد في أن الشيطان قد يجيء للمرء من تصوير الشر بصورة الخير حتى يستدرجه إلى ما لم يخطر له على بال؟
وأما قوله: ((ولا تعجز)) فهو النهي عما يلحق المرء أثناء عمله إذا صادفه بعض العقبات، فيقف مبهوتا، مكتوف اليدين، خائر العزيمة، وقد آتاه الله من قوة العمل وسعة الحيلة ما يستطيع به أن يفتق لنفسه مسلكا مما أصابه من انسداد الأبواب، وقد قالوا: الكريم يحتال واللئيم عيال. وما منح الله العبد عقلا إلا ليؤدي به عملا، ولو شاء لجعل الأمر سهلا، ولكن ليبتليك فيما آتاكم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)). فإنه إرشاد إلى أمرين عظيمين على جانب كبير من الأهمية في شؤون الحياة: (الأول) الإبعاد عن الندم على ما فات، (والثاني) الطمأنينة لما قدر الله، والرضا به مع استقبال الكثير الغزير من نعمه، فأما الندم والتلفت للماضي بالحسرة تتبعها الحسرة، فهو مميت للهمم مخمد للعزائم، كاسر للنفس مضيع لحركة العقل في جلب النافع ودفع الضار، تجد النادم المنهزم قد قعد كاسف البال خامد القوة مضعضع الحواس مغتما، بينما ترى الراضي بالقدر متقد العزيمة مشمرا عن ساعد الجد مهتما.
وهنا لا نرى بأسا من أن نشرح ما قالوه في التفرقة بين الغم والهم: فالأول أن تنزل على النفس غمة تكبسها وتضعضعها وتفقدها الحركة وتجعلها مستكينة ضعيفة خائرة، فهو من الغمة، وأما الثاني فهو من هم بالشيء تحركت نفسه له. فهما وإن كانا كلاهما يحصل عن نازلة ومصيبة، ولكن الغم يسكن النفس عن الحركة، ويسكتها عن التفكير، ويجعلها تيأس من كل فوز، أما الهم فهو محرك للهمة، مشعل للعزيمة، محرك للنفس. ولذلك قالوا: الغم يقتل والهم لا يقتل. وفرق بعيد بين المغتم والمهتم. فقوله عليه السلام: ((وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا)) نهي عن الاستكانة والتضعضع، وقصر النفس على التلفت للوراء واليأس عن انفراج الكرب بحيلة من الحيل، وأما الطمأنينة لما قدر الله فهي في قوله عقبه: ((ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)), ففي ذلك ترضية للنفس بما قدر الله، وهو يستتبع الموازنة بين ما فقده من هذا الذي كان ينتظره، وما هو غارق فيه من نعم الله الكثر، فيرى أن ما فاته ليس بشيء بالنسبة للنعم التي يتمتع بها، فتنشط نفسه إلى استقبال نعمه عز وجل، قائلا لنفسه:
لا تيأسن ولا تخف ودع التفكر والأسـف
الله عودك الجميــ ــل فقس على ما قد سلف
وهذا مثار للنفس لتتحرك فيما ينفعها، وتسد رتق ما فتح عليها من أبواب الشر، وتفتق ما أغلق دونها من أبواب الخير. أما لو ولو ولو... فهي لا تفيد إلا التحسر على الماضي، والندم على الفائت، والنوم عن اجتناء الخير المستقبل، فضلا عما تحويه من السخط على قضاء الله وقدره، وما يتبعه من الاعتراض على فعله وعادل قسمه، وما يصحب ذلك غالبا من الحسد لمن أنعم الله عليه بنعمه، أو نجاه مما أصاب هذا النادم من كروبه وغممه، وكفى بالحسد مهلكة وبالحقد مذمة فهل رأيت كيف كانت "لو" تفتح باب الشيطان؟ وهل وراء الحقد والحسد والتسخط على القضاء والقدر من وخسران للإنسان، وكسب للشيطان، وإغارة على حمى الإيمان.
ومما جاء في معنى قوله عليه السلام: ((قدَّر الله وما شاء فعل)) قوله عز وجل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا}، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك))، وقوله: ((واعلم أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)).
نسأل المولى جلت قدرته أن يكسبنا الرضا بقضائه وقدره، ويقوي نفوسنا على فتح أبواب خيره، ويجعلنا مقتدين بالسنة الحسنة، ومن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح