الخميس، 1 أكتوبر 2009

حرية التعبير


حرية التعبير




اعتذر روبرت ماردوخ‏,‏ صاحب أحد أشهر الإمبراطوريات الإعلامية الأمريكية‏,‏ للرئيس الأمريكي أوباما عن الكاريكاتير السياسي الذي اعتبره النقاد جريمة عنصرية حيث نشرت الرسوم في وقت سابق في نيويورك بوست في‏18‏ فبراير‏2009‏ حيث قال‏:‏ في الأسبوع الماضي ارتكبنا خطأ بنشرنا تلك الرسوم الكاريكاتورية التي أغضبت الكثير من الناس‏,‏ واليوم أود الاعتذار شخصيا‏.‏ وهذه الرسوم أظهرت اثنين من رجال الشرطة يقفان فوق جثة قرد ويقول أحدهما للآخر‏:‏ سيكون لزاما عليهم الآن إيجاد شخص آخر لكتابة مشروع القانون المحفز للاقتصاد‏,‏ وخلفية هذا الرسم أن القرد في الأدبيات الأمريكية يرمز إلي الأمريكان من أصول إفريقية‏,‏ وأن حادثا حدث في الشهر الماضي في ولاية كونيكتيكت الأمريكية قرب نيويورك قتلت فيه الشرطة شامبانزي يسمي ترافيس بعد مهاجمته لإحدي السيدات‏,‏ ففهم الجميع أن هذه الرسوم تسخر وتسيء إلي الرئيس أوباما‏,‏ وتعتمد علي رمز راسخ في تاريخ العنصرية تجاه السود‏,‏ وهو تشبيههم بالقرود‏,‏ فثار غضب الناس وسمعت من بعض الأمريكان أنهم شعروا بالألم وتفهموا مدي تألم المسلمين من الرسوم المسيئة للرسول الكريم‏,‏ فقلت لهم‏:‏ إن حرية التعبير لابد أن تحترم عقائد الآخرين‏,‏ والمبادئ الأخلاقية العليا للإنسان‏,‏ والنظام العام‏,‏ والأمن المجتمعي‏,‏ وأنه قد آن الأوان لأن تغير الولايات المتحدة الأمريكية والمجموعة الأوروبية موقفها الحذر من إصدار الأمم المتحدة اتفاقية دولية ملزمة تدعو العالم كله إلي أن ينص في قوانينه علي تجريم ازدراء الأديان والإساءة التي يلزم منها اختلال الأمن‏,‏ أو المساس بالشعور الديني‏,‏ أو التدخل في الحياة الشخصية‏.


ـ وتذكرت أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية‏(‏ الذي اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة‏2200‏ ألف‏(‏ د ـ‏21)‏ المؤرخ في‏16‏ ديسمبر‏1966,‏ وبدأ تفعيله في‏23‏ مارس‏1976,‏ وفقا لأحكام المادة‏49‏ في مادته التاسعة عشرة يؤكد‏:‏ لكل إنسان حق في حرية التعبير‏,‏ ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار‏,‏ وتلقيها ونقلها إلي آخرين دونما اعتبار للحدود‏,‏ سواء علي شكل مكتوب‏,‏ أو مطبوع‏,‏ أو في قالب فني‏,‏ أو بأي وسيلة أخري يختارها‏,‏ ثم اتبع ذلك بتأكيد أن تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة السابقة من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة‏,‏ وعلي ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود‏,‏ لكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون‏,‏ وأن تكون ضرورية‏:(‏ أ‏)‏ لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم‏,(‏ ب‏)‏ لحماية الأمن القومي‏,‏ أو النظام العام‏,‏ أو الصحة العامة‏,‏ أو الآداب العامة‏,‏ ويتضح من هذه المادة أن حرية التعبير ليست حرية مطلقة‏,‏ لكنها مقيدة بالعديد من الشروط‏.‏
ـ ولقد طبق هذا التقييد علي الكتب والروايات والأفلام التي سببت إساءة دينية‏,‏ أو ضررا اقتصاديا‏,‏ أو إخلالا بالأمن المجتمعي‏,‏ أو تكريسا للعنصرية والطائفية حتي قامت المؤرخة دون بي سونا‏,‏ بالاشتراك مع آخرين‏,‏ بنشر كتاب حول النصوص التي منعت من النشر تحت عنوان‏100‏ نص محرم‏:‏ تاريخ النصوص الممنوعة من النشر علي مستوي العالم الصادر عن دار نشر تشيك مارك سنة‏1999,‏ وقد أدي نجاح هذا الكتاب إلي إصدار دار النشر نسخة أخري منه مع زيادتها إلي‏120‏ نصا ممنوعا من النشر سنة‏2005,‏ أما المؤرخة فقد قامت بتأليف العديد من الكتب المشابهة مثل الأفلام السينمائية المحرمة‏:‏ تاريخ‏125‏ فيلما سينمائيا ممنوعا من العرض‏,‏ سنة‏2001,‏ والمسرحيات الممنوعة‏:‏ تاريخ تحريم‏125‏ عملا مسرحيا من العرض علي المسرح سنة‏2004‏ الصادرة جميعها عن دار نشر فاكتس أون فيل‏,‏ ثم تعاونت مع المؤرخة كين واتشبرجر في تأليف موسوعة من أربعة أجزاء شملت العديد من النصوص الممنوعة من النشر لأسباب سياسية ودينية وجنسية واجتماعية‏,‏ التي صدرت مكتملة سنة‏2006‏ عن دار النشر نفسها‏.‏
ـ ومن ناحية أخري قام مجلس الشيوخ البريطاني في‏21‏ فبراير عام‏1979‏ بتجريم قصيدة تسب السيد المسيح عيسي عليه الصلاة والسلام‏,‏ وتغريم كاتبها‏,‏ وذلك بما عرف في وقتها بقضية ليمون ضد وايتهاوس‏,‏ وعندما تم استئناف القضية ورفعها إلي المحكمة الأوروبية العليا لحقوق الإنسان دعمت هذه المحكمة في قرارها الصادر في‏7‏ مايو سنة‏1982‏ موقف مجلس الشيوخ‏,‏ وفي تفسيرها لهذا الدعم أعلنت المحكمة المذكورة أن المادة التاسعة الخاصة بالحرية الدينية الواردة في الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان تعد أعلي وأهم من المادة العاشرة الخاصة بحرية التعبير الواردة في الميثاق نفسه‏,‏ مما يعني تقييد حرية التعبير بشرط عدم الإساءة للآخرين في معتقداتهم ورموزهم الدينية والمقدسة‏.‏

ـ وإن حاولت بعض الأقلام أن تري في الإساءة حقا مقدسا حيث تتخوف من كل القيود مثلما كتبه كلايد هيبرمان في عموده الشهير بجريدة الـ نيويورك تايمز‏,‏ فإننا مع تفهمنا للخوف الشديد علي حرية التعبير‏,‏ نذكر دائما بوجوب إحداث التوازن بين الحفاظ علي حرية التعبير والحفاظ علي الاجتماع البشري‏,‏ ومن أبدع من كتب في معضلة التوازن هذه ديفيد روبرتسون في كتابه قاموس الحقوق الإنسانية الصادر عن الشركة الأوروبية المتحدة للنشر سنة‏1997,‏ وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقف منبهرا مؤمنا بقوله تعالي في حق نبيه‏:‏ {إنا كفيناك المستهزئين‏} (الحجر‏:195),‏ وقوله تعالي‏:‏ {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم‏} (البقرة‏:137),‏ فاللهم صل وسلم علي سيدنا محمد الذي وصفه ربه فقال‏:‏ {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ‏(الأنبياء‏:107).‏



الدكتور على جمعه



التعليقات: 0

Post a Comment

ميديا مدونة الطريق الصح