1- تشريع طبيعي سائغ: ليس إباحة الاستيلاء على الغنائم قاصرًا على هذه الشريعة الإسلامية، بل إن الكتاب المقدس يحكي لنا عن شرائع سابقة أن قد استولى أهلها على الغنائم سواء انتفع بها أهلها أم لا، ففي سفر التثنية: «وغنيمة المدن التي أخذنا ... الجميع دفعه الرب إلهنا أمامنا» [تثنية 2: 3536]، وفي سفر التكوين في صفات بنيامين: «في الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يقسم نهبًا»[تكوين 49: 27] أي: محارب، وفي الكتاب المقدس أيضًا:«ومع العظماء يقسم غنيمة» [إشعياء 53: 12].
2- الغنائم جزء من منظومة الجهاد: فرق كبير بين التشريع الرباني بحلِّ الغنيمة وذلك التصرف الهمجي الذي يبيح أموال الناس ودمائهم، وحيث إن الغنيمة هي ما يحصل للمسلمين مما يخلفه الكفار بعد انتهاء الحرب، فإن الاستيلاء عليها وطريقة تقسيمها جزء من منظومة تشريعات الجهاد الأكبر والأصغر، وحيث إن تشريع الجهاد قد اقترن بضوابط ترقيه عن مجرد كونه قتالًا من أجل دم، بل ويرتفع ليكون أداة لتربية الإنسان، وإزالة للطواغيت الظالمة، وإقرارًا للعدل والحرية. ومن ثم جاء تشريع التعامل مع الغنيمة من هذا الباب.
3- الحفاظ على أموال الناس وحياتهم مقصد إسلامي حتى في الحروب: وكيف يكون هذا التشريع إباحة لأموال الناس؟ ونحن مأمورون بالحفاظ على أموال الناس وحياتهم مسلمهم وكافرهم على حد سواء، حتى في حالة الجهاد، ومن ثم جاء النهي عن قتل الحيوان؛ لغير مصلحة وعن تحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت، وهل يليق بمن يحرم هذه الأمور في وقت الحرب أن يقال: إنه يحلل نهب أموال الناس، هيهات.
4-الغنيمة تشريع تربوي راقٍ: ثم شتان بين نهب أموال الناس ذلك التصرف الذي يمليه على بعض الناس أو المقاتلين شياطينهم وبين تشريع يربي الإنسان على ضبط نفسه ويفطمها عن أهوائها ويعودها على طاعة الله ومن ذلك: - التربية على عدم إرادة الغنائم دون رجاء ما عند الله تعالى: فعن أبي مُوسَى الأشعري - رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ أعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم- الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ في سَبِيلِ اللَّهِ؟.فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي الْعُلْيَا فَهْوَ في سَبِيلِ اللَّهِ (1)» ومن ثم حث الله المؤمنين على ألا تكون الغنيمة مدعاة للتنازع بينهم فقال تعالى في صدر سورة الأنفال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ(2) قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال :1]. - التربية على أن تقسيم الغنيمة مرده إلى الشرع الشريف لا إلى الهوى: ومن ثم جاءت الآية الكريمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[الأنفال :41] وهي أمر بتقسيم الغنائم حسب النظام الذي يرتبه رب العالمين لا حسب ما يشتهيه الشخص، ومن ثم يرتقي الإنسان فيخرج عن مراد نفسه، وهو داعي الشهوة والهمجية إلى مراد الله، وهو داعي الرقي والتحضر. ولذا جاء أيضا تحريم الغلول من الغنيمة، أي: الأخذ منها قبل أن توزع بقسمة شرعية، فانظر كيف لا يحل للإنسان أن يستولي على ما أصاب أثناء قتاله حتى يأذن له الشرع الشريف! ولذا قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} [آل عمران 163:162]. - التربية على إعمار المجتمع وعدم إتلاف المال: وذلك عن طريق الاستفادة من الأموال التي تخلفها الحروب وإعادة بذلها فيما ينفع المجتمع، وإنك إذا تأملت في مصارف الغنيمة وجدتها لا تعدوا أن تكون إمَّا نفعًا لطوائف من المحتاجين أو إعانة على الإعمار. وهذا صوت العقل السليم إذ ليس من المعقول أن يحكم الشرع بإعدام هذه الأموال أو إتلافها ونحن أتباع دين لا يحب الإتلاف والإفساد.
الهوامش: -------------------------------- (1) صحيح البخارى11/23 (2) الأنفال هي الغنائم |
التعليقات: 0
Post a Comment